بوتين والأزمة الأوكرانية.. أحلام وهواجس

العقوبات سلاح ذو حدين.. وموسكو ترى أن واشنطن تعمل على تصفية حسابات «شخصية»

بوتين والأزمة الأوكرانية.. أحلام وهواجس
TT

بوتين والأزمة الأوكرانية.. أحلام وهواجس

بوتين والأزمة الأوكرانية.. أحلام وهواجس

إلى أي مدى يمكن أن يمضي الغرب في عقوباته ضد موسكو؟ هذا السؤال يظل يتقافز على شفاه الكثيرين من المراقبين وصانعي القرار في أروقة السياسة العالمية، مقدمة لتساؤلات كثيرة أخرى حول مستقبل العلاقات بين موسكو والغرب من جانب، واحتمالات انهيار الاقتصاد الروسي في غضون ستة أسابيع، حسبما تنبأ بذلك ألكسي كودرين وزير المالية الروسي السابق وأحد أهم الاقتصاديين في فريق الرئيس فلاديمير بوتين، من جانب آخر.
«كلما ازداد التحدي تصاعدت قوة الاستجابة، حتى تصل بأصحابها إلى ما يسمى (الوسيلة الذهبية)، التي تتلخص في أنَّ الحضارة تقوم من خلال مواجهة التحدي بسلسلة من الاستجابات».. هذا ما نصت عليه نظرية «التحدي والاستجابة» لصاحبها المؤرخ البريطاني آرنولد توينبي، ويبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شغوف بمغزاها ومضامينها. هذه النظرية تحدد الكثير من ملامح المشهد الراهن في الساحة الدولية، وتفسر ما شهدناه ونشهده من خطوات، وما نتابعه من قرارات صادرة عن الكرملين تقول إن بوتين ماض في طريقه لا يلوي على شيء، متسلحا بما تراكم لديه من خبرات «ضابط الكي جي بي»، ومن ملفات جمعها بحكم مناصبه السابقة، مستفيدا من كبوات نظرائه ممن كان يعرف أنهم يضمرون لبلاده مصيرا مشابها لما سبق وحققوه مع الاتحاد السوفياتي السابق.
وتؤكد الشواهد الآنية أن الرئيس الروسي يظل بعيدا عن فكرة التراجع عما سبق واتخذه من مواقف وقرارات، إلا بالقدر الذي يوفر لخصمه «جسر العودة»، ويحفظ له «ماء الوجه»، اتفاق مع المثل الصيني القائل بأنه «إذا أراد المرء تحقيق النصر، فلا بد له من توفير جسر التراجع أمام خصمه». وثمة ما يشير إلى قناعة الكثيرين من قيادات بلدان الاتحاد الأوروبي بتبني التوجه نفسه، بما يصل بالأطراف المتنازعة إلى «الحلول الوسط» سعيا وراء الخروج من الأزمة التي تكاد تودي بهم وبالعالم إلى شفا حرب ساخنة يدرك الجميع مغبة أخطارها وعواقبها. ورغما عن ذلك فإن هناك من صقور الساحة الأميركية ومن يدور في فلكهم من يحاول دفع الأطراف المتصارعة حول أوكرانيا، إقليميا ودوليا، إلى السقوط في شرك مواجهة المواقف الاستثنائية بردود فعل تفوق في تأثيرها وقيمتها الأفعال نفسها.
يقول مراقبون في هذا الصدد أن الأزمة الأوكرانية، كلما تزايدت حدتها وتشابكت حلقاتها وتعقدت أكثر عن ذي قبل، أيقظت روح التحدي لدى الرئيس الروسي لمواجهة مخططات الناتو والاتحاد الأوروبي، وفضح حقيقة أن قائمة أحلامهما المؤجلة لا تقتصر على أوكرانيا مثلما لم تقتصر في السابق على جورجيا بلدان الثورة البرتقالية، وإنما تستهدف أيضا تقويض أمن روسيا والصين واستقرارهما، على غرار ما حدث مع الاتحاد السوفياتي السابق، وهو ما قاله صراحة في خطاب ألقاه في الكرملين لدى تناوله مسألة انضمام القرم إلى روسيا. وكان بوتين أوجز في هذا الخطاب رؤيته التي تقول إن روسيا تكتفي بهذا القدر من ردود الفعل، لكنها تظل يقظة لما قد يتخذه «الشركاء» من خطوات تستهدف التطاول على حدودها، معلنا أن «أوكرانيا خط أحمر» لن تسمح بلاده لأي شخص بتجاوزه!
ورغم أن الخطاب اتسم بنبرة أيقظت في نفوس مواطنيه أعلى درجات الحماس والوطنية والرغبة في استعادة أمجاد الماضي، فإنه كان يتضمن أيضا الرغبة في التهدئة من خلال الإشارة إلى احترام وحدة أراضى وسيادة أوكرانيا، رغم تلميحات حول احتمالات مصير مماثل للقرم، في المحافظات والأقاليم الواقعة جنوب شرقي أوكرانيا التي طالما كانت جزءا من الدولة الروسية، وهو ما يبدو أنه تراجع عنه تحت وطأة التطورات العاصفة للأحداث، ولا سيما بعد إسقاط طائرة الركاب الماليزية في يوليو (تموز) وتشديد ربقة العقوبات الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
وكانت موسكو سارعت بإعلان موقفها من عقوبات «الحزمة الثالثة» أو «المستوى الثالث»، ضد روسيا، ومنها ما يتعلق بحظر التعامل مع عدد من أهم البنوك الروسية، بتأكيد أن الحرب التي أعلنها «جنرالات بروكسل» بإيعاز مباشر من واشنطن، لا بد أن تنعكس سلبا على كل بلدان الاتحاد الأوروبي. وقد جاء ذلك مواكبا لعدد من القرارات التي اتخذتها موسكو بشأن حظر استيراد الخضراوات والفواكه والألبان والمواد الغذائية واللحوم من أوكرانيا وعدد من البلدان الأوروبية والولايات المتحدة التي طالما اعتمد مزارعوها ومنتجوها في ترويج منتجاتهم على السوق الروسية، ما سوف يكبدهم خسائر هائلة. وفيما راحت هذه البلدان تحصي خسائرها التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، راح آخرون من أساطين الصناعات الثقيلة في أوروبا يجأرون بالشكوى من انحسار الطلب على إنتاجهم من السيارات والمعدات التي كانت روسيا سوقها التقليدية. ونقلت الوكالات الروسية عن زيجمار غابرييل وزير الاقتصاد الألماني قوله إن العقوبات يمكن أن تؤثر على اقتصاد ألمانيا الاتحادية، وكذلك تحذيره من اتساع نطاق الحرب والحروب الأهلية في أوروبا بحجة تفادي العواقب الاقتصادية الوخيمة. وأشارت وكالة أنباء «إيتار تاس» إلى ما صدر عن لينيتا تويفاككا وزيرة شؤون الاتحاد الأوروبي والتجارة الخارجية في الحكومة الفنلندية، من تصريحات تعترف فيها بتأثر فنلندا بفرض العقوبات ضد روسيا، وأن الحكومة الفنلندية صارت مدعوة إلى البحث عن التوازن بين السبل الحقيقية لضمان الأمن القومي للبلاد والطرق المثلى لتأمين المصالح الاقتصادية على المدى القريب. وكان آخرون كثيرون عدوا هذه العقوبات التي تعد الأقسى منذ انتهاء سنوات الحرب الباردة، بمثابة حرب حقيقية تخوضها كل الأطراف، وهو ما سبق وحذر منه الرئيس بوتين.
ونذكر أن بوتين سبق وأشار إلى احتمالات «اللجوء إلى البدائل» في خطابه التاريخي الذي ألقاه في مؤتمر ميونيخ للأمن العالمي في 2007، وحذر فيه من مغبة التمسك بعالم القطب الواحد وخطورة انفراد قوة بعينها بالقرار الدولي. أشار بوتين إلى ضرورة ما وصفه بـ«التوازن المعقول»، مستشهدا بما كان يجري في الساحة الدولية من متغيرات سريعة نتيجة التطور الديناميكي لعدد كبير من الدول والأقاليم. وفي هذا الصدد أكد بوتين أن مجموع الناتج المحلي الإجمالي في الهند والصين، وفق القدرات الشرائية، يزيد على ما لدى الولايات المتحدة. وأضاف أن مجموع الناتج المحلي الإجمالي المحسوب وفق هذا المبدأ لمجموعة الدول التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين يزيد على مجموع الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، مشيرا إلى أن الفروق الآنية مرشحة للتزايد في المستقبل القريب، وهو ما تحقق بالفعل بعد انضمام جنوب أفريقيا إلى بلدان مجموعة «بريكس». وأكد بوتين أيضا، في إشارة لا تخلو من مغزى، «أن الطاقات الاقتصادية لمراكز النمو العالمي الجديدة ستتحول بلا ريب إلى نفوذ سياسي، وستعزز نزعة تعدد الأقطاب، ما يتطلب مراعاة أهمية تطوير دور الدبلوماسية المتعددة الأطراف، وإعلاء الصراحة والشفافية والوضوح في التنبؤ في السياسة، بعيدا عن استخدام القوة التي يجب أن يكون اللجوء إليها على سبيل الاستثناء».
ومن هذا المنظور تحديدا حظيت الزيارة التاريخية التي قام بها بوتين إلى الصين في مايو (أيار) الماضي بأهمية كبيرة، على ضوء ما أسفرت عنه من توقيع ما يزيد على أربعين اتفاقية، أهمها اتفاق إمدادها بالغاز الروسي طويل الأمد لمدة ثلاثين عاما، ويقدر حجمه بأربعمائة مليار دولار، إلى جانب الاتفاق على عدد من المشروعات المشتركة في مجال الطاقة وبناء الطائرات. وكان بوتين أشار في ختام تلك الزيارة إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين الذي يبلغ اليوم قرابة تسعين مليار دولار، سيرتفع حتى مائة مليار دولار في عام 2015، فضلا عن الاتفاق على رفعه حتى مائتي مليار دولار مع حلول عام 2020. وفيما كانت واشنطن وحلفاؤها في الاتحاد الأوروبي يعكفون على دراسة أبعاد هذه الزيارة ومكتسباتها سعيا وراء الجديد من سبل الضغط وتشديد ربقة العقوبات، انطلق بوتين في رحلته إلى أميركا اللاتينية التي اختتمها بلقاء رؤساء بلدان مجموعة بريكس في البرازيل، تأكيدا من جانبه لتمسكه بفكرة الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى نوعي جديد يكفل التصدي لعبثية عالم القطب الواحد وهيمنته، وجعل هذا التحالف الجديد جزءا لا يتجزأ من منظومة الإدارة العالمية يساعد على استقرار الأوضاع الدولية والتعاون في مواجهة كل الأخطار والتحديات الراهنة. وإذا أضفنا إلى ذلك ما سبق وتوصل إليه من تعزيز مواقع روسيا الإقليمية في إطار الاتحاد الأوروآسيوي مع كازاخستان وبيلاروس في تحالف مرشح لضم طاجيكستان وأرمينيا في وقت لاحق من هذا العام، فإننا نكون أمام مشهد جديد تقول مفرداته بقدرة بوتين على مواجهة ما يتناثر على الطريق من تحديات ومتاعب. وكان بوتين أشار إلى القدرات الاقتصادية والمالية لمجموعة حلفائه التي قال إن منها الصين بما تملكه من قدرات بشرية واقتصادية هائلة، ومعها الهند وبقية الأصدقاء في منظمتي «بريكس»، و«مجموعة شنغهاي» وكلها تمثل ما يزيد على 42 في المائة من تعداد سكان العالم وأكثر من 25 في المائة من الإنتاج الاقتصادي العالمي و20 في المائة من التبادل التجاري الدولي، ناهيك عن قدرات مجموعة شنغهاي التي تضم إلى جانب روسيا والصين بلدان آسيا الوسطى، وعددا من بلدان الاتحاد السوفياتي السابق.
على أن كل ما حققه الرئيس الروسي من نجاح على صعيد الحد من تأثير العقوبات والحيلولة دون أحكام حلقة العزلة السياسية حول بلاده يظل مهددا بالتصعيد من جانب خصومه ممن يتحينون الفرصة ليس فقط لتأجيج نيران الاشتباكات المسلحة على مقربة من الحدود الروسية ولا سيما في جنوب شرقي أوكرانيا، بل وأيضا في إشعال نزاعات قديمة كانت روسيا طرفا مباشرا فيها مثل جورجيا ومولدوفا وناجورني قر باغ. وثمة من يقول إن هناك من قد يحاول الاستفادة من هذه الأوضاع الهشة على غير رغبة الأطراف المباشرة في الأزمة الأوكرانية، بما قد يساهم في خلق أوضاع أكثر تعقيدا تحول دون التوصل إلى التهدئة وتحقيق الحلول المنشودة.
وكان الرئيس بوتين سبق وحذر من مغبة استمرار واشنطن في مخططاتها الرامية إلى التغلغل في عدد من المناطق والبلدان التي طالما عدتها روسيا مناطق مصالح تاريخية وتقليدية، إلى جانب استمرار الدوائر الأميركية في تدخلها وتأثيرها على الأوضاع الداخلية لهذه البلدان ومحاولات توجيه الانتخابات فيها. ومضى بوتين ليعرب عن قلق بلاده تجاه إصرار الولايات المتحدة على إنشاء منظومة الدرع الصاروخية ونشر عناصرها في أوروبا على مقربة مباشرة من الحدود الروسية. واعترف صراحة أن مثل هذه المنظومة يمكن أن تطال قوات الردع النووي الاستراتيجي للدولة الروسية وتخل بتوازن القوى السياسية والعسكرية القائم في هذه المناطق لعقود طويلة.
ولذا فإن موسكو تظل تراهن على تحييد الأطراف الأوروبية من خلال تأكيد أنها كانت ولا تزال «جزءًا لا يتجزأ من أوروبا الكبيرة»، أو بقول أكثر دقة: جزء من الحضارة الأوروبية الواسعة، ما يجعل الروس يعدون أنفسهم أوروبيين بالدرجة الأولى، وما يفسر اهتمامهم بكل ما يجري في القارة الأوروبية الموحدة، على حد قول الرئيس بوتين. ورغم اعتراف موسكو بتأثرها النسبي بما فرضته واشنطن وحلفاؤها من عقوبات، فإنها لا تكف عن تأكيد قدراتها على الصمود، استنادا إلى ما تملكه من مقدرات لتوفير البدائل الذاتية، وهو ما جرى تناوله خلال الاجتماعات الأخيرة التي عقدتها الحكومة الروسية وكذلك مجلس الأمن القومي الروسي الذي كان عقد أخطر اجتماعاته الأسبوع الماضي. وكشفت المصادر الروسية عن أن الرئيس بوتين تطرق في هذا الاجتماع إلى طرح المسائل المتعلقة باحتمالات التصعيد من جانب العسكريين الأوكرانيين في جنوب شرقي أوكرانيا من أجل إخماد المقاومة وتصفية ما تصفها بالحركات الانفصالية واستعادة وحدة أراضي أوكرانيا. وذلك يعني أيضا أن موسكو تتدارس أبعاد الموقف الراهن تحسبا لاحتمالات إقدام السلطات الأوكرانية على القيام بمغامرة استعادة شبه جزيرة القرم بالقوة، في الوقت الذي تحرص فيه على إعلان أنها ليست على استعداد للزج بقواتها المسلحة في مثل هذه الصراعات وإن أكدت تمسكها بوحدة أراضي الدولة الروسية، وهو ما يعني ضمنا تأكيدها وتمسكها باعتبار أن شبه جزيرة القرم جزءا لا يتجزأ من هذه الأراضي. ولعل ما صدر أخيرا من بيانات وتصريحات ومنها «الاتهام بالخيانة العظمى لكل من يفكر في التخلي عن القرم»، يقول بأن هذه القضية لا يمكن أن تكون موضوعا للمناقشة أو الحلول الوسط. وكانت مصادر روسية سبق وكشفت عن أقصى ما يمكن أن تمضي موسكو إليه في هذا الشأن، لا يمكن أن يتعدى الاعتراف لأوكرانيا بحقوقها في جنوب شرقي أوكرانيا، مع ضرورة منح مواطني هذه الأقاليم ما يطمحون إليه من حقوق قومية قد يكون منها الحكم الذاتي وإقرار النظام الفيدرالي، مقابل الحصول على تأكيدات رسمية من جانب الناتو والولايات المتحدة بعدم ضم أوكرانيا إلى هذا الحلف العسكري مقابل الموافقة الضمنية على انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، ما يعيد إلى الأذهان ما سبق وأقره الاتحاد السوفياتي السابق بالنسبة لفنلندا المتاخمة لحدوده الشمالية الغربية.



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.