قيود جديدة وتشريعات لتعزيز موقف روسيا في المعركة الإعلامية

دعوات لتقييد عرض الأفلام الأميركية بعد وصفها بـ«حصان طروادة آيديولوجي»

أندريه كليموف رئيس لجنة سيادة الدولة يصف الأفلام الأميركية بـ{حصان طروادة}
أندريه كليموف رئيس لجنة سيادة الدولة يصف الأفلام الأميركية بـ{حصان طروادة}
TT

قيود جديدة وتشريعات لتعزيز موقف روسيا في المعركة الإعلامية

أندريه كليموف رئيس لجنة سيادة الدولة يصف الأفلام الأميركية بـ{حصان طروادة}
أندريه كليموف رئيس لجنة سيادة الدولة يصف الأفلام الأميركية بـ{حصان طروادة}

بعد أن كان طيلة العقود الماضية مجالاً وفّر أدوات استخدمها الخصمان، الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، في الحرب الباردة بينهما، بات الإعلام في أيامنا هذه ساحة حامية جداً من ساحات المواجهة بين موسكو والغرب، حالها حال أي ساحة قتال، تخلِّف جرحى، حين يتم تقييد عمل وسيلة إعلامية ما، وتسقط فيها وسائل إعلام «ضحية» قرارات إغلاق أو حظر بدوافع ومبررات سياسية. وتهدد تلك المواجهة بتقويض أسس العمل الإعلامي ككل، ونسف الموقع التقليدي للإعلام بصفته «سلطة رابعة»، الأمر الذي لن تساعد على إصلاحه، إنْ وقع، أي خطط «إعادة إعمار».
في آخر فصول الحرب على الساحة الإعلامية، كان لافتاً أن أكدت روسيا عملياً استعدادها للرد بالمثل على «الضربات الإعلامية»، وذلك بالتزامن مع مساعيها المستمرة لتوسيع تحكم الدولة بالإعلام، وأشكال البث الأخرى، عبر تشريعات وقرارات، طالت بما في ذلك عروض الأفلام الأميركية التي وصفها مسؤول روسي بـ«حصان طروادة آيديولوجي».
فاتحة المواجهة الإعلامية في العام الجديد جاءت من موسكو، التي أعلنت عن تحقيق فتحته ضد هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، بعد أن وجهت إليها هيئة الرقابة الروسية (روس كوم نادزور) اتهامات بنشر أفكار تنظيم داعش الإرهابي. وقالت الهيئة في اتهاماتها إن «المختصين والخبراء تحققوا من محتوى موقع (بي بي سي)»، أي المواد الإعلامية التي ينشرها، و«عثروا على مضمون تم نشره، يبث الأسس العقائدية لمنظمات الإرهاب الدولي»، موضحة أن الحديث يدور حول اقتباسات على لسان أبو بكر البغدادي، زعيم التنظيم الإرهابي.
ومع جدية تلك الاتهامات، لُوحظ أن هيئة الرقابة الروسية تجنبت التصعيد، وعملت على حصر الموقف ضمن حدود معينة، حين أعلنت عن جدول زمني للتحقيق، وقالت: «ينتهي لغاية 31 يناير (كانون الثاني) الجاري، التحقق مما إذا كان هذا المحتوى يستوفي معايير قوانين البث والقوانين الروسية الخاصة بمكافحة التطرف».
ولم توضح هيئة الرقابة الروسية طبيعة الإجراءات التي قد تتخذها بحق «بي بي سي» بحال رأى الخبراء الروس أن «المحتوى على موقع القناة ينتهك القوانين الروسية»، إلا أن تصريحات ألكسندر جاروف، مدير الهيئة الروسية، تشير إلى أن الأمر سيقتصر على التحقق فقط ضمن الفترة المحددة. وقال بهذا الصدد: «ستجري عملية التحقق الشاملة التي يفترض أن تنتهي نهاية الشهر. لا شيء متوقعاً أكثر من ذلك».
بهذا الشكل، وجّهت روسيا على ما يبدو «رداً محدوداً»، ضمن الظروف الراهنة، على اتهامات الهيئة البريطانية للبث المرئي والمسموع «أوفكوم»، لقناة «روسيا اليوم» الحكومية الروسية بانتهاك قواعد البث في سبعة برامج إخبارية «لم تلتزم فيها الحياد»، بما في ذلك خلال تغطية قضية تسمم الجاسوس الروسي سيرغي سكريبال. وسارعت «بي بي سي» من جانبها للرد على الاتهامات الروسية، وأكدت في بيان رسمي أنها «تمتثل تماماً لقوانين وأنظمة كل دولة تعمل فيها بما في ذلك روسيا». وأبدت استعدادها للتعاون مع سلطات الرقابة الروسية.
في «الخطوط الخلفية» من المواجهة الإعلامية مع الغرب، طرح مشرعون روس أفكاراً ومشاريع قوانين ترمي إلى تعزيز «الدفاعات الروسية»، عبر الدعوة لفرض قيود على أنواع من البث، تتجاوز المفهوم التقليدي لوسائل الإعلام، وتشمل تلك القيود حظر عرض الأفلام الأميركية على الشاشات الروسية، وتقييد حصة المستثمرين الأجانب في مواقع «محركات بحث» كبرى، ليست مصنفة «وسيلة إعلامية»، وإنما تقوم بعرض شريط إخباري، لا تصنعه هي بل تأخذه نقلاً عن وكالات أنباء رسمية. وكان السيناتور أندريه كليموف، رئيس لجنة مؤقتة تم تشكيلها في المجلس الفيدرالي، اسمها «لجنة سيادة الدولة»، قد قال في تصريحات نهاية العام الماضي، إن غالبية الأفلام التي يتم عرضها، مصدرها الدولة التي أعلنت روسيا عدواً لها، في إشارة منه إلى الولايات المتحدة والأفلام الأميركية التي تعرضها شاشات السينما الروسية. ومع تأكيده أنه لا يدعو إلى حظر تلك الأفلام، ووصفه الحظر الشامل بأنه عمل سيئ لأن «الشركاء المزعومين (يقصد الولايات المتحدة) يأملون رد فعل كهذا من جانبنا، ظناً منهم أن خطوة كهذه ستثير موجة استياء داخل البلاد»، أشار السيناتور كليموف إلى حظر محدود، حين عبَّر عن قناعته بأنه لا يجوز إتاحة فرصة أمام الأفلام «ذات التوجه المعادي لروسيا» للعرض، على سبيل المثال ضمن العروض المجانية على متن رحلات الخطوط الجوية الوطنية. وقال إن «صناعة السينما ليست المجال الوحيد الذي يرسلون إلينا عبره قطعاناً من أحصنة طروادة الآيديولوجية»، وهناك أيضاً «ألعاب الكومبيوتر التي تحظى برعاية الناتو» على حد قوله. ضمن هذه الرؤية لدور الأفلام الأميركية، أكد كليموف أنه «لا يمكننا الوقوف مكتوفي الأيدي، نراقب كيف يحرمنا المصابون بالرهاب من تقاليدنا الروحية، لا يتذكرون أقاربهم وبجشع يمتصون السموم الآيديولوجية، وثقافة الوجبات السريعة».
ولتعزيز «الجبهة الإعلامية» داخلياً، وافق مجلس الدوما الروسي (المجلس الأدنى من البرلمان الروسي) في القراءة الأولى، على مشروع قانون يقيّد حصة المساهمين الأجانب في محركات البحث المعتمدة في روسيا، مثل «ياندكس» و«مايل.رو» وغيرهما. وينص مشروع القانون على ألا تزيد على 20% حصة المساهم الأجنبي في ذلك المحتوى، كما لا يحق أن لكل من يصنفه القانون «أجنبي» امتلاك المحتوى الإخباري، وبحال مخالفة القانون، تقوم هيئة الرقابة الروسية «روس كوم نادزور» بتقديم طلب للمحكمة لفرض قيود على المحتوى الإخباري للمحرك المخالف.
وليست هذه المرة الأولى التي يناقش فيها مجلس الدوما تقييد المساهمة الأجنبية في المحتوى. وسبق أن طرح بعض أعضاء المجلس مشروع قانون عام 2016، لتنظيم عمل المحتوى الإخباري، وتضمن حينها فقرة تنص على ألا تزيد حصة المساهم الأجنبي على 20% من رأس المال الأساسي، وحمّل أصحاب المحتوى الإخباري المسؤولية عن دقة الأخبار التي ينشرونها. حينها وافق المجلس على مشروع القانون في القراءة الأولى، الأمر الذي أثار رد فعل حاد من جانب شركات «محركات البحث». وقال القائمون على «ياندكس» إنه يستحيل أن يواصل «ياندكس نوفوستي» عمله بحال تم اعتماد القانون.
على خلفية ذلك الموقف، وانتقاد جهات رسمية وحقوقية نص مشروع القانون، قام مجلس الدوما بتعديله، وحذف منه الفقرة التي تقيِّد الحصة الأجنبية، وكذلك التي تحمِّل القائمين المسؤولية عن الأخبار، لكن بشرط أن ينشروا الأخبار التي تنقلها وسائل إعلام مسجلة رسمياً. لذلك يرى مراقبون أن مصير المحاولة الثانية لتبني مشروع القانون تبقى رهناً بموقف المؤسسات المعنية، مثل «ياندكس» و«مايل.رو» و«رامبلر» وغيرها.
وقال ممثل محرك «ياندكس» الذي يمتلك أضخم محتوى إخباري «ياندكس نوفوستي»، إن مثل تلك القوانين قد تؤدي إلى إغلاق المحتوى الإخباري. ويرى «ياندكس» أن مشروع القانون الجديد «لا معنى له» في ظل القوانين الحالية التي تنظم عمل المحتوى الإخباري على مواقع «محركات البحث». ويشكِّل مشروع القانون الحالي نسخة عن مشروع قانون سابق، أقرّته الحكومة الروسية مطلع عام 2016، وينص على تقييد حصة المساهمين الأجانب في وسائل الإعلام الروسية، على ألا تزيد على 20% من رأس المالي الأساسي للوسيلة الإعلامية. وفي الحالتين تهدف مشاريع القوانين تلك إلى الحد من تحكم «الأجانب» بوسائل الإعلام في روسيا، مقابل تعزيز الدور «المحلي».


مقالات ذات صلة

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

إعلام تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية دون تسجيل إصابات

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 26 مارس 2026 (أ.ب)

ترمب يغازل مذيعة «فوكس نيوز» بعد سؤال عن أوضاع إيران

أثنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مظهر مذيعة شبكة «فوكس نيوز» مباشرةً بعد سؤاله عن أحوال المدنيين في إيران التي مزقتها الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم العربي اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ «كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)

مصر تحذر من محاولات تقويض علاقاتها بالدول العربية عبر السجالات الإعلامية

حذرت مصر من محاولات بث الفرقة وتقويض العلاقات المصرية - العربية عبر وسائل الإعلام على وقع الحرب الإيرانية.

أحمد عدلي (القاهرة )

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.