المطبخ الكوري ينفتح على الغرب بوصفات تقليدية معدلة

مزيج من الطعام الملكي والبوذي
الأحد - 14 جمادى الأولى 1440 هـ - 20 يناير 2019 مـ Issue Number [14663]
لندن: كمال قدورة

يعرف الناس الكثير عن المطابخ الآسيوية، خصوصاً المطابخ الصينية واليابانية والهندية والتايلاندية، هذه الأيام، لكنهم لا يزالون يجهلون نسبياً المطبخ الكوري الذي يعد واحداً من المطابخ المهمة في تلك المنطقة من العالم بعيداً عن التعريف البسيط بطبق الكيمتشي أو الكيمخي.
وهو ليس مرآة للمطبخين الصيني والياباني رغم القواسم المشتركة معهما. وتحاول الحكومة الكورية الجنوبية تغيير هذا الوضع عبر التركيز على تعليم الكوريين خلال السنوات الماضية اللغات الغربية الرئيسية كالإنجليزية والإسبانية والفرنسية... وغيره، مما سيساعد الكوريين، وخصوصا الطباخين على افتتاح مطاعم خارج كوريا وفي العواصم الكبرى ونشر تقاليد الطبخ الكورية وتعريف العالم بأطباق هذا المطبخ الكبير ومذاقاته والتركيز على مفرداته.
ولهذا السبب أيضا يحاول الكوريون الجنوبيون في العاصمة سيول هذه الأيام تقديم الوصفات التقليدية بأسلوب غربي في محاولة للتكيف مع العالم والحداثة عبر لجوء بعض المطاعم إلى استخدام الشوكة والسكين بدلا من العيدان، وغيره من التقاليد الغربية.
المطبخ الكوري بشكل عام مطبخ صحي وغير مدهن؛ يعتمد كثيرا على المواد الطازجة، وبالتحديد الأرز والخضراوات والفاصوليا وشتى أنواع الشوربات؛ إذ نشأ هذا المطبخ من التقاليد الزراعية والبدوية القديمة في جنوب منشوريا وشبه الجزيرة الكورية. ورغم أن الأطباق تختلف من منطقة إلى أخرى، فإن المطبخ الكوري يعتمد بشكل أساسي على الأرز الذي يطبخ على البخار، والخضراوات، واللحوم؛ وبالتحديد زيت السمسم ومعجون الفاصوليا المخمر (دوينغانغ)، وصلصة الصويا، والملح، والثوم، والزنجبيل، والفلفل الأحمر المخمر، ومعجون (كوتشوغانغ)، والأعشاب، والخس، والقرفة، والسفرجل، والرمان، والأترج (نوع من الحمضيات)، والفاكهة، والجينسينغ، والبقوليات بشكل عام. وعادة ما تقدم أطباق المقبلات والأطباق الرئيسية والحلوى على الطاولة دفعة واحدة لا بالتدريج. كما يتمتع هذا المطبخ بكثير من أطباق المقبلات أو المازة أو الأطباق الجانبية التي يطلق عليها اسم «ألبانتشان»؛ ومنها طبق الكيمخي المعروف (ملفوف مخمر وحار).
وقد لعب المطبخ الملكي في القرون الماضية دورا كبيرا في تطوير المطبخ الكوري؛ إذ جلب إلى القصور الملكية خيرة الأطباق من كل المناطق والأقاليم، وأسس لتقاليد الطبخ، ونشر أفضل خبراتها ووصفاتها وأطباقها عبر الطباخين الذين أصبحوا رهبانا في المعابد البوذية المنتشرة في جميع أنحاء البلاد. ولهذا يعدّ الخبراء أن أعمدة المطبخ الكوري تعود إلى المطابخ المحلية؛ المطبخ الملكي والمطبخ البوذي.
وقد ارتبط الجانب النباتي من المطبخ الكوري أيضا بالتقاليد البوذية أو المطبخ البوذي منذ حكم الملك تييجو عام 918.
وهناك المئات من المطاعم النباتية في البلاد التي تعد بعيدة عن أعين السياح. وتضم هذه المطاعم كثيراً من البوفيت والأطباق الباردة وأطباق التافو وأطباق الكيمخي (3 أنواع - ملفوف مخلل مع الفلفل الحار - مع الفجل المخلل والحار - الأبيض غير الحار). وعلى هذا يتم تناول جميع أنواع الطعام بعيدان من الصلب غير القابل للصدأ و«ملعقة ضحلة تمت معالجتها منذ فترة طويلة وتسمى (سوي سوجو)».
وتشير المعلومات المتوفرة عن المطبخ الملكي إلى أنه تم وضع مسؤولين عن الطعام وملحقاته فيما كان يعرف بالوزارات الست التي تدير حكم جوسون.
وكان هناك موظفون خاصون بالعناية بالأرز، وكان هناك أيضا مئات من الإماء (العبيد الإناث) في البلاط الملكي لصناعة وتحضير التافو والمشروبات وكعك الأرز المعروف بالـ«تيوك» والشاي... وغيرها.
وكان عمل العبيد منظما جدا، وكانوا يتلقون المساعدة والعون من طباخين من خارج القصر أثناء تحضير الوجبات الكبيرة خلال الاحتفالات والمناسبات المهمة.
وكان يتم تقديم 5 وجبات من الطعام في القصر في اليوم؛ 3 منها وجبات رئيسية كاملة، بينما كانت وجبات بعد الظهر والمساء خفيفة. الوجبة الأولى كانت تقدم عند الفجر، وتضم الكيمخي والمحار والفطر وعصيدة الأرز والصنوبر والسمسم وصلصة الصويا.
ولا بد هنا من ذكر أن فترة حكم جوسون في القرن الخامس عشر كانت حاسمة للمطبخ الكوري؛ إذ بدأت الحكومة بنشر كتب تقنيات الفلاحة والزراعة، وبدأ الاختلاط مع الثقافات الأخرى والانفتاح على الخارج خلال الحروب في تلك الفترة وبتشجيع من الحكومة نفسها. وإضافة إلى ذلك، بدأت تصل المحاصيل الجديدة من العالم الجديد؛ أي من أميركا، عبر الصين واليابان وأوروبا والفلبين؛ ومنها الذرة والبطاطا العادية والبطاطا الحلوة والفلفل والبندورة والفستق والقرع.
وطورت الحكومة آنذاك عالم الزراعة بفرض ضرائب منخفضة وتشجيع تكنولوجيا الزراعة الجديدة. وقد بنت الحكومة نظاما متطورا ومعقدا للري، مما مكن الفلاحين من إنتاج الخضراوات على نطاق واسع وبكميات كبيرة، ولهذا كان في كوريا ما لا يقل عن ألف سوق من أسواق المحاصيل في القرن التاسع عشر.
ولا عجب إذن أن يكون هناك مع المطبخين الملكي والبوذي، كثير من التقاليد في المطبخ الكوري، كما هي الحال في المطبخين الصيني والياباني، ويؤكد كثير من الخبراء أن هذه التقاليد تعود في أصولها إلى الفلسفة الكونفوشيوسية التي انتشرت أيام حكم جوسون وتختلف بالطبع من منطقة إلى أخرى.
ومن هذه التقاليد الرئيسية الكثيرة التي تشير إليها الموسوعة الحرة، أن «يقدم الطعام الساخن على الجانب الأيمن من الطاولة والطعام البارد على الجانب الأيسر». ويفترض أن يوضع الحساء على يمين الفرد بجانب اليخنة؛ «في حين يبقى الأرز والخضراوات على الجانب الأيسر، والكيمتشي في الخلف، وتبقى الصلصة في مقدمة الطاولة».
والأهم من ذلك، عدم الحديث عن الذبح عند رؤية الحيوان، وعدم الحديث عن أشياء مقززة أثناء الطعام، ويفضل عدم الحديث تماما أثناء تناول الطعام، وعدم إلقاء العيدان على الطاولة. وكما هي الحال في العادات الشرقية؛ يقدم الطعام إلى الرجل كبير السن قبل الصغير وقبل المرأة، وهناك فصل أحيانا بين مكان تناول الرجال للطعام ومكان تناول النساء له. وفي الفترة الكولونيالية؛ أي أيام حكم اليابان من عام 1910 و1945، سيطرت اليابان على عالم الزراعة في البلاد لدعم المجهود الحربي، وتم جمع المزارع الصغيرة في مزارع كبيرة لزيادة المنتج المحلي من الأرز والبقوليات.
ومع هذا؛ تراجع عدد الوجبات في النهار إلى وجبتين فقط، وانفتحت كوريا على العالم الغربي والخبز الأبيض والنودل الجاهز.

إقرأ أيضاً ...