دولتا السودان.. نهاية الحرس القديم بإقالة مشار وطه

السودانيون يحصدون «الخراب» ويودعون عاما كبيسا

معسكر لنازحي الحرب في جنوب السودان (رويترز)
معسكر لنازحي الحرب في جنوب السودان (رويترز)
TT

دولتا السودان.. نهاية الحرس القديم بإقالة مشار وطه

معسكر لنازحي الحرب في جنوب السودان (رويترز)
معسكر لنازحي الحرب في جنوب السودان (رويترز)

صعقت الخرطوم في الشهر الأخير من العام الحالي ولم تفق من الذهول، بعد إعلان إقالة النائب الأول للرئيس في إطار تغييرات أطاحت بمعظم أفراد الحرس القديم لنظام الإنقاذ الوطني. كما أنهت جوبا العام بسيناريو مشابه أطاح بنائب الرئيس رياك مشار، وهو من الحرس القديم في الحركة الشعبية لتحرير السودان الحاكم في دولة جنوب السودان. لكن بغض النظر عن هذا أو ذاك، فقد ودع السودانيون في الشمال والجنوب عاما كبيسا من الخراب والدمار والدماء.
كان معلنا أن الرئيس عمر البشير سيجري تعديلا وزاريا كبيرا، لكن أن يبلغ حجم التعديل أن تذهب أكبر ثلاثة رؤوس ظلت تحكم وتتحكم في السودان منذ ربع قرن، فهذا هو الذي أخرج الأعين من مآقيها. وفي جوبا، فإن الحرب التي اندلعت في منتصف ديسمبر (كانون الأول)، ولا تزال مستعرة، بسبب إقالة الرئيس سلفا كير ميارديت لنائبه رياك مشار، وثلة من قيادات الحركة الشعبية بينهم الأمين العام للحزب الحاكم باقان أموم وقيادات سياسية وعسكرية، هي الحدث الجنوبي الأبرز والأخطر، وما عداه من أحداث شهدها جنوب السودان فهي أحداث مشتركة بين البلدين.

* تداعي الرؤوس الكبيرة
* في صبيحة الثامن من ديسمبر أطاح البشير بأكبر رؤوس الحكم في السودان، في تعديل وزاري غير مسبوق. وقبيل ساعات من الإعلان الرسمي عن التعديل الوزاري مهد الرئيس البشير للخطوة الكبيرة، بالقول في مهرجان جماهيري شمال الخرطوم، إن نائبه الأول علي عثمان محمد طه «استقال» من منصبه ليفسح المجال للأجيال الجديدة، وبذلك القول قطع التكهنات التي كانت تملأ المدينة، بشأن الإطاحة بعراب الإسلاميين والحكم، الذي اختار موالاة الرئيس البشير بديلا، متخليا عن شيخه حسن الترابي في انشقاق الإسلاميين السودانيين الأول عام 1999، والذي أثمر حزبين عدوين، يرفع كل منهما راية إسلامية، ويعتبر راية الآخر زائفة في الوقت ذاته، وهما المؤتمر الوطني بقيادة البشير، والمؤتمر الشعبي بقيادة الترابي. وعشية اليوم ذاته، أعلن رسميا عن الإطاحة بكل «الوجوه المزمنة» في الحكم من الإسلاميين، وأبقي على «الوجوه المزمنة» من العسكريين، وكون الرئيس حكومة من رجال الصف الثالث من الإسلاميين.
ذهب كل من النائب الأول علي عثمان محمد طه بكل ثقله، ورافقه الذهاب «غريمه» مساعد الرئيس ونائبه في الحزب نافع علي نافع «صقر الحكم» العتيد، ووزير البترول عوض الجاز «الصامت الخطير». ذهبوا إلى منازلهم «من سكات»، وذهب كثيرون من مجايليهم في الحركة الإسلامية والحزب الحاكم، تاركين أسئلة حيرى خلفهم. وجلس «كاتم الأسرار والصامت الأكبر» الفريق أول بكري حسن صالح على كرسي علي عثمان في القصر الرئاسي، وبقي الفريق «المثير للجدل» عبد الرحيم محمد حسين في موقعه وزيرا للدفاع، وإن أسند بعسكري آخر، في وظيفة «وزير دولة» كأول وظيفة من نوعها في الوزارة المعنية بأمر الحرب والسلاح.
بروتوكوليا، قيل إن التعديل الوزاري تم بالتراضي، وإن المجموعة القديمة اختارت بـ«إرادتها» إفساح المجال لـ«الدماء الشابة». وهكذا أخرج التعديل للناس، لكن ما يثلم الفكرة أن «الدماء الشائخة العسكرية» ظلت باقية، مما جعل كثيرين يرجحون أن انقلابا أبيض أطاح بالإسلاميين عن الحكم، خاصة أن مؤشرات عديدة أشارت بوضوح إلى أن الأمر ليس مجرد زهد من الحرس الإسلامي القديم في الحكم.

* سبتمبر الحزين
* دهشة التغيير الكبير، التي لا تزال تلجم الأفواه عن الكلام في الخرطوم، سبقتها غصة ما زالت هي الأخرى كامنة في القلوب، هي غصة أحداث «سبتمبر (أيلول) الحزين»، الذي شهد الثلث الأخير منه انتفاضة شعبية عارمة، إثر قرارات اقتصادية اتخذتها السلطات في الثاني والعشرين منه برفع أسعار المحروقات، مما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع الاستهلاكية كافة. وثار الغضب الشعبي عنيفا، وعمت الاحتجاجات أنحاء واسعة من البلاد استمرت لأكثر من أسبوع، كان أكبرها في العاصمة الخرطوم، ومدينة ود مدني وسط البلاد، قتل فيها من قتل، وأحرق فيها ما أحرق ودمر ما دمر من ممتلكات.
وكادت الاحتجاجات العنيفة تطيح بحكم الرئيس البشير، لولا العنف المفرط الذي استخدمته السلطات الأمنية ضدها، وما زالت أعداد القتلى والجرحى مختلفا عليها بين الدوائر الرسمية والشعبية، إذ تعترف الحكومة بأن القتلى في حدود الثمانين، فيما أحصت قوى المعارضة 144 قتيلا حتى اللحظة، وتقول إن العدد تجاوز المائتين.

* تثلم الحزب الحاكم
* ثالثة الهزات التي تعرض لها حكم الخرطوم خلال الربع الأخير من العام المنصرم، وأثناء سيلان الدم في الانتفاضة، تقدم 31 قياديا في حزب المؤتمر الوطني الحاكم، بزعامة الإسلامي البارز غازي صلاح الدين العتباني، بمذكرة للرئيس البشير طالبوا فيها بوقف الإجراءات الاقتصادية فورا، وإجراء تحقيقات محايدة حول إطلاق الذخيرة الحية على المواطنين، فرفض البشير مذكرتهم وأمر الحزب بفصل قادتهم وتجميد بعضهم، فردوا بإعلان انسلاخهم عن الحزب وتكوين حزب جديد باسم «حركة الإصلاح الآن».
ويعد خروج مجموعة العتباني الهزة الكبيرة الثانية التي يتعرض لها الحزب الحاكم منذ انسلاخ زعيم الإسلاميين السودانيين حسن الترابي عام 1999.

* أوراق مبعثرة
* من ضمن التوترات الحادة التي شهدها السودان خلال العام إجراء استفتاء منطقة «أبيي» المتنازعة مع جنوب السودان، وأقامت عشائر «الدينكا» الجنوبية استفتاء من جانب واحد، قررت فيه تبعية المنطقة لجنوب السودان بنسبة تجاوزت 99 في المائة، دون مشاركة عشائر «المسيرية» المتوطنة في المنطقة.
وعلى الرغم من عدم اعتراف الأطراف كافة بتلك النتيجة، فإنها ما زالت تثير التوتر في المنطقة، وما زال شبح نشوب الحرب بين قبائل المنطقة يطل من الأبواب والنوافذ، وهو قد يجر إلى حرب يتدخل فيها جيشا البلدان. وبغض النظر عن نتائج هذا الاستفتاء على الأرض فقد أعاد بعثرة أوراق المنطقة، بما يصعب من إعادة ترتيبها من جديد.

* طبول في أذني اليانكي
* دوليا، فإن الخرطوم أثارت زوبعة كبيرة، عندما رفضت الإدارة الأميركية منح الرئيس البشير تأشيرة دخول للمشاركة في اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة. ونشبت معركة دبلوماسية شرسة بين الطرفين، فالخرطوم صعدت من لهجتها ضد واشنطن، واعتبرت رفضها منح البشير «سمة الدخول» سلوكا غير مسؤول ومخالفا لميثاق الأمم المتحدة، إلا أن واشنطن اكتفت بالرفض والتجاهل للطلب السوداني.
كانت الخرطوم تريد استغلال المناسبة لـ«تحدي» محكمة الجنايات الدولية، التي تطارد الرئيس البشير بمذكرتي توقيف، بيد أن تحليلات ذهبت إلى أن البشير ما كان سيذهب لواشنطن ولو أنه منح «سمة الدخول»، باعتبار مخاطر كبيرة تواجه تلك السفرة الطويلة، وأن الخرطوم بإصرارها أرادت مجرد دق الطبول لكشف «مكيالي واشنطن» اللذين تتعامل بهما في السياسة الدولية.

* عام الحسم المؤجل
* ميدانيا، أعلن الرئيس البشير في سبتمبر أنه سينهي التمرد في ولايات دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق عام 2014.
وتشتعل الحرب في هذه الولايات بين القوات الحكومية وقوات «الجبهة الثورية»، وتقول الأخيرة إنها تعمل على إسقاط حكومة الرئيس البشير عبر العمليات العسكرية من الأطراف وصولا للعاصمة.
وإنفاذا لنشاطها العسكري الهادف لإسقاط حكومة الخرطوم، هاجمت قوات الجبهة الثورية في أبريل (نيسان) مدينة «أم روابة»، زهاء 200 كيلومتر غرب الخرطوم، واحتلها لساعات في تحد جريء ضمن عمليات اجتاحت خلالها مناطق بولاية كردفان، منها «الله كريم»، و«أبو كرشولا» التي احتلتها لأكثر من شهر، وقدمت القوات الحكومية خسائر فادحة لاستردادها.
وتعد عملية أبو كرشولا وأم روابة ثانية أجرأ العمليات العسكرية التي نفذها متمردون ضد الخرطوم بعد عملية «الذراع الطويلة» التي نفذتها حركة العدل والمساواة الدارفورية بدخولها لمدينة «أم درمان» في عام 2008. وتبعا لهجوم أبو كرشولا انهارت المفاوضات التي كانت تجري في أديس أبابا، بين الخرطوم والحركة الشعبية - الشمال، واتهمت الخرطوم وقتها جنوب السودان بدعم القوات المتمردة ضدها، فعادت العلاقات بين البلدين إلى توترها القديم.

* إغلاق أنبوب النفط
* وبلغ توتر العلاقات بين البلدين أعلى مراحله بقرار الرئيس البشير في مايو (أيار) إغلاق أنبوب النفط ومنع تصدير نفط جنوب السودان عبر خط الأنابيب والمنشآت النفطية السودانية. وفي الشهر ذاته، جمد السودان اتفاقاته مع دولة جنوب السودان كافة، وهدد بعدم العودة إليها ما لم توفر جوبا ضمانات مقنعة بوقف دعم الجبهة الثورية، وفك الارتباط بين جيش جنوب السودان مع الجيش الشعبي لتحرير السودان - الشمال.
وترتب على قرار السودان تجميد الاتفاقيات مع جوبا ووقف تصدير النفط، إلغاء زيارة مساعد الرئيس البشير نافع علي نافع للولايات المتحدة الأميركية، تلبية للدعوة الموجهة له من وزارة الخارجية الأميركية لفتح حوار بين البلدين.
وفي محاولة لترميم الانهيارات بين البلدين، وصل نائب رئيس جنوب السودان وقتها، رياك مشار، للخرطوم في يونيو (حزيران) ودخل في مباحثات مع النائب الأول علي عثمان طه، توصلا خلالها لتجاوز جفوة العلاقات التي ترتبت على قرار السودان وقف عبور النفط الجنوبي بالأراضي، ووقف إنفاذ اتفاقيات أديس أبابا الموقعة بين البلدين.
لكن زيارة مشار لم تنه الأزمة، وتردد أن جهات في الخرطوم وجوبا حالت دون إنفاذ ما اتفق عليه، مما استدعى وصول رئيس الجنوب سلفا كير ميارديت أول سبتمبر للخرطوم هو الآخر لإجراء مباحثات مع نظيره البشير، أعلن بعدها أن البلدان تجاوزا مرحلة التوتر ودخلا مرحلة التعاون، وعودة النفط الجنوبي للتدفق شمالا إلى ميناء التصدير في بورتسودان دون توقف، بغض النظر عن التقلبات السياسية في العلاقة بين البلدين. واللافت أن الرئيسين اتفقا على حل الخلافات التي تنشب بين البلدين دون الحاجة لوساطة خارجية.

* الفجر الجديد
* سياسيا، شهد شهر يناير (كانون الثاني) توقيع «وثيقة الفجر الجديد» بين قوى المعارضة المسلحة في الجبهة الثورية، وأحزاب المعارضة المدنية، في العاصمة الأوغندية «كمبالا». واتفق الموقعون على وثيقة الفجر الجديد على العمل لإسقاط الرئيس البشير، وفترة انتقالية تعقب سقوط حكمه، يعقد خلالها مؤتمر دستوري لتحقيق الإجماع الوطني على كيفية حكم السودان، ثم إجراء انتخابات حرة ونزيهة ومراقبة دوليا.
وتحسست الخرطوم سلاحها إثر توقيع تلك الوثيقة، وشنت حملة عنيفة على الموقعين والأحزاب، وسارعت إلى اعتقال القادة السياسيين الذين وقعوا المذكرة، مما جعل بعض أحزاب المعارضة تتراجع عن «توقيعاتها»، ثم وبفعل الضغوط السياسية والإعلامية أطلق الرئيس البشير سراح المعتقلين في أبريل.

* كوديسا وتذكرة تحرير
* في يوليو (تموز) كشف الزعيم المعارض الصادق المهدي عن بدء حملة جمع توقيعات أطلق عليها اسم «تذكرة التحرير»، للمطالبة برحيل الرئيس البشير وحكمه. واعتبر المهدي في تلك التذكرة أوان رحيل البشير قد حان بعد ربع قرن من الإخفاق، ودعا لتوقيعات مليونية عليها، بيد أن البشير بادر بزيارة المهدي في منزله، وخرج الرجلان يعلنان للملأ أنهما اتفقا على قومية الحكم والدستور والسلام، ولا يعرف حتى الآن ماذا جرى بشأن «التوقيعات» أو الاتفاقيات، إلا أن المهدي واصل دعوته لـ«نظام جديد» يستهدي بتجربة جنوب أفريقيا «كوديسا».

* سنة كبيسة
* 2013 كانت سنة هي الأسوأ بالنسبة للسودانيين جنوبا وشمالا، ولا يعرف ما إن كان للأمر علاقة بأنها «سنة كبيسة»، أم أن الرقم 13 الذي تتشاءم به كثير من الشعوب له دور في «سواد هذا العام سودانيا». لكن الراجح أن أداء الدولة السودانية بمكوناتها كافة، حكومة معارضة، وقوى مجتمع مدني، لم تستطع وقف الانهيار الوطني الذي يشهده السودان، فلا النظام استطاع تغيير جلده وسياساته وتصحيح أخطائه، ولا المعارضة بشقيها المدني والمسلح استطاعت إسقاطه، وإجلاس بديل ينهي «حلقة الشر» التي تهصر صدر البلاد مكانه..!
الرئيس البشير أعلن عام 2014 عام حسم وحل لمشاكل البلاد كافة، والمعارضة هي الأخرى أعلنت أنه عام إسقاط نظام حكمه وحل مشاكل البلاد كافة، وبين فكي الرحى هاتين عاش السودانيون أسوأ أعوامهم، وأن يجلب العام الجديد جديدا، أي جديد، فهو الشيء الذي يأملونه.



«ملوك اليمن»… دراما تاريخية تعيد قراءة الماضي برهان فني وثقافي

ملصق دعائي لمسلسل «ملوك اليمن» للممثلة أماني الذماري (الشرق الأوسط)
ملصق دعائي لمسلسل «ملوك اليمن» للممثلة أماني الذماري (الشرق الأوسط)
TT

«ملوك اليمن»… دراما تاريخية تعيد قراءة الماضي برهان فني وثقافي

ملصق دعائي لمسلسل «ملوك اليمن» للممثلة أماني الذماري (الشرق الأوسط)
ملصق دعائي لمسلسل «ملوك اليمن» للممثلة أماني الذماري (الشرق الأوسط)

في موسم درامي يميل غالباً إلى الأعمال الاجتماعية الخفيفة، يختار مسلسل «ملوك اليمن» الاتجاه الأصعب: الدراما التاريخية. فالعمل، المكون من 30 حلقة ويخرجه السوري عبد القادر الأطرش، ويجمع ممثلين من اليمن وسوريا والأردن، يحاول إعادة تقديم شخصيات مفصلية من التاريخ اليمني برؤية درامية معاصرة. وقد صُوّرت مشاهده في سوريا والأردن نظراً إلى الظروف الإنتاجية، مما أضفى على التجربة بُعداً عربياً يتجاوز الإطار المحلي.

المسلسل لا يكتفي باستحضار وقائع الماضي، بل يسعى إلى إعادة قراءته بصرياً وإنسانياً، جامعاً بين البحث التاريخي والمعالجة الفنية، في خطوة تُعدّ من أجرأ محاولات الدراما اليمنية في السنوات الأخيرة.

مسؤولية الذاكرة قبل الشهرة

تؤكد لـ«الشرق الأوسط» الفنانة أماني الذماري أن مشاركتها في «ملوك اليمن» لم تكن بحثاً عن حضور إعلامي بقدر ما كانت «رهاناً على الوعي». وتقول إن الدراما التاريخية في اليمن تتعامل مع ذاكرة جماعية حساسة، مما يفرض التزاماً أخلاقياً وفنياً في آنٍ معاً.

أماني الذماري تستعد لدورها في أحد مشاهدها بمسلسل «ملوك اليمن» (الشرق الأوسط)

وترى أماني الذماري أن التحدي الحقيقي لم يكن في مواجهة الجمهور، بل في تقديم التاريخ بدقة واحترام، بعيداً عن التبسيط أو المبالغة. وتشدد على أن هذه الخطوة ضرورية لكسر المساحة الآمنة التي اعتادت عليها الدراما المحلية، ودفعها نحو مستوى أكثر نضجاً في الطرح والمعالجة.

أروى الصليحية... حضور إنساني لا أسطوري

في العمل، تجسّد أماني الذماري شخصية الملكة أروى بنت أحمد الصليحي، إحدى أبرز القيادات النسائية في التاريخ اليمني والإسلامي. وتوضح أنها اعتمدت على البحث المكثف لفهم السياقَيْن السياسي والاجتماعي الذي عاشت فيه الشخصية، مع التركيز على بعدها الإنساني.

أماني الذماري في كواليس مسلسل «ملوك اليمن» (الشرق الأوسط)

وتقول: «الهدف لم يكن تقديم شخصية مثالية أو أسطورية، بل إظهار امرأة حكمت في زمن مضطرب، وواجهت تحديات السلطة والسياسة بحكمة وحزم». وتضيف أن المسلسل يحمل بعداً ثقافياً ووطنياً، لأنه يعيد التذكير بجذور حضارية في لحظة يمنية معقدة، حيث يصبح استحضار التاريخ شكلاً من أشكال تثبيت الهوية.

بين النقد والدقة البصرية

لم يخلُ العمل من انتقادات مبكرة، خصوصاً فيما يتعلق بالأزياء والبيئة البصرية. إلا أن الذماري ترى أن النقد في الأعمال التاريخية حق مشروع، بل ضروري. وتؤكد أن فريق العمل تعامل مع التفاصيل ببحث واجتهاد، محاولاً الموازنة بين روح المرحلة ومتطلبات الصورة الدرامية.

التصوير الذي استمر عدة أشهر، شهد تحديات تقنية، أبرزها استخدام تقنيات رقمية لبناء بعض الخلفيات وتوسيع الفضاء البصري. هذا الأمر فرض على الممثلين التفاعل مع عناصر غير موجودة فعلياً أمام الكاميرا، مما تطلّب تركيزاً مضاعفاً وانضباطاً في الأداء، خاصة في المشاهد التي تجمع بين الهيبة السلطوية والانفعال الداخلي.

حسن الجماعي يجسّد شخصية السلطان عامر بن عبد الوهاب آخر سلاطين الدولة الطاهرية (الشرق الأوسط)

حسن الجماعي... من المسرح إلى سلاطين التاريخ

من جانبه، يُعدّ حسن الجماعي أن مشاركته في «ملوك اليمن» تمثّل تحقيقاً لحلم بدأ منذ أيام المسرح الجامعي، حيث تأسس على الأداء باللغة العربية الفصحى. هذا التأسيس، كما يقول، منحه ثقة بالتعامل مع النص التاريخي رغم صعوبته.

ويشير إلى أن النصوص جاءت منقّحة بالكامل، مع وجود مختصين لغويين ومصححين في أثناء التصوير لضبط مخارج الحروف والإيقاع، لأن الدراما التاريخية لا تسمح بالارتجال أو تغيير الكلمات كما في الأعمال المعاصرة. الانضباط اللغوي هنا جزء من صدقية العمل.

الفنان حسن الجماعي في أحد مشاهده بمسلسل «ملوك اليمن» (الشرق الأوسط)

السلطان عامر... تعقيد الشخصية وسقوط الدولة

يجسّد الجماعي شخصية السلطان عامر بن عبد الوهاب، آخر سلاطين الدولة الطاهرية. ويصف الشخصية بأنها مركبة، بعيدة عن الصورة النمطية للحاكم القوي أو الضعيف، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن أبرز لحظات الانكسار والخسارة هو إظهار محاولاته تجنّب سفك الدماء في ظل دولة ضعيفة اقتصادياً ومحاطة بخصوم كثر.

ويشير إلى أن سقوط الدولة لم يكن نتيجة ضعف فردي بقدر ما كان نتيجة توازنات قوى مختلة وأطماع خارجية متصاعدة. المعركة الأخيرة للسلطان تُقدَّم بوصفها معركة كرامة، خاضها وهو يدرك صعوبة العودة منها.

لقطة من خلف كواليس مسلسل «ملوك اليمن» (الشرق الأوسط)

محاولة لإحياء التاريخ بلغة الشاشة

في المحصلة، يبدو «ملوك اليمن» محاولة جادة لإعادة التاريخ إلى الشاشة من زاوية إنسانية وثقافية. العمل لا يراهن على الحنين، بل على إعادة طرح الأسئلة حول السلطة والهوية والمصير. وبين الأداء التمثيلي والبحث التاريخي، يسعى المسلسل إلى تحويل الذاكرة الصامتة إلى سرد حيّ يصل إلى المشاهد العربي، ويضع الدراما اليمنية أمام اختبار جديد في قدرتها على قراءة ماضيها بثقة ووعي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«ضعف السمع» يُنذر المسنِّين بالخرف وفقدان الذاكرة

ضعف السمع يزداد شيوعاً مع التقدم في العمر (جامعة سينسيناتي)
ضعف السمع يزداد شيوعاً مع التقدم في العمر (جامعة سينسيناتي)
TT

«ضعف السمع» يُنذر المسنِّين بالخرف وفقدان الذاكرة

ضعف السمع يزداد شيوعاً مع التقدم في العمر (جامعة سينسيناتي)
ضعف السمع يزداد شيوعاً مع التقدم في العمر (جامعة سينسيناتي)

أظهرت دراسة صينية حديثة وجود علاقة مباشرة بين ضعف السمع والتدهور العقلي لدى كبار السن، مما قد يمهد الطريق لتطوير أدوات تشخيصية مبكرة للخرف.

وأوضح الباحثون من جامعة تيانقونغ ومستشفى شاندونغ الإقليمي، أن النتائج تسلط الضوء على أهمية الحفاظ على صحة السمع للوقاية من التدهور العقلي مع التقدم في العمر. ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «eNeuro».

ويُعرف ضعف السمع بأنه تراجع تدريجي في القدرة على سماع الأصوات؛ خصوصاً الترددات العالية والكلام، ويزداد شيوعاً مع التقدم في العمر.

وفي كبار السن يُطلق عليه اسم «البريسكوسيس» (Presbycusis)، وهو ضعف سمع مرتبط بالعمر يؤثر على القدرة على تمييز الكلام بوضوح.

وخلال الدراسة، ركز فريق البحث على هذا المرض لرصد تأثيراته على كبار السن، ولا سيما على وظائف الدماغ وقدرته على معالجة المعلومات.

وأظهرت النتائج أن كبار السن المصابين بـضعف السمع المرتبط بالتقدم في العُمر، لديهم انخفاض واضح في الاتصال بين مناطق دماغية محددة، منها مناطق مسؤولة عن معالجة الصوت والكلام، وأخرى مرتبطة بالذاكرة واتخاذ القرار، مما يزيد من احتمال تعرضهم لفقدان الذاكرة والتدهور العقلي.

كما تبين أن هذه الانخفاضات في الترابط الشبكي العصبي مرتبطة أيضاً بتراجع القدرة السمعية وضعف الأداء في اختبارات الذاكرة والوظائف التنفيذية، ما يؤكد العلاقة المباشرة بين ضعف السمع والصحة العقلية، حسب الفريق.

وقدمت الدراسة مؤشراً جديداً يسمى «نسبة البنية إلى الوظيفة» (Functional-Structural Ratio – FSR)؛ حيث يرتبط التغير في هذا المؤشر بفقدان السمع والتدهور المعرفي معاً، ما قد يجعله أداة واعدة لتحديد كبار السن الأكثر عرضة للخرف قبل ظهور الأعراض السريرية، وفق النتائج.

وشدد الباحثون على أن فقدان السمع لا يقتصر على الأذن فقط؛ بل يصاحبه تدهور متزامن في بنية الدماغ ووظائفه، مما يسهم في الأعراض المعرفية للمرض.

وأشار الفريق إلى أن الاعتناء بالسمع قد يحمي الدماغ، ويقلل خطر التدهور العقلي، مؤكدين أن النتائج توضح العلاقة الوثيقة بين فقدان السمع وصحة الدماغ.

واعتبر الفريق أن هذه النتائج تفتح الباب أمام تطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية مبكرة، تهدف إلى تعزيز الترابط العصبي وحماية القدرات العقلية لدى كبار السن.


«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 4... ساندرا هولر: هذه مرحلة فارقة في مهنتي وعليَّ حمايتها

ساندرا هولر في «روز» (مهرجان برلين)
ساندرا هولر في «روز» (مهرجان برلين)
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 4... ساندرا هولر: هذه مرحلة فارقة في مهنتي وعليَّ حمايتها

ساندرا هولر في «روز» (مهرجان برلين)
ساندرا هولر في «روز» (مهرجان برلين)

الدور الذي تؤدّيه الممثلة الألمانية ساندرا هولر في فيلم «روز»، للمسابقة الرسمية، من النوع الذي يستدعي الفوز بجائزة «أفضل تمثيل». إنها تلك الأداءات القائمة على شخصية تثير الاهتمام الجدّي على صعيدين: الشخصية المرسومة من ناحية، والممثلة التي تؤدّي الدور من ناحية أخرى.

في «روز» هي امرأة في زيّ رجل منذ سنوات بعيدة قبل بدء الأحداث. تعود من الحرب لتُطالب بأرض لوالدها. حين يمنح الرجل الذي يتولّى شؤون القرية الأرضَ هذا الرجلَ الغريب، تبدأ العمل في الحقل لتعزيز مكانتها بين أهل القرية. لكن «روز» تجهد في سبيل إخفاء هويتها الجنسية، إلى أن تُزوَّج (على أساس أنها رجل) بفتاة قروية، التي بدورها، وفي مَشاهد لاحقة، تكتشف الحقيقة.

«روز»... امرأة في ثياب رجل (مهرجان برلين)

حرب الثلاثين سنة

ينطلق الفيلم من خلفيّة حقيقية عندما وقعت حرب دينية بين الكاثوليك والبروتستانت؛ بدأت أهلية وانتهت بمعارك دامية بين دول وسط وغرب أوروبا فيما بين 1518 و1648. تناولت تلك الحرب، من ثلاثينات القرن الماضي إلى اليوم، عشراتُ الكتب، ونشرت مجلة «هيستوري» البريطانية مقالات عنها في أكثر من عدد.

يعمل المخرج على اختيار موضوعات من خارج المدار الحالي. في «أنجيلو» حكاية أفريقي اسمه «أنجيلو سليمان (أدّى دوره ماكيتا سامبا)» دخل البلاط النمساوي عبداً وتحوّل أحدَ صبيان البلاط في القرن الـ18.

يدور كلّ من «روز» و«أنجيلو» حول شخصيتين تبحثان عن القبول، وكلاهما يغوص في الماضي البعيد. ثم كلاهما يعمد إلى تراتيل كنائسية؛ لأن الجانب الديني أساسي في الفيلمين. أحد الفوارق أنّ «أنجيلو» ملوّن و«روز» بالأبيض والأسود.

الحرب المذكورة تمهّد للفيلم، لكنه لا يتحدَّث عنها، بل عن تلك المرأة التي تختار التنكُّر في زيّ الرجال لكي تؤكد صلاحيتها للعمل في الحقول.

دوافع مهمّة

ساندرا هولر اختيار موفّق لمخرج يُعالج مَشاهده بدقة. هي ذات خلفية مسرحية وسينمائية منذ سنوات، لكنها تخطَّت الحاجز إلى الشهرة عندما لعبت في السنوات الخمس الأخيرة أدواراً في أفلام دخلت مسابقات ونالت جوائز، من بينها دور الزوجة؛ التي تخفي علمها بما يدور في المعسكر المشيد إلى جانب منزلها، وزوجها الضابط في فيلم جوناثان غلايزر «منطقة الاهتمام» عام 2023. عنه رُشِّحت لـ«الأوسكار» في العام التالي، لكن جائزة أفضل ممثلة ذهبت حينها إلى إيما ستون عن دورها في «أشياء مسكينة».

* ما الدوافع التي جعلتكِ تودّين أداء هذا الدور المركّب؟

- أنتَ وصفت الدور بالمركّب، وهذا هو أحد تلك الدوافع؛ لأن الشخصيات غير المعقّدة لا تمنح الممثل فرصة تحدّي ذاته.

* هل كانت لديكِ ملاحظات على السيناريو... ربما لجهة الدور الذي تؤدّين؟

- ليس أكثر من تساؤلات عادية، وليست ملاحظات. السيناريو مكتوب جيداً، ولم يكن هناك أي سبب للبحث خارج ما هو عليه. «شلاينزر» دقيق في عمله كاتباً ومخرجاً.

* ما الذي تطلّبه العمل على تشخيص «روز»؟

- شخصية «روز» مثيرة لأنها واثقة بنفسها لدرجة اليقين بما تقوم به. ورغم ذلك، فإنه كان ثمة خوف دائم من أن يُكتشف أمرها. تمثيل هذا التناقض كان عليه أن يبقى ضمنياً، ولا يظهر للعلن أو على نحو مباشر. كان عليَّ أن أجهد في سبيل أداء هذا التناقض.

ساندرا هولر في «منطقة الاهتمام» (لقطة من الفيلم)

مرحلة فارقة

* صُوِّر الفيلم على مرحلتين متباعدتَيْن كما صرَّح المخرج؛ بين كلّ مرحلة وأخرى أشهر... كيف تُخرجين ثم تُدخلين ثانيةً الشخصية ذاتها؟

- كان هذا صعباً؛ لأنّ المسافة الزمنية بين كلّ مرحلة تصوير بلغت أشهراً. صوّرنا الربيع والصيف في مرحلة، ثم انتظرنا الخريف والشتاء في مرحلة أخرى. كان عليَّ أن أبقى على الخطّ. أن أواصل الأداء بالمستوى نفسه.

* كيف كان شعوركِ عندما رُشِّحتِ لـ«الأوسكار» عن دورك في «منطقة الاهتمام»؟

- لا أستطيع أن أنكر أنني كنتُ سعيدة بهذا الترشيح.

* وعندما فازت ممثلة أخرى؟

- كان هذا طبيعياً تماماً. على كلّ ممثل يدخل الترشيحات أن يكون مستعدّاً للنتيجة مهما كانت.

* دوركِ في ذلك الفيلم فتح العين على موهبتكِ، ومنذ حينها يبدو لي أنّ مسارك اختلف... مثلاً، باتت لديك مشروعات أخرى في انتظارك ما بين أوروبية وأميركية...

- نعم... هذه مرحلة فارقة في مهنتي، وأريد أن أحميها من الشعور بأنني وصلتُ إلى حد أعلى مما كنتُ عليه.

* ماذا تعنين؟

- على المرء ألا يتوقَّف عن النمو في عمله... وحين يفعل؛ فسيجد نفسه يعود أدراجه إلى الوراء.

* قرأتُ أنك لم تتحمّسي لتمثيل دور الزوجة النازية في ذلك الفيلم... صحيح؟

- نعم... في البداية؛ لأنني كنتُ أخشى أن أثير الإعجاب بالشخصية التي مثّلتها. لم أرد أن أمنحها صورة إيجابية.

* لكن الدور كان سلبياً...

- نعم... أقنعني المخرج بأن شخصيتي لن تكون مثيرة للإعجاب.

* دهمنا الوقت... وسؤالي الأخير هو أنّ الحوار في «روز» وفي «منطقة الاهتمام» قليل، خصوصاً حوار شخصيّتيك. هل... أفضل الأدوار هي التي تُعبّر عن دواخل الشخصيات بالصمت؟

- لن يكون مفيداً شرح ما تستطيع الصورة أن تشرحه بمفردها.

* هذا ما أؤمن به أيضاً. شكراً.