أسبوع لندن الرجالي لخريف وشتاء 2019 يُفجر طاقاته في وجه التحديات الجديدة

تشكيلات تعكس حاجة المصممين للتوسع وخوض مجال الأزياء النسائية

من عرض «فاشن إيست» - من عرض «رايبورن»
من عرض «فاشن إيست» - من عرض «رايبورن»
TT

أسبوع لندن الرجالي لخريف وشتاء 2019 يُفجر طاقاته في وجه التحديات الجديدة

من عرض «فاشن إيست» - من عرض «رايبورن»
من عرض «فاشن إيست» - من عرض «رايبورن»

عندما دشن الأمير تشارلز أسبوع الموضة الرجالي في عام 2012. كان ذلك إشارة واضحة إلى أن قطاع الأزياء الرجالية أصبح مستقلاً وقائماً بذاته. فأرقام المبيعات كانت تشير حينها إلى أنه بدأ يتنامى بسرعة أكثر من قطاع الأزياء النسائية إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الرجل لم يدخل لعبة الموضة إلا قريباً.
بدأ مصمموه يطالبون بأسبوع خاص بهم عوض يوم يتيم يتشبث بذيل أسبوع الموضة النسائي في آخر أيامه طامعاً في حضور وسائل الإعلام قبل توجههم إلى ميلانو. طبعاً كان هذا مجرد حلم لأن وسائل الإعلام كانت تتجاهله لتوفر على نفسها يوماً كاملاً، إنْ لم ترتحْ فيه فهي ستُجري فيه لقاءات مع أصحاب القرارات في مجال الإعلانات. لهذا اضطرت منظمة الموضة البريطانية إلى إجراء تدخل جذري يعيد لهم الاعتبار. في عام 2012، كان الوقت مناسباً لولادة أسبوع يُقدم فيه المصممون اقتراحاتهم مرتين في السنة. أصبح له أيضاً تاريخ مستقل وثلاثة أيام عوض يوم واحد. استقطبت له المنظمة أيضاً بيوت أزياء عريقة مثل «دانهيل» و«سافيل رو» وأسماء أخرى من متمرسين في التفصيل ليساندوا المصممين الشباب وفي الوقت ذاته يُعطون الأسبوع زخماً أكبر. لم يخطر بالبال أن تتأزم الأمور الاقتصادية على مستوى العالم، وتشمل الأزمة حتى بيوت الأزياء الكبيرة التي أصبح لزاماً عليها البحث عن حلول جديدة والقيام بعمليات سريعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. «بيربري» مثلاً اقترحت فكرة بيع منتجاتها مباشرة بعد العرض. ثم دمجت عروضها النسائية مع الرجالية لتوفر على نفسها عناء ومصاريف أربعة عروض في السنة. لم تكن الوحيدة في هذا التوجه، فقد رأينا «غوتشي» وآخرين يقومون بنفس عملية الدمج بين النسائي والرجالي.
البعض يراها محاولة من مصممين تخصصوا في القطاع الرجالي لخوض مجال الأزياء النسائية، على أساس أنه أكثر مردودية.
منظمة الموضة البريطانية تعرف أن إيقاع الموضة يتغير في كل موسم، وهو ما يتطلب تدخلات جديدة ومبتكرة. فما قد يكون مناسباً في عام 2018 قد لا يكون مُجدياً في عام 2019. لكنها لا تزال متفائلة. فقد أفادت دراسة نشرتها مؤخراً بأن القطاع الرجالي شهد نمواً بنسبة 5.1 في المائة في عام 2018، وذكرت مرة أخرى أن لندن تفوقت في السنوات الأخيرة على كلٍّ من نيويورك وميلانو وباريس. فما يطرحه مصمموها، من أمثال كرايغ غرين وتشارلز جيفري وغيرهما، في أي موسم، هو الذي يحدد توجهات الموضة لسنوات قادمة. لكنّ هناك جهات أخرى متشائمة تردد أن هناك تراجعاً أو تباطؤاً في النمو، من شأنه أن يؤثر سلباً على مستقبل أسابيع الموضة الرجالية. هؤلاء لا يستبعدون أن تعود إلى بداياتها عندما كانت جزءاً من الأسابيع النسائية، على الأقل فيما يتعلق ببيوت الأزياء الكبيرة. فعروضها الضخمة تتحمل عرض الاثنين معاً، وأمثال «ديور» و«لويس فويتون» و«برادا» لن يتأثروا كثيراً مقارنة بالمصممين الشباب الذين ليس لهم منفذ آخر سوى هذه الأسابيع. أملهم ربما قد يكون معقوداً على وسائل التواصل الاجتماعي. فحتى إنْ هجرتهم وسائل الإعلام التقليدية إلى عواصم أخرى، أو بخلت عليهم بالتغطيات المجانية، بحكم أن أغلبهم ليست لديهم إمكانيات إعلانية، فإن من أصبحوا يُعرفون بالـ«إنفلوونسرز» قد يقومون بالواجب وأكثر، بعد أن أكد بعضهم في الآونة الأخيرة مصداقيتهم ومدى تأثيرهم الإيجابي على المستهلك. على الأقل من ناحية تفاعلهم معه بشكل مباشر حتى قبل أن تصل المنتجات إلى المحلات. بتغريداتهم وصورهم وتعليقاتهم يخلقون نوعاً من الرغبة في الأزياء والإكسسوارات. ويقول بعض المصممين إنها أكثر فاعلية من أي إعلان في مجلة براقة. من هذا المنظور أيضاً يرى البعض أن عودتهم إلى أسابيع الموضة النسائية واندماجهم معها ليس سيئاً أو سلبياً، لأنهم سيحصلون على تغطيات أكبر، بحكم أن عدد المجلات النسائية التي ستغطي هذه الفعاليات أكبر بكثير من المجلات الرجالية، التي لا يختلف اثنان على أن عددها لا يزال أقل بالمقارنة.
لكن إلى أن يحين ذلك الوقت وتصبح هذه هي القاعدة، فإن أسبوع لندن لخريف وشتاء 2019 الذي اختُتم يوم الاثنين الماضي، أكد روحه اللندنية المتحدية والمسؤولة في الوقت ذاته، منها تبني قضايا إنسانية مثل صامويل روس مؤسس ماركة «أ - كولد - وول»، ورسم لوحات فنية بألوان متفتحة مثل باتريك غرانت مصمم «إي.توتز»، وتشارلز جيفري وآخرين. ألوان سيسل بيتون الصاخبة وقصّات «بيتر بان» كانت حاضرة، كذلك نقاشات فكرية تغوص في اللاوعي في زمن التكنولوجيا وتتساءل عن دور وسائل التواصل الاجتماعي. كل هذا جعل العديد من العروض يتعدى الجمالي إلى الإنساني. عرض تشارلز جيفري مثلاً أخذنا من الواقع بكل ما يحمله من أزمات وضبابية في رحلة إلى عالم مفعم بالغرائب والخيال. عالم غني بالألوان والتصاميم التي سيجد فيها الرجل، أياً كانت ميوله وذوقه، ما يشفي غليله. من البدلات المفصلة والمصنوع بعضها من قماش «التارتان» إلى معاطف الموهير المزينة بسلاسل، وغيرها من القطع المطعمة بلمسات شقية تناسب رجلاً إما جريئاً أو متمكناً من أدواته يعشق اللعب بالموضة. ما قام به جيفري أنه عاد بنا إلى التسعينات، الحقبة التي شهدت تغيرات إيجابية هزت الكثير من التابوهات التي كانت تُكبل الرجل تحديداً.
من جهتهما، قدم المصممان بين كوتريل وماثيو داينتي عرضاً غريباً حاولا من خلاله «الغوص في تأثيرات عالم التكنولوجيا على حياتنا، حسب قولهما. ترجمتهما لهذه الفكرة تجلت في أزياء مطبوعة بلمسة رياضية يتخللها بعض التفصيل الرجالي، إلى جانب قطع مضادة للماء بتقنيات جديدة وأخرى بسحابات مائلة إلى الجانب وغير متوازية.
طبعاً ليس هناك أكثر من «فاشن إيست» لتجسيد المفهومين الشبابي والتكنولوجي اللذين باتت تفرضهما وسائل التواصل الاجتماعي. فهذا المشروع الذي دُشن في عام 2000 لاحتضان مصممين شباب في بداياتهم، اشتدّ صُلبه واكتمل لكنه لا يزال موجهاً إلى المواهب الصاعدة. لا يختلف اثنان على أن الزمن الذي ظهر فيه المشروع يختلف تماماً عما شهده عالم الموضة من تغيرات وتطورات على مدى 19 عاماً. فالكثير من المفاهيم تغيّر وإيقاع الحياة يتسارع يوماً عن يوم، كذلك الانفتاح على أسواق عالمية وما تتطلبه من تجاوب ومنافسة، الأمر الذي يضعهم أمام تحديات غير مسبوقة. فما كان مُهماً في الماضي، مثل الابتكار على حساب التسويق، أصبح خبراً من الماضي. أصبح الابتكار مربوطاً بالتسويق لكن أيضاً بالثقة وتلك العلاقة الحميمة التي تربط المصمم بالمستهلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فما يقدمه يجب أن يُعبر عن فلسفته ومبادئه من جهة، وأن يعكس مواكبته لأحداث عصره من جهة ثانية. ليس أدلّ على هذا من ماركة «أ - كولد - وول» التي أطلقها الشاب صامويل روس، 27 عاماً. فهي من الماركات التي لا تفوّت خلال أسبوع لندن منذ إطلاقها في عام 2015. لم يخيب المصمم الآمال هذه المرة أيضاً، وقدم عرضاً مؤثراً لم يكن عن الأزياء المتنوعة والعملية بقدر ما كان عن مآسي المهاجرين. خيَّم على الضيوف طوال العرض إحساس بالحزن وهم يتابعون حركات العارضين كأنهم يغرقون ويتعلقون بألواح خشبية لكي يطفوا على سطح الماء، بينما كان عارضون آخرون يتوقفون في منتصف الخشبة بين الفينة والأخرى، وهم يتلفتون وراءهم بخوف وريبة. كأن هذا لا يكفي، ظهر فجأة كلب شرس وهو ينبح. والحقيقة أن مشاعر الحزن لم تختفِ إلا بعد ظهور المصمم في آخر العرض وهو يحمل طفلته الصغيرة كأنه يذكِّرنا بأن هناك أملاً في المستقبل. خلف الكواليس لم يخفِ أن هدفه كان تسليط الضوء على تنامي الموجات القومية ومخاوفه من تأثيراتها «كنت أريد أن أرمز من خلال الماء إلى الخوف والرغبة في البقاء... كنت أريد أيضاً أن أشير إلى تخبط الإنسان وعُمق المخاوف التي تساوره ومدى الشجاعة التي نحتاج إليها للانتصار على الأفكار الشعبوية للتقدم إلى الأمام». تجدر الإشارة إلى أن صامويل روس، وهو صديق مقرب من مصمم دار «لويس فويتون» فيرجيل أبلو، كما سبق له العمل مع كيني ويست، تبنى هذه العروض الفلسفية والإنسانية منذ بدايته في عام 2015، حيث تناول فيها قضايا مثل التمييز العنصري والطبقي وغيرها.
لحسن الحظ أن باتريك غرانت، مصمم دار «إي.توتز» أخذنا في رحلة عبر العالم كانت أكثر متعة وراحة للبال والعين معاً. قال إنه استوحاها من ألوان غابات البرازيل التي قضى فيها إجازته الأخيرة، وهو ما تجلى في ألوان مثل الأخضر والأصفر الزعفراني والبيج الرملي. كانت الدرجات المنعشة هي التي طبعت سترات خفيفة وبنطلونات واسعة ومريحة قال إنه استلهمها من السروال المغربي. أما الخطوط والتقليمات التي ظهرت في المعاطف والكنزات والإيشاربات الصوفية فاستلهمها من أسلوب أوسكار نيماير المعماري ومن حديقة باركي دو إبيرابويرا، في ساو باولو، حسب قوله.
من جهته، نجح عرض «كنت آند كوروين» التي يملك لاعب الكرة البريطاني ديفيد بيكهام الحصة الأكبر فيها، في جذب الكثير من الأنظار. فبالإضافة إلى حضور أفراد من عائلته، كانت القصات التي اعتمدتها التشكيلة «دانديه» ضمت قمصاناً كلاسيكية وبدلات مع صديريات ومعاطف صوفية وقبعات. كانت بكل تفاصيلها تعكس أسلوب بيكهام الشخصي. فهو أسلوب يُقلده العديد من الشباب من كل أنحاء العالم، فلمَ لا يقدمه لهم على طبق جاهز؟
تجدر الإشارة إلى أن «كنت آند كوروين» تأسست في عام 1926 على يد كنت ودوروثي كوروين في «سافيل رو»، لكنها توارت عن الأنظار إلى أن عادت في عام 2015 عندما اشترى ديفيد بيكهام حصة مهمة فيها.


مقالات ذات صلة

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)

أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

تبلغ أنجلينا جولي اليوم 50 عاماً، وبالتالي من الطبيعي أن تتغير ملامحها، إضافة إلى ظروفها الشخصية والضغوط التي رافقت سنوات ما بعد انفصالها عن النجم براد بيت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الفوز بالجائزة ليس مادياً فحسب بل هو مفتاح للتعرف على أسماء كبيرة في مجالات إبداعية شتى (فاشن ترست أرابيا)

خاص جوائز الموضة العربية... بوابة نجاح أم مجرد حافز مؤقت؟

تجربة الراحل إيف سان لوران خير دليل على أن الموهبة تحتاج إلى دعم. فهل كان بإمكانه أن يبلغ ما بلغه من مجد لولا مشاركته في مسابقة الصوف الدولية وتألقه فيها؟

جميلة حلفيشي (لندن)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.


درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.