ألكسندر لوكاشينكو... «ديكتاتور» لا يملك صواريخ نووية

التجربة الأوكرانية نبّهت زعيم بيلاروسيا إلى ضرورة التحسّب لسياسات موسكو

ألكسندر لوكاشينكو... «ديكتاتور» لا يملك صواريخ نووية
TT

ألكسندر لوكاشينكو... «ديكتاتور» لا يملك صواريخ نووية

ألكسندر لوكاشينكو... «ديكتاتور» لا يملك صواريخ نووية

منذ أن وصل الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، إلى سدة الحكم في بيلاروسيا (روسيا البيضاء) عام 1994، وهو يسير عكس التيار. حمل رايات الشيوعية وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة في الفضاء السوفياتي، ورفض برامج الخصخصة والانتقال إلى الملكية الفردية، حين كان «اقتصاد السوق» يغزو التركة المتعبة من عقود تحكم الدولة في كل شؤون البلاد. حارب معارضيه بقوة وزجّ بهم في السجون، متجاهلاً رياح التغيير والديمقراطية التي عصفت بالمنطقة من حوله. ومن ثم، حافظ على القبضة القوية لجهاز الـ«كي جي بي» الرهيب - رافضاً حتى تغيير اسمه - بينما كان جيرانه يتفننون في إظهار عزمهم على التخلّص من كل ما يربط بلادهم بالماضي السوفياتي القريب.

بدا المزارع العنيد الذي صعد سلم السياسة العليا في زمن التقلّبات الكبرى في بلاده كأنه قادم من عالم آخر... أو من زمن آخر.
ركب ألكسندر لوكاشينكو موجة محاربة الفساد والجريمة المنظمة و«المافيات» التي كادت تنهش جسد بيلاروسيا، ليسيطر على مقاليد الحكم، ويحولها في ربع قرن إلى ما يشبه جمهورية سوفياتية مصغرة تكاد تكون مكتفية ذاتياً، لكنها معزولة.

آخر الديكتاتوريات في أوروبا
ظل الشاب ذو الخلفية العسكرية الصارمة التي اكتسبها بحكم خدمته في حرس الحدود لمدة تجاوزت سبع سنوات، مرتبطاً بقوةٍ بالتعاونيات الزراعية التي نشرتها التجربة السوفياتية في كل أنحاء الاتحاد السوفياتي السابق، لكن كانت لها أهمية خاصة في بيلاروسيا، الجمهورية السوفياتية السابقة والبلد الزراعي المهم، الذي ما زال يفاخر بإنتاجه في هذا المجال، رغم تقلبات السنوات والأحوال.
وخطا لوكاشينكو إلى عالم السياسة من موظف في مزرعة تعاونية سوفياتية تقليدية إلى مدير مصنع لمواد بناء مزارع الدولة، قبل اختياره نائباً في المجلس الأعلى لجمهورية بيلاروسيا (البرلمان) حيث خاض حروباً شرسة ضد التيارات الليبرالية الإصلاحية التي اتهمها بالسعي إلى نهب ثروات البلاد، وتمزيقها، في فترة تفكك الاتحاد السوفياتي.
وكشف لوكاشينكو مبكراً عن آرائه وطموحاته، رغم أنها كانت في ذلك الوقت مثيرة للجدل والصراعات. إذ إنه لم يتردد في نشر مقالة لافتة في عام 1991 حملت عنوان «الديكتاتورية... الخيار البيلاروسي»، وتحوّلت إلى «مانيفستو» أو «خريطة طريق» سار لتنفيذها على مدى سنوات لاحقة. فكان النائب الوحيد في البرلمان البيلاروسي الذي صوّت ضد اتفاقية «ديسمبر 1991»، التي شكّلت الأساس القانوني لحل الاتحاد السوفياتي وتأسيس «كومنولث (رابطة) الدول المستقلة» على أنقاضه. ومنذ أن ساهم بتأسيس كتلة نيابية حملت اسم «شيوعيون من أجل الديمقراطية»، بدا واضحاً أنه اختار الطريق الأصعب، لكنه ظل منسجماً مع أفكاره التي انعكست لاحقاً على كل سياساته طوال فترة تربّعه على سدة الحكم لخمس ولايات رئاسية متتالية.

لا تهاون...
على مدى ربع قرن حكم البلاد خلالها بقبضة قوية لا تتهاون، ظل لوكاشينكو - الذي بات يحمل في بلاده تسمية «الأب» - محور سجالات لا تنتهي. إذ يدافع أنصاره عن أسلوبه في الحكم، بالإشارة إلى أنه «أنقذ البلاد من الآثار السيئة للتحول نحو الرأسمالية» عبر رفضه إجراءات الخصخصة العشوائية، ومواجهته الفساد والجريمة المنظمة، ومحاربته محاولات «حيتان المال» السيطرة على القطاعات الرئيسية في البلاد، وفقاً للنموذج الذي سارت عليه وأوقعها في حال من التخبّط والفوضى في تسعينات القرن الماضي.
في المقابل، يدّعي خصومه الكثيرون أن ثَمن تلك «الإنجازات» كان باهظاً. وأنه قمع الحريات، وأغلق الصحف، ومنع تطوّر الحياة الحزبية والسياسية في البلاد. كذلك فإنه نكل بمعارضيه بقسوة، ولم يتردد في إطلاق أبشع الصفات ضدهم... حتى أنه تجاهل الانتقادات الدولية الكثيرة عندما واجه بحزم احتجاجات واسعة وسجن مئات المعارضين في عام 2010، بعد مرور وقت قصير على إعادة انتخابه في الولاية الرابعة آنذاك، بأصوات نحو 80 في المائة من الناخبين. وهي انتخابات شكّكت المعارضة - بقوة - في صحة نتائجها، ما أثار غضبه ودفعه إلى اعتقال 7 من أصل 9 مرشحين خاضوا المنافسة ضده.
في أي حال، لم ير الرجل، الذي يصفه الغرب بأنه «آخر ديكتاتور في أوروبا» مشكلة في حالة العزلة التي فُرضت على بلاده. وللعلم، فهو مدرج على لوائح عقوبات كثيرة تمنعه من زيارة أوروبا أو الولايات المتحدة، أو بناء علاقات طبيعية حتى مع جيرانه الأقرب لجهة الغرب، وهي جمهوريات حوض البلطيق وبولندا. ثم إن بيلاروسيا حُرمت من الانضمام إلى مجلس أوروبا لسنوات طويلة، قبل أن يبدأ الغرب بتخفيف لهجته قليلاً، عبر فتح بعض الشراكات مع لوكاشينكو في إطار برامج «الشراكة الشرقية» التي بقيت لسنوات تراوح في مكانها.
المثير أن لوكاشينكو يرفض اتهامات الغرب له، ويبرّر سطوته الثقيلة في بلاده بغياب المنافسين الجديين، ولقد فاخر ذات يوم بأن معارضيه «بضع أشخاص لا يملكون أي وزن في الشارع، وهم في الانتخابات عاجزون عن جمع أكثر من واحد في المائة من الأصوات». لكنه في الوقت ذاته وجه رسالة واضحة إلى الغرب بضرورة التراجع عن معاييره في إطلاق أوصاف الديكتاتورية عليه، إذ قال إنه «لكي يكون ديكتاتوراً يحتاج إلى موارد»، مضيفاً: «أنا لا أنام محتضناً الرؤوس النووية مثل ستالين، ولا أعوم على بحر من موارد النفط مثل هوغو تشافيز في فنزويلا... وليست لدينا كميات من الغاز الطبيعي كتلك التي تمتلكها روسيا الاتحادية».
ومع الاتهامات الغربية الكثيرة للرئيس البيلاروسي بالديكتاتورية، وحرمان البلاد من السير على خطى التطور المماثل للبلدان السوفياتية السابقة التي اختارت طريق الانفتاح والديمقراطية، أثار لوكاشينكو غضب الغرب في مواقف عدة؛ تتعلق بنظرته إلى الملفات السياسية الدولية، أو إلى القيَم والمعايير التي تحاول أوروبا الترويج لها. فهو على مدى سنوات أعلن دعمه لإيران في «حقها بتطوير البرنامج النووي الإيراني». وحقاً، تُعدّ إيران بين الحلفاء الأساسيين لبيلاروسيا، رغم ضعف ميزان التبادل التجاري بين البلدين.

مواقفه غير السياسية
بعيداً من مجالات السياسة، لم يتردد لوكاشينكو بإعلان كراهيته لـ«المثليين»، ورأى أنه لا يمكن السماح بأن يتحوّل النقاش حول هذا الموضوع إلى نقاش حول الحرّيات. وانتُقد لأنه نصح يوماً وزير الخارجية الألماني، المثلي جنسياً، بأن يحيا «حياة طبيعية»، وعندما وُجه بالانتقادات قال لصحافيين: «نحن نعيش في مجتمع ديمقراطي، ولدي الحق في إعطاء رأيي».
من ناحية أخرى، مع أن «الأب» لوكاشينكو برز مدافعاً شرساً ضد الفساد والمحسوبيات في سنوات حكمه الأولى، فاللافت أنه فتح المجال لأفراد من عائلته للعب أدوار مهمة في البلاد. ذلك أن ابنه الأكبر فيكتور عضو في مجلس الأمن القومي في بيلاروسيا، ويحتل ابنه الأصغر ديمتري منصب رئيس النادي الرئاسي الرياضي وأعد مشاركة الرياضيين البيلاروس في دورة الألعاب الأولمبية الصيفية 2008 في بكين. أما ابنه الأصغر كوليا فهو مرشح الرئيس لـ«خلافته»؛ إذ لم يتردد ضمن أحاديث علنية أمام تجمعات في الإشارة إلى أنه (كوليا) «سيغدو رئيساً». وكان لافتاً أن الفتى، الذي يبلغ حالياً من العمر 14 سنة، رافق والده في مناسبات رسمية؛ بينها زيارة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأخرى للبابا بنديكتوس السادس عشر، كما كان رفيقه في الإشراف ذات مرة على مناورات عسكرية.

روسيا حليف... ولكن
في سياق آخر، مقابل العلاقة المتوترة مع الغرب على مدى سنوات طويلة، حافظ لوكاشينكو على صلات وثيقة مع «الشقيق الأكبر» روسيا، ووقع عام 1996 اتفاقاً لتأسيس اتحاد بين البلدين. لكن الاتفاق ظل حبيس الأدراج، لمدة 3 سنوات، بسبب الرفض القاطع من جانب الرئيس البيلاروسي مطالب موسكو بفتح القطاعات الاقتصادية الأساسية في بلاده أمام عمليات خصخصة تسمح بدخول الشركات الكبرى الروسية إليها.
وفي أكثر من موقع، عقد لوكاشينكو مقارنات مع «النتائج الكارثية» لـ«الخصخصة العشوائية» التي جربتها روسيا في بداية تسعينات القرن الماضي. وتعهد بأنه «لن يسمح أبداً للصوص أن ينهبوا ثروات بلاده»، في إشارة إلى حيتان المال الذين راكموا ثروات خرافية في روسيا، ووضعوا أعينهم على البلد الجار لاحقاً.
وحقاً، شكلت هذه العقدة واحدة من المشكلات التي أصابت الاتحاد بين روسيا وبيلاروسا بحال من الجمود. لكن في الوقت ذاته، حافظ البلدان على نوع من «العلاقات الخاصة» التي دفعت إليها الحاجة الاستراتيجية لكل طرف. إذ تعد روسيا البوابة الأهم على العالم لبيلاروسيا المعزولة والمحاطة بقيود كثيرة، كما أن بيلاروسيا تعد بالنسبة إلى موسكو «الجدار الحاجز» الذي يفصلها عن أوروبا في ظروف تدهور العلاقات وتعزيز سياسات العسكرة وحشد الطاقات على طرفي الحدود. وبهذا المعنى، فإن القيادة الحالية في مينسك (عاصمة بيلاروسيا) باتت تلعب دوراً أساسياً في هذه المواجهة، ولذلك لم يكن غريباً أن تعلن موسكو أخيراً عن زجّ قوات إضافية وطرازات من الأسلحة الحديثة في البلد الجار، وفقاً لاتفاقات التعاون العسكري القائمة بين الحليفين.
وظلت العلاقة الملتبسة بين الطرفين تظهر في محطات عدة، وتراوح بين أحاديث عن تعزيز اتحاد «دولة سلافية» تجمع البلدين، وهو أمر عارضته بقوة مينسك، ما دفع الكرملين في نهاية العام الماضي إلى نفي تهمة محاولات الهيمنة على البلد الجار عن نفسه. ولم تلبث أن تجلت تلك العلاقة المتناقضة عند منعطفات مهمة، إذ لم يحصل الكرملين على دعم الحليف الأقرب في ملف ضم القرم إلى روسيا عام 2014، بل على العكس من ذلك، بدا أن تصرفات روسيا في الفضاء السوفياتي السابق أثارت مخاوف إضافية لدى لوكاشينكو، الذي رأى فيها تقويضاً لفكرة التكامل بين الجمهوريات السوفياتية السابقة وبروزاً لروح الهيمنة ومحاولة التوسع على حساب الشركاء. ثم، منذ وقعت الحرب الروسية - الجورجية عام 2008 ما أسفر عن انفصال إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن جورجيا بدعم روسي، كان تحفّظ مينسك واضحاً على تحركات الكرملين، لكنه اتخذ صفة أوضح بعد ضم شبه جزيرة القرم واندلاع الحرب في الشرق الأوكراني. إذ عارض لوكاشينكو علانية، التطور، وتحدث عن «رأي خاص» لبلاده يقوم على ضرورة «احترام وحدة أراضي أوكرانيا وضرورة ألا يقوم أي طرف بتقسيم هذا البلد العظيم». بل ورأى أن «ضم القرم سابقة سيئة لبلداننا». وأكثر من ذلك، اتهمت أوساط روسية، مينسك، بأنها لعبت أدواراً مهمة في تسهيل دخول البضائع الأوكرانية والغربية إلى الأسواق الروسية بشهادات منشأ بيلاروسية... لتجاوز حواجز العقوبات والتدابير المفروضة بين الجانبين.

«الحليف الصعب» يهدّد
لقد شكلت الأزمة الأوكرانية واحداً من الأسباب الأساسية لتوسيع التوتر في العلاقات بين روسيا وبيلاروسيا، قبل أن تتداخل عناصر أخرى مختلفة؛ بينها أسباب اقتصادية في شكل تجلى في تعميق أزمة سعى الطرفان لمحاصرتها في نهاية العام، قبل أن تتسع أكثر. لكن يبدو أن هذه الجهود وصلت أخيراً إلى طريق مسدودة، إذ رفع لوكاشينكو بقبضته أخيراً في وجه الكرملين، ملوحاً بأن «موسكو قد تخسر حليفها الوحيد على الجبهة الغربية... إذا ما واصلت السير على طريق الإضرار بمصالحنا».
هذه اللهجة التحذيرية الغاضبة برزت بعدما أعلنت موسكو عن إجراءات ضريبية ستؤدي في حال تنفيذها إلى زيادة أسعار النفط الروسي إلى بيلاروسيا، بنسبة غير مسبوقة، وهو ما سيحرم البلد الجار من الوضع التفضيلي الذي نصت عليه اتفاقات الشراكة بين البلدين. وترى مينسك أن موسكو تحاول أن تعوّض خسائرها بسبب العقوبات الغربية، وأن توفر عائدات مالية لمواجهة مشكلاتها من جيوب أطراف أخرى، بينها بيلاروسيا. وهذا ما دفع لوكاشينكو إلى قرع جرس التحذير للروس، فقال: «إذا لم ننجح في الاتفاق على تعويضات الخسائر التي يمكن أن تتكبّدها بلادنا بسبب المناورات الضريبية الروسية الجديدة، فهذا سوف يكون خيار القيادة الروسية. لن نجبرهم على شيء... لكننا سنبحث عن خيارات لمواجهة الوضع الجديد، وهكذا قد تخسر موسكو بهذه الطريقة حليفها الأساسي غرباً».
استخدم لوكاشينكو أسلوبه نفسه في إدارة الأزمات التي تواجهها بلاده عادة. فهو من جانب كلف الحكومة بالبحث عن خيارات لتعويض الخسائر التي تقدر بنحو 10 مليارات دولار أميركي على مدى السنوات الست المقبلة، من بينها تسريع تشغيل مصانع تكرير النفط الخام التي يقترب اكتمال بنائها. ولوّح بضرورة البحث عن مصادر أخرى لشراء النفط الخام وتكريره محلياً، ثم بيعه لبلدان حوض البلطيق المجاورة بـ«تكلفة النفط الروسي». وتلك كانت إشارة قوية إلى عزمه مواجهة التحركات الروسية أخيراً، التي قال عنها «الأفضل ألا تفكّروا بالبحث عن حلول لمشكلاتكم الداخلية من خلال إلقاء الثقل على كاهل المواطن البيلاروسي، فهذا أمر لن نسمح به أبداً».
قد تكون هذه المقدمات الأولى لتحوّل مهم في الشراكة الروسية مع أقرب الحلفاء في الفضاء السوفياتي السابق. ويكفي أن لوكاشينكو، الذي يبدو حالياً أنه يخوض معركته الكبرى على الجانبين شرقاً وغرباً، كان فضّل خلال لقاء لمعالجة هذه الأزمة جمعه في نهاية العام الماضي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين تحاشي وصف روسيا بأنها «بلد شقيق»، كما جرت العادة. بل اكتفى بالإشارة إلى الأهمية التي توليها بلاده لتجاوز هذه الأزمة بشكل لا يسبب أضراراً مالية على بلاده.
في المقابل، أفردت وسائل إعلام روسية مساحات واسعة خلال الفترة الأخيرة للحديث عن «صعوبة إدارة العلاقات» مع «الحليف الصعب»، الذي وُصف بأنه يحاول أن «يعضّ يد روسيا التي ساعدته دائماً في مواجهة العزلة المفروضة على بلاده». وقال وزير المال الروسي أنطون سيلوانوف، رداً على تعليقات لوكاشينكو الحادة، إن «الإجراءات الضريبية التي نقوم بها شأن داخلي، ونحن لم نَعِد بيلاروسيا بأي شيء». وتبدو العبارة لافتة لأنها تعد بتوسيع التوتر مع البلد الجار.


مقالات ذات صلة

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

حصاد الأسبوع آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة…

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة،

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة،

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع  تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته

إيلي يوسف ( واشنطن)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».