هل تتحمل ثقافتنا أدب الاعتراف؟

جوهره يقوم على انتهاك ما هو مقموع أو سري أو محدود التداول

محمد شكري - نادية مراد - لويس عوض
محمد شكري - نادية مراد - لويس عوض
TT

هل تتحمل ثقافتنا أدب الاعتراف؟

محمد شكري - نادية مراد - لويس عوض
محمد شكري - نادية مراد - لويس عوض

من الصعب عزل سؤال الاعتراف عن الواقع، أو حتى وضعه داخل توريات اللغة، تخفّياً، أو تكتماً، إذ سيتحول عندئذ هذا السؤال إلى محاولة تبرير الحديث السري في الإشهار، وفي الفضح، وهو ما يعني تجاوزاً على مركزية فكرة «التابوه»، والذهاب إلى ما يمكن تسميته «سردية الاعتراف».
«أنا أعترف، إذن أنا موجود»، هذا ما يشبه مقولة ديكارت الشهيرة، في سياق وضع الاعتراف مقابل التفكير، وإعطاء الذات المُفكّرة وظيفة تجاوزية، وبما يجعل فعل الاعتراف كأنه نوعٌ من التفكير الفائق، ومن لعبة السرد كمجال لإضفاء كثيرٍ من الغرابة والدهشة والإثارة على كتابة الاعتراف، حتى ليبدو النص الاعترافي كأنه مواجهة فاضحة مع العالم، ومع الذات نفسها، وربما مع رغبةٍ حميمة لتعريتها من بعض قوتها وقسوتها وتعاليها، إذ لا يمكن للاعتراف أن يكون إلّا في لحظة ضعفٍ هي صنوٌ للحظة الانتشاء أو الخوف، وكلّ الاعترافات التي يكتبها الأقوياء هي تماهٍ مع لحظات ضعفهم، والادعاء بأنّ سردية الاعتراف هي تمثيل للقوة، أو محاولة لما يشبه لحظة التطهير المسيحية لا تعدو أنْ تكون نفاقاً، أو مغالبة، أو وربما هي إيهام بتلفيق تلك القوة المفترضة، لقضايا تتعلق بنزق الفردانية، أو بالغلو في التعبير عن الجانب الخطابي عبر سردنة الاعتراف.
المقارنة بين النصيات العربية والغربية في الأدب الاعترافي أمرٌ غير واقعي، رغم أنّ لحظة الاعتراف واحدة؛ لحظة غامرة بالإنسانية، وبالضعف، واللذة، وأحياناً بالتعبير عن اللاجدوى، لكن يبقى النص الاعترافي العربي قريباً من فكرة الفضيحة، ومن كسر تابو المُقدّس والعصاب، والقوة، وهي تعالقات خارج الذات وجوهر تمركزها، فلا علاقة لها بالذات التي تدعي القوة، والتعالي، بقدر علاقتها مع بما هو رمزي، الذي يجد في الاعتراف ممارسة خطابية إلى آخرٍ ما، له حضوره المفهومي والوجودي، وحتى التطهيري - إنْ افترضنا وجوده في جانبٍ من جوانبه. ولا أظنّ أننا نملك تراثاً له حدوده المعروفة في كتابة الأدب الاعترافي، حتى إن ذهب بعض الروائيين إلى محاولة سردنة هذا الاعتراف، أو كتابة السير الذاتية ذات الجرأة الرومانسية، أو الحسية، التي ترتبط بما هو جنسي أكثر مما هو اجتماعي وسياسي، رغم أنّ خطاب الاعتراف في الأدب السياسي يرتبط بفكرة «الخيانة» أو ما يُسمى «التسقيط السياسي»، وهو ما كانت تفرضه بعض السلطات الآيديولوجية على معارضيها كممارسة لإسقاطهم سياسياً، وفي نشر براءاتهم من أحزابهم السياسية، أو من انتماءاتهم العقائدية في وسائل الإعلام، أو في الكتب السيرية أو الشعرية والروائية.

من السيرة إلى الكتابة العمومية

من أكثر الكتب العربية إثارة في سرديات الاعتراف كتب الروائي المغربي محمد شكري في «الخبز الحافي» وحتى في «الشطّار»، فضلاً عن اعترافات الكاتب لويس عوض، والسؤال الفاعل في هذا التوصيف يتعالق بمدى جدية هذه الكتب في أنْ تؤسس لشرعنة «أدب الاعتراف»، أم أنها ستظل في سياق «الإشاعة السردية»، وفيما تستدعيه من صخبٍ ثقافي يقوم على خلط الأوراق بين أدب السيرة و«أدب الاعتراف»، مع افتراض هذه التسمية، وأدب الفشل السياسي، وهي بمجملها سرديات لم يتم تأطيرها نقدياً، أو حتى وضعها في السياق التداولي لأدبية الاعتراف، أو شعريته كما يسميها ياكوبسن.
إنّ الخلط بين أدب السيرة وأدب الاعتراف يعكس مشكلة في النظر إلى النص السير ذاتي أولاً، وإلى تحميل «أدب الاعتراف» توصيفات أكبر من طاقته، التي تعمد إلى تشويه النص السير ذاتي ثانياً، وطبعاً فإنّ هذا الموضوع سينعكس على استراتيجيات القراءة، وعلى تلقي شفرات النص الاعترافي بحذر أو بخوف، أو بفضول، وهي عملية مربكة للقارئ ولمفهوم القراءة، وعلى وفق ما طرح آيزر حول إشكاليات القراءة والتلقي، حيث تتطلب هذه القراءة تفاعلاً، وتجاوباً، وكشفاً، وتقاطعاً، وتأويلاً، ولأنّ مثل هذا النص «لا يخضع لصاحبه فقط، بل يخضع لاستراتيجيات معقدة بين القارئ المؤول بما يمتلك من معرفة وخبرات جمالية من جهة، والنص من جهة أخرى، فينتج عن هذا التفاعل استجابات قرائية تكشف عن إمكانات وإجراءات مقروئية جديدة، تتجه نحو فهم الدلالة المغيبة، وفك رموزها».
كتابة السيرة قد تتضمن اعترافات كثيرة، لكنها مُقنّعة، أو مغالية، أو قد تسعى لترميم فجواتٍ ما في تاريخ كاتب السيرة، لأن خروجها من السيري إلى العمومي هو ما يُلقي ظلالاً حول تاريخيتها، ما سيُجردها من براءتها، أو يدفع بها لأن تكون كتابة مغامرة، وأكثر احتيالاً وتورية وتقنيعاً، إذ ستجد قارئاً ماكراً، يعرف أنّ النص السيري ليس بريئاً بالكامل، وأنّ نص الاعتراف هو لعبة سردية مفارقة، لها غاية، وقصدية، وإثارة، وقد تكون شخصياتها من ورق كما يسميها رولان بارت، يمكن التلاعب بمصائرها، لكنها، رغم ذلك تبقى على تماسٍ مع وقائع، أو أحداث، أو حتى تاريخ له بالمقابل رواة آخرون، قد يكتبون اعترافات ضدية، أو قد يجردون التاريخ ذاته من واقعيته، ومن رمزيته.
التقاطع بين الاعترافي والسيري والعمومي يكمن في لعبة الانتهاك، فالاعتراف ليس تطهيرياً بالضرورة، بل إنّ جوهره يقوم على انتهاك ما هو مقموع، أو سري، أو محدود التداول، وباتجاه جعله خاضعاً للسياق السردي، أو أن يكون جزءاً من سياق السيرة، أو جزءاً من اهتمام العموم، الذي سينظر إلى مثل هكذا اعترافات بوصفها جزءاً من «خطاب» الفضائح، كما هو موجود في عوالم نجوم السينما ونجوم الرياضة، حيث تقود اعترافاتهم الجنسية، أو تهرّبهم الضريبي إلى اهتمامات واسعة من قبل الجمهور النرجسي، ومن قبل الجهات الرقابية، أو حتى من قبل بعض الجهات الدينية.
أدب الاعتراف في هذا السياق هو تمثيل لبعض هواجس الحرية، تلك التي ترتبط بالإرادة والمسؤولية، لكنها - بالمقابل - تظل عنواناً عائماً لحرية المثقف القلقة، والبوهمية أحياناً على طريقة جان جينيه وهو يكتب اعترافاته، إذ تظل تلك الاعترافات كأنها نوع من النزق، وأنّ فاعليتها كأثرٍ ستكون بعيدة، ومن الصعب الحديث عن رسالتها، وعن قيمتها، سوى ما تحمله من نزعة احتجاجية على عالم رأسمالي مجنون، وعن جسدٍ تطحنه النزوات وسط عالم فاسد وإحباطي، وفاقد لشروط العدل والأمل والإشباع الروحي.
هذا الفقد هو نظير لسؤال الهوية في ثقافتنا العربية، فمن الصعب الحديث عن هوية عمومية وسط تشظي الهويات العصابية، ووسط عالم غائر في التابوهات وبالجماعات القاهرة والمقهورة، حدّ أنّ بعض الاعترافات قد تُعبّر عن نوع من القهر الاجتماعي، والاهتمام الرومانسي والحقوقي في العالم، وهو ما حدث مع نادية مراد الإيزيدية، التي تعرّضت إلى اغتصاب بشع من جماعات «داعش» الإرهابية، حيث قادها اعترافها بعمليات الاغتصاب الجماعي إلى الفوز بجائزة نوبل للسلام لسنة 2018، وإلى تحويل قضيتها الإثنية والجندرية إلى موضوع حقوقي وأخلاقي، تكشفت من خلاله محنة بعض الجماعات الإثنية المقهورة.



لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
TT

لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)

تشير دراسة نفسية حديثة إلى أن طريقة استجابتنا للصدمات والأحداث القاسية لا تعتمد فقط على حجم التجربة نفسها، بل على المعتقدات الأساسية التي نحملها عن العالم مسبقاً. وتكشف النتائج عن أن الإيمان بأن العالم قابل للتحسين، وعادل، ويميل بطبيعته إلى التجدد قد يرتبط بانخفاض مستويات القلق والاكتئاب عند مواجهة المرض أو العنف أو الخسارة، مما يسلّط الضوء على دور «المعتقدات الجوهرية» في تعزيز الصمود النفسي.

وفق تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، فإن علماء النفس لطالما ناقشوا أسباب هذه الفروق في التعامل مع الشدائد. ومن بين التفسيرات المطروحة ما تُعرف بـ«المعتقدات الأساسية عن العالم».

وتشير «المعتقدات الأساسية عن العالم» إلى التوقعات العميقة والعامة حول طبيعة العالم. وهي تشمل معتقدات مثل ما إذا كان العالم آمناً أم خطِراً، جميلاً أم قبيحاً، إضافةً إلى تصورات أخرى كثيرة.

ويميل كثيرون إلى افتراض أن المعتقدات السلبية عن العالم تنشأ نتيجة المرور بتجارب قاسية. بل إن نظرية نفسية كلاسيكية ظهرت في ثمانينات القرن الماضي تفترض أن الصدمات تُحطم المعتقدات الإيجابية عن العالم، وهو ما قد يزيد من القلق والاكتئاب.

غير أن مجموعة متزايدة من الأبحاث، بما في ذلك دراسة حديثة، تشير إلى احتمال مختلف: ربما لا تكون الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً، بل إن المعتقدات التي نحملها مسبقاً هي التي تحدد طريقة استجابتنا.

خلال السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الباحثين بفكرة أن هذه المعتقدات تعمل كمرشّحات نفسية تُشكل تفسيرنا للأحداث. فقد أظهرت دراسات سابقة أن الأشخاص الذين يرون العالم مكاناً خطِراً يبالغون في تقدير احتمال وقوع تهديدات كبرى، مقارنةً بمن يرونه آمناً. كما بيّنت دراسة أخرى أن من ينظرون إلى العالم نظرة أكثر سلبية، حتى ليوم واحد، يميلون إلى تفسير تصرفات شركائهم العاطفيين على أنها أقل دفئاً وكفاءة وأخلاقية.

لاختبار ما إذا كانت المعتقدات السابقة تُشكل الاستجابة للأحداث الصعبة -أم أن الأحداث الصعبة هي التي تُغير هذه المعتقدات- أُجريت دراستان تناولتا نوعين مختلفين جداً من الشدائد.

الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً (بكسلز)

في الدراسة الأولى:

شمل الاستطلاع 551 شخصاً يواجهون تحديات صحية كبيرة (مرضى سرطان، وناجون من السرطان، وأشخاص يعيشون مع التليف الكيسي)، وقورِنوا بـ501 شخص يتمتعون بصحة جيدة. وقدم المشاركون تقارير عن مستويات القلق والاكتئاب لديهم، إضافةً إلى معتقداتهم الأساسية عن العالم.

أما الدراسة الثانية:

فتناولت طلاباً في جامعة فيرجينيا الأميركية كانوا يشاركون في دراسة أخرى عندما وقع إطلاق نار داخل الحرم الجامعي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، مما أدى إلى مقتل ثلاثة طلاب وإصابة آخرين، وتعليق الدراسة لفترة. وتم تحليل إجابات الطلاب الذين كانوا يقيمون في الحرم الجامعي قبل الحادثة وبعدها.

النتيجة الأولى: المعتقدات الأساسية بالكاد تغيّرت

من أبرز النتائج أن معتقدات الطلاب عن العالم بقيت مستقرة إلى حد كبير، حتى بعد حادثة إطلاق النار. وبالمثل، لم تختلف معتقدات المصابين بالتليف الكيسي عن مجموعة الأصحاء. أما الأشخاص الذين كانوا يعانون من سرطان نشط فقد أبدوا معتقدات أكثر سلبية قليلاً، لكن هذه التغيرات لم تستمر لدى من دخلوا مرحلة التعافي.

تشير هذه النتائج إلى أن الأثر العاطفي للشدائد لا يبدو معتمداً على تغيّر المعتقدات الأساسية عن العالم.

النتيجة الثانية: المعتقدات السابقة تنبأت بمستوى الضيق النفسي

في كلتا الدراستين، ارتبطت المعتقدات الأساسية التي يحملها الأفراد مسبقاً ارتباطاً قوياً بمقدار الضيق الذي شعروا به. ولم يكن الأمر متعلقاً فقط بالإيمان العام بأن العالم «جيد» أو «سيئ»، بل كان أكثر تحديداً.

برزت ثلاثة معتقدات في الدراسة الأولى على وجه الخصوص:

- أن العالم قابل للتحسين (أي يمكن تغييره بجهود الإنسان).

- أن العالم عادل (أي إن الجزاء من جنس العمل).

- أن العالم يميل بطبيعته إلى التجدد والشفاء، لا إلى التدهور والانحلال.

الأشخاص الذين تبنّوا هذه المعتقدات الثلاثة أظهروا مستويات أقل بكثير من القلق والاكتئاب عند مواجهة مرض خطير، مقارنةً بمعتقدات أخرى مثل كون العالم آمناً أو جميلاً أو ذا معنى.

بل إن بعضهم لم يبدُ أكثر ضيقاً من أشخاص لم يمروا بمرض أصلاً.

وفي دراسة الحرم الجامعي، لم تتوافر بيانات عن جميع هذه المعتقدات، لكن الاعتقاد بأن العالم آمن برز بوصفه عاملاً حاسماً. فالطلاب الذين كانت ثقتهم بأمان العالم منخفضة أظهروا ارتفاعاً واضحاً في مستويات التوتر بعد الحادثة، فيما لم يُسجل من يؤمنون بأن العالم آمن تغيّراً يُذكر في مستويات الضيق.

في البداية، افترض الباحثون أن التفاؤل العام قد يفسر النتائج، لكن تبين أن التأثير الوقائي كان أكثر تحديداً من مجرد نظرة متفائلة عامة.

لماذا هذه المعتقدات تحديداً؟

اقترحت الدراسة أن هناك ثلاث طرق محتملة لتحسين الوضع عند وقوع حدث مدمر:

- أن يقوم الشخص نفسه أو غيره بإصلاح الوضع (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى قابلاً للتحسين).

- أن تتدخل قوة عليا أو عدالة كونية (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى عادلاً).

- أن يتحسن الوضع طبيعياً بمرور الوقت (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى ميالاً إلى التجدد).

هل يمكن تغيير هذه المعتقدات؟

رغم أن المعتقدات الأساسية لا تتغير كثيراً في الحياة اليومية، تشير الأبحاث إلى أنها قد تتبدل في ظروف معينة، مثل التدخلات العلاجية النفسية. ويطرح ذلك احتمال أن تنمية بعض هذه المعتقدات قد تعزز الصمود النفسي، إلا أن هذه الفرضية تحتاج إلى مزيد من البحث.

بالنتيجة، المرض والخوف والخسارة والصدمات المفاجئة جزء من الحياة. وتشير النتائج إلى طريقة جديدة للاستعداد لها: النظر إلى العالم على أنه قابل للتحسين، وعادل، وميال بطبيعته إلى التجدد.


مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
TT

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)

وسط توتر مستمر بين القاهرة وتل أبيب، أثار مسلسل «صحاب الأرض» الذي يُعرض على بعض القنوات المصرية خلال شهر رمضان، غضباً في إسرائيل.

ويرصد «صحاب الأرض» المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب الفلسطيني تحت الحصار، في ظل الحرب على قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ويتناول قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.

وبينما أشارت «هيئة البث الإسرائيلية» إلى أن «المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية»، عدّت «القناة 12» الإسرائيلية أن إنتاج «صحاب الأرض» وبثه على القنوات المصرية «يُنظر إليهما في إسرائيل على أنهما خطوة سياسية مدروسة».


حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».