ماي تعد البرلمان بالمرونة لإقناعه باتفاق {بريكست}

تعهدت تهدئة المخاوف بشأن الالتزام بعدم العودة إلى الحدود المعقدة في آيرلندا

تيريزا ماي خلال إلقاء كلمتها أمام نواب البرلمان أمس (أ.ف.ب)
تيريزا ماي خلال إلقاء كلمتها أمام نواب البرلمان أمس (أ.ف.ب)
TT

ماي تعد البرلمان بالمرونة لإقناعه باتفاق {بريكست}

تيريزا ماي خلال إلقاء كلمتها أمام نواب البرلمان أمس (أ.ف.ب)
تيريزا ماي خلال إلقاء كلمتها أمام نواب البرلمان أمس (أ.ف.ب)

تعهدت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أمس بأن تكون أكثر انفتاحاً مع البرلمان في التفاوض على مستقبل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، وأن تعالج مخاوف النواب بشأن اتفاق الانفصال لنيل موافقتهم عليه.
وأبلغت ماي البرلمان بأنها ستكون «أكثر مرونة»، وأنها ستنفذ مطلباً لحزب العمال المعارض بشأن ضمان حقوق العمال، مبرزة أنها ستجد سبيلاً لتهدئة المخاوف بشأن الالتزام بعدم العودة إلى الحدود المعقدة في جزيرة آيرلندا، فيما يسلط الضوء على ثلاثة تغييرات في خطتها للخروج من الاتحاد الأوروبي.
وقالت ماي: «سنحترم بفعلنا ذلك تفويض الشعب البريطاني، ونغادر الاتحاد الأوروبي بطريقة تفيد كل جزء من مملكتنا المتحدة، وكل مواطن في بلدنا». وأعلنت أنها تنوي العودة إلى بروكسل للبحث في تعديلات على الاتفاق، الذي توصلت إليه مع القادة الأوروبيين الشهر الماضي، بشأن مسألة «شبكة الأمان»، التي يفترض أن تجنب العودة إلى إقامة حدود فعلية بين الآيرلنديتين بعد «بريكست».
وأضافت ماي: «سأواصل اللقاءات مع زملائي هذا الأسبوع - بينهم المسؤولون في الحزب الوحدوي الديمقراطي في آيرلندا الشمالية - لنرى كيف يمكننا الالتزام بواجباتنا»، ومن بينها تجنب عودة الحدود «بطريقة تؤمن الحصول على أكبر دعم ممكن» في مجلس العموم.
وتابعت موضحة: «سأعرض خلاصات هذه المباحثات على الاتحاد الأوروبي»، وذلك حسبما أورده تقرير وكالة الصحافة الفرنسية مساء أمس.
وتسعى ماي إلى إخراج الوضع من المأزق، بعد رفض النواب البريطانيين الأسبوع الماضي للاتفاق على طريقة الخروج من الاتحاد الأوروبي، الذي توصلت إليه مع المفوضية الأوروبية في بروكسل. لكن القسم الأكبر من الانتقادات في المملكة المتحدة لا يزال يتركز على مسألة «شبكة الأمان» الواردة في الاتفاق، حيث يرى دعاة «البريكست» أنه يبقي الباب مفتوحا أمام ارتباط دائم لبلادهم بالاتحاد الأوروبي. كما يعارض الحزب الوحدوي الديمقراطي في آيرلندا الشمالية (مؤيد للبريكست) هذا النظام الخاص الذي سيمنح لآيرلندا الشمالية.
لكن الاتحاد الأوروبي جدد أمس إعلان رفضه للمقترح الجديد من رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، والخاص بإعادة التفاوض حول خروج بلادها من التكتل. إذ قال دونالد توسك، رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، إنه لم يتغير شيء منذ الأسبوع الماضي، «ونحن مستعدون دائماً لنتقابل ونتحدث».
في الوقت نفسه، أشار المتحدث إلى أن الدول الـ27 المتبقية في التكتل أعلنت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أنه من غير الممكن إعادة التفاوض على اتفاق الخروج، الذي جرى التفاوض عليه مع ماي.
وأمس خرج وزير الخارجية البولندي جاسيك شابوتوفيتز عملياً عن الموقف المشترك للدول الـ27، عندما دعا في تصريح إلى «بي بي سي» إلى تحديد فترة العمل بشبكة الأمان هذه بخمس سنوات. إلا أن نظيره الآيرلندي سايمون كوفيني سارع على الفور إلى رفض هذا الاقتراح. وقال من بروكسل على هامش اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي أمس، إنها «على الأرجح مبادرة بهدف المساعدة. إن لبولندا مواطنين في المملكة المتحدة أكثر من أي بلد آخر، وأكثر من آيرلندا نفسها. إلا أنني لا أعتقد أنه اقتراح يعكس موقف الاتحاد الأوروبي».
من جهته اقترح ميشال بارنييه، كبير المفاوضين بالاتحاد الأوروبي، أمس، أن تقوم الكتلة بإعادة النظر في إعلان سياسي بشأن العلاقات المستقبلية، تم الاتفاق عليه جنباً إلى جنب مع شروط الطلاق. وصرح لإذاعة «آر تي آي» الآيرلندية: «نحن منفتحون على العمل مرة أخرى على الإعلان السياسي، وأن نكون أكثر طموحاً في العلاقة المستقبلية».
بدوره، أبدى وزير الخارجية الإسباني جوزيب بوريل تشاؤماً حيال إمكانية أن تتوصل ماي إلى إقناع النواب البريطانيين. وقال في هذا الصدد: «لا أعتقد أنه يمكن إنقاذ الاتفاق من خلال تعديلات هامشية. لذا يجب أن تقدم شيئا مختلفاً بشكل كبير. لكن بطبيعة الحال يجب الموافقة عليه لاحقا في الاتحاد الأوروبي».
أما هايكو ماس، وزير خارجية ألمانيا فقال بدوره: «نعرف الآن ما لا يريدونه في لندن. يجب أن نعلم أخيراً ما الذي يريدونه».
ونجت حكومة ماي من تصويت لسحب الثقة الأربعاء الماضي، وبدأت بعقد محادثات مع شخصيات من حزبها المحافظ وحزب العمال.
وبعد تحديد ماي خططها بشأن طريقة المضي قدماً، سيطرح النواب سلسلة تعديلات ليتم التصويت عليها في 29 من يناير (كانون الثاني).
في غضون ذلك، تنوي مجموعتان على الأقل من النواب المنتمين إلى الحزبين طرح تعديلات، تهدف إلى تأخير أو تعطيل اقتراحات ماي. وستعلق إحدى المجموعتين عملية الانسحاب في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق جديد مع بروكسل بحلول نهاية فبراير (شباط) المقبل. أما الثانية فستتيح لأعضاء البرلمان اختيار يوم واحد كل أسبوع لمناقشة المسائل المرتبطة ببريكست والتصويت عليها، وهو ما سيتجاوز التقليد الذي يمنح الحكومة الحق في التحكم بجدول أعمال البرلمان. لكن مكتب ماي وصف هذه الخطط بأنها «مقلقة للغاية»، فيما ندد المتحدث باسمها بالمناورات البرلمانية قائلاً إنها «دليل على الخطر المحدق لأن البرلمان يمكن أن يوقف بريكست».
ومن النقاط الأكثر خلافية في الاتفاق، الذي رفضه البرلمان بند «شبكة الأمان»، وهو ضمان قانوني باستمرار حرية الحركة على الحدود مع آيرلندا، في حال لم تتمكن بريطانيا من الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي على معاهدة طويلة الأمد للتجارة الحرة.
وذكرت صحيفة «صنداي تايمز» أن ماي ستقترح التوصل إلى ترتيبات منفصلة مع دبلن. موضحة أن رئيسة الوزراء «تريد عرض اتفاق ثنائي على آيرلندا يزيل بند (شبكة الأمان) المنفر من اتفاق الانسحاب مع الاتحاد الأوروبي، ويمنع إقامة حدود فعلية بوسائل أخرى».
وفي بروكسل، قال المتحدث باسم رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر إن الاتحاد الأوروبي «لا يمكنه أن يقدم إجابات بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في هذه المرحلة... ولا تطلبوا من بروكسل تقديم إجابات»، موضحاً أن «هذا هو الوقت الذي يجب أن تتحدث فيه لندن».



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.