ماكرون يستعيد المبادرة في فرنسا مع إطلاق الحوار الوطني

ماكرون يستعيد المبادرة في فرنسا مع إطلاق الحوار الوطني

الثلاثاء - 15 جمادى الأولى 1440 هـ - 22 يناير 2019 مـ رقم العدد [ 14665]
باريس: ميشال أبو نجم
يستطيع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يتنفس الصعداء قليلاً، لا لأن حركة السترات الصفراء التي انطلقت قبل شهرين قد انطفأت، أو أنها على وشك الانطفاء، أو لأنه نجح في تحدي إطلاق الحوار الوطني الموسع الذي أراده رداً سياسياً، قد أتى أكله. فالأمران لم يتحققا بعد. لكن رغم ذلك كله، بدأت الغيوم المكفهرة تنقشع من فوق قصر الإليزيه، ويريد المقربون من ماكرون أن يروا فيها أولى البشائر التي تنذر بالخروج من الكابوس الذي كاد أن يجعل الأمور تخرج عن السيطرة.
أولى العلامات المشجعة تمثلت في الارتفاع الطفيف في شعبية ماكرون، وفق آخر استطلاعات للرأي، حيث ربح 4 إلى 5 نقاط. ورغم أن شعبيته ما زالت شديدة الانخفاض (نحو 30 في المائة)، فإنه استعاد المبادرة، ولم يعد حبيس القصر الرئاسي، كما كان حاله في الأسابيع الماضية. ويتمثل المؤشر الثاني في استعادته المبادرة السياسية، عبر الحوار المذكور، وتهيئه لتكرار المشاركة 10 مرات على الأقل. ويعترف الجميع بأنه بيّن من خلال المشاركتين السالفتين عن تملكه للمواضيع المطروحة، وتمكنه من جميع التفاصيل، بما فيها التقنية. وفائدة الحوار أنه نزع ورقة مهمة من أيدي أصحاب «السترات الصفراء»، الذين ما انفكوا عن المطالبة بالاستماع إليهم، والدعوة إلى «ديمقراطية تشاركية»، ليس الحوار الوطني الموسع الذي سيدوم حتى منتصف مارس (آذار) المقبل إلا تعبيراً عنها.
يضاف إلى ذلك كله أن المعارضة الكلاسيكية (اليسار المعتدل واليمين التقليدي) لم يستفيدا بتاتاً من الحركة الاحتجاجية، ولا يملكان طروحات مقنعة، وجل ما فعلاه هو السعي للاستفادة من «النقمة» الشعبية على ماكرون. وأخيراً، فإن ما يريح الرئيس والحكومة هو تراجع العنف في المظاهرات، وانتفاء مشاهد الكر والفر، التي أصابت صورة فرنسا في الصميم، وميل أصحاب «السترات الصفراء» للعودة إلى الأشكال التقليدية للمظاهرات، من خلال طلب ترخيص من مديريات الشرطة، وتشكيل جهاز داخلي لمواكبة المتظاهرين، ومنع الاحتكاك مع رجال الأمن، وعزل الذين يستغلون المظاهرات لأعمال الشغب، وأحياناً اللصوصية.
هذه العناصر جاءت لتوفر للرئيس ماكرون مساحة تحرك، داخلياً وخارجياً. صحيح أن الرئيس الفرنسي قرر هذا العام مقاطعة قمة دافوس الاقتصادية. إلا أنه، بالمقابل، كان أمس نجم اللقاء الذي استضافه، بناء على دعوته، قصر فرساي الشهير، الذي ضم ما لا يقل عن 150 من كبار رؤساء الشركات العالمية لدفعهم للاستثمار بفرنسا، والاستفادة من القوانين والتسهيلات والإصلاحات التي حققتها حكومته.
وللمرة الثانية، ينظم الرئيس ماكرون حدثاً بهذا الحجم الذي يراد له، من جهة، طمأنة رجال الأعمال الفرنسيين والأجانب، بعد أسابيع من الاحتجاجات. ومن جهة ثانية، أن يجتذب المليارات، خصوصاً قبل أسابيع من حلول موعد «بريكست»، فيما تأمل باريس أن تجتذب كثيراً من الشركات ومئات الموظفين الذين سيتركون لندن وسوقها المالية للبقاء داخل منطقة اليورو.
وعلى المستوى الخارجي، سيكون يوم غد يوماً تاريخياً بالنسبة لفرنسا، وأيضاً لألمانيا. ذلك أن ماكرون سيسافر اليوم إلى مدينة أكس لا شابيل، الواقعة في مقاطعة وستفاليا بألمانيا، للقاء المستشارة أنجيلا ميركل. والغرض من اللقاء توقيع معاهدة صداقة جديدة بين البلدين، تحل محل «معاهدة الإليزيه» التي وقعها الجنرال ديغول والمستشار الألماني كونراد أديناور قبل 56 عاماً. وقد أطلق على المعاهدة الجديدة اسم «المعاهدة الجديدة للتعاون والاندماج» بين فرنسا وألمانيا، وسيتم التوقيع بحضور رئيسي المجلس والمفوضية الأوروبيين، والرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي، الرئيس الروماني كلاوس يوهانيس.
ونهاية الأسبوع الجاري، سيقوم الرئيس الفرنسي بزيارتين خارجيتين: الأولى إلى قبرص، والثانية زيارة رسمية إلى مصر، حيث سيقضي بها 3 أيام (27 و28 و29 الجاري)، وستكون الأولى من نوعها منذ وصوله إلى رئاسة الجمهورية.
هكذا، تعود الرئاسة الفرنسية إلى سابق عهدها في التحرك في الداخل والخارج، من غير أن تكون قد تخلصت تماماً من سقطات الماضي القريب، وأبرزها ما سمي «فضيحة بنعالا»، وهو متعاون سابق مع قصر الإليزيه، وكان مسؤولاً عن أمن الرئيس الشخصي.
ومثل ألكسندر بنعالا مجدداً، أمس، أمام لجنة مختصة من مجلس الشيوخ التي تنظر في موضوع استفادته من جوازي سفر دبلوماسيين، واستخدامهما في سفراته الخارجية، رغم تسريحه من قصر الإليزيه. وسبق لبنعالا أن قال في جلسة استماع سابقة أمام اللجنة نفسها إنه ترك الجوازين في مكتبه، لكن تبين لاحقاً أنهما ما زالا في حوزته، واستخدمهما في زيارته إلى أفريقيا، رغم مطالبة الخارجية الفرنسية بإعادتهما إليها. وقال بنعالا أمام اللجنة أمس إنه استخدم الجوازين 27 مرة.
وما يثير حنق الإليزيه أن بنعالا عاد إلى الأضواء، من خلال زيارات ولقاءات في أفريقيا، مصطحبا رجل أعمال فرنسي - إسرائيلي ينشط في ما يسمى «الدبلوماسية الموازية»، وأنه التقى قادة أفارقة في إطار نشاطاته الجديدة. واعترف بنعالا، أمس، بأن ما قام به كان بمثابة «حماقة كبيرة». كما استفاد من وجوده أمام اللجنة، ليؤكد أنه «لا يملك أسراراً»، وأنه لا يسعى لـ«ابتزاز أحد».
فرنسا فرنسا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة