بونغو... على سرير النقاهة بعد نجاته من «الانقلاب»

عائلته تهيمن في المجتمع الغابوني والسلطة

بونغو... على سرير النقاهة بعد نجاته من «الانقلاب»
TT

بونغو... على سرير النقاهة بعد نجاته من «الانقلاب»

بونغو... على سرير النقاهة بعد نجاته من «الانقلاب»

لمس بريق السياسة وحب اعتلاء المناصب وتراً حساساً في قلب وعقل الطالب علي، ابن رئيس دولة الغابون عمر بونغو أونديمبا، منذ أن كان يجلس على مقاعد العلم في جامعة باريس - السوربون، قبل نحو 40 سنة. ولِم لا، إذا كانت كل الأبواب المؤدية إلى كرسي الحكم مفتوحة أمامه، وما عليه إلا أن يحلم ويتمنى، فهناك من سيعملون على تحويل تلك الأحلام والأماني إلى حقيقة.
ها هو علي، الذي انتخب رئيساً للدولة الواقعة في غرب أفريقيا، بعد وفاة والده عام 2009، وأعيد انتخابه لولاية ثانية في أبريل (نيسان) 2016، والذي يمضي راهناً فترة نقاهة في مؤسسة استشفائية بالعاصمة المغربية الرباط، وذلك بعدما نجا مرتين... الأولى من جلطة دماغية ألمّت به نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وغيّبته عن البلاد، والأخرى من «انقلاب عسكري» وُصف بـ«الفولكلوري» كاد أن يطيحه من سُدة الحكم، قبل القبض على خمسة من ضباط الجيش، منتصف الأسبوع الماضي.

تسري في ليبرفيل، عاصمة الغابون، حالة من القلق والشائعات حول حقيقة الوضع الصحي للرئيس علي بونغو، فضلاً عن احتجاجات تقع من وقت إلى آخر تنديداً بـ«وقائع فساد»، وسط تساؤلات كثيرة يطرحها خصوم السلطة حول العائدات النفطية والثروات المعدنية لبلد يعيش ثلث سكانه فقراء. إلا أن غي برتران مابانغو، المتحدث باسم الحكومة الغابونية، خرج على الشعب عقب إحباط محاولة الانقلاب الأخيرة على بونغو ليُعلن أن الوضع في البلاد «تحت السيطرة».

- من فرنسا إلى ليبرفيل
أمضى بونغو «الابن» قبل أن يدخل الإسلام مع والده عمر (ألبير سابقاً) في مرحلة لاحقة، ويتغير اسمه من ألان إلى علي، جلّ طفولته وصباه يتنقل بين مدارس فرنسا لتلقي التعليم منذ عام 1965. وهناك حصل على الشهادة الابتدائية، وانتقل إلى مدرسة بروتستانتية لدراسة الإعدادية، ثم الثانوية، بعدها درس القانون في جامعة باريس - بانتيون سوربون... لكن كل تلك المدة لم تحُل دون انغماسه في السياسة؛ إذ انخرط مبكّراً في العمل الحزبي.
فور عودة علي من فرنسا إلى الغابون كانت المناصب المهمة في انتظاره، والأرض ممهّدة بما يكفي كي يلمع نجمه في عالم السياسة. وطبعاً، ساهم في ذلك سيطرة عائلته على مقاليد الأمور في البلاد، منذ عام 1967.
واستهل علي، الذي ولد في 9 فبراير (شباط) عام 1959، عمله بالمحاماة لفترة قصيرة، قبل أن ينشط في صفوف الحزب الديمقراطي الحاكم الذي أسسه والده، فانتخب عضواً في لجنته المركزية عام 1983، ثم عضواً بمكتبه السياسي بعد ثلاثة أعوام فقط. وبعدها انفتح المجال العام أمامه عندما قرّبه والده منه ومنحة صفة الممثل الشخصي للرئيس، ثم عيّنه ممثلاً سامياً لرئيس الجمهورية.

- مسيرته السياسية
ومع اتساع سطوة آل بونغو في الغابون، وتغوّل جميع أفراد العائلة في كل مؤسسة قد تدرّ مالاً، بحسب مقرّبين منها لوسائل إعلام مختلفة، كان بونغو «الابن» يشق طريقه نحو السلطة. وزارة الشؤون الخارجية عام 1989، كانت المحطة الأبرز، لكنه أعفي منها بعد سنتين، عقب إقرار دستور جديد للبلاد يحدد سن تقلد مناصب وزارية.
مع هذا، كانت المناصب تعرف طريقها إلى الشاب علي، فارتقى منصباً منصباً، وتولّى رئاسة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. بيد أنه غادر الحكومة في ظروف ملتبسة ليعود إلى ممارسة السياسة من بوابة تأسيس تيار شبابي يدعو إلى ضخ الدماء في أوصال الحزب الحاكم، ثم لينتخب بعدها نائباً بالبرلمان عام 1996 عن دائرة بونغو - فيل (جنوب شرقي الغابون)؛ إذ خاض الانتخابات مرتين في دورتي 2001 و2006.
بعد ذلك شغل علي حقيبة وزارة الدفاع، وظل على رأس المؤسسة العسكرية في البلاد قرابة عشر سنوات، حتى قبل وفاة والده بقليل، وخلال هذه الفترة اقترب بشكل واضح من هياكلها وفروعها؛ ما أهّله، وفق متابعين، من تحييدها عن الحياة السياسية. وهذا على طريق بلوغ منصب الرئاسة. ويذكر أن أباه، عمر بونغو كان قد تولى السلطة في الغابون عام 1967 بعد وفاة رئيس البلاد يومذاك ليون مبا، الذي استطاع بونغو «الأب» نيل ثقته في سن مبكرة، ولم يكن عمره يتجاوز 27 سنة عندما عُين رئيساً لمكتب الرئيس، ثم صار نائباً له إثر المحاولة الانقلابية التي تعرّض لها في 1964.
وفي 1993، سمح بونغو «الأب» بتنظيم أول انتخابات، بضغط من المعارضة، من دون أن تؤدي إلى أي تغيير في طبيعة النظام السياسي في البلاد؛ وذلك لأنها كانت انتخابات «شكلية» أراد بموجبها تلميع صورة نظام قائم، لا منح روح جديد للحياة السياسية في البلاد.

- تركة بونغو «الأب»
في العام نفسه (2009) الذي توفي فيه بونغو «الأب» تاركاً البلاد في حالة فوران شديد، دفع الحزب الحاكم بابنه علي للترشح في الانتخابات الرئاسية. وحقاً، حاز علي على نسبة تقترب من 41 في المائة من الأصوات، مع الإشارة إلى أن القانون الانتخابي الغابوني يمنح المرشح الأكثر أصواتاً في الجولة الأولى الفوز بكرسي الرئاسة. وهكذا، بدأت الغابون عهداً جديداً استهله رئيسها الشاب بتخليه على جزء قليل من ميراث أبيه، وهو عبارة عن فندقين في العاصمة الفرنسية باريس لصالح الشعب الغابوني. وهي خطوة استقبلت بترحاب واسع من المواطنين، لكن ظل هناك من يرى أنها تستهدف خطب ودّ شعبٍ فقير يمتلك ثروات طائلة... لكنها مهدورة.
ثم كانت فرنسا وجهة علي بونغو، في أول زياراته خارج أفريقيا بعد توليه الحكم. وهناك التقى الرئيس نيكولا ساركوزي، للتأكيد على رغبته في عودة العلاقات الوثيقة إلى طبيعتها بين القوة الاستعمارية السابقة وأحد أهم حلفائها في أفريقيا، وهي العلاقة التي حرص والده على الإبقاء عليها طويلاً.
لكن على الصعيد المحلي، ورث الرئيس الجديد عن أبيه تركة ثقيلة، أبرزها خصومة عائلة بونغو المتشعبة في انحاء البلاد، وتسلط بعض أقطاب النظام السابق عليه، بجانب اقتصاد يعتمد على الريع النفطي. ولدى سعيه مبكراً إلى التخفّف من إرث والده، فتح علي على نفسه أبواب صراع قاده جان بينغ، الذي سبق له شغل مناصب وزارية كثيرة أثناء حكم أبيه. وبدأ الأخير في استمالة المستبعدين لتشكيل جبهة من الخصوم. إلا أن علي لم يأبه لكل ذلك فذهب ليقدم نفسه بما يملكه من ثقافة قانونية اكتسبها من السوربون على أنه سياسي معاصر، يعشق أغاني الراب، ويتحدث الفرنسية والإنجليزية بطلاقة... وبجواره زوجته سيلفيا بونغو، التي تتصدر قائمة أجمل السيدات في أفريقيا، وتعتبر أيضاً واحدة من أجمل النساء في العالم، حيث احتلت المرتبة السابعة في القائمة العالمية في وقت سابق.
في المقابل، أُخذ على الرئيس الشاب، في هذه المرحلة، تجاهله العادات الاجتماعية، وتجنبه مجاملة العائلات الكبيرة، وقلة إجادته اللغة المحلية، فضلاً عن رمي فترة حكمه بممارسات الفساد، وهو ما حسَم من رصيده وصبّ في خانة خصومه.

- التباهي بالثروة
لقد وعد علي بونغو شعبه بمكافحة الفساد، وتخليه عن سياسة والده، الذي اتُهم بتبديد عائدات النفط الكبيرة بالإنفاق على حملات انتخابية في دول غربية، وتغاضيه عن الارتقاء بالبلاد. وبالفعل، بدأ علي التصدي لهيمنة أسرته بإبعاد شقيقته باسكالين، التي شغلت لسنتين منصب وزيرة الخارجية. لكن أُخذ عليه التباهي بالثروة وحبّه الجم لمسابقات السيارات واقتناء الفخم منها؛ ما تسبب في تراجع شعبيته بشكل سريع، ولم تشفع له جهوده في شق الطرق على امتداد 600 كيلومتر خلال ولايته الأولى التي دامت 7 سنوات؛ إذ قلل البعض من ذلك.
جانب كبير من الغضب ضد بونغو تفجّر عقب فوزه بولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية التي أجريت بفارق ضئيل في 27 أغسطس (آب) عام 2016 على منافسه مرشح المعارضة جان بينغ، الذي كان مرتبطاً عائلياً بباسكالين، ساهم في زيادة حدّة الغضب اعتراض الأخير وأنصاره على النتائج، وهو ما أحدث حالة من الغضب والعنف في عموم البلاد.
وبمواجهة هذه الأجواء التي أحاطت بالرئيس بونغو، فشل في الحفاظ على كسب الموقف الفرنسي لصالحه خلافاً لوالده، الذي كانت تربطه علاقات وثيقة مع باريس. وتجلى ذلك في تصريح لرئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس بداية 2016 سخر فيه من طريقة انتخاب بونغو 2009؛ ما أدى إلى استدعاء الغابون سفيرها بفرنسا احتجاجاً على هذا التصريح.

- غياب عن الشعب
على مدار ثلاثة أشهر لم يظهر علي بونغو على شعبه. ولم ترد في هذه الأثناء معلومات رسمية حول وضعه الصحي؛ ما أثار الكثير من التكهنات والشائعات. ورفضت المحكمة الدستورية الاستجابة طلب المعارضة والمجتمع المدني بإعلان شغور السلطة بموجب الدستور، ونقلت السلطات جزئياً إلى رئيس الوزراء ونائب الرئيس. وأضافت المحكمة فقرة جديدة إلى مادة من دستور البلاد تجيز لنائب رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء ممارسة بعض مهام رئيس الدولة من خلال تفويض المحكمة الدستورية له في حالة غياب رئيس البلاد. وقال أحد قضاة المحكمة فرنسوا دي بول أنتوني أديوا، في مؤتمر صحافي نقله راديو «أفريقيا 1» أن المحكمة الدستورية بصفتها الجهة المنظمة لأداء المؤسسات، أجازت لنائب رئيس الجمهورية عقد ورئاسة مجلس الوزراء.

- فشل الانقلاب
وزارة الخارجية المغربية في هذه الأثناء، أعلنت في بيان، أن رئيس جمهورية الغابون علي بونغو أونديمبا «سيمضي مقاماً طبياً بالمغرب من أجل إعادة التأهيل الطبي والنقاهة، وذلك بإحدى المؤسسات الاستشفائية بالرباط». ورأت أن ذلك «يأتي وفق رغبة بونغو في اتفاق تام مع المؤسسات الدستورية لجمهورية الغابون، وتماشياً مع رأي الأطباء المعالجين».
ومع هذا البيان، ترجع الذاكرة بالغابونيين إلى التعتيم الذي ساد حول مرض والده، الذي نقل في 2009 بسبب مرضه الشديد إلى برشلونة (غسبانيا). وكان رئيس الوزراء آنذاك جان إيغي ندونغ نفى وفاته التي أعلنت رسمياً في 8 يونيو (حزيران) من ذلك العام، لكن مجلة أسبوعية فرنسية كشفتها.
أحد المقربين من عائلة بونغو نقل لوكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، أن «لا أحد يعرف فعلاً ماذا يحصل»، وشبّه ناشط في الحزب الديمقراطي الغابوني الحاكم الوضع «بما يحصل في طائرة قبل التحطم»، لكن مراقب سياسي تحدث عن أن الحكم منقسم اليوم في البلاد إلى مجموعتين.
وأمام تصاعد حالة اللغط التي سادت البلاد، ألقى بونغو كلمة عبر مقطع فيديو في 31 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، في أول مرة يتوجّه فيها إلى شعبه منذ دخوله المستشفى في الرباط، بمناسبة حلول العام الجديد (2019)، وقال إنه «يشعر بتحسن وسيحل ببلده قريباً جداً»، غير أن الحركة الوطنية لشبيبة قوات الدفاع والأمن في الغابون اعتبرت هذه الكلمة «عاراً» على «بلد خسر كرامته».

- المحاولة الانقلابية الأخيرة
ومع بداية عام 2019، سعى خمسة ضباط من الجيش الغابوني إلى تنفيذ انقلاب على الرئيس بونغو، في وقت مبكر من صباح الاثنين 7 يناير (كانون الثاني)، ودعوا وفقاً لوسائل إعلام مختلفة، إلى «انتفاضة» شعبية، معلنين تشكيل «مجلس وطني للإصلاح». وفي رسالة إلى الشعب عبر الإذاعة الوطنية تلاها عسكري قدّم نفسه على أنه مساعد قائد الحرس الجمهوري ورئيس «الحركة الوطنية لشبيبة قوات الدفاع والأمن في الغابون»، قال: «اليوم المرجو حلّ، حيث قرر الجيش الوقوف بجانب شعبه لإنقاذ البلاد من الفوضى». وأردف «إن كنتم تتناولون الطعام توقفوا، إن كنتم نائمين استيقظوا، أيقظوا جيرانكم، انهضواً معاً وسيطروا على الشارع». إلا أنه سرعان ما أجهِض الانقلاب، الذي وصفه أحد المحللين السياسيين الجيدي الاطلاع بـ«الفولكلوري»، ورأى أن من قاموا به ينتمون إلى فرع شرفي بحرس الرئاسة، لا يحملون أسلحة، ولا يستطيعون أن يأمروا أحداً فيأتمر لهم».
تابع المحلل: «ظنّوا أنهم بمجرد تحركهم باتجاه الإذاعة سيتمكنون من خلع بونغو». وانتهى إلى أن «المؤسسات العسكرية والأمنية والدستورية التي أسّسها علي بونغو هي من تحمي نظامه»، حتى أنه يشاع في البلاد أن رئيسة المحكمة الدستورية ماري مادلين مبورانتسو، لا تدافع عن الدستور الغابوني بقدر ما تدافع عن عائلة بونغو.


مقالات ذات صلة

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

حصاد الأسبوع نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً،

نظير مجلي ( القدس)
حصاد الأسبوع شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع الاستطلاعات الأميركية... من يتقدم في الأرقام ومَن يفوز في الصناديق؟

الاستطلاعات الأميركية... من يتقدم في الأرقام ومَن يفوز في الصناديق؟

مع تسارع العد العكسي لانتخابات الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، يدخل الأميركيون سباقين متداخلين: أحدهما على مقاعد الكونغرس، والآخر على تفسير مزاج الناخبين.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها

محمد الريس ( القاهرة)

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.