أسبوع لندن الرجالي لخريف وشتاء 2019 يُفجر طاقاته في وجه التحديات الجديدة

تشكيلات تعكس حاجة المصممين للتوسع وخوض مجال الأزياء النسائية

من عرض «فاشن إيست» - من عرض «رايبورن»
من عرض «فاشن إيست» - من عرض «رايبورن»
TT

أسبوع لندن الرجالي لخريف وشتاء 2019 يُفجر طاقاته في وجه التحديات الجديدة

من عرض «فاشن إيست» - من عرض «رايبورن»
من عرض «فاشن إيست» - من عرض «رايبورن»

عندما دشن الأمير تشارلز أسبوع الموضة الرجالي في عام 2012. كان ذلك إشارة واضحة إلى أن قطاع الأزياء الرجالية أصبح مستقلاً وقائماً بذاته. فأرقام المبيعات كانت تشير حينها إلى أنه بدأ يتنامى بسرعة أكثر من قطاع الأزياء النسائية إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الرجل لم يدخل لعبة الموضة إلا قريباً.
بدأ مصمموه يطالبون بأسبوع خاص بهم عوض يوم يتيم يتشبث بذيل أسبوع الموضة النسائي في آخر أيامه طامعاً في حضور وسائل الإعلام قبل توجههم إلى ميلانو. طبعاً كان هذا مجرد حلم لأن وسائل الإعلام كانت تتجاهله لتوفر على نفسها يوماً كاملاً، إنْ لم ترتحْ فيه فهي ستُجري فيه لقاءات مع أصحاب القرارات في مجال الإعلانات. لهذا اضطرت منظمة الموضة البريطانية إلى إجراء تدخل جذري يعيد لهم الاعتبار. في عام 2012، كان الوقت مناسباً لولادة أسبوع يُقدم فيه المصممون اقتراحاتهم مرتين في السنة. أصبح له أيضاً تاريخ مستقل وثلاثة أيام عوض يوم واحد. استقطبت له المنظمة أيضاً بيوت أزياء عريقة مثل «دانهيل» و«سافيل رو» وأسماء أخرى من متمرسين في التفصيل ليساندوا المصممين الشباب وفي الوقت ذاته يُعطون الأسبوع زخماً أكبر. لم يخطر بالبال أن تتأزم الأمور الاقتصادية على مستوى العالم، وتشمل الأزمة حتى بيوت الأزياء الكبيرة التي أصبح لزاماً عليها البحث عن حلول جديدة والقيام بعمليات سريعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. «بيربري» مثلاً اقترحت فكرة بيع منتجاتها مباشرة بعد العرض. ثم دمجت عروضها النسائية مع الرجالية لتوفر على نفسها عناء ومصاريف أربعة عروض في السنة. لم تكن الوحيدة في هذا التوجه، فقد رأينا «غوتشي» وآخرين يقومون بنفس عملية الدمج بين النسائي والرجالي.
البعض يراها محاولة من مصممين تخصصوا في القطاع الرجالي لخوض مجال الأزياء النسائية، على أساس أنه أكثر مردودية.
منظمة الموضة البريطانية تعرف أن إيقاع الموضة يتغير في كل موسم، وهو ما يتطلب تدخلات جديدة ومبتكرة. فما قد يكون مناسباً في عام 2018 قد لا يكون مُجدياً في عام 2019. لكنها لا تزال متفائلة. فقد أفادت دراسة نشرتها مؤخراً بأن القطاع الرجالي شهد نمواً بنسبة 5.1 في المائة في عام 2018، وذكرت مرة أخرى أن لندن تفوقت في السنوات الأخيرة على كلٍّ من نيويورك وميلانو وباريس. فما يطرحه مصمموها، من أمثال كرايغ غرين وتشارلز جيفري وغيرهما، في أي موسم، هو الذي يحدد توجهات الموضة لسنوات قادمة. لكنّ هناك جهات أخرى متشائمة تردد أن هناك تراجعاً أو تباطؤاً في النمو، من شأنه أن يؤثر سلباً على مستقبل أسابيع الموضة الرجالية. هؤلاء لا يستبعدون أن تعود إلى بداياتها عندما كانت جزءاً من الأسابيع النسائية، على الأقل فيما يتعلق ببيوت الأزياء الكبيرة. فعروضها الضخمة تتحمل عرض الاثنين معاً، وأمثال «ديور» و«لويس فويتون» و«برادا» لن يتأثروا كثيراً مقارنة بالمصممين الشباب الذين ليس لهم منفذ آخر سوى هذه الأسابيع. أملهم ربما قد يكون معقوداً على وسائل التواصل الاجتماعي. فحتى إنْ هجرتهم وسائل الإعلام التقليدية إلى عواصم أخرى، أو بخلت عليهم بالتغطيات المجانية، بحكم أن أغلبهم ليست لديهم إمكانيات إعلانية، فإن من أصبحوا يُعرفون بالـ«إنفلوونسرز» قد يقومون بالواجب وأكثر، بعد أن أكد بعضهم في الآونة الأخيرة مصداقيتهم ومدى تأثيرهم الإيجابي على المستهلك. على الأقل من ناحية تفاعلهم معه بشكل مباشر حتى قبل أن تصل المنتجات إلى المحلات. بتغريداتهم وصورهم وتعليقاتهم يخلقون نوعاً من الرغبة في الأزياء والإكسسوارات. ويقول بعض المصممين إنها أكثر فاعلية من أي إعلان في مجلة براقة. من هذا المنظور أيضاً يرى البعض أن عودتهم إلى أسابيع الموضة النسائية واندماجهم معها ليس سيئاً أو سلبياً، لأنهم سيحصلون على تغطيات أكبر، بحكم أن عدد المجلات النسائية التي ستغطي هذه الفعاليات أكبر بكثير من المجلات الرجالية، التي لا يختلف اثنان على أن عددها لا يزال أقل بالمقارنة.
لكن إلى أن يحين ذلك الوقت وتصبح هذه هي القاعدة، فإن أسبوع لندن لخريف وشتاء 2019 الذي اختُتم يوم الاثنين الماضي، أكد روحه اللندنية المتحدية والمسؤولة في الوقت ذاته، منها تبني قضايا إنسانية مثل صامويل روس مؤسس ماركة «أ - كولد - وول»، ورسم لوحات فنية بألوان متفتحة مثل باتريك غرانت مصمم «إي.توتز»، وتشارلز جيفري وآخرين. ألوان سيسل بيتون الصاخبة وقصّات «بيتر بان» كانت حاضرة، كذلك نقاشات فكرية تغوص في اللاوعي في زمن التكنولوجيا وتتساءل عن دور وسائل التواصل الاجتماعي. كل هذا جعل العديد من العروض يتعدى الجمالي إلى الإنساني. عرض تشارلز جيفري مثلاً أخذنا من الواقع بكل ما يحمله من أزمات وضبابية في رحلة إلى عالم مفعم بالغرائب والخيال. عالم غني بالألوان والتصاميم التي سيجد فيها الرجل، أياً كانت ميوله وذوقه، ما يشفي غليله. من البدلات المفصلة والمصنوع بعضها من قماش «التارتان» إلى معاطف الموهير المزينة بسلاسل، وغيرها من القطع المطعمة بلمسات شقية تناسب رجلاً إما جريئاً أو متمكناً من أدواته يعشق اللعب بالموضة. ما قام به جيفري أنه عاد بنا إلى التسعينات، الحقبة التي شهدت تغيرات إيجابية هزت الكثير من التابوهات التي كانت تُكبل الرجل تحديداً.
من جهتهما، قدم المصممان بين كوتريل وماثيو داينتي عرضاً غريباً حاولا من خلاله «الغوص في تأثيرات عالم التكنولوجيا على حياتنا، حسب قولهما. ترجمتهما لهذه الفكرة تجلت في أزياء مطبوعة بلمسة رياضية يتخللها بعض التفصيل الرجالي، إلى جانب قطع مضادة للماء بتقنيات جديدة وأخرى بسحابات مائلة إلى الجانب وغير متوازية.
طبعاً ليس هناك أكثر من «فاشن إيست» لتجسيد المفهومين الشبابي والتكنولوجي اللذين باتت تفرضهما وسائل التواصل الاجتماعي. فهذا المشروع الذي دُشن في عام 2000 لاحتضان مصممين شباب في بداياتهم، اشتدّ صُلبه واكتمل لكنه لا يزال موجهاً إلى المواهب الصاعدة. لا يختلف اثنان على أن الزمن الذي ظهر فيه المشروع يختلف تماماً عما شهده عالم الموضة من تغيرات وتطورات على مدى 19 عاماً. فالكثير من المفاهيم تغيّر وإيقاع الحياة يتسارع يوماً عن يوم، كذلك الانفتاح على أسواق عالمية وما تتطلبه من تجاوب ومنافسة، الأمر الذي يضعهم أمام تحديات غير مسبوقة. فما كان مُهماً في الماضي، مثل الابتكار على حساب التسويق، أصبح خبراً من الماضي. أصبح الابتكار مربوطاً بالتسويق لكن أيضاً بالثقة وتلك العلاقة الحميمة التي تربط المصمم بالمستهلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فما يقدمه يجب أن يُعبر عن فلسفته ومبادئه من جهة، وأن يعكس مواكبته لأحداث عصره من جهة ثانية. ليس أدلّ على هذا من ماركة «أ - كولد - وول» التي أطلقها الشاب صامويل روس، 27 عاماً. فهي من الماركات التي لا تفوّت خلال أسبوع لندن منذ إطلاقها في عام 2015. لم يخيب المصمم الآمال هذه المرة أيضاً، وقدم عرضاً مؤثراً لم يكن عن الأزياء المتنوعة والعملية بقدر ما كان عن مآسي المهاجرين. خيَّم على الضيوف طوال العرض إحساس بالحزن وهم يتابعون حركات العارضين كأنهم يغرقون ويتعلقون بألواح خشبية لكي يطفوا على سطح الماء، بينما كان عارضون آخرون يتوقفون في منتصف الخشبة بين الفينة والأخرى، وهم يتلفتون وراءهم بخوف وريبة. كأن هذا لا يكفي، ظهر فجأة كلب شرس وهو ينبح. والحقيقة أن مشاعر الحزن لم تختفِ إلا بعد ظهور المصمم في آخر العرض وهو يحمل طفلته الصغيرة كأنه يذكِّرنا بأن هناك أملاً في المستقبل. خلف الكواليس لم يخفِ أن هدفه كان تسليط الضوء على تنامي الموجات القومية ومخاوفه من تأثيراتها «كنت أريد أن أرمز من خلال الماء إلى الخوف والرغبة في البقاء... كنت أريد أيضاً أن أشير إلى تخبط الإنسان وعُمق المخاوف التي تساوره ومدى الشجاعة التي نحتاج إليها للانتصار على الأفكار الشعبوية للتقدم إلى الأمام». تجدر الإشارة إلى أن صامويل روس، وهو صديق مقرب من مصمم دار «لويس فويتون» فيرجيل أبلو، كما سبق له العمل مع كيني ويست، تبنى هذه العروض الفلسفية والإنسانية منذ بدايته في عام 2015، حيث تناول فيها قضايا مثل التمييز العنصري والطبقي وغيرها.
لحسن الحظ أن باتريك غرانت، مصمم دار «إي.توتز» أخذنا في رحلة عبر العالم كانت أكثر متعة وراحة للبال والعين معاً. قال إنه استوحاها من ألوان غابات البرازيل التي قضى فيها إجازته الأخيرة، وهو ما تجلى في ألوان مثل الأخضر والأصفر الزعفراني والبيج الرملي. كانت الدرجات المنعشة هي التي طبعت سترات خفيفة وبنطلونات واسعة ومريحة قال إنه استلهمها من السروال المغربي. أما الخطوط والتقليمات التي ظهرت في المعاطف والكنزات والإيشاربات الصوفية فاستلهمها من أسلوب أوسكار نيماير المعماري ومن حديقة باركي دو إبيرابويرا، في ساو باولو، حسب قوله.
من جهته، نجح عرض «كنت آند كوروين» التي يملك لاعب الكرة البريطاني ديفيد بيكهام الحصة الأكبر فيها، في جذب الكثير من الأنظار. فبالإضافة إلى حضور أفراد من عائلته، كانت القصات التي اعتمدتها التشكيلة «دانديه» ضمت قمصاناً كلاسيكية وبدلات مع صديريات ومعاطف صوفية وقبعات. كانت بكل تفاصيلها تعكس أسلوب بيكهام الشخصي. فهو أسلوب يُقلده العديد من الشباب من كل أنحاء العالم، فلمَ لا يقدمه لهم على طبق جاهز؟
تجدر الإشارة إلى أن «كنت آند كوروين» تأسست في عام 1926 على يد كنت ودوروثي كوروين في «سافيل رو»، لكنها توارت عن الأنظار إلى أن عادت في عام 2015 عندما اشترى ديفيد بيكهام حصة مهمة فيها.


مقالات ذات صلة

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام.

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.