المستشارة الألمانية تزور أثينا للمرة الأولى منذ وقوف اليونان على حافة الإفلاس

المستشارة الألمانية تزور أثينا للمرة الأولى  منذ وقوف اليونان على حافة الإفلاس
TT

المستشارة الألمانية تزور أثينا للمرة الأولى منذ وقوف اليونان على حافة الإفلاس

المستشارة الألمانية تزور أثينا للمرة الأولى  منذ وقوف اليونان على حافة الإفلاس

رحّب رئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي تقوم بأول زيارة لها لأثينا منذ 2014، والتي جاءت على خلفية التوتر بين البلدين بسبب الأزمة المالية العالمية، التي كادت تعلن فيها اليونان إفلاسها، لولا الدعم الألماني، قائلاً: «اليوم تأتين إلى يونان مختلفة تماماً. النمو يتحقق... اليونان تعد جزءاً من الحلول وليست المشكلة»، مؤكداً أنه تم تجاوز الاضطرابات السابقة بين أثينا وبرلين. وأضاف تسيبراس أن زيارة ميركل لأثينا تأتي لأن المستشارة تعتبر إنقاذ اليونان من الإفلاس أحد نجاحاتها.
مضيفاً: «في عام 2015، كانت اليونان على وشك الإفلاس، ولكنها (ميركل) تمكنت من أن تصبح جزءاً من الحل (للأزمة المالية) اليوم وليس جزءاً من المشكلة». وقبيل الزيارة، وصف تسيبراس التعاون مع المستشارة على مدار الأعوام الأربعة الماضية بأنه جدير بالثقة.
وقالت المستشارة، أمس، إن جدول أعمال الزيارة يتضمن إجراء محادثات حول الأزمة الاقتصادية اليونانية ووضع اللاجئين، إضافة إلى أزمة النزاع على الاسم بين اليونان ومقدونيا.
وأشادت ميركل بمساعي الشعب اليوناني خلال الأعوام الأخيرة، وقالت إن اليونان يستطيع حالياً «القيام بدور مهم في جنوب شرقي أوروبا». وتهدف ألمانيا واليونان حالياً لبناء علاقات مفعمة بالثقة مجدداً بعد الاضطرابات الشديدة خلال أزمة الديون. وقامت ميركل بآخر زيارة لها إلى اليونان قبل فوز السياسي اليساري تسيبراس في الانتخابات. وكانت قد واجهت مظاهرات غاضبة احتجاجاً على إجراءات التقشف خلال زيارتها الأخيرة.
وتعتزم المستشارة الألمانية لقاء الرئيس اليوناني بروكوبيس بافلوبولوس في أثينا، اليوم (الجمعة)، في اليوم الثاني والأخير للزيارة. ويتضمن جدول الزيارة حضور مأدبة غداء مع ممثلين عن مجتمع الأعمال، ولقاء مع زعيم المعارضة كيرياكوس ميتسوتاكي.
جاءت زيارة ميركل أمس لإظهار تضامنها مع أثينا في مرحلة ما بعد التقشف. وفي مقابلة مع صحيفة «كاثيميريني»، أعربت ميركل عن تقديرها لما مرّت به اليونان من صعوبات جراء تدابير التقشف التي فرضها الدائنون. وقالت: «أقدّر أن السنوات الماضية كانت شديدة الصعوبة لكثيرين في اليونان»، مضيفة أن الإجراءات الصارمة كانت ضرورية من أجل تحقيق الاستقرار المالي. واعتبرت ميركل أنه مع استكمال حزمة الإنقاذ الثالثة في أغسطس (آب) الماضي، فإن اليونان قد قطعت طريقاً طويلاً، ودعت إلى أن يكون هذا حافزاً للمضي قدماً. كما تهدف ميركل من الزيارة إلى تقديم دعم دبلوماسي بشأن قضية تغيير اسم الجارة مقدونيا، الدولة التي انفصلت عن يوغوسلافيا وتحمل نفس اسم مقاطعة في شمال اليونان. واتفق تسيبراس ونظيره المقدوني زوران زاييف من حيث المبدأ على أن تُغير سكوبيي الاسم إلى «جمهورية مقدونيا الشمالية». لكن على النواب في سكوبيي أن يصوتوا على التسمية في خطوة تنطوي على 4 تعديلات دستورية، وتتطلب تأييد ثلثي أعضاء البرلمان. ويدعم الاتحاد الأوروبي تغييراً للاسم قد يمهد لعضوية هذا البلد في الاتحاد، وكذلك في حلف شمال الأطلسي.
وكانت ميركل زارت سكوبيي لإظهار الدعم قبيل الاستفتاء الذي أجري العام الماضي على تغيير الاسم. لكن المسألة لا تزال تثير انقسامات في اليونان حيث يعارض أحد أحزاب الائتلاف الحكومي برئاسة تسيبراس تغيير الاسم، ما يهدد غالبيته البرلمانية. وبدوره يعارض حزب «الديمقراطية الجديدة» أكبر أحزاب المعارضة المحافظة، تغيير الاسم، ويريد انتخابات جديدة من غير المتوقع رسمياً حصولها قبل أكتوبر (تشرين الأول). وتعتزم ميركل أيضا إثارة الموضوع خلال محادثاتها الجمعة مع الرئيس بروكوبيس بافلوبولوس، ومن ثم مع زعيم حزب الديمقراطية الجديدة كيرياكوس ميتسوتاكيس الذي يعد حزبه حليفاً في البرلمان الأوروبي لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الذي تتزعمه. وعشية زيارتها قالت المتحدثة باسمها مارتينا فييتس إن ميركل ورئيس الوزراء اليساري سيناقشان مسائل «أوروبية ودولية». وبلغ التوتر أشده بين برلين وأثينا خلال أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو، عندما أصرّت حكومة ميركل على إجراءات تقشف قاسية لليونان، مقابل صفقة إنقاذ دولية. وعلى مدار 8 سنوات من التقشف، تراجع دخل الفرد في اليونان في المتوسط بمقدار الربع، إلا أن البلاد أصبحت الآن قادرة على تحقيق الاستقرار.
وقال ثانوس فيريميس، أستاذ التاريخ السياسي في جامعة أثينا، لوكالة الصحافة الفرنسية، إنه قبل 4 أشهر على الانتخابات الأوروبية فإن «زيارة أنجيلا ميركل ستظهر التضامن الأوروبي مع اليونان، وهو نجاح لأوروبا».
ونقلت صحيفة «كاثيميريني» عن ميركل قولها قبيل الزيارة، إن اليونان لديها دعم المستشارة الكامل، مثنية على «العلاقات الوثيقة» بين الدولتين العضوين في الاتحاد الأوروبي والشريكين في حلف شمال الأطلسي. وأضافت «كاثيميريني» نقلاً عن ميركل: «أدرك أن السنوات القليلة الماضية كانت صعبة جداً لعدد كبير من الأشخاص في اليونان. إن أوروبا أظهرت تضامنها من خلال 3 برامج إنقاذ، ودعمت اليونان في مسعى الإصلاحات لتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي»، مشيدة بـ«التقدم الكبير» الذي أحرز منذ ذلك الوقت.
وفي سياق متصل، وجّهت منظمة «أطباء بلا حدود» خطاباً مفتوحاً لميركل، تدعوها إلى زيارة جزيرة لسبوس. وكتبت مديرة القسم الطبي بالمنظمة كوردولا هافنر، إن المنظمة ترغب في دعوة المستشارة لزيارة جزر اللاجئين اليونانية كي تعرف بنفسها الظروف السيئة التي يعيشها الناس تحت رعاية الاتحاد الأوروبي. وانتقدت المنظمة وجود آلاف الأشخاص عالقين في النقاط الساخنة على الجزر اليونانية منذ إبرام اتفاقية اللاجئين بين الاتحاد الأوروبي وتركيا عام 2016، الذي تم التفاوض بشأنه من جانب ميركل. وأشارت المنظمة إلى أن مخيم موريا فوق جزيرة لسبوس الذي تم تصميمه لاستيعاب 3100 شخص، يكتظ حاليا بـ5700 شخص، من بينهم 1800 طفل. وبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن أغلب الأشخاص بهذا المخيم ينحدرون من أفغانستان والعراق وسوريا وباكستان. ويضطر هؤلاء الأشخاص للاصطفاف من أجل تناول الطعام طوال ساعات في برودة الشتاء، ويعيش نحو 2700 شخص منهم في خيام، مثلما يظهر في مقاطع فيديو تم تسجيلها بواسطة المنظمة. ودعت المنظمة إلى نقل جميع الأطفال والأشخاص المصابين مباشرة إلى أماكن إقامة مناسبة في اليونان أو إلى دول أخرى بالاتحاد الأوروبي.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...