مخاوف عالمية بعد تسجيل اقتصاد الصين أبطأ وتيرة نمو منذ 1990

محللون يشيرون إلى «أسباب داخلية» تفاقم آثار «الحرب التجارية»... وتوقعات ببلوغ «القاع» في الربع الثاني

مخاوف عالمية بعد تسجيل اقتصاد الصين أبطأ وتيرة نمو منذ 1990
TT

مخاوف عالمية بعد تسجيل اقتصاد الصين أبطأ وتيرة نمو منذ 1990

مخاوف عالمية بعد تسجيل اقتصاد الصين أبطأ وتيرة نمو منذ 1990

تباطأ اقتصاد الصين في الربع الأخير من العام الماضي تحت ضغط ضعف الطلب المحلي ورسوم جمركية أميركية مؤلمة، ليسجل خلال عام 2018 أبطأ وتيرة نمو في نحو 3 عقود، وهو ما يكثف الضغط على بكين لتطبيق مزيد من إجراءات الدعم لتفادي تباطؤ أشد حدة.
وتؤجج دلائل الضعف المتزايدة في الصين، التي أسهمت بنحو ثلث النمو العالمي في العقد الأخير، المخاوف بشأن المخاطر التي تهدد الاقتصاد العالمي وتضغط على أرباح شركات مثل «أبل» وكبار منتجي السيارات.
وتعهد واضعو السياسات بمزيد من الدعم هذا العام للحد من خطر فقد جماعي للوظائف، في حين استبعدوا «فيضاً» من إجراءات التحفيز التي اعتمدت عليها بكين في السابق، والتي كان لها دور في تحسين معدل النمو سريعاً ولكن خلّف ديوناً هائلة.
وقال المكتب الوطني للإحصاء الاثنين، إن ثاني أكبر اقتصاد في العالم نما بنسبة 6.4 في المائة على أساس سنوي في الربع الممتد من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول) 2018، مقارنة مع 6.5 في المائة في الربع السابق عليه، وهي أبطأ وتيرة نمو منذ الأزمة المالية العالمية.
وبذلك هبط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2018 إلى 6.6 في المائة، وهو أقل مستوى له منذ عام 1990، انخفاضاً من 6.8 في المائة بعد التعديل في 2017. وبحسب البنك الدولي وخبراء الاقتصاد، فإنه من المتوقع نمو الاقتصاد الصيني خلال العام الحالي بمعدل 6.5 في المائة أو أقل، وسط مؤشرات على تباطؤ وتيرة نمو ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وسجل إنتاج المصانع زيادة مفاجئة إلى 5.7 في المائة، من 5.4 في المائة، وكان من النقاط المضيئة القليلة إلى جانب قطاع الخدمات. وأظهرت بيانات أخرى أمس، أن الاستثمارات ومبيعات التجزئة ما زالت تعاني، في حين ارتفع معدل البطالة. وارتفعت الاستثمارات في الأصول الثابتة 5.9 في المائة في 2018، وهي الأبطأ في 22 عاماً على الأقل وسط حملة للجهات التنظيمية على التمويل والديون الأكثر خطورة، التي ضغطت على إنفاق الحكومات المحلية في أوائل هذا العام.
ورغم أن الأرقام تظهر ارتفاع إجماعي الناتج الداخلي 6.6 في المائة العام الماضي، وهو أكبر من الهدف الذي حددته الحكومة عند 6.5 في المائة، ويتطابق مع معدل تقديرات محللين استطلعت وكالة الصحافة الفرنسية آراءهم، فإن الأمر ما زال يثير قلقاً واسعاً نظراً لأن الصين تعد أبرز محركات نمو الاقتصاد العالمي، وفقاً لحجم اقتصادها، وأهميتها بالنسبة لسلاسل الإمدادات العالمية، وأنها تحتوي أكبر عدد من المستهلكين بالعالم.
وعلى الرغم من التحفظات، يتابع الخبراء رقم النمو في الصين بدقة نظراً لحجم هذا البلد في الاقتصاد العالمي. ومع أن معدل النمو هذا يثير حسد الاقتصادات الغربية، لكنه الأضعف منذ سنة 1990 «السوداء»، حين حقق معدلاً بلغ 3.9 في المائة، التي تلتها سنوات نمو من رقمين أو أقل بقليل. واستمر تباطؤ النمو تدريجياً خلال فصول 2018 إلى أن بلغ 6.4 في المائة في الربع الأخير في أبطأ وتيرة منذ 2009، السنة التي شهدت الأزمة المالية الدولية.
وتؤكد بكين أن «أكبر تغيير جاء من الخارج». وقال مدير المركز الوطني للإحصاء نينغ جيجيه، إن «كل العالم قلق كثيراً من وجهة الوضع الدولي. التغيرات كثيرة مثل العوامل المقلقة». وأضاف أن كل هذا «يؤثر في ثاني اقتصاد في العام تشكل مبادلاته التجارية ثلث إجمالي الناتج الداخلي».
لكن المحللين يرون أن تباطؤ الاقتصاد مرتبط إلى حد كبير بالإجراءات التي اتخذتها بكين بخفض دينها الهائل، ونصت على الحد من الإقراض وخفض نفقات مرتبطة ببنى تحتية.
وقال محللون في مجموعة «كابيتال إيكونوميكس» إن «المحركات الرئيسية للتباطؤ الحالي داخلية». وأضافوا أن «ذلك يتوقع أن يستمر على الأمد القصير، مع تراجع ثقة المستهلكين وخفض الشركات للنفقات برأس المال».
وفي مواجهة التباطؤ، خففت الحكومة الصينية من التشدد في سياساتها في النصف الثاني من 2018 وتبنت إجراءات ضريبية مثل خفض الضرائب، على أمل تحفيز الاستهلاك.
وثبات النمو يشكل أولوية للصين. وأكد رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ الأسبوع الماضي، أن «الاقتصاد يمكن أن يتقلب في هامش معقول»، ولكن «دون تراجع كبير». ويتوقع عدد من خبراء الاقتصاد استمرار التباطؤ، على الأقل في النصف الأول من 2019.
وقال الاقتصاديون في مجموعة «أوكسفورد إيكونوميكس» إن «النمو سيبقى تحت الضغط في الأشهر المقبلة». وأضافوا أن «هدف أصحاب القرار سيكون الحد من التباطؤ بدلاً من محاولة تحقيق انتعاش كبير»، مشيرين إلى أن النمو سيبلغ أدنى مستوى له في الربع الثاني من العام.
وكتب هؤلاء الخبراء في مذكرة أيضاً أن «المسؤولين عززوا دعمهم السياسي رداً على تباطؤ الحيوية الوطنية». لكنهم رأوا أنه «بتراجع نسبة نمو الإقراض إلى أدنى مستوى منذ أكثر من 10 سنوات، فلن يستقر الاقتصاد قبل منتصف السنة الحالية».
وأكد محللون من مجموعة «نومورا» أنهم يعتقدون أن «النمو سيسوء في الفصل الأول من 2019، على الرغم من إجراءات التحفيز والمرونة المتزايدة لبكين، وسينخفض إلى أقل من 6 في المائة في النصف الأول». وأضافوا: «بالنسبة لمجمل 2019، نتوقع 6.0 في المائة». وتعاني التجارة التي تعد من المكونات الرئيسية للثروة الصينية من طلب خارجي يضعف، ومن الخلاف الأميركي - الصيني. وقالت مجموعة «كابيتال إيكونوميكس» إن «الصادرات الصينية يفترض أن تضعف في الفصول المقبلة، إذ إن الطلب العالمي يواصل انخفاضه، وإن كان خطر التباطؤ بسبب تصاعد جديد في الحرب التجارية انحسر».
وأثرت هذه الحرب خصوصاً في ثقة الأسواق، وإن لم تضر بالاقتصاد الصيني إلا في نهاية العام. وقد تراجعت الصادرات الصينية، بالدولار، في ديسمبر الماضي بنسبة 4.4 في المائة.
وتحاول واشنطن وبكين منذ مطلع ديسمبر تسوية الخلافات بينهما. ويفترض أن يزور كبير المفاوضين الصينيين نائب رئيس الوزراء ليو هي واشنطن في 30 و31 يناير (كانون الثاني) الحالي، قبل شهر من انتهاء الهدنة الحالية التي أعلنتها القوتان العظميان.
وإذا لم يتم التوصل إلى نهاية للحرب التجارية قبل انتهاء مارس (آذار) المقبل، فإنها ستؤثر بشدة في الاقتصاد، حيث تعتزم الولايات المتحدة زيادة الرسوم على كمية قيمتها 200 مليار دولار من السلع الصينية من 10 إلى 25 في المائة. وقال ماكس شينجلين، رئيس قطاع البرامج الاقتصادية في معهد «ميركاتور للدراسات الصينية»، إن «الحرب التجارية تفرض نفسها حالياً أكثر من كل عوامل نمو حالة الغموض» التي تحيط بالاقتصاد الصيني، مضيفاً أن ضعف الصادرات وتعثر الاستثمار أثر بالفعل في نمو الاقتصاد، بحسب وكالة الأنباء الألمانية.
وقالت يي تان، المحللة الاقتصادية الموجودة في بكين، إن الصين تواجه تحديات أخرى، حيث قالت إن «التحول الصناعي» الأكبر للصين يسبب تباطؤاً للاقتصاد الذي يتحول من الاعتماد على التصدير إلى الاعتماد على الاستهلاك والخدمات. كما تواجه بكين تحديات أخرى؛ منها ارتفاع معدلات الديون إلى أكثر من 300 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، بحسب المعهد الدولي للتمويل. وقالت يي إن الخطوات الأخيرة التي قامت بها الحكومة الصينية لتعزيز النمو الاقتصادي يمكن أن تتواصل. وأضافت: «الحكومة اتخذت بالفعل إجراءات مثل تخفيف السياسة النقدية وخفض الضرائب للمشروعات الصغيرة والمتوسطة... لكننا ما زلنا ننتظر لنرى إن كانت الحكومة ستخفض الضرائب على مجالات أخرى، أم لا».
كما يرى الخبراء أن استمرار تفضيل الشركات المملوكة للدولة على الشركات الخاصة يحول دون تحقيق نمو مستدام. وقال شينجلين إنه رغم الدعوات المتكررة للصين لزيادة اعتماد النمو على الإنفاق الاستهلاكي، فإنه ما زال النمو الصيني يعتمد على الأساليب القديمة مثل الاستثمار الكثيف في مشروعات البنية التحتية إلى جانب الإعفاءات الضريبية، وهي إجراءات لا تزيد على كونها «برنامج تحفيز» بغض النظر عن اختلاف الأسماء.
وكان رئيس الوزراء الصيني لي كيشيانغ قال يوم الخميس الماضي، إن بلاده تستهدف تحقيق معدل نمو «في نطاق معقول» من خلال سياسات الاقتصاد الكلي والتوسع في الابتكار، بحسب ما نقلته عنه وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا).



تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.