لبنان 2013: فراغ في الجمهورية.. و«لعنة» التفجيرات

تمدد اللهيب السوري بعد إقرار حزب الله بقتاله مع الأسد

لبنانيان في موقع  انفجاران ضربا السفارة الايرانية في بيروت مما أسفر عن مقتل كثيرين  (ا.ف.ب)
لبنانيان في موقع انفجاران ضربا السفارة الايرانية في بيروت مما أسفر عن مقتل كثيرين (ا.ف.ب)
TT

لبنان 2013: فراغ في الجمهورية.. و«لعنة» التفجيرات

لبنانيان في موقع  انفجاران ضربا السفارة الايرانية في بيروت مما أسفر عن مقتل كثيرين  (ا.ف.ب)
لبنانيان في موقع انفجاران ضربا السفارة الايرانية في بيروت مما أسفر عن مقتل كثيرين (ا.ف.ب)

ثقيلا مر عام 2013 على اللبنانيين، الغارقين بأزماتهم الداخلية، السياسية والأمنية والمؤسساتية، على إيقاع أزمة سوريا التي لم يسلموا من تداعياتها السياسية والأمنية ومن تدفق أعداد هائلة من النازحين السوريين. وإذا كان عام 2012 انتهى بتفجير أودى بحياة اللواء وسام الحسن، رئيس شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، وأحد أبرز العقول الأمنية المحسوبة على تيار المستقبل، فإن عام 2013 لم يشأ الانقضاء من دون اغتيال أودى بحياة الوزير السابق محمد شطح، مستشار رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، وأحد عقول تيار المستقبل السياسية والاقتصادية.
فراغ الجمهورية ومؤسساتها مع تمديد المجلس النيابي لنفسه وتمديد ولاية قائد الجيش اللبناني والشغور الإداري في عدد كبير من المناصب؛ استقالة رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، وفشل خلفه تمام سلام في تأليف الحكومة منذ أكثر من ثمانية أشهر بسبب شروط الفرقاء السياسيين المضادة، عودة التفجيرات التي استهدفت قياديين ومناطق مدنية آمنة وأودت بحياة المئات، تداعيات الأزمة السورية على لبنان والحدود غير المضبوطة، بالتزامن مع تدفق أعداد هائلة من اللاجئين السوريين، وإعلان حزب الله انغماسه الكامل في القتال بسوريا وإحصاء مئات القتلى من عناصره؛ الاتهامات السياسية المتبادلة والتخوين والتهديد.. كل ذلك شكل أبرز عناوين محطات عام 2013 في لبنان، فيما تبقى الأنظار شاخصة إلى الاستحقاق الأبرز في العام 2014 والمتمثل بانتخاب رئيس الجمهورية، رأس السلطة في لبنان، بوصفها آخر «حصون الشرعية» لتحديد ما سيكون عليه الوضع اللبناني المرتبط ارتباطا وثيقا بالوضع السوري والمفاوضات التي قد تشهدها جنيف لحل أزمة سوريا.

* فراغ المؤسسات والتمديد

* كان عام 2013، كان عام الفراغ المؤسساتي بامتياز، إذ سلك التمديد طريقه إلى البرلمان اللبناني بعد فشل الفرقاء السياسيين في التوافق على قانون انتخاب مشترك، فالتأم البرلمان مطلع شهر يونيو (حزيران) بعد طول انقطاع، وقرر التمديد لنفسه 17 شهرا، بحجة أن الأوضاع الأمنية لا تسمح بإجراء انتخابات. ولم ينجح الطعنان اللذان قدمهما كل من الرئيس اللبناني ميشال سليمان ورئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون أمام المجلس الدستوري، المرجعية الرقابية الأعلى على أداء السلطات، في إبطال التمديد بعد إفشال التئام جلساته نتيجة ضغط سياسي على أعضائه.
وفشل البرلمان اللبناني، منذ تمديد ولايته لغاية الآن في الانعقاد لثماني مرات نتيجة عدم اكتمال النصاب القانوني، بسبب التباين في تفسير الدستور بين قوى «14 آذار» التي ترى أنه لا يمكن للبرلمان التشريع بغياب الحكومة، ورئيسه نبيه بري الذي يصر على أن المجلس سيد نفسه، ويمكنه أخذ القرارات حتى لو كانت الحكومة مستقيلة.
ولم تتمكن حكومة تصريف الأعمال الحالية، قبل استقالة رئيسها نجيب ميقاتي خلال شهر مارس (آذار) الماضي، من إجراء تعيينات فعلية لملء الشغور في الإدارات الرسمية. وتفيد دراسة أصدرتها شركة «الدولية للمعلومات» مطلع شهر يوليو (تموز) الماضي، بأن الشغور في إدارات الدولة بلغ 31 في المائة في وظائف الفئة الأولى شاغرة، و60 في المائة في وظائف الفئة الثانية، و54 في المائة في وظائف الفئة الثالثة، بينما ارتفعت هذه النسبة إلى 73.2 في المائة في الفئة الرابعة، و82 في المائة في الفئة الخامسة، علما بأن هذه النسب قد تكون ارتفعت خلال الأشهر الخمسة الماضية.
وانعكس عجز الحكومة عن إجراء تعيينات على الأجهزة الأمنية وقادتها، علما بأن استقالة ميقاتي جاءت بعد عجزه عن تمديد ولاية المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، الذي أحيل إلى التقاعد، من دون تعيين خلف أصيل له، وبدأ مسلسل شغل موقعه بالوكالة من أقدم الأعضاء في مجلس القيادة.
وفي موازاة شغور ثمانية مواقع في مجلس قيادة قوى الأمن الداخلي، استبق وزير الدفاع في حكومة تصريف الأعمال فايز غصن، بالتنسيق مع الرئيس اللبناني، إحالة قائد الجيش اللبناني العماد جان قهوجي إلى التقاعد خلال شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، بقرار قضى بتمديد خدماته ورئيس الأركان اللواء وليد سليمان لسنتين إضافيتين، علما بأن غصن مدد خدمات مدير الاستخبارات اللواء إدمون فاضل كمخرج لقضية تقاعده.

* تعذر تأليف الحكومة

* ومع استقالة حكومة ميقاتي تحديدا في 22 مارس الماضي، كلف الرئيس تمام سلام، بعد نحو أسبوعين بتشكيل حكومة جديدة بإجماع 126 صوتا من أصل 128 نائبا في البرلمان اللبناني لكن السرعة في التكليف لم تسرِ على التأليف، حيث يقترب سلام من إنهاء الشهر التاسع، مطلع يناير (كانون الثاني) المقبل، من دون أن يتمكن من إحراز أي تقدم. وتصطدم جهود سلام مع مطالب الفرقاء السياسيين اللبنانيين، حيث يصر حزب الله وحلفاؤه على تشكيل حكومة سياسية تراعي أحجام الكتل النيابية، في حين تطالب قوى «14 آذار» بتشكيل حكومة حيادية.
وكان الرئيس اللبناني ميشال سليمان، وبعد خلوة جمعته مع البطريرك الماروني بشارة الراعي في عيد الميلاد، حدد تاريخ 25 مارس المقبل، موعدا نهائيا لتأليف الحكومة. وأكد أن هذا الموعد «خط أحمر»، عادا أنه «لا يجوز أن نسقط الديمقراطية «كرمى لأي أحد، بل يجب تعزيزها والانطلاق في ممارستها بشكل راق جدا».
وخلال هذا العام، كرر الرئيس اللبناني مطالبته بالتزام الفرقاء اللبنانيين إعلان بعبدا، المنبثق عن اجتماع عقدته هيئة الحوار الوطني خلال شهر يونيو 2012، على إيقاع تطور أزمة سوريا والفوضى على الحدود اللبنانية السورية، وتهريب السلاح والمسلحين. وتضمن إعلان بعبدا، مجموعة من البنود، أبرزها البند 12، القاضي بـ«تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية، وتجنيبه الانعكاسات السلبية للتوترات والأزمات الإقليمية، وذلك حرصا على مصلحته العليا ووحدته الوطنية وسلمه الأهلي، ما عدا ما يتعلق بواجب التزام قرارات الشرعية الدولية والإجماع العربي والقضية الفلسطينية المحقة، بما في ذلك حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم وديارهم وعدم توطينهم.

* انخراط حزب الله بسوريا

* لكن مشاركة حزب الله في القتال في سوريا إلى جانب النظام السوري، شكلت مآخذ لخصومه عليه، الذين اشترطوا انسحابه من سوريا قبل البحث في تشكيل الحكومة. ورد الحزب باتهام فريق «14 آذار» برعاية المسلحين السوريين في لبنان وتشكيل «حاضنة للجماعات التكفيرية»، مؤكدا بقاءه في سوريا لمواجهة «الهجمة التكفيرية».
وبرز اسم حزب الله في القتال بسوريا، تحت راية الدفاع عن مقام السيدة زينب قرب دمشق، وتؤكد تقارير مشاركة المئات من عناصره في سوريا. وبدت هذه المشاركة أكثر وضوحا وعلانية في معارك القصير بريف حمص، بوصفها منطقة حدودية تتداخل فيها قرى لبنانية ذات غالبية شيعية بقرى سورية، ليشارك بعد ذلك في معارك القلمون الاستراتيجية، على حدود لبنان الشرقية، دعما للنظام السوري من أجل الحفاظ على الطريق الدولية التي تربط دمشق بالساحل السوري.
وأعلن أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في إطلالة له خلال شهر أغسطس (آب) الماضي، أنه «إذا احتاجت المعركة مع هؤلاء الإرهابيين أن أذهب أنا وكل حزب الله إلى سوريا فسنذهب إلى سوريا، من أجل سوريا وشعبها، ومن أجل لبنان وشعبه، ومن أجل كل اللبنانيين ومن أجل فلسطين والقدس».
وخلال إحيائه مسيرة عاشوراء، منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تعهد نصر الله ببقاء مقاتليه في سوريا وتمسكه بسلاحه ومقاومته إلى حين انتفاء الأسباب التي تستوجب ذلك. وأبدى رفضه أي مقايضة بين وجود حزبه على الأراضي السورية وتشكيل الحكومة اللبنانية، في رد مباشر على مطالبة قوى 14 آذار بانسحاب حزب الله من سوريا كشرط لموافقتها على المضي في تشكيل حكومة لبنانية جديدة.
وذهب نصر الله إلى حد وصف «من يتحدث عن انسحاب حزب الله من سوريا كشرط لتشكيل حكومة لبنانية في المرحلة الحالية بأنه يطرح شرطا تعجيزيا»، وعدّ أنه «عندما تكون هناك أخطار استراتيجية ووجودية تتهدد شعوب المنطقة ودولها وحكوماتها، فهذا الأمر هو أعلى وأرقى بكثير من أن يُذكر كشرط للشراكة في حكومة لبنانية».
وخسر حزب الله، منذ انخراطه في أزمة سوريا، نحو 300 مقاتل في سوريا، على الرغم من أنه لا إحصاءات رسمية دقيقة تؤكد هذا العدد أو تدحضه. لكن نصر الله قال، منتصف نوفمبر، إن عدد القتلى لم يصل إلى 250 قتيلا. وأعقب تصريحه هذا تشييع الحزب عشرات القتلى بين منتصف نوفمبر ومنتصف ديسمبر (كانون الأول)، بينهم ابن شقيق وزير الزراعة في حكومة تصريف الأعمال حسين الحاج حسن.
ولا يعلن حزب الله أي إحصاءات عن قتلاه، ولا يحدد أنهم قُتلوا في سوريا، إذ يكتفي في بيانات النعي التي ينشرها بإعلان «استشهادهم» أثناء أداء «واجبهم الجهادي»، من دون أن يحدد مكان أو زمان مقتلهم.
وعلى هامش الأزمة السورية التي أرخت بثقلها على المشهد اللبناني، تمكّنت السلطات اللبنانية، بوساطة قطرية - تركية، من إطلاق سراح تسعة لبنانيين عرفوا باسم «مخطوفي أعزاز» إلى لبنان، في 19 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كانوا قد خُطفوا قبل عام ونصف العام في مدينة أعزاز السورية لدى عودتهم من زيارة دينية إلى إيران. وأفرج عن اللبنانيين التسعة بعد خطف أقاربهم في التاسع من أغسطس لطيارين تركيين، والاحتجاج أمام مصالح تركية في بيروت من أجل ممارسة الضغط على تركيا، لإطلاق سراحهم.

* عودة الاغتيالات

* ولم يسلم لبنان على وقع أزمة سوريا من عودة لعنة التفجيرات والاعتداء على الجيش والاغتيالات، آخرها اغتيال الوزير محمد شطح بسيارة مفخخة بوسط بيروت، في صفعة قوية لقوى «14 آذار»، التي فقدت نخبة من قيادييها منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير (شباط) 2005.
وفي الرابع من ديسمبر الحالي، اغتيل حسان اللقيس، القيادي في صفوف حزب الله والمقرب من نصر الله، بإطلاق الرصاص عليه في موقف المبنى الذي يقطنه في محلة الحدث، في ضاحية بيروت الجنوبية. وبينما اتهم حزب الله إسرائيل بالوقوف وراء اغتياله، توعد نصر الله في 21 ديسمبر إسرائيل بالرد على اغتيال اللقيس «في أي مكان في العالم»، على حد تعبيره.
وشهد شهر ديسمبر الحالي حادثين أمنيين آخرين، الأول تمثل باستهداف سيارة مفخخة في محيط نقطة أمنية تابعة لحزب الله في خراج بلدة صبوبا في منطقة البقاع الشمالي، من دون أن تتضح ظروفها وملابساتها، علما بأن مواكب تابعة لحزب الله تعرضت أكثر من مرة في منطقة البقاع لاستهداف عبر عبوات ناسفة وُضعت على جانب الطرق الفرعية والدولية، من دون أن تؤدي إلى وقوع إصابات. وشهدت مدينة صيدا، جنوب لبنان، الحدث الأمني الثاني مع تنفيذ عمليتين انتحاريتين، استهدفتا في الوقت ذاته حاجزين للجيش اللبناني عند منطقة جسر الأولي وفي محلة مجدليون، وأديتا إلى مقتل عسكري وأربعة أشخاص من المجموعتين اللتين نفذتا الهجومين.

* تفجيرات الضاحية

* وفي التاسع عشر من شهر نوفمبر، شهدت العاصمة بيروت تفجيرين انتحاريين استهدفا السفارة الإيرانية، وتبنتها جماعة جهادية معروفة باسم «كتائب عبد الله عزام» مرتبطة بتنظيم القاعدة، هددت باستمرار عملياتها حتى انسحاب عناصر حزب الله من سوريا، وتحرير عدد من عناصرها المعتقلين في لبنان. لكن إيران وحزب الله اتهما إسرائيل بالوقوف خلف العمليتين، ليتبين لاحقا أن الانتحاريين، أحدهما لبناني والثاني فلسطيني، من المقربين من مجموعة الشيخ السلفي المطلوب للعدالة أحمد الأسير. وأسفر التفجيران عن سقوط 23 قتيلا، أبرزهم المستشار الثقافي بالسفارة، وأحد قادة حزب الله الأمنيين، إضافة إلى 150 جريحا.
وتعرضت منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله، لتفجيرين بسيارات مفخخة، استهدف الأول منطقة بئر العبد داخل موقف للسيارات، وأدى إلى إصابة أكثر من 50 جريحا، في حين أدى تفجير سيارة مفخخة في منطقة الرويس في 15 أغسطس إلى مقتل نحو 30 شخصا وإصابة أكثر من 300 آخرين. وتبنت التفجير مجموعة مجهولة باسم «سرايا عائشة أم المؤمنين». وقالت إن التفجير «رسالة إلى حزب الله بسبب قتاله إلى جانب النظام السوري في المعارك ضد مقاتلي المعارضة».
وردّ نصر الله في موقف له بعد الانفجار بالقول إن «أحد ردودنا على أي تفجير من هذا النوع أنه إذا كان لدينا ألف مقاتل في سوريا فسيصبحون ألفين، وإذا كان لدينا خمسة آلاف مقاتل في سوريا فسيصبحون عشرة آلاف».

* مواجهات طرابلس وصيدا

* ولم تبقَ مدينة طرابلس، شمال لبنان، حيث ارتفع عدد الجولات القتالية فيها خلال هذا العام إلى 18 جولة، بين منطقتي جبل محسن العلوية وباب التبانة السنّية، على وقع تطورات الملف السوري، بمنأى عن التفجيرات الإرهابية. إذ استهدف مسجدَي التقوى والسلام، لحظة خروج المصلين بسيارتين مفخختين، عقب صلاة الجمعة، في 23 أغسطس الماضي. وأسفر التفجيران عن سقوط نحو 50 قتيلا و500 جريح.
وأدت التحقيقات الأولية بتفجيري المسجدين إلى شكوك حول دور النائب العلوي السابق علي عيد، رئيس الحزب العربي الديمقراطي، بتهريب أحد المطلوبين للقضاء بتفخيخ السيارتين إلى سوريا. ولم يمتثل عيد ولا نجله رفعت، للاستنابات القضائية الصادرة بحقهما، ما أدى إلى سخط كبير لدى الغالبية السنية في المدينة، وأشعل الجولة الأخيرة من الاشتباكات.
وفي مدينة صيدا، جنوب لبنان، شهدت منطقة عبرا خلال شهر يونيو الماضي، مواجهات مسلحة امتدت ثلاثة أيام في بين الجيش اللبناني ومناصري الشيخ السلفي أحمد الأسير، أدت إلى سقوط عدد من القتلى في صفوف الجيش اللبناني وإنهاء ما عرف بـ«ظاهرة الأسير» الذي لا يزال متواريا، والفنان المعتزل فضل شاكر عن الأنظار، وهما مطلوبان للعدالة.
ولم تبقِ المواجهات مع الجيش اللبناني حكرا على جنوب لبنان، إذ خاضت عناصره مواجهات في جرود بلدة عرسال البقاعية، الواقعة قرب الحدود السورية والمعروفة بتأييدها للمعارضة السورية، مع عناصر مسلحة مطلوبة للعدالة، وأدت إلى مقتل نقيب وعنصر في الجيش. وتوجهت أصابع الاتهام إلى عدد من أبناء البلدة بالتورط في هذه المواجهات، بينهم رئيس بلديتها علي الحجيري.

* اللاجئون السوريون

* لم تقتصر تداعيات الأزمة السورية على لبنان على الوضعين السياسي والأمني فحسب، إذ شكّل اللجوء السوري إلى لبنان أحد أبرز انعكاسات أزمة سوريا. وتنوء السلطات اللبنانية تحت ثقل هذا العبء الذي فاق قدراتها المادية وأجهزتها المعنية.
وينتهي عام 2013 مع تسجيل المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، التابعة للأمم المتحدة، نحو مليون لاجئ سوري، علما بأن تقديرات من البنك الدولي والسلطات اللبنانية رجحت تجاوز أعداد اللاجئين عتبة المليون منذ أشهر عدة.
وأطلقت السلطات اللبنانية بالتعاون مع منظمات الإغاثة الدولية نداء التمويل الأول في شهر يونيو الماضي للحصول على 1.7 مليار دولار أميركي، لم يجرِ الحصول إلا على 842 مليون دولار بحلول التاسع من ديسمبر الحالي، وفق مفوضية شؤون اللاجئين.
ويثير تنامي وجود اللاجئين السوريين مخاوف أطراف لبنانية عدة، يطالب بعضها بإغلاق الحدود بوجه الوافدين الجدد. وسعى للبنان للمشاركة وتنظيم مؤتمرات عدة من أجل تحصيل مزيد من الدعم الدولي لمساعدته على الاستمرار باستقبال السوريين.

* المحكمة الدولية

* في موازاة ذلك، ينتهي عام 2013 مع ترقب اللبنانيين لبدء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي تنظر بجريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري ورفاقه، أولى جلسات المحاكمة منتصف شهر يناير المقبل. وسددت وزارة المالية اللبنانية في 27 ديسمبر الحالي حصة لبنان في تمويل المحكمة الدولية لعام 2013، والبالغة 29 مليون يورو، علما بأن مساهمة لبنان خلال السنتين الماضيتين شكلت محور جدل بين الأطراف اللبنانية المنقسمة حول المحكمة، ويساهم لبنان في تمويل المحكمة بنسبة 49 في المائة، في حين تدفع دول مانحة ما تبقى من المبلغ.
وكان عام 2013 شهد تصديق قاضي الإجراءات التمهيدية لدى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قرار اتهام ومذكرة توقيف بحق متهم خامس من حزب الله يدعى حسن حبيب مرعي في قضية اغتيال الحريري، مشيرا إلى أنه اتهم بارتكاب عدد من الجرائم، منها جريمة المؤامرة بهدف تنفيذ عمل إرهابي، والتآمر مع أربعة متهمين آخرين من حزب الله لتنفيذ اعتداء 14 فبراير 2005.
وأصدرت المحكمة، التي أنشئت عام 2009، قرار اتهام بحق أربعة أفراد آخرين قياديين في حزب الله اللبناني، لدورهم في جريمة اغتيال الحريري، هم سليم جميل عياش ومصطفى أمين بدر الدين وحسين حسن عنيسي وأسد حسن صبرا.
ولا يعترف حزب الله بالمحكمة الدولية ويعتبرها «منحازة» و«أداة أميركية وإسرائيلية» لاستهدافه، بينما يصر فريق 14 آذار على تسديد التزامات لبنان.



جيل اللا تواصل والقطيعة مع الأهل... بروكلين بيكهام ليس سوى عيِّنة من موضة رائجة

موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)
موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)
TT

جيل اللا تواصل والقطيعة مع الأهل... بروكلين بيكهام ليس سوى عيِّنة من موضة رائجة

موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)
موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)

قالها الأديب والفيلسوف اللبناني جبران خليل جبران قبل أكثر من قرن: «أولادُكم ليسوا لَكُم، أولادُكم أبناءُ الحياة». هو لم يقصد حينَها الانفصال بين الأولاد وأهلِهم إلى حدّ القطيعة، غير أنّ الجيل «زد» أخذَ مقولة جبران إلى أقصاها، فبات يُسمّى «جيل اللا تواصل».

ليسَ خلاف بروكلين بيكهام مع والدَيه ديفيد وفيكتوريا، سوى نموذج عن تحوّل اللا تواصل No Contact، من مجرّد «ترند» رائج على «السوشيال ميديا»، إلى واقعٍ يهزّ العلاقات العائلية. فما خفيَ تحت الضجيج الذي أحدَثَته قصة آل بيكهام، قضيةٌ اجتماعية مستجدّة هي قطعُ بعض الجيل «زد» وجيل الألفيّة علاقاتهم بذويهم لأسباب متعددة، على رأسها تلك النفسية.

وإذا كان ابنُ بيكهام قد ذكر معاناته مع القلق والتوتّر بسبب تحكّم ذويه بحياته وزواجه، فإنّ لائحة الأسباب التي يبرّر بها أبناء جيله القطيعة مع أهلهم طويلة.

القطيعة بين بروكلين بيكهام وذَويه نموذج عن موضة اللا تواصل المنتشرة بين الجيل «زد» وأهاليهم (إ.ب.أ)

«تيك توك»... المنصّة الشاهد

على «تيك توك»، تُحصى أعداد مُشاهَدات الفيديوهات المُرفقة بهاشتاغ #ToxicFamily أي «عائلة سامّة» و#NoContact (لا تواصل) بالملايين. يأتي ذلك في سياق موضة قطع العلاقات مع الوالدَين، والتي تأخذ حيّزاً كبيراً من النقاشات على المنصة الأحَبّ إلى قلب الجيل «زد».

وتَشهد «تيك توك» انقساماً حادّاً في الآراء حول الموضوع. ففي وقتٍ تُبدي غالبية روّاد المنصة دعمَها لمَن قرروا قطع التواصل مع أهاليهم، يعبّر قسمٌ آخر عن ذهوله أمام هذه الظاهرة. وفيما يبرّر الأولاد القطيعة بالقول إنها تحصل انطلاقاً من الحفاظ على الصحة النفسية واحترام الذات والحَدّ من القلق، يصرّون على أنّ رابط الدم لا يبرّر تقبّل سوء المعاملة. أما الأهالي ومَن ينتمون إلى جيلهم، فيُبدون ذهولهم غير مصدّقين ما يجري، وغير مستوعبين العبارات التي يستخدمها الأبناء تبريراً للهَجر، مثل «التربية النرجسية» أو «التلاعب بالعقول».

تتركّز غالبية حالات اللا تواصل في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، حيث ذهبت مقولاتٌ على غرار «العائلة أوّلاً»، و«العائلة إلى الأبد»، و«الدم لا ينقلب ماءً» أدراج الرياح.

@katherinechoiii

Even though I’m no longer living with them and am currently no contact, their reactions have still affected me. Every time I post, there’s a quiet awareness that they’re watching. And while that’s difficult, I don’t want them to continue silencing me after I’ve already left their home.

♬ autumn - Gede Yudis

مبرّرات القطيعة معظمها نفسيّ

في زمن فَورة الحديث عن الصحة النفسية وسقوط المحرّمات ووصمة العار التي كانت تُحيط بها سابقاً، ينطلق الجيل الجديد في قرار القطيعة مع ذويه من مسبّباتٍ معظمها نفسيّ.

يقولون إنهم حريصون على صَون سلامهم الداخلي واتّزانهم العقلي، حتى وإن كلّف ذلك بَترُ علاقاتٍ يعتبرونها سامّة مع أحد الوالدَين أو مع الاثنَين معاً. يستَقون كلماتٍ من قاموس علم النفس للتعبير عن المسبّبات التي دفعتهم إلى هذا القرار. يتحدّثون عن تصرّفاتٍ مؤذية صادرة عن الأهل، مثل «النرجسيّة»، و«التلاعب النفسي»، و«السلوك الصِدامي»، و«اضطراب الشخصية الحدّيّة»، و«التحكّم المفرط».

يَحدثُ كذلك أن يأتي قرار اللا تواصل كردّ فعلٍ على صدماتٍ وتجارب صعبة حصلت خلال الطفولة، ولم يتمكّن الولد التعامل معها وهو في سنٍ صغيرة. ومع تراكم السنوات والسكوتِ طويلاً عن جرحٍ تسبّبَ به الأهل، يقررون قطعَ الخيط ما إن تسنح لهم الظروف بذلك.

في المقابل، تبدو بعض أسباب ومبرّرات القطيعة غير منطقية أحياناً. يذكر الشبّان والشابات المنفصلون عن أهلهم من بينها الاختلاف في أسلوب العيش والقِيَم، والملل من القواعد التي تفرضها العائلة. يتحدّثون كذلك عن تخطّي ذويهم الحدود التي رسمَها الأولاد لهم. من بين الأسباب التي يبرّر بها الجيل الجديد كذلك الانقطاع عن العائلة، الاختلافات في الآراء السياسية، وكلام الأهل بطريقة سلبيّة عن شركائهم العاطفيين.

معظم الأسباب التي يبرر الأولاد القطيعة مع أهلهم هي نفسية (بكساباي)

«جائحة» اللا تواصل

وسط غياب الأرقام والإحصائيات الموثوقة، يلفت خبراء علم النفس إلى أنّ الظاهرة إلى تزايد، وهم يشبّهون قطع التواصل مع الأهل بـ«جائحة تصيب الأبناء البالغين». ووفق مجلّة «سيكولوجي توداي»، فإنّ الهَجرَ غالباً ما يحصل من دون سابق إنذار أو تفسير، فيُترَك الأهل في حالٍ من الألم العميق والتساؤل.

وكلّما كان الدافع النفسيّ جدّياً، كأن يكون الولد قد تعرّض لصدمة في الطفولة بسبب الوالدَين أو أحدهما، كلّما وجد لنفسه تبريراً للانسحاب وأسباباً تخفيفيّة لعدم الشعور بالذنب.

تشهد على ذلك فيديوهات «تيك توك» والمنتديات الإلكترونية المخصصة لظاهرة اللا تواصل، حيث يقدّم مَن اختبروا الأمر الدعم لبعضهم البعض. ويستند روّاد تلك المنتديات إلى نظرية تقول إنه إذا كان الخروج من علاقة زوجيّة سامّة مبرراً، فيجب أن ينطبق الأمر كذلك على العلاقات العائلية السامّة.

في حوار مع مجلّة «نيويوركر»، يقول المعالج النفسي جوشوا كولمان إنّ «القطيعة أصبحت أكثر شيوعاً، ويعود ذلك جزئياً إلى تغير المفاهيم حول ما يُعتبر سلوكاً ضاراَ أو مسيئاً أو صادماً»؛ بمعنى أنّ ما كان يُعَدّ إساءة عابرة في الماضي، بات يُرفع اليوم إلى مرتبة الصدمة النفسية. ويضيف كولمان إن مفهوم «أكرِم أباك وأمّك قد سقط على حساب مفاهيم كالسعادة الشخصية وحب الذات والصحة النفسية».

صراع الأجيال

ما بدأ كظاهرة اجتماعية بات يهدد بأن يتحول إلى عدوى نابعة من التأثّر بموجة تغزو وسائل التواصل الاجتماعي. لكن يكفي النظر بمنطقٍ إلى القضية المستجدّة، للاستنتاج أنها مرآةٌ لصراع الأجيال.

أساليب التربية المختلفة بين الأجيال هي أحد أسباب ظاهرة اللا تواصل مع الأهل (بكسلز)

نشأ جيل «طفرة المواليد» (1946 - 1964) على يد آباء من «الجيل الأعظم» (حتى 1927)، الذين كبروا خلال الكساد العظيم والحرب العالمية الثانية، فتبنّوا أساليب تربية صارمة وسلطوية. كان يُتوقّع من الأطفال الطاعة والصمت. وكان الخوف، بما في ذلك العقاب الجسدي، وسيلة لضبط السلوك وبناء الشخصية.

رداً على ذلك، سعى كثير من أبناء طفرة المواليد إلى تربية مختلفة عن تلك التي عاشوها. فأصبحوا أكثر انخراطاً في حياة أبنائهم، وبرز مفهوم «الأبوّة المفرِطة». كما سعى «الجيل إكس» (1965 - 1980) وجيل الألفيّة (1981 - 1996) إلى بناء علاقات أكثر مساواةً مع أطفالهم، رافضين استخدام الخوف كأداة تربوية.

بدلاً من العقاب، اعتمدت هذه الأجيال على الحوار والتبرير، وأحياناً تجنّبت الصراع خشية الإضرار بالعلاقة. ومع نضوج الأبناء، أدَّى ضعف الخبرة في إدارة الغضب والخلافات الأسريّة إلى صعوبة تحمّل مشاعر الإحباط وخيبة الأمل. وفي بعض الحالات، تحوَّلت القطيعة مع الوالدين إلى وسيلة للتعامل مع هذه المشاعر، عبر إلقاء اللوم عليهم بدلاً من معالجة الصراع داخل الأسرة.


بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».