رفع الجهوزية الأمنية في جميع مناطق لبنان.. والسفارة الأميركية حذرت رعاياها

أنباء عن توقيف زعيم «كتائب عبد الله عزام»

رجال أمن لبنانيون أمس في موقع الانفجار الذي اودى بحياة وزير المالية السابق محمد شطح ومرافقه وستة ضحايا (أ.ف.ب)
رجال أمن لبنانيون أمس في موقع الانفجار الذي اودى بحياة وزير المالية السابق محمد شطح ومرافقه وستة ضحايا (أ.ف.ب)
TT

رفع الجهوزية الأمنية في جميع مناطق لبنان.. والسفارة الأميركية حذرت رعاياها

رجال أمن لبنانيون أمس في موقع الانفجار الذي اودى بحياة وزير المالية السابق محمد شطح ومرافقه وستة ضحايا (أ.ف.ب)
رجال أمن لبنانيون أمس في موقع الانفجار الذي اودى بحياة وزير المالية السابق محمد شطح ومرافقه وستة ضحايا (أ.ف.ب)

اطلع الرئيس اللبناني ميشال سليمان أمس من وزير الدفاع فايز غصن وقائد الجيش العماد جان قهوجي على تفاصيل ما حصل في بلدة عرسال البقاعية على الحدود مع سوريا، على خلفية تصدي الجيش اللبناني بمضادات أرضية لطائرات سورية أغارت لأربع مرات على عرسال.
وطلب سليمان من قيادة الجيش اللبناني «مواصلة الجهد لضبط الأوضاع على الحدود وفقا لما تقتضيه القوانين والتعليمات المرعية والسياسة العامة للدولة»، في وقت شهدت فيه الحدود الجنوبية مع إسرائيل أمس حالة استنفار بعد اجتياز قوة إسرائيلية مؤللة قوامها 3 دبابات ميركافا، الشريط الشائك وعبرت إلى تخوم الخط التقني في وادي قطمون مقابل بلدة رميش الجنوبية، حيث سيرت دورية في المكان.
ويأتي هذا الخرق الجديد للسيادة اللبنانية بعد ثلاثة أيام على إطلاق مجهولين من جنوب لبنان صاروخين باتجاه إسرائيل، التي ردت بقصف جرود عدد من البلدات الجنوبية في منطقة العرقوب المحاذية لحدودها بعشرات القذائف، محملة الحكومة اللبنانية مسؤولية إطلاق الصاروخين.
وكانت القوات الإسرائيلية عملت نهاية الأسبوع الماضي على جرف طريقة ترابية في المكان المذكور بين الشريط الشائك الإسرائيلي والخط التقني، وقامت بصيانة جهاز وكاميرا مراقبة كانت قد نصبتها عند الشريط الشائك.
في موازاة ذلك، ورغم تعزيزها وجود وحداتها في المناطق اللبنانية، وتحديدا في بيروت، إثر اغتيال وزير المالية السابق محمد شطح ومرافقه وستة ضحايا أبرياء، يوم الجمعة الماضي بوسط بيروت، أعلنت قيادة الجيش اللبناني أمس رفع جهوزية وحداتها العملانية في مختلف المناطق واتخذت سلسلة تدابير أمنية مشددة للحفاظ على أرواح المواطنين، ومكافحة جرائم السرقة والسطو على الممتلكات العامة والخاصة والمخالفات على أنواعها، وفق ما ورد في بيان صادر عنها. وتزامن رفع جهوزية الجيش عشية الاحتفال بعيد رأس السنة مع توجيه السفارة الأميركية في بيروت رسالة تحذير من الحكومة الأميركية إلى رعاياها في لبنان، دعتهم فيه إلى «اتخاذ أقصى درجات الحذر خلال الأسبوعين المقبلين، وإلى تجنب ارتياد الفنادق أو مواقع النشاطات العامة أو الاجتماعية، التي اعتادوا التجمع فيها، باعتبار أن هذه المواقع تبقى أهدافا للهجمات الإرهابية، أقله في المدى القصير».
وغالبا ما تصدر السفارات الأجنبية، لا سيما الأميركية، تحذيرات روتينية مماثلة لرعاياها بعد كل حدث أمني في لبنان. وحثت السفارة الأميركية المواطنين الأميركيين على «تجنب السفر إلى لبنان نظرا لاعتبارات الأمن والسلامة». وقالت إنه «على مواطنيها المقيمين والعاملين في لبنان أن يدركوا أنهم يتحملون مسؤولية المخاطر المترتبة على بقائهم وعليهم أن يأخذوا تلك المخاطر بعين الاعتبار».
وأشارت السفارة، في البيان الذي أرسلته إلى رعاياها وتلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، إلى أن «قدرة الحكومة الأميركية على الوصول إليهم وتوفير خدمات الطوارئ قد تكون محدودة»، مناشدة «مواطنيها القادمين إلى لبنان أو المقيمين فيه تحديث بياناتهم الشخصية على موقع السفارة من أجل تسهيل التواصل معهم في حالات الطوارئ».
وكانت الزحمة المعهودة غابت أمس عن شوارع بيروت، فيما حفلت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بتعليقات وتغريدات، أجمعت معظمها على قضاء سهرة العيد في المنزل، بسبب أجواء الحذر الأمنية وبعد أن أفسد التوتر السياسي الكثير من خطط الاحتفال بقدوم العام الجديد في لبنان، حيث فقد كثيرون الرغبة في الخروج والسهر.
وفي سياق متصل، دعت قيادة الجيش اللبنانيين إلى «عدم إطلاق النار ابتهاجا بحلول رأس السنة الجديدة، حفاظا على السلامة العامة، وإنفاذا للقوانين المرعية الإجراء»، مشددة على أن «أي مخالفة في هذا الشأن سوف تعرض مرتكبيها للدهم والتوقيف والملاحقة القانونية».
وذكرت قيادة الجيش اللبنانيين «بالقرار رقم 8601 الصادر عن وزير الدفاع الوطني الأسبوع الماضي، والقاضي بوقف العمل بتراخيص حمل الأسلحة (الصفة الخاصة والحيازة والاقتناء) على الأراضي اللبنانية كافة حتى إشعار آخر، باستثناء التراخيص الممنوحة لذوي الصفة الدبلوماسية ومرافقي الوزراء والنواب الحاليين والسابقين ورؤساء الأحزاب والطوائف الدينية عندما يكونون برفقة الشخصية المعنية فقط».
وأعرب عدد من القيمين على القطاع الفندقي والسياحي في لبنان عن خيبة أملهم من انعكاس الضربات الأمنية المتكررة، وآخرها اغتيال شطح، على عمل مؤسساتهم خلال موسم الأعياد، علما بأنهم سبق واشتكوا من تدهور الحركة، إذ اقتصرت حركة القدوم إلى لبنان في الأسبوعين الأخيرين على المغتربين الذين يعملون في دول الجوار، من دون أي حركة سياحية.
وأجمع عدد من مديري المقاهي والمطاعم عن تراجع حركة الحجوزات لسهرة رأس السنة منذ اغتيال شطح. ونقلت وكالة «رويترز» عن آلان خالد، مدير مطعم ببيروت، قوله إن «80 في المائة من الحجوزات ليلة رأس السنة ألغيت منذ يوم الجمعة الماضي».
إلى ذلك، ذكرت تقارير تلفزيونية لبنانية، أمس، أن مديرية المخابرات في الجيش اللبناني أوقفت قبل أسبوع في بيروت زعيم «كتائب عبد الله عزام» ماجد الماجد، وهو أبرز المطلوبين في السعودية بتهمة الانتماء إلى تنظيم القاعدة.
وأكدت معلومات لقناة «إل بي سي» اللبنانية، أن الماجد كان خلال السنوات الماضية في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في صيدا بجنوب لبنان، مشيرة إلى أنه «غادر قبل أشهر المخيم متوجها إلى سوريا حيث بايع أمير (جبهة النصرة) أبو محمد الجولاني»، لافتة إلى أن الماجد هو أمير «كتائب عبد الله عزام في بلاد الشام» ومطلوب في الولايات المتحدة بتهمة الإرهاب، ويعد حاليا قائدا بارزا في تنظيم القاعدة.
وخرج اسم الماجد إلى التداول على نطاق واسع، بعد تفجيري السفارة الإيرانية في بيروت في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، اللذين تبنتهما «كتائب عبد الله عزام» المرتبطة بـ«القاعدة»، تحت اسم «غزوة السفارة الإيرانية»، وأسفرا عن مقتل 23 شخصا بينهم الملحق الثقافي في السفارة.
وفي 15 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، استهدف انتحاريان حاجزين للجيش اللبناني في صيدا، أولهما على حاجز الأولي (مدخل صيدا الشمالي) حين اندفع انتحاري باتجاه عسكري شاهرا قنبلة يدوية، فبادره الأخير على الفور بإطلاق النار، مما أدى إلى انفجار القنبلة ومقتل الشخص على الفور، وجرح عسكريين اثنين من عناصر الحاجز، فيما تمكن مرافقان للانتحاري من الفرار إلى جهة مجهولة.
وذكرت تقارير آنذاك أن هذا الانتحاري اندفع باتجاه الحاجز، بعدما أوقف عناصره سيارة تسبقه كان يوجد فيها ماجد الماجد، فآثر شغل عناصر الحاجز بالقنبلة كي تتمكن السيارة التي يوجد فيها الماجد من الفرار. لكن مصدرا أمنيا، نفى لـ«الشرق الأوسط» آنذاك تلك المعلومة، قائلا إن الماجد لم يكن في السيارة الأولى.
وكانت معلومات ذكرت أن ماجد بن محمد الماجد، أمير «كتائب عبد الله عزام في بلاد الشام»، هاجر من عين الحلوة إلى سوريا أواخر مارس (آذار) 2013، على رأس ناشطين من الجماعتين، بهدف «إزاحة أبو محمد الجولاني عن إمارة (جبهة النصرة)، وتنصيب نفسه أميرا عليها»، مشيرة إلى أن قسما كبيرا من مرافقيه «انقلبوا عليه في سوريا وانضموا إلى الجولاني، فعاد أدراجه إلى المخيم».
غير أن فعاليات مخيم عين الحلوة تؤكد أن الماجد لم يكن معروفا بالنسبة إليهم. وأكد القيادي الفلسطيني في المخيم، اللواء منير المقدح لـ«الشرق الأوسط» أن معلومات كانت تتحدث عن لجوء الماجد إلى المخيم، لكنها لم تكن مؤكدة، مشيرا إلى أن المعلومات قالت إنه خرج من المخيم قبل عامين إلى سوريا.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.