الرئيس البرازيلي اليميني يجنح نحو الاعتدال والواقعية

الرئيس البرازيلي اليميني يجنح نحو الاعتدال والواقعية

لإدراكه أن أي إنجازات اقتصادية لنظامه «تحتاج إلى استقرار وتعاون إقليمي»
الجمعة - 12 جمادى الأولى 1440 هـ - 18 يناير 2019 مـ رقم العدد [ 14661]
الرئيسان البرازيلي (يمين) والأرجنتيني بينهما علاقات متوترة رغم انتمائهما إلى المعسكر اليميني (أ.ب)
مدريد: شوقي الريّس
بعد المسبحة الطويلة من التصريحات والمواقف المتطرفة التي وزّعها الرئيس البرازيلي الجديد جايير بولسونارو في كل الاتجاهات خلال حملته الانتخابية وفي خطاب القَسَم مطلع هذا العام، وبعد الإعلان عن تشكيلته الحكومية التي يتولّى فيها عسكريّون سابقون ومحافظون متشددون كل الحقائب الأساسية، بدأت تظهر علامات تؤشر إلى جنوحه نحو الاعتدال والواقعية كما تبيّن خلال لقائه أمس بالرئيس الأرجنتيني ماوريسيو ماكري الذي كان يقوم بأول زيارة لرئيس أجنبي إلى البرازيل منذ وصول بولسونارو إلى الرئاسة.
وقد فوجئ المراقبون عندما اكتفى الرئيس البرازيلي بالدعوة إلى «الدفاع عن الحرية والديمقراطية في أميركا الجنوبية» أمام ضيفه الأرجنتيني الذي وصف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بأنه «طاغية لا يسعى سوى إلى البقاء في الحكم عبر انتخابات وهميّة»، سيّما وأن مادورو سبق له أن وصف بولسونارو منذ يومين بأنه «هتلر العصر الحديث». وأضاف ماكري بأن الطرفين البرازيلي والأرجنتيني «يعترفان بالجمعية الوطنية الفنزويلية بصفتها المؤسسة الشرعية الوحيدة في البلاد».
وتُرجِع أوساط دبلوماسية هذا المنحى غير المتوقّع في سياسة بولسونارو إلى حاجته لتحقيق إنجازات اقتصادية في المدى المنظور لترسيخ نظامه، وإلى إدراكه بأن هذه الإنجازات لا يمكن أن تتحقق خارج إطار إقليمي ينعم بحد أدنى من الاستقرار والتعاون. ورغم انتماء الرئيسين البرازيلي والأرجنتيني إلى المعسكر اليميني الذي يهيمن حاليّا على معظم بلدان أميركا اللاتينية، ومقتضيات الجوار والتقاليد التي تربط البلدين، بدأت العلاقات بين بولسونارو وماكري متوترة عندما امتنع الأخير عن حضور حفل تنصيب الرئيس البرازيلي كما جرت العادة، وكلّف وزير الخارجية تمثيله بعد إعلان الرئاسة البرازيلية أن زيارة بولسونارو الأولى إلى خارج ستكون إلى تشيلي وليس إلى الأرجنتين عملاً بالتقاليد المألوفة.
ويُذكر أن الرئيس الأرجنتيني كان قد وجّه دعوة العام الماضي إلى بولسونارو بعيد انتخابه لحضور قمّة الدول العشرين التي عقدت في بوينس آيرس، لكن الرئيس البرازيلي اعتذر عن الحضور من غير توضيح الأسباب.
ولا تقلّ حاجة الرئيس الأرجنتيني عن حاجة نظيره البرازيلي لتحقيق إنجازات اقتصادية في ظل الأزمة المالية الحادة التي تعاني منها الأرجنتين منذ العام الماضي، والتي دفعتها للمرة الثانية إلى طلب قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 50 مليار دولار هو الأكبر في تاريخ المؤسسة الدولية، ومع اقتراب موعد الانتخابات العامة والرئاسية حيث سيحاول تجديد ولايته.
وتراقب الأرجنتين بقلق اتجاه النظام البرازيلي الجديد إلى تفضيل الولايات المتحدة والتشيلي، وحتى إسرائيل، لإقامة تحالفات استراتيجية خارج المنظمة الإقليمية «مركوسور» التي تضمّ البلدين إلى جانب الباراغواي وأوروغواي.
وتجدر الإشارة إلى أن البرازيل هي الشريك التجاري الأول لجارتها الجنوبية، بينما الأرجنتين هي الشريك الثالث للبرازيل التي لا تبدي حماساً لتوسيع دائرة التعاون الاقتصادي معها في الظروف الحالية حيث تعاني الأرجنتين من نسبة تضخّم تلامس 50 في المائة سنويّاً. وكانت العلاقات قد بدأت تشهد توتراً بعد انتخاب بولسونارو الذي جاء تتويجاً لسلسلة من الانتصارات اليمينية في أميركا اللاتينية كانت فاتحتها فوز ماكري برئاسة الأرجنتين منذ أربع سنوات، عندما أعلن وزير الاقتصاد البرازيلي الجديد باولو غيديس أن التحالف التجاري القائم بين البرازيلي وجيرانها الجنوبيين لن يكون في عداد أولويات الحكومة. ومعروف عن غيديبس الذي أطلق بولسونارو يده في إدارة الملف الاقتصادي والمالي، أن النموذج الأمثل عنده هي تشيلي حيث سبق له أن عمل مستشاراً رئاسيا للشؤون الاقتصادية إبّان حكم الجنرال بينوتشيه.
ورغم اتفاق الطرفين على تكثيف الجهود من أجل إنهاء المفاوضات الجارية منذ سنوات بين «مركوسور» والاتحاد الأوروبي لتسهيل التبادل التجاري بين الجهتين، تصرّ البرازيل على تعديل النظام الأساسي للتحالف الإقليمي بما يتيح لأعضائه إبرام اتفاقات تجارية ثنائية مع أطراف ثالثة. ومما يدلّ على الأهمية التي توليها الأرجنتين لعلاقاتها مع العملاق البرازيلي، الوفد الذي رافق ماكري في زيارته وضمّ أحد عشر وزيراً وإبرام اتفاقات ثنائية عديدة شملت الدفاع والصناعات العسكرية والعلوم والتكنولوجيا ومكافحة الجريمة المنظمة والطاقة النووية. كما أبدى الطرفان اهتماماً ملحوظاً بتعزيز التعاون في مجال مكافحة تجارة المخدرات التي يتفقان على اتهام أنظمة إقليمية، مثل فنزويلا وكوبا، بالضلوع فيها.
واتفق الطرفان على تشكيل لجنة ثنائية دائمة تابعة لوزارتي الخارجية في البلدين تتولى التنسيق بشأن الأزمات السياسية الإقليمية. وتجدر الإشارة إلى أن البرازيل والأرجنتين، وكلاهما ينتمي إلى مجموعة ليما التي تشكّلت لمعالجة الأزمة الفنزويلية، قد رفضتا الاعتراف بشرعية الولاية الثانية للرئيس الفنزويلي إلى جانب إحدى عشرة دولة أخرى في أميركا اللاتينية، فيما امتنعت المكسيك عن الانضمام إلى موقف المجموعة عارضة التوسّط بين الأطراف الفنزويلية المتنازعة. وكانت العلاقات بين البرازيل وكوبا قد شهدت تدهوراً ملحوظاً في الأسابيع الأخيرة بعد قرار بولسونارو سحب الدعوة التي كانت موجهة للرئيس الكوبي لحضور حفل تنصيبه، وردّت هافانا بتعليق برنامج المساعدة الصحية مع البرازيل والذي بموجبه يقوم 13 ألف طبيب كوبي بخدمة آلاف المستوصفات والمستشفيات في الأرياف البرازيلية.
برازيل برازيل سياسة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة