العراق: واشنطن تربط هجماتها لـ«داعش» بحكومة وفاق

طائرات أميركية تقصف مواقع للتنظيم.. والبيت الأبيض: عملياتنا تقتصر على جبل سنجار وحماية العسكريين الأميركيين

جندي في البحرية الأميركية يوجه طائرة مقاتلة من نوع «أف 18» سوبر هورنيت تقلع من حاملة الطائرات «يو إس إس إتش دبليو جورج بوش» لضرب مواقع «داعش» في شمال العراق أمس (أ.ف.ب)
جندي في البحرية الأميركية يوجه طائرة مقاتلة من نوع «أف 18» سوبر هورنيت تقلع من حاملة الطائرات «يو إس إس إتش دبليو جورج بوش» لضرب مواقع «داعش» في شمال العراق أمس (أ.ف.ب)
TT

العراق: واشنطن تربط هجماتها لـ«داعش» بحكومة وفاق

جندي في البحرية الأميركية يوجه طائرة مقاتلة من نوع «أف 18» سوبر هورنيت تقلع من حاملة الطائرات «يو إس إس إتش دبليو جورج بوش» لضرب مواقع «داعش» في شمال العراق أمس (أ.ف.ب)
جندي في البحرية الأميركية يوجه طائرة مقاتلة من نوع «أف 18» سوبر هورنيت تقلع من حاملة الطائرات «يو إس إس إتش دبليو جورج بوش» لضرب مواقع «داعش» في شمال العراق أمس (أ.ف.ب)

في أول تدخل عسكري للقوات الأميركية في العراق منذ انسحابها منه نهاية عام 2011، وبعد عشر ساعات من خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما، في ساعة متأخرة من ليلة الخميس بتوقيت واشنطن، نفذت الطائرات الأميركية ضربات جوية ضد مواقع «داعش» في شمال العراق، وباستعمال قنابل توجهها أشعة ليزر، وزن كل قنبلة 500 رطل.
وقال متحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، إن طائرتين عسكريتين أميركيتين شنتا غارة جوية أمس على مواقع مدفعية يستخدمها تنظيم «داعش» في الهجوم على القوات الكردية التي تدافع عن مدينة أربيل قرب موقع تمركز عسكريين أميركيين، في وقت بدأت فيه الولايات المتحدة إسقاط مواد إغاثة على اللاجئين الإيزيديين المحاصرين الذين يفرون من مسلحي تنظيم «داعش» في العراق.
وقال الأدميرال جون كيربي، المتحدث باسم البنتاغون: «أمس، شنت طائرتان عسكريتان أميركيتان غارات جوية على مواقع مدفعية يستخدمها تنظيم الدولة الإسلامية في الهجوم على القوات الكردية التي تدافع عن مدينة أربيل، قرب موقع تمركز عسكريين أميركيين».
وأضاف كيربي أن الطائرتين من نوع «إف إيه 18»، وأنهما أسقطتا قنابل تواجهها أشعة ليزر، وزن كل قنبلة 500 رطل، على مدفعية متنقلة قرب أربيل. وأن مسلحي الدولة الإسلامية يستخدمون المدفعية في قصف القوات الكردية التي تتولى الدفاع عن أربيل «حيث يتمركز عسكريون أميركيون».
وأضاف كيربي: «اتخذ قائد القيادة المركزية قرار الضربة الجوية حسب أوامر من القائد العام للقوات المسلحة».
وقال أوباما، إنه أجاز توجيه ضربات جوية أميركية محدودة للحيلولة دون وقوع «إبادة جماعية» ولصد هجوم المسلحين السنة الذين استولوا على مساحات شاسعة من شمال العراق وأصبحوا على بعد نصف ساعة بالسيارة من أربيل، عاصمة إقليم كردستان.
وهذه هي المرة الأولى التي تختار فيها الولايات المتحدة التدخل العسكري منذ بدأ مسلحو تنظيم «داعش» هجومهم الخاطف في يونيو (حزيران)، واستولوا على مساحات شاسعة في شمال وغرب العراق، وأعلنوا قيام خلافة إسلامية في المناطق التي يسيطرون عليها في سوريا والعراق.
ورغم إحجامه عن تدخل قوات أميركية في الشرق الأوسط مجددا، بعد حربين مكلفتين في العراق وأفغانستان، قال أوباما إنه وافق على استخدام القوة الجوية الأميركية لضرب «أهداف محددة» لحماية الرعايا الأميركيين إذا تقدم متشددو «داعش» أكثر صوب أربيل، مقر حكومة الإقليم.
وأعلن البيت الأبيض، أمس، أن التفويض الذي أعلنه الرئيس أوباما بشأن القيام بعمل عسكري محدود في العراق قد يشمل في نهاية المطاف مزيدا من الدعم العسكري لقوات الأمن العراقية، لردع مقاتلي تنظيم «داعش»، بمجرد أن تشكل البلاد حكومة جديدة «لا تقصي أحدا».
وقال جوش أرنست المتحدث باسم البيت الأبيض إن الدعم الأميركي الأولى سيتمثل في القيام بضربات عسكرية لحماية العسكريين الأميركيين العاملين في العراق، ومعالجة الوضع الإنساني الطارئ، في جبل سنجار.
لكنه أضاف أن لدى واشنطن أيضا هدفا ثالثا «يتعلق باعتقادنا والتزامنا بتعزيز قوات أمن عراقية وقوات أمن كردية متكاملة ليوحدا البلاد من أجل درء الخطر»، الذي يمثله مقاتلو «داعش».
وأكد أن أي دعم أميركي لن «يطول»، ولن يتضمن الدفع بقوات أميركية إلى البلاد.
وأعلن البيت الأبيض، أمس، أن الرئيس أوباما، الذي أمر بشن غارات جوية على مواقع مقاتلين إسلاميين متطرفين في شمال العراق، لم يحدد موعدا لإنهاء هذه العملية العسكرية.
وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش أرنست إن «الرئيس لم يحدد موعدا لإنهاء العملية»، مستبعدا «مشاركة الولايات المتحدة في نزاع عسكري طويل»، ومستبعدا تماما إرسال قوات على الأرض.
من ناحية أخرى، قال جون كيري، وزير الخارجية الأميركي في بيان، إن الولايات المتحدة، والعالم، لا يقدرا على السكوت وعدم التحرك أمام ما يفعله «داعش».
وكرر قوله إن على القادة في العراق «مواجهة خطر (داعش) لأنه لا يستهدف جماعة معينة، ولكنه يستهدف وحدة وحرية وأمن العراق». وقال: «سينتصر (داعش) إذا فشل القادة العراقيون في اتخاذ القرارات الصعبة، وسريعا».
وقال كريستوفر هيل، سفير أميركي سابق لدى العراق: «نواجه اليوم وضعا أكبر من أمن العراق. نواجه خطر منظمة إرهابية متطرفة يهدد كل الشرق الأوسط».
وأشار هيل إلى أن أوباما كان قد قال، قبل شهور، عندما حضر حفل تخرج طلاب الكلية العسكرية في ويست بوينت (ولاية نيويورك)، مخاطبا الخريجين: «أنتم أول دفعة تتخرج منذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، ولا تُرسل إلى القتال في العراق أو أفغانستان». وقال هيل: «كل مرة يتخذ فيها رئيس قرار الحرب، لا بد أن يسأل نفسه: ما الخطوة التالية؟».
وأعاد أوباما إلى الأذهان أن هذه الضربات الجوية هي الأولى التي تنفذها القوات الأميركية في العراق منذ انسحابها في نهاية 2011، وأن هذه القوات، حسب الأوامر العسكرية التي وقع عليها، بعد اجتماع مجلس الأمن الوطني في البيت الأبيض، يمكن أن تستخدم لدعم القوات العراقية والكردية ضد مقاتلي «داعش». وخاصة، في الوقت الحاضر، حيث يحاصر مقاتلو «داعش» قمما جبلية بها عشرات الآلاف من المدنيين الفارين.
وقال أوباما في بيانه عن سبب التدخل العسكري الأميركي الجديد في العراق: «وقت سابق من هذا الأسبوع، صرخ عراقي في المنطقة المحاصرة للعالم: ألن يساعدنا أحد؟». وأضاف أوباما: «أقول له، ولغيره من الذين يحتاجون للمساعدة: اليوم جاءت أميركا للمساعدة». وقال أوباما: «سنبقى يقظين. وأعددنا خططا إذا هددت هذه القوى الإرهابية موظفينا أو مؤسساتنا في أي مكان في العراق، بما في ذلك قنصليتنا في أربيل، وسفارتنا في بغداد».
لكن، كان أوباما واضحا في خطابه إلى الأميركيين بأنه لن يرسل قوات أرضية أميركية إلى العراق، مرة أخرى. خاصة لأنه يعرف، حسب استطلاعات شعبية، أن الأميركيين تعبوا من الحروب، خاصة التي تشترك فيها، أو كانت تشترك فيها، قوات أميركية في الشرق الأوسط، لا سيما في العراق وأفغانستان. لهذا، قال أوباما: «ليست عندي أي نية لأن تنجر الولايات المتحدة إلى حرب أخرى في العراق».
وقبل خطاب أوباما، كان سياسيون ومسؤولون أميركيون، ومعلقون في الأجهزة الإعلامية، أعربوا عن قلقهم، ليس فقط بسبب التطرف الدموي الذي يمثله مقاتلو «داعش»، ولكن، أيضا، بسبب أخبار وصور عشرات الآلاف من أعضاء الطائفة الإيزيدية الدينية الذين فروا من منازلهم، وتجمعوا في جبل سنجار، بسبب تهديد متشددي «داعش»، الذين كانوا يحققون تقدما واسعا وسريعا.
ثم زاد قلق الأميركيين بعد أخبار وصور هجمات «داعش» على مسيحيين عراقيين. وكرر هؤلاء الأميركيين بأن «داعش» تهدد مسيحيين ظلوا يعيشون في هذه المنطقة منذ ألفي عام.
وقالت وزارة الدفاع الأميركية، إن الطائرات ألقت 72 حزمة من الإمدادات، بما في ذلك ثمانية آلاف وجبة طعام جاهزة وآلافا من جالونات مياه الشرب للمدنيين المهددين قرب سنجار.
وفي بغداد، قال النائب الإيزيدي محما خليل لـ«رويترز»، إن ما يصل إلى 250 ألف إيزيدي فروا من الإسلاميين، وإنهم في حاجة ماسة إلى مساعدات لإنقاذ حياتهم.
وقال خليل وهو على اتصال بالإيزيديين على جبل سنجار: «سمعنا من وسائل الإعلام عن المساعدات الأميركية، لكن لا شيء على أرض الواقع».
وأضاف أن المواد الإغاثية التي وصلت إلى المنطقة حتى الآن غير كافية بالمرة. وقال عدة مرات: «أنقذونا.. أنقذونا، أغيثونا، أناسنا في الصحراء، وهم معرضون لإبادة جماعية».
من ناحية أخرى، قال متحدث باسم الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة، إن نحو 200 ألف شخص يفرون من تقدم المتطرفين الذين وصلوا إلى بلدة دهوك على نهر دجلة في كردستان ومناطق قريبة من محافظة نينوى. وأوضح مسؤولون أتراك أن عشرات الآلاف فروا شمالا إلى الحدود التركية.
وأثيرت تساؤلات بسرعة في واشنطن حول ما إذا كانت الهجمات الأميركية الانتقائية على مواقع المسلحين وإسقاط المساعدات الإنسانية كافية لتغيير التوازن على أرض المعركة ضد قوات «داعش».
وقال السيناتور الجمهوري لينزي جراهام في تغريدة على موقع «تويتر» عقب إعلان أوباما: «أؤيد تماما المساعدات الإنسانية، فضلا عن استخدام القوة الجوية.. ومع ذلك فإن الإجراءات التي أُعلنت الليلة لا تحول دفة المعركة».
وكان أوباما قد أرسل عددا صغيرا من المستشارين العسكريين الأميركيين في يونيو (حزيران) لمساعدة جهود الحكومة العراقية في صد هجوم «داعش». وأثارت مكاسب «داعش» في الآونة الأخيرة غضبا دوليا.



تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.