ألكسندر لوكاشينكو... «ديكتاتور» لا يملك صواريخ نووية

التجربة الأوكرانية نبّهت زعيم بيلاروسيا إلى ضرورة التحسّب لسياسات موسكو

ألكسندر لوكاشينكو... «ديكتاتور» لا يملك صواريخ نووية
TT

ألكسندر لوكاشينكو... «ديكتاتور» لا يملك صواريخ نووية

ألكسندر لوكاشينكو... «ديكتاتور» لا يملك صواريخ نووية

منذ أن وصل الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، إلى سدة الحكم في بيلاروسيا (روسيا البيضاء) عام 1994، وهو يسير عكس التيار. حمل رايات الشيوعية وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة في الفضاء السوفياتي، ورفض برامج الخصخصة والانتقال إلى الملكية الفردية، حين كان «اقتصاد السوق» يغزو التركة المتعبة من عقود تحكم الدولة في كل شؤون البلاد. حارب معارضيه بقوة وزجّ بهم في السجون، متجاهلاً رياح التغيير والديمقراطية التي عصفت بالمنطقة من حوله. ومن ثم، حافظ على القبضة القوية لجهاز الـ«كي جي بي» الرهيب - رافضاً حتى تغيير اسمه - بينما كان جيرانه يتفننون في إظهار عزمهم على التخلّص من كل ما يربط بلادهم بالماضي السوفياتي القريب.

بدا المزارع العنيد الذي صعد سلم السياسة العليا في زمن التقلّبات الكبرى في بلاده كأنه قادم من عالم آخر... أو من زمن آخر.
ركب ألكسندر لوكاشينكو موجة محاربة الفساد والجريمة المنظمة و«المافيات» التي كادت تنهش جسد بيلاروسيا، ليسيطر على مقاليد الحكم، ويحولها في ربع قرن إلى ما يشبه جمهورية سوفياتية مصغرة تكاد تكون مكتفية ذاتياً، لكنها معزولة.

آخر الديكتاتوريات في أوروبا
ظل الشاب ذو الخلفية العسكرية الصارمة التي اكتسبها بحكم خدمته في حرس الحدود لمدة تجاوزت سبع سنوات، مرتبطاً بقوةٍ بالتعاونيات الزراعية التي نشرتها التجربة السوفياتية في كل أنحاء الاتحاد السوفياتي السابق، لكن كانت لها أهمية خاصة في بيلاروسيا، الجمهورية السوفياتية السابقة والبلد الزراعي المهم، الذي ما زال يفاخر بإنتاجه في هذا المجال، رغم تقلبات السنوات والأحوال.
وخطا لوكاشينكو إلى عالم السياسة من موظف في مزرعة تعاونية سوفياتية تقليدية إلى مدير مصنع لمواد بناء مزارع الدولة، قبل اختياره نائباً في المجلس الأعلى لجمهورية بيلاروسيا (البرلمان) حيث خاض حروباً شرسة ضد التيارات الليبرالية الإصلاحية التي اتهمها بالسعي إلى نهب ثروات البلاد، وتمزيقها، في فترة تفكك الاتحاد السوفياتي.
وكشف لوكاشينكو مبكراً عن آرائه وطموحاته، رغم أنها كانت في ذلك الوقت مثيرة للجدل والصراعات. إذ إنه لم يتردد في نشر مقالة لافتة في عام 1991 حملت عنوان «الديكتاتورية... الخيار البيلاروسي»، وتحوّلت إلى «مانيفستو» أو «خريطة طريق» سار لتنفيذها على مدى سنوات لاحقة. فكان النائب الوحيد في البرلمان البيلاروسي الذي صوّت ضد اتفاقية «ديسمبر 1991»، التي شكّلت الأساس القانوني لحل الاتحاد السوفياتي وتأسيس «كومنولث (رابطة) الدول المستقلة» على أنقاضه. ومنذ أن ساهم بتأسيس كتلة نيابية حملت اسم «شيوعيون من أجل الديمقراطية»، بدا واضحاً أنه اختار الطريق الأصعب، لكنه ظل منسجماً مع أفكاره التي انعكست لاحقاً على كل سياساته طوال فترة تربّعه على سدة الحكم لخمس ولايات رئاسية متتالية.

لا تهاون...
على مدى ربع قرن حكم البلاد خلالها بقبضة قوية لا تتهاون، ظل لوكاشينكو - الذي بات يحمل في بلاده تسمية «الأب» - محور سجالات لا تنتهي. إذ يدافع أنصاره عن أسلوبه في الحكم، بالإشارة إلى أنه «أنقذ البلاد من الآثار السيئة للتحول نحو الرأسمالية» عبر رفضه إجراءات الخصخصة العشوائية، ومواجهته الفساد والجريمة المنظمة، ومحاربته محاولات «حيتان المال» السيطرة على القطاعات الرئيسية في البلاد، وفقاً للنموذج الذي سارت عليه وأوقعها في حال من التخبّط والفوضى في تسعينات القرن الماضي.
في المقابل، يدّعي خصومه الكثيرون أن ثَمن تلك «الإنجازات» كان باهظاً. وأنه قمع الحريات، وأغلق الصحف، ومنع تطوّر الحياة الحزبية والسياسية في البلاد. كذلك فإنه نكل بمعارضيه بقسوة، ولم يتردد في إطلاق أبشع الصفات ضدهم... حتى أنه تجاهل الانتقادات الدولية الكثيرة عندما واجه بحزم احتجاجات واسعة وسجن مئات المعارضين في عام 2010، بعد مرور وقت قصير على إعادة انتخابه في الولاية الرابعة آنذاك، بأصوات نحو 80 في المائة من الناخبين. وهي انتخابات شكّكت المعارضة - بقوة - في صحة نتائجها، ما أثار غضبه ودفعه إلى اعتقال 7 من أصل 9 مرشحين خاضوا المنافسة ضده.
في أي حال، لم ير الرجل، الذي يصفه الغرب بأنه «آخر ديكتاتور في أوروبا» مشكلة في حالة العزلة التي فُرضت على بلاده. وللعلم، فهو مدرج على لوائح عقوبات كثيرة تمنعه من زيارة أوروبا أو الولايات المتحدة، أو بناء علاقات طبيعية حتى مع جيرانه الأقرب لجهة الغرب، وهي جمهوريات حوض البلطيق وبولندا. ثم إن بيلاروسيا حُرمت من الانضمام إلى مجلس أوروبا لسنوات طويلة، قبل أن يبدأ الغرب بتخفيف لهجته قليلاً، عبر فتح بعض الشراكات مع لوكاشينكو في إطار برامج «الشراكة الشرقية» التي بقيت لسنوات تراوح في مكانها.
المثير أن لوكاشينكو يرفض اتهامات الغرب له، ويبرّر سطوته الثقيلة في بلاده بغياب المنافسين الجديين، ولقد فاخر ذات يوم بأن معارضيه «بضع أشخاص لا يملكون أي وزن في الشارع، وهم في الانتخابات عاجزون عن جمع أكثر من واحد في المائة من الأصوات». لكنه في الوقت ذاته وجه رسالة واضحة إلى الغرب بضرورة التراجع عن معاييره في إطلاق أوصاف الديكتاتورية عليه، إذ قال إنه «لكي يكون ديكتاتوراً يحتاج إلى موارد»، مضيفاً: «أنا لا أنام محتضناً الرؤوس النووية مثل ستالين، ولا أعوم على بحر من موارد النفط مثل هوغو تشافيز في فنزويلا... وليست لدينا كميات من الغاز الطبيعي كتلك التي تمتلكها روسيا الاتحادية».
ومع الاتهامات الغربية الكثيرة للرئيس البيلاروسي بالديكتاتورية، وحرمان البلاد من السير على خطى التطور المماثل للبلدان السوفياتية السابقة التي اختارت طريق الانفتاح والديمقراطية، أثار لوكاشينكو غضب الغرب في مواقف عدة؛ تتعلق بنظرته إلى الملفات السياسية الدولية، أو إلى القيَم والمعايير التي تحاول أوروبا الترويج لها. فهو على مدى سنوات أعلن دعمه لإيران في «حقها بتطوير البرنامج النووي الإيراني». وحقاً، تُعدّ إيران بين الحلفاء الأساسيين لبيلاروسيا، رغم ضعف ميزان التبادل التجاري بين البلدين.

مواقفه غير السياسية
بعيداً من مجالات السياسة، لم يتردد لوكاشينكو بإعلان كراهيته لـ«المثليين»، ورأى أنه لا يمكن السماح بأن يتحوّل النقاش حول هذا الموضوع إلى نقاش حول الحرّيات. وانتُقد لأنه نصح يوماً وزير الخارجية الألماني، المثلي جنسياً، بأن يحيا «حياة طبيعية»، وعندما وُجه بالانتقادات قال لصحافيين: «نحن نعيش في مجتمع ديمقراطي، ولدي الحق في إعطاء رأيي».
من ناحية أخرى، مع أن «الأب» لوكاشينكو برز مدافعاً شرساً ضد الفساد والمحسوبيات في سنوات حكمه الأولى، فاللافت أنه فتح المجال لأفراد من عائلته للعب أدوار مهمة في البلاد. ذلك أن ابنه الأكبر فيكتور عضو في مجلس الأمن القومي في بيلاروسيا، ويحتل ابنه الأصغر ديمتري منصب رئيس النادي الرئاسي الرياضي وأعد مشاركة الرياضيين البيلاروس في دورة الألعاب الأولمبية الصيفية 2008 في بكين. أما ابنه الأصغر كوليا فهو مرشح الرئيس لـ«خلافته»؛ إذ لم يتردد ضمن أحاديث علنية أمام تجمعات في الإشارة إلى أنه (كوليا) «سيغدو رئيساً». وكان لافتاً أن الفتى، الذي يبلغ حالياً من العمر 14 سنة، رافق والده في مناسبات رسمية؛ بينها زيارة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأخرى للبابا بنديكتوس السادس عشر، كما كان رفيقه في الإشراف ذات مرة على مناورات عسكرية.

روسيا حليف... ولكن
في سياق آخر، مقابل العلاقة المتوترة مع الغرب على مدى سنوات طويلة، حافظ لوكاشينكو على صلات وثيقة مع «الشقيق الأكبر» روسيا، ووقع عام 1996 اتفاقاً لتأسيس اتحاد بين البلدين. لكن الاتفاق ظل حبيس الأدراج، لمدة 3 سنوات، بسبب الرفض القاطع من جانب الرئيس البيلاروسي مطالب موسكو بفتح القطاعات الاقتصادية الأساسية في بلاده أمام عمليات خصخصة تسمح بدخول الشركات الكبرى الروسية إليها.
وفي أكثر من موقع، عقد لوكاشينكو مقارنات مع «النتائج الكارثية» لـ«الخصخصة العشوائية» التي جربتها روسيا في بداية تسعينات القرن الماضي. وتعهد بأنه «لن يسمح أبداً للصوص أن ينهبوا ثروات بلاده»، في إشارة إلى حيتان المال الذين راكموا ثروات خرافية في روسيا، ووضعوا أعينهم على البلد الجار لاحقاً.
وحقاً، شكلت هذه العقدة واحدة من المشكلات التي أصابت الاتحاد بين روسيا وبيلاروسا بحال من الجمود. لكن في الوقت ذاته، حافظ البلدان على نوع من «العلاقات الخاصة» التي دفعت إليها الحاجة الاستراتيجية لكل طرف. إذ تعد روسيا البوابة الأهم على العالم لبيلاروسيا المعزولة والمحاطة بقيود كثيرة، كما أن بيلاروسيا تعد بالنسبة إلى موسكو «الجدار الحاجز» الذي يفصلها عن أوروبا في ظروف تدهور العلاقات وتعزيز سياسات العسكرة وحشد الطاقات على طرفي الحدود. وبهذا المعنى، فإن القيادة الحالية في مينسك (عاصمة بيلاروسيا) باتت تلعب دوراً أساسياً في هذه المواجهة، ولذلك لم يكن غريباً أن تعلن موسكو أخيراً عن زجّ قوات إضافية وطرازات من الأسلحة الحديثة في البلد الجار، وفقاً لاتفاقات التعاون العسكري القائمة بين الحليفين.
وظلت العلاقة الملتبسة بين الطرفين تظهر في محطات عدة، وتراوح بين أحاديث عن تعزيز اتحاد «دولة سلافية» تجمع البلدين، وهو أمر عارضته بقوة مينسك، ما دفع الكرملين في نهاية العام الماضي إلى نفي تهمة محاولات الهيمنة على البلد الجار عن نفسه. ولم تلبث أن تجلت تلك العلاقة المتناقضة عند منعطفات مهمة، إذ لم يحصل الكرملين على دعم الحليف الأقرب في ملف ضم القرم إلى روسيا عام 2014، بل على العكس من ذلك، بدا أن تصرفات روسيا في الفضاء السوفياتي السابق أثارت مخاوف إضافية لدى لوكاشينكو، الذي رأى فيها تقويضاً لفكرة التكامل بين الجمهوريات السوفياتية السابقة وبروزاً لروح الهيمنة ومحاولة التوسع على حساب الشركاء. ثم، منذ وقعت الحرب الروسية - الجورجية عام 2008 ما أسفر عن انفصال إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن جورجيا بدعم روسي، كان تحفّظ مينسك واضحاً على تحركات الكرملين، لكنه اتخذ صفة أوضح بعد ضم شبه جزيرة القرم واندلاع الحرب في الشرق الأوكراني. إذ عارض لوكاشينكو علانية، التطور، وتحدث عن «رأي خاص» لبلاده يقوم على ضرورة «احترام وحدة أراضي أوكرانيا وضرورة ألا يقوم أي طرف بتقسيم هذا البلد العظيم». بل ورأى أن «ضم القرم سابقة سيئة لبلداننا». وأكثر من ذلك، اتهمت أوساط روسية، مينسك، بأنها لعبت أدواراً مهمة في تسهيل دخول البضائع الأوكرانية والغربية إلى الأسواق الروسية بشهادات منشأ بيلاروسية... لتجاوز حواجز العقوبات والتدابير المفروضة بين الجانبين.

«الحليف الصعب» يهدّد
لقد شكلت الأزمة الأوكرانية واحداً من الأسباب الأساسية لتوسيع التوتر في العلاقات بين روسيا وبيلاروسيا، قبل أن تتداخل عناصر أخرى مختلفة؛ بينها أسباب اقتصادية في شكل تجلى في تعميق أزمة سعى الطرفان لمحاصرتها في نهاية العام، قبل أن تتسع أكثر. لكن يبدو أن هذه الجهود وصلت أخيراً إلى طريق مسدودة، إذ رفع لوكاشينكو بقبضته أخيراً في وجه الكرملين، ملوحاً بأن «موسكو قد تخسر حليفها الوحيد على الجبهة الغربية... إذا ما واصلت السير على طريق الإضرار بمصالحنا».
هذه اللهجة التحذيرية الغاضبة برزت بعدما أعلنت موسكو عن إجراءات ضريبية ستؤدي في حال تنفيذها إلى زيادة أسعار النفط الروسي إلى بيلاروسيا، بنسبة غير مسبوقة، وهو ما سيحرم البلد الجار من الوضع التفضيلي الذي نصت عليه اتفاقات الشراكة بين البلدين. وترى مينسك أن موسكو تحاول أن تعوّض خسائرها بسبب العقوبات الغربية، وأن توفر عائدات مالية لمواجهة مشكلاتها من جيوب أطراف أخرى، بينها بيلاروسيا. وهذا ما دفع لوكاشينكو إلى قرع جرس التحذير للروس، فقال: «إذا لم ننجح في الاتفاق على تعويضات الخسائر التي يمكن أن تتكبّدها بلادنا بسبب المناورات الضريبية الروسية الجديدة، فهذا سوف يكون خيار القيادة الروسية. لن نجبرهم على شيء... لكننا سنبحث عن خيارات لمواجهة الوضع الجديد، وهكذا قد تخسر موسكو بهذه الطريقة حليفها الأساسي غرباً».
استخدم لوكاشينكو أسلوبه نفسه في إدارة الأزمات التي تواجهها بلاده عادة. فهو من جانب كلف الحكومة بالبحث عن خيارات لتعويض الخسائر التي تقدر بنحو 10 مليارات دولار أميركي على مدى السنوات الست المقبلة، من بينها تسريع تشغيل مصانع تكرير النفط الخام التي يقترب اكتمال بنائها. ولوّح بضرورة البحث عن مصادر أخرى لشراء النفط الخام وتكريره محلياً، ثم بيعه لبلدان حوض البلطيق المجاورة بـ«تكلفة النفط الروسي». وتلك كانت إشارة قوية إلى عزمه مواجهة التحركات الروسية أخيراً، التي قال عنها «الأفضل ألا تفكّروا بالبحث عن حلول لمشكلاتكم الداخلية من خلال إلقاء الثقل على كاهل المواطن البيلاروسي، فهذا أمر لن نسمح به أبداً».
قد تكون هذه المقدمات الأولى لتحوّل مهم في الشراكة الروسية مع أقرب الحلفاء في الفضاء السوفياتي السابق. ويكفي أن لوكاشينكو، الذي يبدو حالياً أنه يخوض معركته الكبرى على الجانبين شرقاً وغرباً، كان فضّل خلال لقاء لمعالجة هذه الأزمة جمعه في نهاية العام الماضي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين تحاشي وصف روسيا بأنها «بلد شقيق»، كما جرت العادة. بل اكتفى بالإشارة إلى الأهمية التي توليها بلاده لتجاوز هذه الأزمة بشكل لا يسبب أضراراً مالية على بلاده.
في المقابل، أفردت وسائل إعلام روسية مساحات واسعة خلال الفترة الأخيرة للحديث عن «صعوبة إدارة العلاقات» مع «الحليف الصعب»، الذي وُصف بأنه يحاول أن «يعضّ يد روسيا التي ساعدته دائماً في مواجهة العزلة المفروضة على بلاده». وقال وزير المال الروسي أنطون سيلوانوف، رداً على تعليقات لوكاشينكو الحادة، إن «الإجراءات الضريبية التي نقوم بها شأن داخلي، ونحن لم نَعِد بيلاروسيا بأي شيء». وتبدو العبارة لافتة لأنها تعد بتوسيع التوتر مع البلد الجار.


مقالات ذات صلة

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)
حصاد الأسبوع خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
حصاد الأسبوع 
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له


الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.