بوتين والأزمة الأوكرانية.. أحلام وهواجس

العقوبات سلاح ذو حدين.. وموسكو ترى أن واشنطن تعمل على تصفية حسابات «شخصية»

بوتين والأزمة الأوكرانية.. أحلام وهواجس
TT

بوتين والأزمة الأوكرانية.. أحلام وهواجس

بوتين والأزمة الأوكرانية.. أحلام وهواجس

إلى أي مدى يمكن أن يمضي الغرب في عقوباته ضد موسكو؟ هذا السؤال يظل يتقافز على شفاه الكثيرين من المراقبين وصانعي القرار في أروقة السياسة العالمية، مقدمة لتساؤلات كثيرة أخرى حول مستقبل العلاقات بين موسكو والغرب من جانب، واحتمالات انهيار الاقتصاد الروسي في غضون ستة أسابيع، حسبما تنبأ بذلك ألكسي كودرين وزير المالية الروسي السابق وأحد أهم الاقتصاديين في فريق الرئيس فلاديمير بوتين، من جانب آخر.
«كلما ازداد التحدي تصاعدت قوة الاستجابة، حتى تصل بأصحابها إلى ما يسمى (الوسيلة الذهبية)، التي تتلخص في أنَّ الحضارة تقوم من خلال مواجهة التحدي بسلسلة من الاستجابات».. هذا ما نصت عليه نظرية «التحدي والاستجابة» لصاحبها المؤرخ البريطاني آرنولد توينبي، ويبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شغوف بمغزاها ومضامينها. هذه النظرية تحدد الكثير من ملامح المشهد الراهن في الساحة الدولية، وتفسر ما شهدناه ونشهده من خطوات، وما نتابعه من قرارات صادرة عن الكرملين تقول إن بوتين ماض في طريقه لا يلوي على شيء، متسلحا بما تراكم لديه من خبرات «ضابط الكي جي بي»، ومن ملفات جمعها بحكم مناصبه السابقة، مستفيدا من كبوات نظرائه ممن كان يعرف أنهم يضمرون لبلاده مصيرا مشابها لما سبق وحققوه مع الاتحاد السوفياتي السابق.
وتؤكد الشواهد الآنية أن الرئيس الروسي يظل بعيدا عن فكرة التراجع عما سبق واتخذه من مواقف وقرارات، إلا بالقدر الذي يوفر لخصمه «جسر العودة»، ويحفظ له «ماء الوجه»، اتفاق مع المثل الصيني القائل بأنه «إذا أراد المرء تحقيق النصر، فلا بد له من توفير جسر التراجع أمام خصمه». وثمة ما يشير إلى قناعة الكثيرين من قيادات بلدان الاتحاد الأوروبي بتبني التوجه نفسه، بما يصل بالأطراف المتنازعة إلى «الحلول الوسط» سعيا وراء الخروج من الأزمة التي تكاد تودي بهم وبالعالم إلى شفا حرب ساخنة يدرك الجميع مغبة أخطارها وعواقبها. ورغما عن ذلك فإن هناك من صقور الساحة الأميركية ومن يدور في فلكهم من يحاول دفع الأطراف المتصارعة حول أوكرانيا، إقليميا ودوليا، إلى السقوط في شرك مواجهة المواقف الاستثنائية بردود فعل تفوق في تأثيرها وقيمتها الأفعال نفسها.
يقول مراقبون في هذا الصدد أن الأزمة الأوكرانية، كلما تزايدت حدتها وتشابكت حلقاتها وتعقدت أكثر عن ذي قبل، أيقظت روح التحدي لدى الرئيس الروسي لمواجهة مخططات الناتو والاتحاد الأوروبي، وفضح حقيقة أن قائمة أحلامهما المؤجلة لا تقتصر على أوكرانيا مثلما لم تقتصر في السابق على جورجيا بلدان الثورة البرتقالية، وإنما تستهدف أيضا تقويض أمن روسيا والصين واستقرارهما، على غرار ما حدث مع الاتحاد السوفياتي السابق، وهو ما قاله صراحة في خطاب ألقاه في الكرملين لدى تناوله مسألة انضمام القرم إلى روسيا. وكان بوتين أوجز في هذا الخطاب رؤيته التي تقول إن روسيا تكتفي بهذا القدر من ردود الفعل، لكنها تظل يقظة لما قد يتخذه «الشركاء» من خطوات تستهدف التطاول على حدودها، معلنا أن «أوكرانيا خط أحمر» لن تسمح بلاده لأي شخص بتجاوزه!
ورغم أن الخطاب اتسم بنبرة أيقظت في نفوس مواطنيه أعلى درجات الحماس والوطنية والرغبة في استعادة أمجاد الماضي، فإنه كان يتضمن أيضا الرغبة في التهدئة من خلال الإشارة إلى احترام وحدة أراضى وسيادة أوكرانيا، رغم تلميحات حول احتمالات مصير مماثل للقرم، في المحافظات والأقاليم الواقعة جنوب شرقي أوكرانيا التي طالما كانت جزءا من الدولة الروسية، وهو ما يبدو أنه تراجع عنه تحت وطأة التطورات العاصفة للأحداث، ولا سيما بعد إسقاط طائرة الركاب الماليزية في يوليو (تموز) وتشديد ربقة العقوبات الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
وكانت موسكو سارعت بإعلان موقفها من عقوبات «الحزمة الثالثة» أو «المستوى الثالث»، ضد روسيا، ومنها ما يتعلق بحظر التعامل مع عدد من أهم البنوك الروسية، بتأكيد أن الحرب التي أعلنها «جنرالات بروكسل» بإيعاز مباشر من واشنطن، لا بد أن تنعكس سلبا على كل بلدان الاتحاد الأوروبي. وقد جاء ذلك مواكبا لعدد من القرارات التي اتخذتها موسكو بشأن حظر استيراد الخضراوات والفواكه والألبان والمواد الغذائية واللحوم من أوكرانيا وعدد من البلدان الأوروبية والولايات المتحدة التي طالما اعتمد مزارعوها ومنتجوها في ترويج منتجاتهم على السوق الروسية، ما سوف يكبدهم خسائر هائلة. وفيما راحت هذه البلدان تحصي خسائرها التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، راح آخرون من أساطين الصناعات الثقيلة في أوروبا يجأرون بالشكوى من انحسار الطلب على إنتاجهم من السيارات والمعدات التي كانت روسيا سوقها التقليدية. ونقلت الوكالات الروسية عن زيجمار غابرييل وزير الاقتصاد الألماني قوله إن العقوبات يمكن أن تؤثر على اقتصاد ألمانيا الاتحادية، وكذلك تحذيره من اتساع نطاق الحرب والحروب الأهلية في أوروبا بحجة تفادي العواقب الاقتصادية الوخيمة. وأشارت وكالة أنباء «إيتار تاس» إلى ما صدر عن لينيتا تويفاككا وزيرة شؤون الاتحاد الأوروبي والتجارة الخارجية في الحكومة الفنلندية، من تصريحات تعترف فيها بتأثر فنلندا بفرض العقوبات ضد روسيا، وأن الحكومة الفنلندية صارت مدعوة إلى البحث عن التوازن بين السبل الحقيقية لضمان الأمن القومي للبلاد والطرق المثلى لتأمين المصالح الاقتصادية على المدى القريب. وكان آخرون كثيرون عدوا هذه العقوبات التي تعد الأقسى منذ انتهاء سنوات الحرب الباردة، بمثابة حرب حقيقية تخوضها كل الأطراف، وهو ما سبق وحذر منه الرئيس بوتين.
ونذكر أن بوتين سبق وأشار إلى احتمالات «اللجوء إلى البدائل» في خطابه التاريخي الذي ألقاه في مؤتمر ميونيخ للأمن العالمي في 2007، وحذر فيه من مغبة التمسك بعالم القطب الواحد وخطورة انفراد قوة بعينها بالقرار الدولي. أشار بوتين إلى ضرورة ما وصفه بـ«التوازن المعقول»، مستشهدا بما كان يجري في الساحة الدولية من متغيرات سريعة نتيجة التطور الديناميكي لعدد كبير من الدول والأقاليم. وفي هذا الصدد أكد بوتين أن مجموع الناتج المحلي الإجمالي في الهند والصين، وفق القدرات الشرائية، يزيد على ما لدى الولايات المتحدة. وأضاف أن مجموع الناتج المحلي الإجمالي المحسوب وفق هذا المبدأ لمجموعة الدول التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين يزيد على مجموع الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، مشيرا إلى أن الفروق الآنية مرشحة للتزايد في المستقبل القريب، وهو ما تحقق بالفعل بعد انضمام جنوب أفريقيا إلى بلدان مجموعة «بريكس». وأكد بوتين أيضا، في إشارة لا تخلو من مغزى، «أن الطاقات الاقتصادية لمراكز النمو العالمي الجديدة ستتحول بلا ريب إلى نفوذ سياسي، وستعزز نزعة تعدد الأقطاب، ما يتطلب مراعاة أهمية تطوير دور الدبلوماسية المتعددة الأطراف، وإعلاء الصراحة والشفافية والوضوح في التنبؤ في السياسة، بعيدا عن استخدام القوة التي يجب أن يكون اللجوء إليها على سبيل الاستثناء».
ومن هذا المنظور تحديدا حظيت الزيارة التاريخية التي قام بها بوتين إلى الصين في مايو (أيار) الماضي بأهمية كبيرة، على ضوء ما أسفرت عنه من توقيع ما يزيد على أربعين اتفاقية، أهمها اتفاق إمدادها بالغاز الروسي طويل الأمد لمدة ثلاثين عاما، ويقدر حجمه بأربعمائة مليار دولار، إلى جانب الاتفاق على عدد من المشروعات المشتركة في مجال الطاقة وبناء الطائرات. وكان بوتين أشار في ختام تلك الزيارة إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين الذي يبلغ اليوم قرابة تسعين مليار دولار، سيرتفع حتى مائة مليار دولار في عام 2015، فضلا عن الاتفاق على رفعه حتى مائتي مليار دولار مع حلول عام 2020. وفيما كانت واشنطن وحلفاؤها في الاتحاد الأوروبي يعكفون على دراسة أبعاد هذه الزيارة ومكتسباتها سعيا وراء الجديد من سبل الضغط وتشديد ربقة العقوبات، انطلق بوتين في رحلته إلى أميركا اللاتينية التي اختتمها بلقاء رؤساء بلدان مجموعة بريكس في البرازيل، تأكيدا من جانبه لتمسكه بفكرة الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى نوعي جديد يكفل التصدي لعبثية عالم القطب الواحد وهيمنته، وجعل هذا التحالف الجديد جزءا لا يتجزأ من منظومة الإدارة العالمية يساعد على استقرار الأوضاع الدولية والتعاون في مواجهة كل الأخطار والتحديات الراهنة. وإذا أضفنا إلى ذلك ما سبق وتوصل إليه من تعزيز مواقع روسيا الإقليمية في إطار الاتحاد الأوروآسيوي مع كازاخستان وبيلاروس في تحالف مرشح لضم طاجيكستان وأرمينيا في وقت لاحق من هذا العام، فإننا نكون أمام مشهد جديد تقول مفرداته بقدرة بوتين على مواجهة ما يتناثر على الطريق من تحديات ومتاعب. وكان بوتين أشار إلى القدرات الاقتصادية والمالية لمجموعة حلفائه التي قال إن منها الصين بما تملكه من قدرات بشرية واقتصادية هائلة، ومعها الهند وبقية الأصدقاء في منظمتي «بريكس»، و«مجموعة شنغهاي» وكلها تمثل ما يزيد على 42 في المائة من تعداد سكان العالم وأكثر من 25 في المائة من الإنتاج الاقتصادي العالمي و20 في المائة من التبادل التجاري الدولي، ناهيك عن قدرات مجموعة شنغهاي التي تضم إلى جانب روسيا والصين بلدان آسيا الوسطى، وعددا من بلدان الاتحاد السوفياتي السابق.
على أن كل ما حققه الرئيس الروسي من نجاح على صعيد الحد من تأثير العقوبات والحيلولة دون أحكام حلقة العزلة السياسية حول بلاده يظل مهددا بالتصعيد من جانب خصومه ممن يتحينون الفرصة ليس فقط لتأجيج نيران الاشتباكات المسلحة على مقربة من الحدود الروسية ولا سيما في جنوب شرقي أوكرانيا، بل وأيضا في إشعال نزاعات قديمة كانت روسيا طرفا مباشرا فيها مثل جورجيا ومولدوفا وناجورني قر باغ. وثمة من يقول إن هناك من قد يحاول الاستفادة من هذه الأوضاع الهشة على غير رغبة الأطراف المباشرة في الأزمة الأوكرانية، بما قد يساهم في خلق أوضاع أكثر تعقيدا تحول دون التوصل إلى التهدئة وتحقيق الحلول المنشودة.
وكان الرئيس بوتين سبق وحذر من مغبة استمرار واشنطن في مخططاتها الرامية إلى التغلغل في عدد من المناطق والبلدان التي طالما عدتها روسيا مناطق مصالح تاريخية وتقليدية، إلى جانب استمرار الدوائر الأميركية في تدخلها وتأثيرها على الأوضاع الداخلية لهذه البلدان ومحاولات توجيه الانتخابات فيها. ومضى بوتين ليعرب عن قلق بلاده تجاه إصرار الولايات المتحدة على إنشاء منظومة الدرع الصاروخية ونشر عناصرها في أوروبا على مقربة مباشرة من الحدود الروسية. واعترف صراحة أن مثل هذه المنظومة يمكن أن تطال قوات الردع النووي الاستراتيجي للدولة الروسية وتخل بتوازن القوى السياسية والعسكرية القائم في هذه المناطق لعقود طويلة.
ولذا فإن موسكو تظل تراهن على تحييد الأطراف الأوروبية من خلال تأكيد أنها كانت ولا تزال «جزءًا لا يتجزأ من أوروبا الكبيرة»، أو بقول أكثر دقة: جزء من الحضارة الأوروبية الواسعة، ما يجعل الروس يعدون أنفسهم أوروبيين بالدرجة الأولى، وما يفسر اهتمامهم بكل ما يجري في القارة الأوروبية الموحدة، على حد قول الرئيس بوتين. ورغم اعتراف موسكو بتأثرها النسبي بما فرضته واشنطن وحلفاؤها من عقوبات، فإنها لا تكف عن تأكيد قدراتها على الصمود، استنادا إلى ما تملكه من مقدرات لتوفير البدائل الذاتية، وهو ما جرى تناوله خلال الاجتماعات الأخيرة التي عقدتها الحكومة الروسية وكذلك مجلس الأمن القومي الروسي الذي كان عقد أخطر اجتماعاته الأسبوع الماضي. وكشفت المصادر الروسية عن أن الرئيس بوتين تطرق في هذا الاجتماع إلى طرح المسائل المتعلقة باحتمالات التصعيد من جانب العسكريين الأوكرانيين في جنوب شرقي أوكرانيا من أجل إخماد المقاومة وتصفية ما تصفها بالحركات الانفصالية واستعادة وحدة أراضي أوكرانيا. وذلك يعني أيضا أن موسكو تتدارس أبعاد الموقف الراهن تحسبا لاحتمالات إقدام السلطات الأوكرانية على القيام بمغامرة استعادة شبه جزيرة القرم بالقوة، في الوقت الذي تحرص فيه على إعلان أنها ليست على استعداد للزج بقواتها المسلحة في مثل هذه الصراعات وإن أكدت تمسكها بوحدة أراضي الدولة الروسية، وهو ما يعني ضمنا تأكيدها وتمسكها باعتبار أن شبه جزيرة القرم جزءا لا يتجزأ من هذه الأراضي. ولعل ما صدر أخيرا من بيانات وتصريحات ومنها «الاتهام بالخيانة العظمى لكل من يفكر في التخلي عن القرم»، يقول بأن هذه القضية لا يمكن أن تكون موضوعا للمناقشة أو الحلول الوسط. وكانت مصادر روسية سبق وكشفت عن أقصى ما يمكن أن تمضي موسكو إليه في هذا الشأن، لا يمكن أن يتعدى الاعتراف لأوكرانيا بحقوقها في جنوب شرقي أوكرانيا، مع ضرورة منح مواطني هذه الأقاليم ما يطمحون إليه من حقوق قومية قد يكون منها الحكم الذاتي وإقرار النظام الفيدرالي، مقابل الحصول على تأكيدات رسمية من جانب الناتو والولايات المتحدة بعدم ضم أوكرانيا إلى هذا الحلف العسكري مقابل الموافقة الضمنية على انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، ما يعيد إلى الأذهان ما سبق وأقره الاتحاد السوفياتي السابق بالنسبة لفنلندا المتاخمة لحدوده الشمالية الغربية.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.