تحديد جنس الجنين... حقائق وتكهنات

دراسات لفصل الحيوانات المنوية الحاملة للكروموسومات الذكرية والأنثوية

تحديد جنس الجنين... حقائق وتكهنات
TT

تحديد جنس الجنين... حقائق وتكهنات

تحديد جنس الجنين... حقائق وتكهنات

لا توجد دراسات علميه موثقة عن تحديد جنس الجنين قبل الحمل، بل هناك تكهنات ومعتقدات لا تستند على أسس علمية مثل موعد التبويض أو نوعية الطعام أو الجدول الصيني. ولكن البحوث العلمية أثمرت في التوصل إلى طريقة لفصل الحيوانات المنوية الذكرية عن الأنثوية اعتمادا على الاختلاف في نسبة الحمض النووي بينهما بواسطة فحص يسمى «مايكروسورت» وبهذه الطريقة يمكن اختيار جنس الجنين بشكل علمي سوف يسعد الآباء والأمهات.
جنس الجنين
عند الحديث عن جنس الجنين فإن كلا من الوالدين لديه فرصة بنسبة 50 في المائة لإنجاب صبي و50 في المائة أخرى لإنجاب فتاة. وتعتمد طريقة تحديد جنس الجنين على الحيوان المنوي الذي يصل أولاً للبويضة. وبذلك فإن الحيوانات المنوية للزوج هي المسؤولة بالكامل عن تحديد جنس الجنين، أما المرأة فهي مجرد مُستقبِل ولا دخل لها بتحديد نوع الجنين. وتحمل الحيوانات المنوية للرجل نوعين من الكروموسومات
«إكس» و«واي» (XY)، أما البويضة فتحمل اثنين من نوع واحد من الكروموسومات وهو الكروموسوم «إكس X».
وما يصل أولاً من تلك الحيوانات المنوية هو الذي يُحدد جنس المولود. وإذا وصل الحيوان المنوي الذي يحمل الكروموسوم «واي» أولاً إلى البويضة وتم التلقيح يكون الجنين ذكراً، أما إذا وصل الكروموسوم «إكس» أولاً إلى البويضة ونجحت عملية التلقيح يكون الجنين أنثى، لذلك أقر العلماء أن تحديد نوع الجنين يحدث قبل الحمل بمجرد اجتماع الحيوان المنوي الأسرع مع البويضة.
وتثبت نتائج الدراسات أن الحيوانات المنوية الحاملة للكروموسوم واي يكون حجمها أصغر وأسرع من الحيوانات المنوية الحاملة للكروموسوم «إكس»، وهذا يعني أن فرص الحمل بصبي في كثير من الأحيان قد تكون أعلى من فرص الحمل بأنثى.
هناك العديد من العوامل التي تحدد فيما إذا كان الحيمن ذكريا أو أنثويا، منها أعمار الوالدين ودورة الإباضة للمرأة ومستوى الإجهاد والنظام الغذائي والوضع الجنسي.
وتفيد بعض البحوث أن الإجهاد لدى الوالدين يمكن أن يؤدي إلى ولادة المزيد من الإناث في حين أن العيش في أجواء الحروب والصراعات قد يفضي إلى المزيد من مواليد الذكور.

دراسة الشجرة العائلية
وقد دققت دراسة إحصائية حديثة نشرها الباحث كوري جيلاتلي Corry Gelalatly من جامعة نيوكاسل في بريطانيا في الإصدار الإلكتروني من مجلة «أيفوليوشنيري بيولوجي» في مئات السنين من تاريخ الشجرة العائلية. وأشارت إلى أن الرجال يرثون ميلا نحو الحصول على مزيد من الأبناء أو البنات من آبائهم.
وهذا يعني أن الرجل الذي لديه العديد من الإخوة أكثر احتمالا لأن يكون لديه أبناء، في حين أن الرجل الذي لديه العديد من الأخوات أكثر احتمالا لأن يكون لديه بنات. ولكن الحالة هذه لا تنطبق على النساء إذ لا يمكن التنبؤ بما هو للرجال.
وشملت الدراسة 927 شجرة من الشجرات العائلية وكانت تحتوي على معلومات من 556387 شخصا من أميركا الشمالية وأوروبا... وأشارت أيضا إلى أن الجينات غير المكتشفة حتى الآن هي التي تتحكم فيما إذا كان السائل المنوي للرجل يحتوي على كروموسومات «إكس» أكثر من «واي» أو العكس، التي تؤثر على جنس الجنين.
وعلى نطاق واسع، فإن عدد الرجال الذين لديهم حيوانات منوية من النوع «إكس» هو أكثر مقارنة بالرجال الذين لديهم حيوانات منوية من النوع «واي»، وهذا ما يؤثر على نسبة جنس الأطفال المولودين كل عام.
ولادات وتفسيرات
وفقا لدراسة حديثة من ديفيد ستينسالتز David Steinsalz الأستاذ المشارك في الإحصاء في جامعة أوكسفورد فقد سجلت إنجلترا ومقاطعة ويلز كل عام، نسبة أعلى من ولادات الذكور مقارنة بالإناث، منذ بداية تسجيل الولادات عام 1838 باستثناء سنة واحدة في عهد الملكة فيكتوريا. وفي عام 2017 مثلا كان الفرق نحو 17 ألفا لصالح الذكور، أما النسبة فتبلغ 105 ذكور لكل 100 من الإناث وهي حالة اعتيادية بل طبيعية وهي نسبة قد تكون سأئده في جميع أنحاء العالم تقريبا. ومن المستغرب أن هذه النسبة كانت معروفة منذ القرن السابع عشر، ولا تعرف إجابات عن أسباب ذلك رغم وجود العديد من التفسيرات التي تناولت هذا التفاوت في النسب.
• التفسير الأول هو نظرية تطورية تقول بأنه من أجل أن يكون هناك عدد متساو من الذكور والإناث في مرحلة البلوغ يجب أن يكون هناك مواليد ذكور أكثر. ويعزو ديفيد ستينسالتز ذلك إلى كثرة تعرض الذكور للموت في مرحلة الطفولة وفي مراحل الحياة من الحوادث والمخاطر الأخرى والمشاكل الصحيه. لذلك فإذا كان عدد الذكور أكثر من الإناث في بداية الحياة هذا يعني سوف يتساوى العدد في مرحلة البلوغ وفقا لهذه النظرية. وفي الواقع فإن عدد النساء البالغات ينحى إلى التفوق على عدد الرجال البالغين حسب مكتب الإحصاءات الوطنية.
• التفسير الثاني هو البقاء في الرحم، إذ تشير بعض البحوث إلى احتمال فقدان الإناث في الرحم خلال الحمل المبكر، كما أظهرت الدراسات الأخرى أن الأجنة الذكور أكثر هشاشة في المراحل المتأخرة من الحمل مما يؤدي إلى ولادة أجنة ميتة.
أبناء وبنات
التركيبة الجينية لدى الرجل تلعب دورها في تحديد جنس المولود.
يتكون الجين من جزأين معروفين باسم «الأليلات» (alleles)، كل واحد منها موروث من كلا الوالدين. وقد أوضح الباحث جيلاتلي في بحثه أن من المرجح أن الرجال يحملون نوعين مختلفين من «الأليلات»، وهو الأمر الذي يؤدي إلى وجود ثلاث مجموعات محتملة في الجين الواحد تسيطر على نسبة الحيوانات المنوية لكل من «إكس» و«واي».
• الرجال في التركيبة الأولى المعروفة بمصطلح «mm» (ذكر ذكر) التي تنتج وفرة من الحيوانات المنوية «واي»، ومن المرجح أن يكون لديهم أبناء.
• الرجال في التركيبة الثانية المعروفة بمصطلح «mf» (ذكر أنثى) التي تنتج حيوانات منوية متساوية في عددها من كل من «إكس» و«واي»، وبالنتيجة يتساوى فيها عدد الذكور والإناث المولودين.
• الرجال في التركيبة الثالثة المعروفة بمصطلح «ff» (أنثى أنثى) تنتج وفرة من الحيوانات المنوية «إكس» ومن المرجح أن يكون لديهم إناث.
إن الجين الذي ينتقل من كلا الوالدين، والذي يسبب لبعض الرجال أن يكون لديهم المزيد من الذكور والبعض الآخر يكون لديهم المزيد من الإناث، قد يفسر لماذا نرى عدد الرجال والنساء متوازناً تقريباً في السكان. أما الرجال الذين لديهم بنات أكثر فلن يتم تمرير جيناتهم إلى الجيل المقبل، مما يسبب ولادة عدد أكبر من الإناث في الأجيال اللاحقة.
وتشير دراسة جامعة نيوكاسل إلى أن المزيد من الأولاد يولدون بعد الحروب العالمية، وقد يكون ذلك بسبب الجينات. ونظراً لأن الاحتمالات كانت لصالح الرجال الذين لديهم أبناء أكثر وهم يرون أبناءهم عائدين من الحرب، فإن هؤلاء الأبناء كانوا أكثر ميلاً ليصبحوا آباء للأولاد، لأنهم هم أنفسهم ورثوا هذا الميل عن آبائهم.
وعلى النقيض من ذلك، فإن الرجال الذين لديهم بنات أكثر قد يكونون فقدوا أبناءهم الوحيدين في الحرب، وكان من الأرجح أن يكون هؤلاء الأبناء آباء للبنات. وهذا يفسر السبب في أن الرجال الذين نجوا من الحرب كانوا أكثر احتمالاً لإنجاب الذكور مما أدى إلى ازدهار ولادة الذكور في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية.
فصل الحيوانات المنوية
لعل البحث العلمي الآخر الذي نُشِر في مجلة «هيومان ريبرادكشين» يمثل فتحاً جديداً، إذ توصل الباحثون إلى أنه يمكن تحديد الحيوان المنوي الذي يحمل الكروموسوم الذكري «واي» وتفريقه عن الحيوان المنوي الذي يحمل كروموسوم الأنوثة «إكس» وذلك من خلال احتواء الأخير على نسبة أكبر من الحمض النووي بنسبة 2.8 في المائة عن الكروموسوم الذكري «واي».
وبناءً على ذلك، ومن خلال صبغة الحيوانات المنوية بصبغة الفلورسين وقياس نسبة الطيف الضوئي المنعكس منها بعد تسليط ضوء أشعة الليزر عليها، يمكن تفريق كل من الحيوان المنوي الذي يحمل كروموسوم الذكورة عن الحيوان المنوي الذي يحمل كروموسوم الأنوثة بواسطة فحص يسمى «مايكروسورت» ويجري في معهد الوراثة وأطفال الأنابيب بولاية فيرجينيا بالولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا
TT

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

«وكلاء الذكاء الاصطناعي» يغزون أميركا

يعيش الأميركيون في عوالم متوازية للذكاء الاصطناعي، فبالنسبة لمعظم البلاد، أصبح الذكاء الاصطناعي مرادفاً لـ«تشات جي بي تي»، ولتطبيق «غوغل إيه آي اوفرفيو». وفي الوقت نفسه، ينجذب هواة التكنولوجيا إلى هذه البرامج الروبوتية التي تعمل لساعات متواصلة، مُختصرةً شهوراً من العمل إلى أسابيع.

الوكيل الذكي المتخصص

وحديثاً، بدأ المزيد من الناس في تجربة أدوات مثل «كلود كود» Claude Code، المنتج الذي طوَّرته شركة «أنثروبيك» الناشئة، بصفتها «وكيلاً»، أي أنه قادر على القيام بجميع أنواع العمل التي قد يقوم بها الإنسان على جهاز كمبيوتر.

ويختبر بعض الأكاديميين قدرة «كلود كود» – وهو تطبيق خُصص بالأساس للمبرمجين - على إنشاء وتأليف أوراق بحثية تلقائياً؛ بينما يستخدمه آخرون في أبحاث علم الأحياء. ويجري الصحافيون تجارب عليه لكتابة مقالات تعتمد على البيانات. وفي وقت سابق من هذا الشهر، استخدم اثنان منهم البرنامج لإنشاء منافس وهمي لموقع «مونداي.كوم» Monday.com، وهي شركة برمجيات عامة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات. وفي أقل من ساعة، كان لديهم نموذج أولي يعمل.

ورغم أن الجودة الفعلية لجميع هذه الأوراق والتحليلات المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي لا تزال غير واضحة، فإن التقدم مذهل ومثير للقلق في آن واحد. ويقول دين بول، وهو زميل بارز في مؤسسة الابتكار الأميركية: «بمجرد أن يتمكن الكمبيوتر من استخدام الكمبيوترات الأخرى، فإن المنافسة ستنطلق».

وحتى مع تطور الذكاء الاصطناعي، لم تنتشر أكثر البرامج الروبوتية تطوراً على نطاق واسع بعد. فعلى عكس «جي بي تي» الذي يوفر نسخة مجانية، فإن الأدوات الآلية مثل «كلود كود» أو «كوديكس» Codex من«أوبن إيه آي» عادةً ما تعمل عند دفع الأجور، وقد يكون إعدادها معقداً.

ليس من الواضح دائماً كيفية توجيه روبوتات الدردشة الذكية على النحو الأمثل: فقد يُنشئ المستخدم المُتمرس فرقاً من الروبوتات تتواصل فيما بينها أثناء العمل، بينما قد لا يُدرك المستخدم المبتدئ وجود مثل هذه الإمكانات أصلاً.

برامج لعموم المستخدمين

يتسابق قطاع التكنولوجيا الآن لتطوير نسخ أكثر سهولة من هذه المنتجات لعامة المستخدمين. ففي الشهر الماضي، أطلقت شركة «أنثروبيك» نسخة مدفوعة جديدة من برنامج «كلود كود» مُصممة للمستخدمين غير التقنيين. كما كشفت عن نموذج جديد لجميع المستخدمين، يُقدم، من بين أمور أخرى، «قدرات تُضاهي القدرات البشرية في مهام مثل التعامل مع جداول البيانات المُعقدة». في الوقت نفسه، أعلنت شركة «أوبن إيه آي» أخيراً عن نسخة جديدة من برنامج «كودكس»، الذي تدّعي الشركة أنه قادر على فعل أي شيء تقريباً «يُمكن للمحترفين فعله على الكمبيوتر». مع ازدياد شهرة هذه المنتجات، يبدو أن الناس يُدركون فجأة أن الذكاء الاصطناعي يُقدم أكثر بكثير من مجرد كتابة نصوص تسويقية وتقديم محادثات ودية. لقد بدأ عصر ما بعد روبوتات الدردشة.

قد تبدو أدوات مثل «تشات جي بي تي» و«جيميني» قوية بما يكفي في حد ذاتها. في الواقع، اكتسبت روبوتات الدردشة الكثير من الميزات الجديدة الرائعة خلال السنوات القليلة الماضية. أصبحت هذه البرامج الآن تمتلك ذاكرةً تُمكّنها من الرجوع إلى المحادثات السابقة، واستخدام تقنية تُسمى الاستدلال لإنتاج ردود أكثر تطوراً. فبينما كانت برامج الدردشة الآلية القديمة قادرة على استيعاب بضعة آلاف من الكلمات في المرة الواحدة، باتت اليوم قادرة على تحليل ملفات بحجم كتاب، بالإضافة إلى معالجة وإنتاج الصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية.

البرمجيات: تنفيذ سريع

لكن كل هذا يتضاءل أمام صعود الأدوات الذكية. لنأخذ هندسة البرمجيات مثالاً، حيث أثبتت هذه الأدوات قدرتها التحويلية بشكل خاص. أصبح من الشائع الآن أن يُسلّم المهندسون التعليمات إلى برنامج آلي مثل «كلود كود» أو «كوديكس» ويتركون له مهمة التنفيذ. ولأن البرامج الآلية غير مقيدة بالقدرات البشرية، يُمكن للمبرمج تشغيل جلسات عدة في وقت واحد، تعمل كل منها على جوانب مختلفة من المشروع.

وقد كتب مبرمج الكمبيوتر سالفاتور سانفيليبو في مقال انتشر أخيراً: «بشكل عام، بات من الواضح الآن أنه بالنسبة لمعظم المشاريع، لم يعد من المنطقي كتابة الكود بنفسك». وأشار سانفيليبو إلى أنه في غضون ساعات قليلة فقط، أنجز مهام عدة كانت تستغرق أسابيع في السابق. كما صرح الرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت» بأن ما يصل إلى 30 في المائة من البرمجيات تُكتب حالياً بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويتوقع كبير المسؤولين التقنيين في الشركة أن تصل هذه النسبة إلى 95 في المائة على مستوى القطاع بحلول نهاية العقد. وتشير تقارير شركة «أنثروبيك» بالفعل إلى أن ما يصل إلى 90 في المائة من برمجيات الشركة مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

«جائحة» الذكاء الاصطناعي

بدأ بعض المبرمجين بالتحذير من أن تطورات مماثلة قد تُهدد جميع أنواع العمل المعرفي. ففي الأسبوع الماضي، شبّه مات شومر، الرئيس التنفيذي لشركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي ببدايات جائحة «كوفيد - 19»، عندما كان معظم الأميركيين لا يزالون غافلين عن الجائحة الوشيكة. وكتب شومر: «كان جعل الذكاء الاصطناعي بارعاً في البرمجة هو الاستراتيجية التي تُمهد الطريق لكل شيء آخر». وأضاف: «إن التجربة التي خاضها العاملون في مجال التكنولوجيا خلال العام الماضي، بمشاهدة الذكاء الاصطناعي ينتقل من كونه (أداة مفيدة) إلى كونه (يؤدي عملي بشكل أفضل مني)، هي التجربة التي سيخوضها الجميع قريباً». وحظيت مقالته بأكثر من 80 مليون مشاهدة، وقد كُتبت جزئياً باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وفي الأسبوع الماضي، توقع رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في «مايكروسوفت» أن يقوم الذكاء الاصطناعي بأتمتة «معظم، إن لم يكن كل» مهام العمل المكتبي في غضون 18 شهراً.

ليس من الواضح بعد مدى رسهولة تطبيق التقدم في أدوات الذكاء الاصطناعي على مجالات أخرى. فالبرمجة مجالٌ ملائمٌ للأتمتة: إما أن تعمل البرامج أو لا تعمل. أما تحديد ما يُعدّ مقالاً جيداً، على سبيل المثال، فهو مهمةٌ أكثر تعقيداً، وتتطلب قدراً أكبر من التمييز البشري. ورغم أن أدوات الذكاء الاصطناعي غالباً ما تتفوق في الأعمال المعقدة، مثل تجميع كميات هائلة من النصوص، فإنها تُعاني في القيام بأمر بسيط كنسخ ولصق النصوص. ولأنها قويةٌ جداً، فقد تكون خطيرةً أيضاً عند ارتكابها الأخطاء. ومع أن الذكاء الاصطناعي لم يصل بعد إلى مستوى المحلل المالي أو المهندس المعماري العالمي، فقد تطورت برامج الروبوت البرمجية إلى درجة تمكنها من المساعدة في جميع أنواع الأعمال المعرفية.

ترويج يفشل في إقناع الجمهور

وعلى الرغم من روعة أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية، فإنه قد يستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تصبح آمنة وموثوقة بما يكفي للاستخدام الواسع. حتى مع استمرار التطور السريع للقدرات التقنية، يبقى العالم الحقيقي معقداً ومليئاً بالتحديات.

لقد بذلت شركات التكنولوجيا جهوداً جبارة لإقناع المستثمرين بضخّ الأموال في أعمالها، لكنّ القطاع نفسه فشل فشلاً ذريعاً في إقناع الجمهور برؤيته. فبدلاً من التركيز على الفوائد الملموسة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، أمضى وادي السيليكون سنوات في الترويج لهذه التقنية بأسلوبٍ مُبالغ فيه، مُقدّماًً تقارير أعمالٍ تُشبه الخيال العلمي.

في إحدى المقالات المؤثرة، كتب داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، أن الذكاء الاصطناعي القوي قد يقضي قريباً على معظم أنواع السرطان، وعلى جميع الأمراض المعدية تقريباً. وفي مقالٍ آخر، حذّر فريقٌ من الباحثين من أن الذكاء الاصطناعي المارق قد يُطلق، خلال عقدٍ من الزمن، أسلحةً بيولوجية، مُبيداً بذلك البشرية جمعاء تقريباً. صحيحٌ أن الروبوتات القادرة على التعامل مع جداول البيانات وأتمتة البرمجة قد لا تُصنّف ضمن الذكاء الخارق، إلا أنها لا تزال تتمتع بقدراتٍ هائلة. وإذا كان عامة الناس لا يزالون في حيرةٍ من أمرهم بشأن القدرات الحقيقية للذكاء الاصطناعي، فإن وادي السيليكون لا يلوم إلا نفسه.

* «ذا أتلانتيك أونالاين»

- خدمات «تريبيون ميديا»


الجيل المقبل من الألواح الشمسية... إنتاج أكبر وانبعاثات أقل

صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)
صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)
TT

الجيل المقبل من الألواح الشمسية... إنتاج أكبر وانبعاثات أقل

صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)
صناعة ألواح الطاقة الشمسية تشهد تحولات متسارعة (جامعة أوتاوا)

تشهد صناعة الطاقة الشمسية تحولات متسارعة مدفوعة بالحاجة المتزايدة إلى مصادر كهرباء نظيفة ومستدامة لمواجهة تحديات تغير المناخ. وتُعدّ الألواح الشمسية، أو الخلايا الكهروضوئية، ركيزة أساسية في مسار التحول نحو طاقة منخفضة الكربون. ومع التوسع الكبير في نشر هذه التكنولوجيا عالمياً برزت تساؤلات متزايدة حول الأثر البيئي المرتبط بتصنيع ألواح السيليكون التقليدية من نوع «PERC».

جيل جديد من الخلايا الشمسية

وخلال السنوات الأخيرة، ظهر جيل جديد من خلايا السيليكون الشمسية يُعرف باسم «توب كون» (TOPCon)، يتميز بكفاءة أعلى وبصمة بيئية أقل مقارنة بالتقنية التقليدية. وقد صُمم هذا الجيل لتحسين الأداء في مختلف الظروف التشغيلية، وتقليل الفاقد الكهربائي، ودعم الانتشار الواسع للطاقة الشمسية دون زيادة كبيرة في التأثير البيئي.

خلايا السيليكون الشمسية لا تزال الخيار السائد والأكثر انتشاراً في الأسواق (جامعة سيدني)

ولحساب الأثر البيئي للتحول إلى هذه الخلايا، توصلت دراسة أجراها باحثون بجامعات «وارويك» و«نورثمبريا» و«برمنغهام» و«أكسفورد» في بريطانيا، إلى أن التحول إلى تقنية «توب كون» يمكن أن يُسهم في خفض الانبعاثات الكربونية العالمية بنحو 8.2 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2035، وهو ما يعادل قرابة 14 في المائة من إجمالي الانبعاثات العالمية السنوية الحالية، حسب النتائج التي نُشرت في عدد 16 فبراير (شباط) 2026 من دورية «Nature Communications».

وقدّمت الدراسة مقارنة شاملة لدورة حياة التصنيع لكلّ من تقنيتَي «PERC» التقليدية وخلايا «توب كون» الجديدة، بهدف تقييم ما إذا كانت التقنية الأحدث قادرة على تقليص البصمة البيئية للطاقة الشمسية بالتوازي مع زيادة انتشارها عالمياً.

وأشارت النتائج إلى أن التصنيع على نطاق «التيراواط» يتطلّب فهماً دقيقاً للأثر البيئي عبر سلسلة الإمداد، وأن إدخال تحسينات محددة في مراحل الإنتاج يمكن أن يعزّز استدامة الصناعة بشكل ملموس. وأظهرت التحليلات أن ألواح «توب كون» تسجل انخفاضاً في الأثر البيئي ضمن 15 من أصل 16 فئة تقييم مقارنة بالخلايا التقليدية، مع تقليل الانبعاثات المرتبطة بتغير المناخ بنسبة 6.5 في المائة لكل وحدة قدرة كهربائية.

كما خلص الباحثون إلى أن الجمع بين اعتماد هذه التقنية وتحسين عمليات التصنيع قد يجنّبان العالم ما يصل إلى 25 مليار طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالإنتاج بحلول 2035، إذا ما استُخدمت هذه الألواح لاستبدال الكهرباء المولدة من الوقود الأحفوري.

تقنية «توب كون»

يقول الأستاذ بمركز بحوث وتطوير الفلزات في مصر، الدكتور أحمد مرتضى السمان، إن الخلايا الشمسية التقليدية المصنوعة من السيليكون لا تزال الخيار السائد والأكثر انتشاراً في الأسواق، إذ تُعد النوع الأكثر موثوقية وكفاءة في تحويل ضوء الشمس مباشرة إلى كهرباء، رغم ظهور تقنيات أخرى مثل خلايا البيروفسكايت التي تتميز بسهولة التصنيع وكفاءة واعدة، ولكنها لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالاستقرار وطول العمر التشغيلي.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن تصنيع خلايا السيليكون التقليدية يظل مرتبطاً بتحديات بيئية، أبرزها استهلاك كميات كبيرة من الطاقة في عملية تحويل الرمال إلى سيليكون عالي النقاء، وغالباً ما تأتي هذه الطاقة من مصادر حرارية تقليدية، مما يؤدي إلى انبعاثات ملحوظة من ثاني أكسيد الكربون وغازات الدفيئة. كما تتطلب مراحل التصنيع استخدام مواد كيميائية ومذيبات ومعادن مثل الفضة لتوصيل الكهرباء، ومع ذلك يظل الأثر البيئي لهذه الخلايا أقل بكثير مقارنة بتوليد الكهرباء من الوقود الأحفوري، خصوصاً عند دمج الطاقة المتجددة في عمليات الإنتاج.

وأوضح أن تقنية «توب كون» لا تمثل نوعاً جديداً بالكامل من الخلايا الشمسية، بل تُعد تطويراً متقدماً لخلايا السيليكون التقليدية يهدف إلى رفع كفاءة تحويل الضوء إلى كهرباء وتقليل الفاقد الناتج عن فقد الإلكترونات داخل الخلية، وتمثّل هذه التقنية الجيل الأحدث من خلايا السيليكون، إذ تختلف عن التصميمات التقليدية في البنية الداخلية وطريقة العمل. وبينما تعتمد الخلايا التقليدية على طبقة عازلة خلفية لتقليل فقد الإلكترونات، تستخدم خلايا «توب كون» طبقة فائقة الرقة من أكسيد السيليكون يتراوح سمكها بين 1 و2 نانومتر، تسمح بمرور الإلكترونات بكفاءة وتحدّ من فقد الشحنات غير المرغوبة، مما يحسّن أداء الخلية ويزيد إنتاجيتها لكل وحدة من ضوء الشمس، وفق السمان.

وأشار السمان إلى أن رفع كفاءة الخلايا عبر تقنية «توب كون» يحقق عدة فوائد، أبرزها تقليل عدد الألواح اللازمة لإنتاج كمية الطاقة نفسها بنحو الثلث تقريباً، مما ينعكس على خفض التكاليف. كما يُسهم في إطالة العمر التشغيلي للألواح إلى نحو 30 عاماً، وتقليل كمية السيليكون المستخدمة في تصنيع الخلايا، وبالتالي خفض تكاليف النقل والتصنيع والأثر البيئي الإجمالي.

وبيّن أن الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذه التقنية يمكن أن تقلل الانبعاثات المرتبطة بتغير المناخ بنحو 6.5 في المائة لكل وحدة قدرة كهربائية، نتيجة زيادة كفاءة الخلايا، وتظهر هذه الفوائد بشكل أوضح في الدول التي تعتمد على الطاقة النظيفة في مزيج الكهرباء، مثل الصين وعدد من الدول الأوروبية.

وفي المقابل، لفت إلى أن التقنية لا تزال تواجه تحديات، أبرزها محدودية انتشارها الصناعي حتى الآن، لكنه أشار إلى أن تبني كبرى الشركات خطوط إنتاج قائمة على تقنية «توب كون» سيسرّع انتشارها ويخفّض تكلفتها ويعزز كفاءتها. كما شدد على أهمية الاعتماد على الطاقة النظيفة في تصنيع هذه الخلايا، لتحقيق أعلى معايير الاستدامة وتقليل الأثر البيئي لصناعة الألواح الشمسية.


«بروتينات مصمَّمة صناعياً» تستجيب للتأثيرات المغناطيسية

بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر
بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر
TT

«بروتينات مصمَّمة صناعياً» تستجيب للتأثيرات المغناطيسية

بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر
بروتين فلوري أخضر من أحد أنواع قنديل البحر

أظهرت دراسات علمية حديثة نجاح العلماء في هندسة بروتينات قادرة على الاستجابة للحقول المغناطيسية الضعيفة، وتغيير سلوكها داخل الخلايا عند تعرّضها لمجالات مغناطيسية، ونبضات راديوية دقيقة. وتُعد هذه النتائج خطوة واعدة نحو تطوير أدوات تصوير طبية أكثر دقة، وإنتاج أدوية يمكن التحكّم في نشاطها عن بُعد.

وتشير الأبحاث -التي نُشرت في مجلة «Nature» في 21 يناير (كانون الثاني) 2026، وقادها باحثون من جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، وجامعة هارفارد ومؤسسات تقنية حيوية في الولايات المتحدة- إلى أن هذه البروتينات المصمَّمة خصيصاً تستطيع تعديل خصائصها الحيوية، مثل شدة الضوء الذي تُصدره استجابةً للمغناطيس. وقد يتيح ذلك تتبّع بروتينات مرتبطة بالأمراض داخل الجسم بطريقة شبيهة بالتصوير بالرنين المغناطيسي، ولكن باستخدام أدوات أصغر، وأقل تكلفة.

ويُمثّل هذا التقدم تحولاً في الفهم العلمي لتأثير المغناطيس على الأحياء. وكان الاعتقاد السائد لعقود أن الحقول المغناطيسية لا تؤثر تقريباً في الخلايا، وهو ما سمح باستخدامها بأمان في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي. كما تشير هذه النتائج إلى إمكانية توظيف المغناطيس ليكون وسيلة نشطة للتأثير في العمليات الحيوية، وفتح آفاق جديدة للتشخيص، والعلاج الموجّه.

بروتينات مرئية بالمغناطيس

يعتمد الأطباء اليوم على أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) التي تستخدم حقولاً مغناطيسية قوية، وموجات راديوية لرؤية ما بداخل الجسم. ورغم دقة هذه التقنية، فإنها تُظهر صورة عامة للأنسجة، ولا تستطيع تتبّع جزيئات محددة، مثل البروتينات المرتبطة بمرض معيّن. ولهذا يسعى العلماء منذ سنوات إلى ابتكار طرق تمكّنهم من «رؤية» هذه البروتينات داخل الجسم الحي. وفي خطوة واعدة نحو هذا الهدف، نجح باحثون من جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة -بقيادة غابرييل أبراهامز، وهاريسون ستيل من قسم العلوم الهندسية- في هندسة بروتينات فلورية (التي تشع بلون أخضر فلوري عند تعرضها لضوء أزرق اللون). تُستخدم عادة في المختبرات لإضاءة الخلايا بحيث يتغيّر سطوعها عند تعرّضها لحقول مغناطيسية ضعيفة. فعند وضع مغناطيس قريب منها تصبح هذه البروتينات أكثر خفوتاً أو سطوعاً بطريقة يمكن التنبؤ بها، ما يجعل تتبّعها ممكناً باستخدام المغناطيس.

ويعتمد هذا الابتكار على جزء بروتيني حساس للضوء يُعرف باسم LOV، وهو شائع الاستخدام في أبحاث البيولوجيا.

ومن خلال تعديل هذا الجزء وربطه ببروتينات فلورية طوّر العلماء نسخاً شديدة الحساسية للمجالات المغناطيسية أُطلق على بعضها اسم MagLOV، ويمكن لهذه البروتينات المعدّلة أن تفقد نصف شدة إضاءتها أو أكثر عند التعرّض لمجال مغناطيسي قريب.

وتعود جذور هذا الاكتشاف إلى أعمال بحثية سابقة نُشرت عام 2024 قادها باحثون من شركة «Calico Life Sciences» في الولايات المتحدة، من بينهم أندرو يورك، وماريا إنغارامو. وقد أظهرت تلك الدراسات أن البروتينات الفلورية الشائعة -مثل البروتين الأخضر المضيء (GFP)، وبروتينات نطاق LOV - يمكن جعلها مستجيبة للمغناطيس عند تعديلها بعناية باستخدام ما يُعرف بالتطوّر الموجَّه. وفي إحدى النسخ المطوّرة تمكّن الباحثون من خفض شدة الإضاءة بنحو 75 في المائة عند التعرّض لمجالات مغناطيسية ضعيفة نسبياً.

ويرى العلماء أن هذه التقنية قد تمهّد الطريق لأدوات تصوير جديدة قادرة على تتبّع بروتينات مرتبطة بالأمراض داخل الجسم بدقة غير مسبوقة، وربما في المستقبل تمهد لأدوية يمكن التحكّم في نشاطها عن بُعد باستخدام المغناطيس، ما يفتح آفاقاً جديدة في التشخيص، والعلاج.

وسيلة تشخيص وعلاج

• تشخيص بالفيزياء الكمّية. تعود هذه الظاهرة إلى تأثيرات كمّية دقيقة داخل البروتين، حيث تتفاعل إلكترونات صغيرة عند امتصاص الطاقة. ويؤدي المجال المغناطيسي إلى تغيير طريقة تفاعل هذه الإلكترونات ما يؤثر في كمية الضوء التي يصدرها البروتين.

وفي أحدث تطوّر أظهر الباحثون أنهم يستطيعون التحكم في هذا التغيّر باستخدام نبضات ترددات راديوية شبيهة بتلك المستخدمة في أجهزة الرنين المغناطيسي. وقد مكّنهم ذلك من تحديد مواقع البروتينات الحساسة للمغناطيس بدقة أعلى حتى عندما كانت مدفونة داخل مواد صلبة.

وفي تجارب مخبرية، تمكّن العلماء من رسم خرائط لبكتيريا تحمل هذه البروتينات داخل كتل صلبة، وهو ما يشير إلى إمكانية تطبيق التقنية مستقبلاً في الكائنات الحية.

• أدوية يمكن التحكم بها عن بُعد. ولا يقتصر الأمل على التصوير فقط، بل يتعدّاه إلى تطوير علاجات يمكن تشغيلها أو تعطيلها بالمغناطيس. ففي أعمال بحثية لم تُنشر بعد أظهر العلماء أن الحقول المغناطيسية قد تُضعف أو تُعزّز قدرة الأجسام المضادة على الارتباط بأهدافها.

وقد يتيح ذلك تطوير أدوية تعمل فقط في المكان المطلوب، مثل تنشيط علاج داخل ورم سرطاني دون التأثير في الأنسجة السليمة، ما يقلل من الآثار الجانبية التي تُعد من أكبر تحديات العلاجات الحالية.

ورغم هذا التقدّم اللافت، يؤكد العلماء أن الطريق لا يزال طويلاً قبل الاستخدام السريري. فبعض البروتينات الحالية تحتاج إلى ضوء ليزري للعمل، وهو أمر يصعب تطبيقه في أعماق الجسم. لكن الباحثين يعملون بالفعل على تطوير بروتينات تُصدر الضوء عبر تفاعلات كيميائية بدلاً من الضوء الخارجي.

ومع ذلك يرى كثيرون أن هذه الأبحاث تمثل بداية حقيقية لمجال علمي جديد، حيث لا تكتفي المغانيط بمساعدة الأطباء على رؤية الجسم، بل تصبح أداة فعّالة للتشخيص، والعلاج.