بيلاروس... الأرض الطيبة

شاهدة على ملاحم وحاضنة لطبيعة ألهمت قصصاً وأساطير

قصر نياسفيتش
قصر نياسفيتش
TT

بيلاروس... الأرض الطيبة

قصر نياسفيتش
قصر نياسفيتش

تقع في مركز القارة الأوروبية، وبالنسبة للكثير ممن زاروها، هي جديرة بلقب «القلب السياحي لأوروبا». إنها جمهورية بيلاروس، الاسم الصحيح لبيلاروسيات، التي شهدت في السنوات الماضية انفتاحاً سياحياً انعكس على أعداد زوارها. تضاريسها «طيبة» كما يقال، حيث تشكل السهول المساحات الأكبر منها، وتمتد على شكل حقول وغابات شبيهة بتلك التي ألهمت قصص الأساطير الجميلة. انتشار آلاف البحيرات والأنهار حولها يساعد في الحفاظ على نضرة وحيوية طبيعتها طيلة أيام السنة، علماً بأن بعضها يوفر أنواعاً من المياه والطين تُستخدم لأغراض علاجية؛ ما ساعد على انتشار منتجعات صحية وسط الغابات البيلاروسية، يجزم زوارها بأنهم استعادوا فيها نشاطهم وحيويتهم.
فضلاً عن طبيعتها، تتميز بيلاروس بمعالم تاريخية كثيرة، تؤرخ لمراحل مختلفة. ولعل أكثرها شهرة مجمع «قلعة بريست»، التي كانت أول هدف على الجبهة السوفياتية للقوات النازية. ويُروى أن تلك القلعة بقيت صامدة في وجه الألمان حتى بعد أن وصلت قواتهم محيط العاصمة موسكو. هناك أيضاً غابات بيلافيجسك، التي كانت شاهداً على توقيع اتفاقية إلغاء الاتحاد السوفياتي وتفكيكه.

- مينسك مدينة البحيرات ومرآة بيلاروس
يصف كثيرون مدينة مينسك، عاصمة بيلاروس، بأنها مرآة ثقافية وحضارية للبلاد؛ نظراً لتاريخ العريق، حيث ورد ذكرها لأول مرة في مؤلفات القرن الحادي عشر. والحقيقة أن زيارتها متعة لا توصف؛ نظراً لعدد المعالم الأثرية والحدائق الكبيرة التي تحتضنها، إضافة إلى تواجد واحدة من أكبر البحيرات في أوروبا بضواحيها.
حالها حال جميع العواصم في العالم، تبدأ السياحة في مينسك من زيارة القسم القديم منها، وهو معروف محلياً باسم «المدينة العليا». المعلَم التاريخي الأهم في ذلك الجزء هو «ساحة الحرية»، وكانت تعرف سابقاً باسم ساحة نابليون. بدأت حكاية تلك الساحة في القرن السادس عشر، حين شُيد فيها مبنى المقر الرئيسي للسلطات الحكومية، المعروف باسم «مينسكايا غورودسكايا راتوشا». ومنذ ذلك الحين تحولت الساحة إلى مركز سياسي وتجاري مهم استقطب الأغنياء والتجار الذين شيّدوا منازلهم الفخمة فيها، بالقرب من محالهم التجارية القديمة. أما مبنى «راتوشا»، وبعد أن تم ترميمه، فإنه يلعب اليوم دور «قصر الضيافة»، حيث تجري فيه مراسم استقبال كبار ضيوف الدولة.
في ساحة الحرية تقف الكثير من التماثيل التي يشكل كل منها لوحة فنية بحد ذاتها، ليس أقلها المثال المنصوب بالقرب من مبنى «راتوشا» ويحمل اسم «حنطور العمدة تجره الخيول». فهو يأخذ شكل عربة تجرها الخيول، وكأن مصممه يريد أن يقول إن «العمدة موجود حتى الآن داخل مبنى راتوشا». ويمكن أن يصعد أي شخص عربة ليتصور عليها. وفي الساحة نفسها يقف تمثال «رئيس قضاة التحقيق» يحمل بيده وثيقة تشير إلى حصول مينسك في القرن الخامس عشر على قانون ماغديبرغ، أحد أشهر أنظمة القانون المدني. وهو قانون ظهر في القرن الثالث عشر في مدينة ماغدبيرغ الألمانية، وبموجبه تم تنظيم النشاط الاقتصادي وحقوق الملكية والحياة الاجتماعية والسياسية والعقارية للمواطنين.
وفي الأحياء القديمة من مينسك أيضاً تقف بعض المعالم الأثرية التي كان مقرها في وقت سابق بداخل سور المدينة القديمة، مثل «ترويتسكا غارا» و«عزبة ترويتسك» التي كانت ذات يوم المركز الاقتصادي والتجاري للمدينة. وفي كل تلك المناطق التاريخية تنتشر أكشاك ومحال تجارية لبيع الهدايا التذكارية، فضلاً عن عدد لا يستهان به من المقاهي والمطاعم، التي توفر للسائح وجبات بمذاقات متنوعة. وحول الجزء القديم تنتشر أحياء مدينة مينسك الحديثة، التي لا تقل جمالاً، بل العكس هي ملاذ للراحة أيضاً. فعندما ينتاب السائح بعض التعب سيجد عشرات الحدائق الغناء والشاسعة بانتظاره. إذا تعب من التنزه فيها يمكن أن يرتمي بين أحضان طبيعتها الخلابة للاسترخاء.
مقاطعة مينسك، التي تنضوي تحتها مجموعة من المدن والقرى، غنية هي الأخرى بالمعالم السياحية. ومنها على سبيل المثال مدينة «نيسفيج»، التي تحظى بشهرة واسعة بين السياح، رغم أنها مدينة صغيرة، والفضل في ذلك يعود إلى حصنها الذي تحمل اسمه. وهو حصن قديم كانت تمتلكه عائلة غنية، وتحيط به حدائق غناء.

- مقاطعة بريست... محطة رئيسية
لا تكتمل الرحلة السياحية في بيلاروس دون زيارة المعالم التاريخية الأثرية والطبيعية في مقاطعة ومدينة بريست، التي تعود - حسب كتب التاريخ - إلى مطلع القرن الحادي عشر ميلادي. ويقال إن تجاراً أسسوها؛ لأنهم كانوا يضطرون إلى التوقف في المنطقة للاستراحة قبل دخول منطقة المستنقعات، في طريقهم إلى ليتوانيا في منطقة البلطيق. ويعود الفضل في اختيار موقعها بين نهرين إلى كبير التجار الذي قرر الإقامة هناك بشكل دائم. وهكذا ظهرت مدينة بريست وتوسعت. وفي عهد الإمبراطور نيقولاي الأول تم تشييد حصن بريست الشهير، وهو اليوم أول معلم أثري يزوره السياح في المدينة.
شيد حصن بريست في عام 1836م، ودخل التاريخ في الحرب العالمية الثانية، حين سطر الجنود السوفيات الذين دافعوا عن ذلك الحصن ملحمة بطولية، في تصديهم لقوات ألمانيا النازية رغم أنها فاقتهم عدداً وعتاداً. وكان الهجوم على قلعة بريست فاتحة المعركة البرية التي حلم هتلر أن تنتهي بفرض سيطرته على الاتحاد السوفياتي. إلا أن المدافعين عن الحصن لم يستسلموا وواصلوا القتال لأشهر طويلة رغم شح الماء والطعام. ولم تتمكن القوات النازية من دخول الحصن إلا بعد أشهر عدة. وهناك الكثير من الروايات في الأدب الروسي حول ملحمة الدفاع عن حصن بريست. تخليداً لهذه البطولات، قامت السلطات السوفياتية بتشييد مجمع تذكاري عند الحصن، نصبت في القسم الرئيسي منه تمثالاً لجندي يزحف حاملاً بيده خوذته بحثاً عن الماء، في صورة تستحضر كيف انتصر الجنود على الجوع والعطش والقوات النازية، ودافعوا عن الحصن حتى آخر رمق من حياتهم. تبدأ الجولة داخل الحصن بسماع النسخة الصوتية الأصلية للبيان الأول عن القيادة السوفياتية الذي تعلن فيه أن ألمانيا النازية شنّت عدواناً ضد الاتحاد السوفياتي.

- فيتبسك... العاصمة الصغرى لعصر النهضة
كما هي حال معظم مدن بيلاروس، تتمتع فيتبسك بطبيعة خلابة، فضلاً عن مجموعة مهمة من المعالم التاريخية والمواقع الأثرية التي تجعل منها مركز جذب للسياح، وتجعلهم يتوافدون إليها طيلة فصول السنة. تأسست عام 974م، على صفاف نهري «دوين» و«فيتبي». ويُعتبر إقبال السياح عليها أمراً طبيعياً؛ كونها ما زالت تمتلك حتى يومنا هذا أكثر من 200 معلم تاريخي وعشرات المتاحف الفريدة، التي تحتفظ بأعمال فنية نادرة. ويشعر الزائر فيها وكأنه يعيش مراحل التاريخ القديم منذ القرن العاشر وحتى السادس عشر ميلادي، حيث لكل مبنى حكايته.

- غوميل مدينة القصور والحدائق
مدينة غوميل، هي ثاني أكبر مدن بيلاروس. تتميز بقصورها التاريخية، التي تقع على مسافات قريبة من بعضها بعضاً، ويرتبط معظمها بتاريخ الولادة الجديدة للمدينة في عهد الإمبراطورة يكاتيرينا الثانية. ومن أشهرها مجمع القصور المعروف باسم «قصور روميانتسفيخ - باسكيفيتشي»، الذي كان عبارة عن حصن خشبي، وفي عام 1775 قدمته الإمبراطورة يكاتيرينا الثانية هدية للقائد العسكري الغراف بيوتر روميانتسيف، ومنحته من الخزينة الأموال الضرورية لبناء قصر جديد عصري مكان قصر خشبي قديم. بفضل إبداع عشرات المهندسين والمصممين المعماريين تمكن الغراف روميانتسيف من بناء تحفة فنية جميلة على الطراز الكلاسيكي المبكر. وتوارثت سلالته القصر عنه حتى عام 1834، حين اشتراه القائد العسكري إيفان باسكيفيتش، الذي أعاد ترميمه بتصميم أجزاء رئيسية منه، وضم مساحات واسعة في محيطه لتوسيع حدائقه وفق أحدث أساليب التصميم حينها. ويطلق حالياً على ذلك المجمع «قصر روميانتسيف – باسكيفيتش».

- بولوتسك مركز أوروبا
بولوتسك هي واحدة من مدن بيلاروس، التي يجب على أي سائح إدراجها ضمن برنامجه السياحي للمنطقة. لأسباب عدة. في مقدمتها أنها كانت ذات يوم العاصمة الأولى لبيلاروس، وتضم بين جنباتها الكثير من المعالم التاريخية. ثانياً موقعها الجغرافي المهم وسط أوروبا؛ ما يجعلها «مركز أوروبا الجغرافي».

- غابات بيلافجسك
أما غابات بيلافيجسك التي تمتد على أراضي بيلاروس والجارة بولونيا، فإنها محطة ثانية يفترض ألا يفوتها السائح على نفسه؛ إذ يعرف عن تلك الغابة أنها ما تبقى من الغابات المعمرة الهائلة التي امتدت منذ القدم عبر السهل الأوروبي العظيم. وهذا يعني أن بها أشجاراً معمرة بعضها يزيد عمره على 350 عاماً، ويبلغ قطرها أكثر من 150سم. في تلك الغابات تعيش مجموعة كبيرة من الحيوانات والطيور التي لا يمكن مشاهدتها في أي مكان آخر من العالم، منها على سبيل المثال اللقلق الأسود والبيسون الأوروبي الذي تعتبر موطناً لأكثر من 800 منه. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الغابات مدرجة على قائمة التراث العالمي كمحمية طبيعية. شهرتها أيضاً تعود إلى اتفاقية فككت الاتحاد السوفياتي. كان ذلك حين قرر قادة روسيا وبيلاروس وأوكرانيا عقد اجتماع في واحد من قصورها الحكومية، لبحث مصير الاتفاقية الاتحادية التأسيسية للاتحاد السوفياتي، وانتهى الاجتماع يوم 8 ديسمبر (كانون الأول) عام 1991 بتوقيع ما أصبح يعرف بـ«اتفاقية بيلافيجسك»، التي أعلن فيها المشاركون أن «الاتحاد السوفياتي بصفته عضواً (كياناً) في المجتمع الدولي لم يعد له وجود».


مقالات ذات صلة

موسم واعد... جولة على أهم عناوين التزلج في لبنان

سفر وسياحة مركز المزار في كفردبيان الأشهر في موسم التزلج (فيسبوك)

موسم واعد... جولة على أهم عناوين التزلج في لبنان

تُعدّ رياضة التزلج في لبنان تجربة فريدة، تجمع بين جمال الطبيعة الجبلية وروح المغامرة، وتؤكد أن هذا البلد الصغير بمساحته غنيّ بتنوّعه المناخي والسياحي.

فيفيان حداد (بيروت)
سفر وسياحة صورة ترويجية للسياحة في مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية - فيسبوك)

هل تغيّرت تركيبة الوافدين إلى منتجعات البحر الأحمر في مصر؟

لاحظ الشاب الثلاثيني حسن عبد الحكيم، والذي يعمل منذ سنوات في السياحة بمدينة دهب الساحلية المطلة على البحر الأحمر، تغيراً في تركيبة السياح الوافدين إلى المدينة.

رحاب عليوة (القاهرة)
الاقتصاد شعار منظمة الأمم المتحدة للسياحة (المنظمة)

السياحة العالمية تسجل مستوى قياسياً جديداً في 2025

سجلت السياحة العالمية مستوى قياسياً جديداً خلال عام 2025، مع وصول عدد السياح الدوليين إلى 1.52 مليار حول العالم، مدفوعاً بزيادات قوية في آسيا وأفريقيا.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
يوميات الشرق الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى افتتاحه توسعة المطار الدولي (الهيئة الملكية لمحافظة العلا)

افتتاح توسعة مطار العلا الدولي لمواكبة نمو المسافرين

افتتح الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة محافظ الهيئة الملكية لمحافظة العلا، مشروع توسعة صالات مطار العلا الدولي.

«الشرق الأوسط» (العلا)
سفر وسياحة أغاثا كريستي تُكرّم على ضفاف النيل

أغاثا كريستي تُكرّم على ضفاف النيل

صادف الثاني عشر من هذا الشهر حدثاً أدبياً مهماً، حيث يحتفل العالم بالذكرى الخمسين لوفاة أغاثا كريستي، التي تركت إرثاً أدبياً استثنائياً يضم ما يقرب من 70 رواية

«الشرق الأوسط» (لندن)

موسم واعد... جولة على أهم عناوين التزلج في لبنان

مركز المزار في كفردبيان الأشهر في موسم التزلج (فيسبوك)
مركز المزار في كفردبيان الأشهر في موسم التزلج (فيسبوك)
TT

موسم واعد... جولة على أهم عناوين التزلج في لبنان

مركز المزار في كفردبيان الأشهر في موسم التزلج (فيسبوك)
مركز المزار في كفردبيان الأشهر في موسم التزلج (فيسبوك)

تُعدّ رياضة التزلج في لبنان تجربة فريدة، تجمع بين جمال الطبيعة الجبلية وروح المغامرة، وتؤكد أن هذا البلد الصغير بمساحته غنيّ بتنوّعه المناخي والسياحي. فلبنان، الذي يجاور البحر الأبيض المتوسط، يحتضن في قلب جباله منتجعات شتوية تضاهي أشهر المراكز العالمية، مستقطباً عشّاق الرياضات الشتوية من الداخل والخارج. ومع كل موسم شتاءٍ، تتحوّل القمم المكسوّة بالثلوج مساحات نابضة بالحياة، حيث الرياضة، والسياحة، والثقافة، تلتقي في مشهد واحد.ومنذ مطلع عام 2026 شهد لبنان موسم شتاء قارس؛ وهو ما أدّى إلى تساقط الثلوج على الجبال ابتداءً من ارتفاع 1100 متر، فانطلق موسم تزلج واعد في مختلف المناطق اللبنانية.

«الشرق الأوسط» اختارت ثلاثة مراكز تزلّج في لبنان: كفردبيان والأرز والزعرور، لتكون بمثابة دليل سياحي لممارسة هذه الرياضة التي يهواها الكبار والصغار.

رياضة التزلج يحبّها الكبار والصغار (فيسبوك)

كفردبيان: عاصمة التزلج في لبنان

تُعدّ كفردبيان الوجهة الأولى لعشّاق التزلج في لبنان، بل تُلقّب غالباً بعاصمة الرياضات الشتوية. تقع في قضاء كسروان على ارتفاع يتجاوز 2000 متر. وتتميّز بمساحتها الواسعة وتنوّع منحدراتها التي تناسب المبتدئين والمحترفين على حدّ سواء. يضمّ مركز كفردبيان شبكة حديثة من المصاعد الهوائية، ومسارات طويلة تسمح للمتزلجين بخوض تجارب ممتعة وآمنة.

لا تقتصر كفردبيان على التزلج فقط، بل تشكّل وجهة سياحية متكاملة. فالفنادق والمطاعم والمقاهي تنتشر في محيطها، مقدّمة أجواءً شتوية دافئة بعد يوم حافل على الثلج. كما تتميّز بإمكانية التزلج مع إطلالة بحرية في الأيام الصافية، وهي ميزة نادرة تجعل التجربة أكثر فرادة. وتستقطب كفردبيان سنوياً مسابقات ونشاطات رياضية تسهم في ترسيخ مكانتها على الخريطة السياحية الإقليمية.

ويعدّ مركز المزار في كفردبيان أكبر وأشهر منتجع تزلج في لبنان. يتألف من شبكة واسعة من المنحدرات والطرق المتنوعة من السهلة حتى المتوسطة والصعبة.

تتراوح أسعار بطاقات الدخول لقضاء يوم كامل ما بين 55 دولاراً للكبار و50 دولاراً للأولاد أيام الأسبوع العادية. وترتفع إلى 80 دولاراً للكبار و65 دولاراً للأولاد في أيام عطلة نهاية الأسبوع. ومن المنحدرات المعروفة فيها «روفوج» و«دومين دي سولاي» للمبتدئين ومتوسطي المستوى في هذه الرياضة.

ومن المنحدرات المتوسطة المعروفة هناك أيضاً «وردة»، وتتضمن مقاعد للمشاة غير المتزلجين. ويمكن لهواة التزلج شراء تذاكر دخول حسب الرغبة. وتنقسم إلى تذاكر نصف يوم ويوم كامل وأخرى موسمية.

موسم التزلج في لبنان ينتظره رواد هذه الرياضة بفارغ الصبر (الشرق الأوسط)

الأرز: التزلج بين التاريخ والطبيعة

في شمال لبنان، وتحديداً في قضاء بشري، يقع مركز الأرز للتزلج، محاطاً بغابة الأرز الشهيرة التي تُعدّ رمزاً وطنياً خالداً. هنا، لا تكون تجربة التزلج رياضية فحسب، بل ثقافية أيضاً؛ إذ يتزلج الزائر بين قمم تحمل عبق التاريخ وجذور الحضارة اللبنانية.

يتميّز مركز الأرز بطبيعته الهادئة وأجوائه العائلية؛ ما يجعله مقصداً مثالياً للباحثين عن الاستجمام إلى جانب الرياضة. ورغم أن مساحته أصغر مقارنة بكفردبيان، فإن نوعية الثلوج فيه غالباً ما تكون ممتازة، خصوصاً في ذروة الشتاء. كما يشتهر بمساراته الطبيعية التي تمنح المتزلج إحساساً بالاندماج الكامل مع الجبل. ويلقب بـ«عراب» مراكز التزلج في لبنان؛ إذ يعود تاريخه إلى الثلاثينات من القرن الماضي. وفي منتصف الخمسينات شهد إنشاء أول مصعد (تيليسياج) على حلبته.

يشكل ارتياد هذا المركز بمساراته الثلجية الشاسعة وتعرجاته تحدياً لممارسي هذه الرياضة. يبعد نحو الساعتين عن بيروت، ويمكن الوصول إليه من البقاع أو من الساحل. وأول ما يطالع الزائر لدى وصوله إلى «الأرز» سلسلة الفنادق والمطاعم والملاهي التي تشكل مراكز استجمام تعمل على مدار السنة. ولا تبعد غابة الأرز أكثر من كيلومتر واحد عن هذا المركز، عبر طريق تقوم على جانبيها المطاعم الصغيرة ودكاكين التذكارات. وتؤدي هذه الطريق عينها إلى مركز التزلج الذي يبلغ ارتفاعه 2066 متراً فوق سطح البحر.

تكمن جاذبيته بالنسبة لهواة التزلج في منحدراته الفريدة التي يمكن الوصول إليها عبر المصعد الكهربائي. وتجدر الإشارة إلى أنه يؤمّن كغيره من مراكز التزلج في لبنان فريقاً طبياً في حال إصابة أي شخص. تبلغ أسعار تذاكر الدخول إلى هذا المركز ما بين 30 دولاراً للكبار و20 دولاراً للصغار خلال أيام الأسبوع، وترتفع إلى 40 و35 دولاراً في عطلات نهاية الأسبوع.

في لبنان رياضة يهواها الكبار والصغار (فيسبوك)

زعرور: تجربة قريبة وسهلة المنال

أما مركز زعرور للتزلج، فيقع في قضاء المتن، ويُعدّ من أقرب المنتجعات الشتوية إلى العاصمة بيروت. هذا القرب الجغرافي يجعله خياراً مفضّلاً للراغبين في قضاء يوم واحد على الثلج من دون عناء السفر الطويل. يتميّز زعرور بأجوائه الشبابية والحيوية، وغالباً ما يستقطب مجموعات الأصدقاء والعائلات.

يقدّم المركز منحدرات مناسبة للمبتدئين والمتوسّطي المستوى، إضافة إلى نشاطات شتوية متنوّعة مثل التزلج على الزلاجات (Snow Tubing) والمشي على الثلج. كما تنتشر حوله مطاعم صغيرة تقدّم المأكولات اللبنانية التقليدية؛ ما يعزّز الطابع المحلي للتجربة.

ويبلغ سعر التذاكر للكبار أيام الأسبوع 35 دولاراً و30 للأولاد. بينما ترتفع لتصل إلى 55 و45 دولاراً أيام عطلة الأسبوع.

أهم المسارات في الزعرور هي «بلو تراك» و«ماجيك كاربت» و«لا كابان».

في المحصّلة، يشكّل التزلج في لبنان أكثر من مجرّد رياضة شتوية؛ إنه مساحة لقاء بين الطبيعة والإنسان، وبين الترفيه والهواية. ومن كفردبيان إلى الأرز وزعرور، تظلّ الجبال اللبنانية شاهدة على قدرة هذا البلد على تقديم تجارب سياحية غنية، حتى في أصعب الظروف.


هل تغيّرت تركيبة الوافدين إلى منتجعات البحر الأحمر في مصر؟

صورة ترويجية للسياحة في مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية - فيسبوك)
صورة ترويجية للسياحة في مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية - فيسبوك)
TT

هل تغيّرت تركيبة الوافدين إلى منتجعات البحر الأحمر في مصر؟

صورة ترويجية للسياحة في مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية - فيسبوك)
صورة ترويجية للسياحة في مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية - فيسبوك)

لاحظ الشاب الثلاثيني حسن عبد الحكيم، والذي يعمل منذ سنوات في السياحة بمدينة دهب الساحلية المطلة على البحر الأحمر، تغيراً في تركيبة السياح الوافدين إلى المدينة؛ إذ بدا لافتاً له وجود الآسيويين هذا العام من اليابانيين والكوريين والصينيين؛ لتعلم الغطس، وهم شريحة جديدة لم تكن موجودة من قبل في المدينة التي تعتمد بشكل أساسي على السياحة الداخلية.

ملاحظة عبد الحكيم أكدها أيضاً رئيس النقابة الفرعية للمرشدين السياحيين بجنوب سيناء، هشام محيي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الآسيويون يوجدون، لكن بصورة فردية عادة في دهب وشرم الشيخ، فالشركات السياحية لم تستهدف هذه السوق بعد حتى نشهد أفواجاً كبيرة منها تغير طبيعة التركيبة التي تقوم حالياً في مدن جنوب سيناء على الأوروبيين والروس».

طفرة في السياحة الوافدة إلى مصر خلال العام الماضي (هيئة تنشيط السياحة)

ويهيمن الأوربيون على سوق السياحة الشاطئية في منتجعات البحر الأحمر منذ نحو 4 أعوام، ويختلف ترتيب الجنسيات وفق الوجهة، فبينما يتصدر الألمان مدن محافظة البحر الأحمر في الجونة والغردقة وغيرهما، يوجد الإيطاليون والبولنديون بكثرة في مدن جنوب سيناء، وفق تصريحات متخصصين في السياحة لـ«الشرق الأوسط».

يأتي ذلك في وقت تسعى مصر إلى زيادة أعداد سائحيها، هادفة للوصول إلى 30 مليون سائح، وذلك سنوياً من خلال «المشاريع السياحية الجديدة في الساحل الشمالي والبحر الأحمر وافتتاح المتحف المصري الكبير الذي حقق رواجاً لمصر وجذب سائحاً لم يكن يأتي من قبل» وفق رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، مضيفاً خلال مؤتمر صحافي في 6 يناير (كانون الثاني) الحالي، إلى عملهم على تحسين المطارات وتيسير الإجراءات لجذب مزيد من السياح.

منتجعات البحر الأحمر تجذب سياح من جنسيات مختلفة (هيئة تنشيط السياحة)

تصدر الأوروبيين

تصدر الأوربيون للسياحة في منتجعات البحر الأحمر منذ أعوام عدة، بدلاً من السياح الروس، والذين كانوا الأكثر حضوراً حتى عام 2015، حين شهدت السياحة المصرية أزمة مع توقف الطيران الروسي إلى مصر إثر سقوط طائرة روسية في سيناء، ثم اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية عام 2022؛ ما «فرض ضرورة تنويع الجنسيات المتجهة إلى مصر؛ لعدم تأثر السوق عند تذبذب أي جنسية منها»، وفقاً لرئيس النقابة الفرعية للمرشدين السياحيين بجنوب سيناء.

وخسرت السياحة المصرية في عام 2015 نحو 1.3 مليار دولار (الدولار كان يساوي نحو 8 جنيهات آنذاك) إثر تراجع السياحة الروسية، وفق تقديرات رسمية سابقة.

وأوضح محيي أن «سوق السياحة كانت تعتمد على السائح الروسي، وبعد قصة الطائرة توجهنا للسائح الأوكراني، والذي عوض جزءاً كبيراً من غياب الروس، وبعد الحرب في فبراير (شباط) 2022 فقدنا السائحين، فركزنا على الأسواق الأوربية والتي تشهد رواجاً منذ سنوات».

إحدى القرى السياحية في الغردقة (وزارة السياحة المصرية - فيسبوك)

ويعدّ الألمان الأكثر حضوراً في منتجعات البحر الأحمر حالياً، وتحديداً داخل «الجونة، الغردقة، سهل حشيش، مكادي، سوما باي، سفاجا، القصير، مرسى علم»، وفق عضو غرفة المنشآت الفندقية، رامي فايز، مشيراً إلى أن البولنديين يأتون في المرتبة الثانية ثم الروس ثم التشيكيون ثم البلجيكيون والهولنديون، بنسبة إشغال للفنادق تصل إلى نحو 85 في المائة.

ويرجع فايز في حديثه لـ«الشرق الأوسط» هذا التنوع إلى الخطط التسويقية للشركات السياحية واستهدافها أسواقاً مختلفة، بالإضافة إلى الطيران منخفض التكلفة الموجود في نطاق البحر الأحمر حالياً.

وفي جنوب سيناء، يشير نقيب المرشدين هشام محيي إلى أن الإيطاليين بوصفهم أكثر السياح الذين يتوافدون على منتجعات شرم الشيخ ودهب خلال فترات عدة في العام، والمرتبطة بموسم الإجازات الإيطالية، لافتاً إلى أنهم كانوا الأكثر حضوراً في شرم الشيخ خلال احتفالات العام الجديد.

وبخلاف الأوروبيين، يقصد شواطئ جنوب سيناء أتراك وعرب من الجنسيات الجزائرية والتونسية وسياح من دول الاتحاد السوفياتي السابق مثل بيلاروسيا ولاتفيا، بنسب إشغال تتراوح بين 45 و60 في المائة، وفق محيي.

إحدى الفنادق في مدينة الغردقة عام 2024 (الشرق الأوسط)

أسواق واعدة

تستهدف مصر زيادة أعداد السياح فيها خلال عام 2026 إلى 21 مليون سائح، بعدما وصلت إلى 19 مليون سائح، وفق تقديرات رسمية خلال عام 2025، بزيادة نحو 21 في المائة عن عام 2024.

ويرى رئيس النقابة الفرعية للمرشدين السياحيين بالغردقة بشار أبو طالب، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة تنويع الأسواق السياحية بشكل أكبر في الفترة المقبلة، وعدم الاعتماد على جنسية واحدة، لافتاً إلى أنه مع هيمنة الألمان على سوق السياحة في الغردقة لفترة، غير أن إفلاس إحدى الشركات التي كانت تنظم رحلات في الغردقة قبل شهور، أثر على حضور السياح الألمان للمدينة.

كما ذكّر أبو طالب بما حدث من قبل مع السوق الروسية، مشيراً إلى وجود الكثير من الأسواق الواعدة مثل السوق الرومانية التي تتزايد أعداد سائحيها في الغردقة عن ذي قبل، والسوق المجرية، داعياً الشركات السياحية إلى زيادة الاهتمام بهذه الأسواق.

بينما يرى رئيس نقابة المرشدين الفرعية في جنوب سيناء فرصاً واعدة في أسواق مثل أميركا اللاتينية وتحديداً البرازيل، وأسواق أخرى في أوروبا مثل الإسبان، خصوصاً أن الزوار من هذين البلدين يمكن استهدافهم من خلال السياحة الدينية في سانت كاترين، ثم توجيههم إلى السياحة الشاطئية.

وبخلاف الوجهات الجديدة، يطالب رئيس جمعية مستثمري طابا ونويبع سامي سليمان، بإعادة تشغيل مطار طابا الدولي، لعودة الأفواج السياحية للمدينة وتنويعها، وكذلك فتح الطريق الأوسطي أمام السيارات دون رسوم، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى تراجع حركة السياحة بالمدينتين رغم توقف الحرب في غزة، بسبب إغلاق المطار.


أغاثا كريستي تُكرّم على ضفاف النيل

"سودان" آخر سفينة متبقية من أسطول البواخر النيلية (الشرق الاوسط)
"سودان" آخر سفينة متبقية من أسطول البواخر النيلية (الشرق الاوسط)
TT

أغاثا كريستي تُكرّم على ضفاف النيل

"سودان" آخر سفينة متبقية من أسطول البواخر النيلية (الشرق الاوسط)
"سودان" آخر سفينة متبقية من أسطول البواخر النيلية (الشرق الاوسط)

صادف الثاني عشر من هذا الشهر حدثاً أدبياً مهماً، حيث يحتفل العالم بالذكرى الخمسين لوفاة أغاثا كريستي، التي تركت إرثاً أدبياً استثنائياً يضم ما يقرب من 70 رواية بوليسية، وأكثر من 150 قصة قصيرة، وأكثر من 25 مسرحية. وبمبيعات كتبها التي لا يتفوق عليها سوى ويليام شكسبير، تظل كريستي -دون شك- واحدة من أعظم كُتّاب الجريمة استمرارية، وأعمقهم تأثيراً على مر العصور.

تزامناً مع هذه الذكرى، يعاد تسليط الضوء على واحدة من أكثر الوجهات التي أحبتها كريستي، والتي كانت مصدر إلهام لواحدة من أكثر رواياتها شهرة، وهي «جريمة على ضفاف النيل».

سافرت كريستي إلى مصر للمرة الأولى في عام 1907، ثم عادت إليها مرات عدة قبل رحلتها الحاسمة في عام 1933، عندما انطلقت في رحلة نيلية على متن السفينة البخارية «سودان» التابعة لشركة «توماس كوك». كانت تلك الرحلة مصدر إلهام لواحدة من أشهر قضايا المُحقق الفذ «هيركيول بوارو».

رحلة مثالية لمحبي روايات أغاثا كريستي (الشرق الاوسط)

دُشنت السفينة البخارية «سودان» في عشرينات القرن الماضي، وهي آخر سفينة باقية من أسطول البواخر النيلية الأصلي لشركة «توماس كوك» التي كانت تبحر بين الأقصر وأسوان خلال ما يُعرف بالعصر الذهبي للسفر.

في السنوات التي سافرت فيها كريستي عبر مصر، رفقة زوجها عالم الآثار ماكس مالوان، كانت هذه السفن الفاخرة تمثل ذروة الأناقة، والرقي، والاستكشاف.

ولقد ولّت تلك الحقبة مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وبعدها تدهورت حالة الأسطول تدريجياً، وراح في غياهب النسيان.

إلا أنه مع مطلع القرن الحادي والعشرين، أعاد مالك سفن مصري اكتشاف السفينة البخارية «سودان»، وعمل على ترميمها بعناية لتكون صالحة للعمل.

واليوم، تستحضر السفينة البخارية «سودان» رونق عصر مضى، فهي لا تزال تحتفظ بأرضياتها الأصلية المصنوعة من خشب الساج، مع تصميماتها الداخلية التي تعود إلى حقبة «بيل إيبوك»، مع المرايا الزئبقية العتيقة، وأسرّة مزخرفة مصنوعة من الحديد، وصالون مزود برفوف الكتب، وكراسي جلدية أنيقة، وبار كلاسيكي قديم يعمل عليه طاقم يرتدي الطرابيش.

يرتفع الطلب للحجز على السفينة البخارية «سودان» أعلى من أي وقت مضى، وغالباً ما يحجز المسافرون رحلاتهم قبلها بسنوات. أما بالنسبة لعشاق أغاثا كريستي، فإن الإبحار على متن السفينة هو تجربة لا تُفوّت، حتى إن بعض الضيوف يجلبون معهم خزائن ملابس من حقبة العشرينات ليغمروا أنفسهم تماماً في رومانسية العصر الذهبي للرحلات على نهر النيل.

وقد ترسخت المكانة المميزة للسفينة بوصف أنها رمز ثقافي بظهورها في فيلم «جريمة على ضفاف النيل» إنتاج عام 2004، من بطولة ديفيد سوشيه، حيث ظهرت تحت اسمها الخيالي: السفينة البخارية «الكرنك». ولا تزال هذه السفينة الرائعة من عصر آخر تجذب المعجبين من كافة أنحاء العالم.

وبالنسبة لأولئك الذين يرغبون في الاحتفال بذكرى كريستي داخل بريطانيا، ستُنظم احتفالات تكريمية في المكتبة البريطانية، التي ستستضيف أكبر معرض لأغاثا كريستي منذ أكثر من 20 عاماً. ومن المقرر افتتاح المعرض في أكتوبر (تشرين الأول) 2026،

ويجري تنظيمه بالشراكة مع شركة «أغاثا كريستي» المحدودة، وصندوق أرشيف كريستي، وسيضم مجموعة غنية وكاشفة من المقتنيات الشخصية، والرسائل، والصور الفوتوغرافية من حياة الكاتبة.