توصلت المباحثات التي تقودها «هيئة العلماء المسلمين» إلى الاتفاق على هدنة في عرسال لمدة 24 ساعة، بدءا من الساعة السابعة من مساء أمس، بعدما كانت قد تعثرت هدنة أول من أمس، فيما نجحت الجهود في الإفراج عن ثلاثة عسكريين كانوا مختطفين مع 19 آخرين لدى المسلحين المتشددين.
ومن المتوقع أن ينفذ خلال هذه الهدنة بعض بنود المبادرة التي لاقت موافقة قائد الجيش جان قهوجي ورئيس الحكومة تمام سلام، وأهمها انكفاء المسلحين عن البلدة نحو الجرود وإيصال المساعدات الغذائية والطبية والإنسانية إلى الأهالي المحاصرين، وقد أكد رئيس الهيئة، الشيخ سالم الرافعي، الذي يقود المفاوضات، أن «المسلحين لديهم الرغبة في ترك عرسال وهم لا يريدون أن يحتلوها، وكل ما يطلبونه وقف إطلاق النار ونقل الجرحى وحسن معاملة الأهالي المدنيين والنازحين السوريين بعد خروجهم من البلدة».
وكانت المواجهات قد استمرت بين الجيش اللبناني والمسلحين طوال أمس، في منطقة عرسال لليوم الرابع على التوالي، بينما دق قائد الجيش العماد جان قهوجي ناقوس الخطر الأمني، واصفا الوضع بـ«الخطر». وحملت بعض الأطراف اللبنانية، ولا سيما من فريق «14 آذار»، «حزب الله» مسؤولية هذه الأحداث، عادة إياها جاءت نتيجة مشاركته في القتال في سوريا إلى جانب النظام، فيما أكد الحزب من جهته، أنه لم يتدخل في مجريات ما حصل ويحصل في منطقة عرسال.
وقد خرق أخبار المعارك في البقاع، الإفراج عن ثلاثة عسكريين، درزي وسني ومسيحي، كخطوة أولى في المبادرة التي أطلقتها «هيئة العلماء المسلمين»، هم: رامي جمال وخالد صلح وطانيوس مراد، ونقلوا إلى مركز استخبارات الجيش في رأس بعلبك، فيما نعت أمس قيادة الجيش كلا من النقيب داني فؤاد خير الله والجندي علي محمد خضارو، ليرتفع بذلك عدد قتلى عناصرها في معركة عرسال إلى 16.
وأشارت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية اللبنانية إلى أن الجيش سجل ليلا، تقدما من محيط رأس السرج كما طوق معظم التلال على السلسلة الشرقية في جرود عرسال، بمنطقة وادي العيان ووادي عطا لتضييق الخناق على المسلحين من ناحية الجرد، وشرق البلدة، ومن ناحية المهنية غرب البلدة. وأعلنت الهيئة، في مؤتمر صحافي، أنها ستستكمل التفاوض بشأن تنفيذ البنود الأخرى، التي ترتكز على إطلاق جميع العسكريين المخطوفين وانسحاب المسلحين وإطلاق أبو أحمد جمعة أو إغلاق ملفه عبر القضاء المختص. وكان اعتقال جمعة، قائد «لواء فجر الإسلام» في القلمون، قد أشعل معارك عرسال. وأعلنت قيادة الجيش وبناء على التحقيقات معه، عن انتمائه إلى «جبهة النصرة». لكن وقبل شهر كان قد ظهر جمعة في شريط فيديو يعلن مبايعته أمير «داعش» أبو بكر البغدادي.
وكان وفد من الهيئة برئاسة الشيخ سالم الرافعي، قد اتجه إلى عرسال ليل أول من أمس بمواكبة أمنية لبحث موضوع وقف إطلاق النار وإطلاق سراح العناصر العسكرية المختطفة، لكنهم تعرضوا لإطلاق النار من قبل مجهولين، مما أدى إلى إصابة الرافعي والشيخ جلال كلش والمحامي نبيل الحلبي.
وفي تصريح له من المستشفى، نفى الرافعي أمس، المعلومات التي أشارت إلى رفض المسلحين الموافقة على الهدنة قبل إطلاق سراح جمعة، موضحا أن «الذي يطلب هذا الطلب غير موجود الآن، الموجودون الآن هم الخائفون على المدنيين ويريدون الانسحاب في أقرب فرصة ويطالبون بضمانة لأهلهم في عرسال. وهذه المعركة ليست معركتهم، ولكن بعض الفصائل وعند اعتقال البعض من جماعتهم تورطت في هذه المعارك وفي أسر الجنود، أما سائر الفصائل فلم توافق على هذا؛ فتدخلها كان لحماية المدنيين».
وقال أحد المشايخ، كان برفقة الوفد، لـ«الشرق الأوسط»، إن الوفد كان مؤلفا من خمس سيارات مع مواكبة أمنية، لكن وعند الوصول إلى حاجز الجيش على مدخل عرسال، دخلت فقط سيارة الرافعي، وبعد أقل من عشر دقائق سمع صوت إطلاق النار ومن ثم عاد السائق ليخبرنا بإصابة الرافعي ومن كان معه في السيارة. وفيما أشار الشيخ إلى أنهم أعلموا بنقل المصابين إلى المستشفى، لفت إلى أنه جرى نقل الوفد المرافق إلى مسجد مجاور، حيث أمضوا ساعات قبل عودتهم. وعما إذا تمكنوا من معرفة هوية مطلقي النار، أجاب الشيخ: «من له مصلحة في استهداف الوفد إذا كان كلا الطرفين وافقا على دخول الوفد وبدء الهدنة؟».
وأوضح عضو الهيئة الشيخ رائد حليحل، في المؤتمر الصحافي: «وفور انطلاق الوفد من بيروت انتشر خبر تعرض الموكب لإطلاق النار، وهذا ما يدل على أن هناك مطابخ سوداء كانت تطبخ هذا الأمر، ورغم ذلك أكملنا الطريق إلى عرسال في ظل هذه المخاطر، ونهدف بذلك إلى إعادة الوضع الطبيعي إلى عرسال، على أمل عودة المسلحين إلى سوريا وعودة المسلحين من سوريا إلى لبنان». وعد أن «هناك متضررين من هذه المبادرة أرادوا من الاعتداء على الموكب عدم وصول الوفد للتفاوض مع أصحاب العلاقة وإنهاء الأزمة».
من جهته، أكد المسؤول السياسي في «الجماعة الإسلامية» بالبقاع، علي أبو ياسين، «مواصلة مسيرة التفاوض داخل عرسال، بالتنسيق مع رئيس الحكومة وقيادة الجيش». وشدد على أن «المبادرة مستمرة، وربما تكون هناك زيارات أخرى لعرسال لهذا الهدف». وحمل «حزب الله» مسؤولية ما يحصل في عرسال، من دون أن يسميه، قائلا: «هناك مسببات لما يحدث في عرسال، إذ هناك فصيل لبناني يقاتل في سوريا، ولا يجوز أن تجر هذه الحرب إلى لبنان، ولا أن يدفع الجيش اللبناني أي فاتورة لأي مكون لبناني».
وفيما قرر الإعلام اللبناني بكل أشكاله الامتناع عن نشر أو بث ما ينال من هيبة الجيش، أعلنت قيادة الجيش في بيان لها أن الصور ومقاطع الفيديو التي جرى تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تظهر جثثا قيل إنها لعناصر من الجيش، مأخوذة من أحداث خارج لبنان. وقالت في بيان لها: «عرضت على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد لعدد من جثث القتلى باللباس العسكري، بالإضافة إلى مشاهد لمسلحين يقومون بقتل عسكريين بطريقة وحشية، والإيحاء بأن الأخيرين ينتمون إلى الجيش اللبناني. يهم قيادة الجيش الإشارة إلى أن أيا من صور هؤلاء القتلى لا تعود لعناصر الجيش اللبناني، وقد تبين أن هذه المشاهد مأخوذة من أحداث جرت خارج لبنان ومنشورة سابقا».
وسياسيا، أجمعت المواقف اللبنانية على دعم الجيش في معركته، وقد أكد رئيس «تيار المستقبل» في لبنان، سعد الحريري، دعم الجيش اللبناني في معركته ضد الإرهاب والزمر المسلحة التي تسللت إلى بلدة عرسال. ولفت إلى أن «هذا الدعم حاسم لا يخضع لأي نوع من أنواع التأويل والمزايدات السياسية، ولا وظيفة له سوى التضامن على حماية لبنان ودرء المخاطر التي تطل برأسها من الحروب المحيطة».
لكن، جاء بيان كتلة «المستقبل»، بعد اجتماعها الدوري بعد ظهر أمس، تصعيديا، على عكس بيان الحريري، محملا «حزب الله» مسؤولية ما تتعرض له عرسال.
وفيما استنكرت كتلة «المستقبل» «الهجوم الغادر الذي تعرضت له عرسال، عدت تورط الحزب في القتال الجاري بسوريا إلى جانب النظام السوري عطل قرار السلطة اللبنانية في اتخاذ أي قرار أو إجراء لحماية لبنان وتحييده والنأي به عن الصراع الدائر في سوريا».
وتابعت: «لقد انتهك الحزب الحدود الدولية مع سوريا عبر نقل السلاح والمسلحين وتورطه في المعارك التي خاضها إلى جانب جيش النظام، الأمر الذي أسهم في دفع المسلحين السوريين إلى لبنان، وعطل القرار اللبناني الوطني بنشر الجيش على الحدود الشرقية والشمالية ولم يسمح للحكومة بالتعامل بجدية مع النازحين السوريين عبر منعه إقامة مراكز إيواء منظمة ومنضبطة على مقربة من الحدود اللبنانية لهم لكي تتمكن الدولة اللبنانية من ضبط وجودهم. وطالبت الكتلة الحزب بالانسحاب من سوريا ووقف تصديره الويلات إلى لبنان والتوقف عن استجلاب التطرف والإرهاب إليه».






