أميركا وروسيا وفرنسا في 2019 داخلياً وخارجياً... وفي الشرق الأوسط

«الشرق الأوسط» تنشر توقعات لثلاثة خبراء بارزين

فيتالي نعومكين - روبرت فورد - ميشال دوكلو
فيتالي نعومكين - روبرت فورد - ميشال دوكلو
TT

أميركا وروسيا وفرنسا في 2019 داخلياً وخارجياً... وفي الشرق الأوسط

فيتالي نعومكين - روبرت فورد - ميشال دوكلو
فيتالي نعومكين - روبرت فورد - ميشال دوكلو

كيف كانت سنة 2018 وكيف ستكون السنة الحالية بالنسبة إلى أميركا وروسيا وأوروبيا داخلياً ودولياً وفي منطقة الشرق الأوسط؟
سألت «الشرق الأوسط» ثلاثة خبراء بارزين من أميركا وروسيا وفرنسا هذين السؤالين اللذين سيترك الجواب عليهما أثرا في مستقبل العالم العربي.
كتب السفير الأميركي السابق لدى الجزائر وسوريا روبرت فورد: «إذا كنت تسأل نفسك ما الذي سيحدث لأميركا في 2019، فأفضل إجابة هي أن أميركا ستفكر في 2020 أكثر مما تفكر في 2019»، إذ إنه من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة خلال 22 شهرا، وبحلول منتصف 2019 ستبدأ الحملة الانتخابية الأميركية. يجب أن تبدأ كل التحليلات الخاصة بوضع أميركا في 2019 من تلك النقطة.
أما بالنسبة إلى روسيا، فإن فيتالي نعومكين رئيس «معهد الاستشراق» التابع لأكاديمية العلوم الروسية في موسكو، يقول إن السنة التي حلت «ستكون بالنسبة إلى روسيا سنة إمكانيات جديدة ومصاعب في آن واحد. وكلاهما يتطلب منها الاستمرار بسياسة خارجية مرنة وناشطة، وبالدرجة الأولى في تلك المناطق من العالم التي تشغل أماكن متقدمة ضمن قائمة الأولويات الروسية بما فيها الشرق الأوسط».
ويرى أن سوريا سبتقى «نقطة استناد مهمة بالنسبة إلى موسكو حيث استطاعت الأخيرة تحقيق جزء كبير من الأهداف التي وضعتها أمامها بما فيها تقدم كبير في بسط سيطرة دمشق على أراضي البلاد والقضاء على العصابات الإرهابية وعودة اللاجئين والنازحين وحتى بدء إعادة بناء الاقتصاد وعملية عودة دمشق إلى البيت العربي». بالتوازي مع استمرارها في مساندة محادثات جنيف، تواصل موسكو تطوير صيغة آستانة، معطية اهتماماً خاصاً لتطوير تعاونها مع «الدول الضامنة» أي تركيا وإيران (وروسيا).
من جهته، يسأل السفير الفرنسي الأسبق في فرنسا ميشال دوكلو: «ما الخطأ الذي ارتكبه الرئيس مانويل ماكرون في عام 2018؟ وإلى أي مدى تؤثر الأحداث الجارية في فرنسا على وضعها الدولي؟ ما المتوقع لفرنسا والمتوقع منها في عام 2019؟». ويجيب أن مظاهرات «السترات الصفراء» دفعت ماكرون للشعور بالضآلة، والأيام القادمة ستوضح ما إذا كان سيركز جهده على الداخل على حساب دور فرنسا الخارجي، أم أن الاضطرابات الداخلية ستزيد من قناعاته بأهمية تعويض ذلك بتعزيز الدور الخارجي لفرنسا.

- فيتالي نعومكين : سنة الفرص والتحديات لروسيا
السنة التي حلت ستكون بالنسبة إلى روسيا سنة إمكانيات جديدة ومصاعب في آن واحد. وكلاهما يتطلب منها الاستمرار بسياسة خارجية مرنة وناشطة. وبالدرجة الأولى في تلك المناطق من العالم التي تشغل أماكن متقدمة ضمن قائمة الأولويات الروسية بما فيها الشرق الأوسط.
عقوبات الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية ومحاولات جر موسكو إلى سباق تسلح جديد هدفها إضعاف روسيا وإعاقتها في دفاعها عن مصالحها ومصالح حلفائها في المناطق المختلفة من العالم. الإنجازات الروسية الأخيرة في الصناعات الدفاعية وبالدرجة الأولى صناعة منظومات مختلفة من الأسلحة فوق الصوتية تعطيها القدرة عبر مشاريع فعالة وغير مكلفة على تفادي التهديدات العسكرية الجديدة. ورغم العقوبات المفروضة فلا تزال أنظمة التسليح الروسي مطلوبة في الأسواق العالمية.
مع ذلك ستضطر موسكو في سياستها الخارجية لأخذ وجود القيود بالحسبان. بالنسبة إلى الشرق الأوسط يمكن أن تصبح هذه السنة التي حلت سنة تغييرات جدية، فإن روسيا ستتبع سياسة تحافظ فيها على مبادئ محددة، على سبيل المثال – احترام السيادة ووحدة أراضي الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والتعاون في مكافحة الإرهاب والتطرف، والحفاظ على الاستقرار... وتتناغم مع البراغماتية والتي من ضمن عناصرها «الانتهازية البناءة». أما الأخيرة، فهي لا تعني «سياسة التهام كل شيء» وعدم التمييز ولكنها تفترض الجاهزية للتعاون مع أطراف مختلفة (بما في ذلك المتصارعة فيما بينها)، في حال تناسب هذا مع مصالحها. بشكل عام يمكن توقع توسع دائرة شركاء روسيا في المنطقة على خلفية تصرفات واشنطن التي لا يمكن التنبؤ بها. في الوقت نفسه، لن تحاول موسكو إزاحة واشنطن أو استبدالها وهي ليس لديها الموارد الكافية لذلك مقارنة بأميركا وتسعى لتجنب الانجرار إلى الصرعات.
تبقى سوريا نقطة استناد مهمة بالنسبة إلى موسكو حيث استطاعت الأخيرة تحقيق جزء كبير من الأهداف التي وضعتها أمامها بما فيها تقدم كبير في بسط سيطرة دمشق على أراضي البلاد والقضاء على العصابات الإرهابية وعودة اللاجئين والنازحين وحتى بدء إعادة بناء الاقتصاد وعملية عودة دمشق إلى «البيت العربي». بالتوازي مع استمرارها في مساندة محادثات جنيف تواصل موسكو تطوير صيغة آستانة معطية اهتماماً خاصاً لتطوير تعاونها مع «الدول الضامنة» أي تركيا وإيران (وروسيا).
سيشكل انسحاب القوات الأميركية من سوريا أحد التحديات الجديدة على المسار السوري في سنة 2019. في موسكو يحللون جميع الاحتمالات لتداعيات هذه «التغيرات في اللعبة» game changer عليها وعلى الوضع في سوريا. لقد لفت انتباههم هنا أقوال بعض المحللين الأميركيين بما فيهم العقيد المتقاعد دوغلاس ماغريغور والذي صرح على الهواء عبر «فوكس نيوز» أن انسحاب القوات الأميركية هو «خطوة ماكرة» تهدف إلى توتير العلاقات بين روسيا وحلفائها أي إيران وتركيا وكذلك بينها وبين المتمردين السوريين ممن تجري معهم حواراً مثمراً. ففي حال سمحت موسكو للقوات التركية بأن تقوم باجتياح واسع في عمق الأراضي السورية لتوجيه ضربة للأكراد فهذا سيوتر علاقاتها مع دمشق. وبكلمات أخرى إن انسحاب الأميركيين موجه كي يضع روسيا أمام خيار صعب.
لا يزال من غير الواضح من الذي سيشغل مكان الأميركيين في سوريا بحسب خطة واشنطن. فهل من المعقول أن الرئيس دونالد ترمب سيسلم الجزء الذي تشغله واشنطن إلى دمشق؟ أم كما يؤكد بعض المحللين أن لديه اتفاقا من خلف الكواليس مع أنقرة؟
إلى هذه اللحظة يبقى هذا فقط موضوعاً للمتاجرة. لكنه بين الحين والآخر يجري تسريب معلومات وكأن هناك خططا تُحضرها الحكومات العربية. وفقاً لهذه المعلومات يجري النظر في خطة تشكيل تحالف لقوى عربية من الدول الموالية للغرب ولكنها مستعدة للتقارب مع دمشق. هذه القوات التي تعد ما بين ثلاثة إلى أربعة آلاف عنصر ستكون جاهزة لشغل مكان القوات الأميركية بشكل مؤقت (خلال فترة إجلائهم التدريجي) لمنع التوسع التركي ومنع نمو النفوذ الإيراني وأيضاً لكي يعطى الوقت لدمشق للاتفاق مع الأكراد. يعدون دمشق بالعودة السريعة إلى جامعة الدول العربية واستئناف العلاقات الدبلوماسية مع الدول العربية الرائدة. ويقترح التوصل إلى اتفاق مع روسيا بحيث يطلب منها تأمين حماية الأجواء. الدور الرئيسي في هذه الخطة سيعطى للإمارات العربية المتحدة ومصر. لا يزال من الصعب القول هل فعلاً هذه الخطة مطروحة أم أن الحديث يدور عن محاولة لاستكشاف المواقف بمساعدة ضخ مقصود للمعلومات المحضرة خصيصاً لهذا الهدف.
على كافة الأحوال من المحتمل أنه سيتوجب على روسيا في الأفق القريب من هذه السنة بذل جهود لمساندة تقارب المنظمات القومية الكردية مع دمشق والذي بدأ على خلفية المعلومات المتعلقة بحقيقة انسحاب القوات الأميركية (حتى ولو كان ببطء) من سوريا. أبعاد التنازلات المحتملة التي يمكن أن يقدمها كل طرف تقريباً معروفة كما هي معروفة الخطوط الحمراء التي لا يستطيع الطرفان تخطيها. كما معروفة أيضاً تلك المهام التي يضعها أمامه كل طرف.
سقف المهمة بالنسبة إلى الأكراد هو الحصول على حكم ذاتي واسع بقدر الإمكان للمقاطعات الشمالية التي يقطنونها، مع أنهم لا يشكلون الأغلبية المطلقة فيها، إذ أن تلك المناطق لا تعتبر متجانسة من حيث السكان (كما هو الحال في كردستان العراق)، لهذا السبب فإن الحكم الذاتي في الشمال، على أي حال، سيتسم بالتعددية الإثنية وعلى الأغلب الدينية أيضاً. من هنا تبرز أهمية السؤال: ما هو شكل الدولة السورية ما بعد الأزمة - علمانية أم أي شكل آخر (إسلامية تعلن الشريعة كأساس للقانون). هذه هي المسألة التي سيترتب على مهندسي الإصلاحات الدستورية السوريين حلها (أؤكد هنا: السوريين).
سكان تلك المناطق ليسوا جاهزين للتخلي عن جميع حقوق الحكم الذاتي التي حصلوا عليها واقعياً. فهل سيوافق الأكراد والمجموعات الأخرى من سكان شمال سوريا المتحالفة معهم على إعطائهم إدارة ذاتية فقط على غرار المناطق الأخرى من البلاد؟
من المستبعد أن تكون دمشق مستعدة لتقديم أكثر من ذلك، وفي الوقت نفسه عليها أن تقدم تنازلات للأكراد في حال كانت ترغب في حل مسألة إعادة بسط سيطرتها على شمال سوريا، وحدودها مع الدول المجاورة وبالدرجة الأولى مع تركيا، بالطرق السلمية. حل هذه المسألة مرتبط بشكل وثيق بمسألة أخرى وهي السيطرة على المناطق المنتجة للنفط على الضفة الشرقية لنهر الفرات.
ليس من الصعب رؤية أن حل المسألة أعلاه، الهامة للغاية لضمان أمن سوريا القومي وتطهير أراضيها بالكامل من العصابات الإرهابية واستقرار الوضع السياسي الداخلي، أيضاً يعتمد على العملية الدستورية، ذلك لأن أي تغييرات حتى غير الجذرية منها في الهيكلية الإدارية السورية يجب أن تحصل على شرعيتها من خلال الدستور الذي بدوره يجب أن يتفق عليه السوريون. في هذه العملية دور روسيا وبالأخص عبر صيغة الدول الثلاث الضامنة وتحت مظلة الأمم المتحدة، سيكون عظيماً، وعلى ما يبدو أن سنة 2019 ستكون حاسمة في هذه العملية الرئيسية بالنسبة إلى سوريا.

- روبرت فورد : الأميركيون مشغولون بانتخابات 2020
إذا كنت تسأل نفسك ما الذي سيحدث لأميركا في 2019، فأفضل إجابة هي أن أميركا ستفكر في 2020 أكثر مما تفكر في 2019. من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة خلال 22 شهرا، وبحلول منتصف 2019 سوف تبدأ الحملة الانتخابية الأميركية. يجب أن تبدأ كل التحليلات الخاصة بوضع أميركا في 2019 من تلك النقطة.
هناك نقطة أخرى مهمة، وهي أنه مع مغادرة جيم ماتيس منصبه وزيرا للدفاع، يتحكم الرئيس دونالد ترمب فعليا في سياسة الأمن القومي الأميركي. ويبقى وزير الخارجية مايك بومبيو الذي تقبل أمرا من ترمب، وأخطر ماتيس بأن على وزير الدفاع الاستقالة من منصبه فورا. كذلك يتحكم ترمب تماما في الحزب الجمهوري؛ لذا ستركز انتخابات 2020 عليه، وفي المقابل ستتمحور أكثر أفكار ترمب حول السياسة الداخلية.
ستكون السياسة الداخلية في واشنطن خلال عام 2019 أشبه بفيلم سياسي، كان المشهد الأول فيه هو مغادرة ماتيس منصبه، والمشهد الثاني هو الصراع على الموازنة الذي أدى إلى إغلاق المكاتب والهيئات الحكومية إلى أجل غير مسمى. سيتضمن الفيلم المزيد من المغامرات والمعارك، وستكون أهم المعارك السياسية التحقيقات التي يجريها مجلس النواب الذي يسيطر عليه حاليا الحزب الديمقراطي. ويمكننا أيضا توقع قصص تتعلق بأعمال ترمب التجارية. إلى جانب ذلك، سينشر المحقق روبرت مولر تقريره النهائي بشأن ترمب وروسيا. إذا فتحت نافذة منزلك في أوروبا والشرق الأوسط أتوقع أن تتمكن من سماع الصراخ القادم من واشنطن.
ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى العلاقات الأميركية مع الشرق الأوسط والعالم خلال عام 2019؟ أولا لن ينتقد أحد في واشنطن إسرائيل نظرا للتنافس السياسي الداخلي الحاد. لا تنتظر خطة من ترمب بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي. كذلك لن يعترض أحد في واشنطن على الممارسات الإسرائيلية ضد إيران و«حزب الله» في لبنان وسوريا، فترمب شخصيا لا يريد حربا مع إيران، ويأمل هو وبومبيو في أن تجبر العقوبات الاقتصادية والضغط الاقتصادي إيران على الامتناع عن التدخل في كل من سوريا واليمن ولبنان والخليج. إذا تحدت إيران القوات الأميركية على سبيل المثال في مياه الخليج العربي، فسيرد الأميركيون ردا عسكريا، لكن لن يبادر ترمب ويشعل شرارة حرب مع إيران، فقاعدته السياسية في أميركا تعارض وترفض تلك الحرب.
وقد أكد ترمب خلال زيارته قاعدة الأسد العسكرية في العراق في 26 ديسمبر (كانون الأول) انسحاب الجيش الأميركي من سوريا، وبقاءه في العراق لمحاربة فلول تنظيم داعش. كذلك قال إن القوات الأميركية قد تشنّ هجمات من القاعدة الأميركية في العراق على فلول «داعش» في شرق سوريا. وقد شهدنا بعض الانتقادات الموجهة من جانب سياسيين عراقيين للقاعدة الأميركية في 26 ديسمبر. إذا طلبت الحكومة العراقية من الجيش الأميركي مغادرة القاعدة العسكرية، فسيوافق ترمب على ذلك فورا، وسيكون سعيدا بإخطار بغداد أن «داعش» الآن ستكون مشكلة العراقيين فحسب. كذلك امتدح ترمب السعودية ودافع بقوة وحماس عن العلاقة مع الرياض رغم تصريحات من سياسيين في الحزب الديمقراطي وجمهوريين. ولاتزال هناك محاولات في الكونغرس لتقييد التعاون.
ربما يتساءل بعض القرّاء ما إذا كان سيصبح لكل من روسيا والصين نفوذ في المنطقة أم لا. أرجو أن يصدقوا أن ترمب وقاعدته السياسية لا تهتم بالأمر، فأكثر ما يثير قلق ترمب بشأن الصين هو الاقتصاد، حيث تؤثر الحرب التجارية محدودة النطاق بين كل من أميركا والصين على المدن الأميركية، كما تؤثر على قطاع الزراعة.
ومع اقتراب عام 2020 ستزداد أهمية الاقتصاد. وفي الوقت نفسه لن يحاول ترمب التنافس مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الشرق الأوسط. لن يزعج تنامي النفوذ الروسي في كل من سوريا، وليبيا، ومصر، وحتى العراق، بل على العكس سيكون سعيدا وراضيا إذا أصبحت صراعات الشرق الأوسط مشكلة روسيا بدلا من كونها مشكلة أميركا. هل يذكركم ذلك بأوباما في عام 2015؟
كذلك من المهم تذكر أنه خلال الأعوام المقبلة ستواجه واشنطن المزيد من الصعوبات المالية في تمويل برامجها الاجتماعية وكذلك موازنة الدفاع. وقد سأل ترمب في بغداد عن سبب وجود قواعد عسكرية لأميركا في بلدان لا يعرف الشعب الأميركي أسماءها، وقال بوضوح إنه إذا لم تقدم تلك البلاد تعويضا ماليا لأميركا، فربما يغلق تلك القواعد العسكرية. يأتي ترمب من ولايات متحدة منقسمة بشكل كبير على المستويين الاقتصادي والسياسي، ولا تمثل الحروب في الخارج أهمية كبيرة لواشنطن أو المواطنين الأميركيين في الوقت الراهن، فالمعارك في الداخل، وهذا الفيلم السياسي الخلاب هو ما سيكون محور الاهتمام والانتباه في أميركا خلال عام 2019.

- ميشال دوكلو : فرنسا في مرحلة «بعث جديد»... وماكرون يركز على الخارج
ما هو الخطأ الذي ارتكبه الرئيس مانويل ماكرون في عام 2018؟ وإلى أي مدى تؤثر الأحداث الجارية في فرنسا على وضعها الدولي؟ ما هو المتوقع لفرنسا والمتوقع منها في عام 2019؟
استفاد الرجل الذي انتخب في مايو (أيار) 2017 من مزيج الحظ الوافر والحس السياسي السليم. فالغالبية العظمى من الشعب الفرنسي أرادت الخلاص من الطبقة القديمة من السياسيين الذين فشلوا في إيجاد حلول عملية لتحديات العصر. وماكرون كان فطناً بما يكفي ليقدم نفسه بوصفه الوافد الجديد، وصور نفسه على أنه التكنوقراطي المتمكن، وهي الصورة التي تروق كثيراً للناخب الفرنسي.
اللافت أن نقطة ضعف ماكرون المتمثلة في عدم انتمائه إلى حزب سياسي باتت نقطة قوته الأبرز، وكان فطناً أيضاً بما يكفي لأن يدرك أن الناخبين ليسوا مستعدين بعد لمساندة اتجاه راديكالي بحت، خصوصاً تبني فكرة «فريكسيت» على غرار «بريكسيت» عندما أرادت بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي. لعب ماكرون دور التكنوقراطي البراغماتي، المناصر لأوروبا والمناصر للعولمة، ذلك على الرغم من إيمانه الراسخ بالتقاليد القومية واحتفائه بأمجاد فرنسا وبفكرة تنصيب رئيس أشبه بـ«ملك منتخب».
أخذ نجمه في البريق لشهود عدة، وعلى العكس من التشخيص الذي أفرزته استطلاعات الرأي، فاز حزبه الجديد «الجمهورية إلى الأمام» بالانتخابات وبأغلبية معقولة في البرلمان على الرغم من حداثة عهد أعضاء حزبه بالسياسة. تمكن ماكرون من إحداث تغيير كبير في سوق العمل من دون معارضة كبيرة بما يتوافق مع ما تضمنه البرنامج الانتخابي للحزب، ونجح في إصلاح أوضاع خطوط السكك الحديدية على عكس التوقعات. نجح ماكرون أيضاً في إعادة رسم صورة فرنسا على المسرح العالمي. وفي لحظة ما بعد انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، برز إيمانويل ماكرون باعتباره صوت أوروبا والأمل الأكبر في حماية النظام الليبرالي العالمي في ظل ضعف المستشارة الألمانية ميركل بسبب مشكلات بلادها الداخلية وانشغال رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي بالانتحار القومي الذي عرف باسم «بريكسيت».
حدث التحول المفاجئ في نهاية الربيع وبداية صيف 2018. ففي الجبهة الداخلية، وإثر حادث بسيط يتكرر أحياناً عندما يقوم أحد أفراد الطاقم المعاون لرئيس الدولة، وأحياناً المساعدون الشخصيون الذين قد يصدر عن أحدهم تصرف غير مسؤول (في تلك الحادثة تحديداً قام حارس ماكرون الشخصي بالاعتداء على متظاهر سلمي، رغم أن ذلك لم يكن من صميم عمله، حيث انتحل صفة ضابط شرطة)، وهو ما تسبب في حرج بالغ للرئيس وأنصاره.
تسبت «قضية بنالا» - نسبة إلى حارس الرئيس أليكساندر بنالا ذي الأصول المغربية - في تغيير المناخ العام كلياً. فبدءاً من هذه الفضيحة (وإن كانت أقل حجماً)، أصبحت كل كلمة ينطق بها الرئيس مثار جدل، وكل إجراء تتخذه حكومته كان يلقى معارضة شعبية. الشيء نفسه حدث في الجانب الاقتصادي، حيث تلاشت أمنيات تحقيق نمو اقتصادي، وعاودت نسب البطالة الارتفاع.
حل الشتاء وتسبب إجراء واحد من قبل الحكومة - رفع الضريبة على الوقود - في اندلاع مظاهرات «السترات الصفراء». لم يلحظ أحدٌ المكان الذي انطلقت منه حركة «السترات الصفراء»، وعلى عكس التوقعات، خرجت هذه الحركة من الريف والمدن الصغرى، لكنها لقيت تأييداً من الأغلبية التي وصلت إلى 80 في المائة من إجمالي السكان، رغم أن مظاهراتهم تسببت في شل الحركة في باريس في الكثير من أيام السبت وفي حالات عنف مرعبة في بعض الأحيان. وجد الرئيس نفسه مجبراً على إعلان التراجع والاعتراف بأخطائه، والوعد بأن يكون أقل ملكية والقبول برفع الحد الأدنى للأجور، وغيرها من الإجراءات الهادفة إلى تحسين القوة الشرائية والارتقاء بمستوى الطبقات الدنيا والمتوسطة.
ما من أخبار سارة على الصعيد الدولي؟ قبل فترة طويلة من احتجاجات «السترات الصفراء»، ولأسباب قد لا تتعلق بفرنسا، بدأت سياسة ماكرون الأوروبية تتكشف. فالألمان، وبلدان الشمال الأوروبي عامة، لم يكونوا مستعدين لمساندة مقترحات ماكرون بشأن تعزيز منطقة اليورو، واتضح أن الانتخابات في النمسا وإيطاليا قد جلبت إلى السلطة تلك النماذج الشعبوية المفترض أن ماكرون قد هزمها في فرنسا. فقد جاءت «بريكسيت» لتزيد من عزلة فرنسا في أوروبا فيما يخص السياسة الدولية، وعجز الموازنة المتزايد لن يكون في صالح مصداقية باريس في بروكسل. ومع ترمب، باتت الأمور أصعب وأصعب، فقد اعتاد ماكرون التباهي بقدرته على تعزيز علاقته الشخصية مع ترمب، وفي الوقت نفسه أن يكون الخصم الأبرز لسياساته. فقد تضايق ترمب من الطريقة التي عُومل بها في باريس خلال احتفالات ذكرى نهاية الحرب العالمية الأولى، ومنذ ذلك الحين بات ينتهز كل فرصة متاحة للتغريد ضد ماكرون كما يفعل مع الكثير من حلفاء الولايات المتحدة التقليديين.
بالنسبة لفرنسا، فإن قرار ترمب الانسحاب من شمال شرقي سوريا يمثل ضربة موجعة لمصالحها الأمنية (الكثير من المتطرفين ما زالوا أحراراً في التنقل عبر ضفتي نهر الفرات)، وبالنسبة إلى ماكرون نفسه فإن هذا الانسحاب يمثل ضربة لكرامته الشخصية لأنه كثيراً ما ضغط على ترمب كي يبقي على القوات الأميركية هناك. فهو يرى أن بسط بعض النفوذ على هذا الجزء من سوريا يعكس نفوذ الغرب في دمشق، ونفوذهم في مواجهة الهيمنة الإيرانية على المنطقة. ولذلك فإن تعزيز الموقف الفرنسي تجاه سوريا سيكون ضمن قمة أولويات فرنسا عام 2019، وستعزز الدبلوماسية الفرنسية تواصلها مع الأتراك، وربما تسعى إلى تعزيز أواصر التعاون مع إسرائيل وروسيا، التي تمثل همزة الوصل مع تركيا التي سيخلفها الانسحاب الأميركي وراءه، وكذلك التعاون مع دول الخليج وإيران، وجميعها ستكون ضمن تبعات الانسحاب الأميركي.
ستتضمن الأجندة الفرنسية أولويات تعزيز الدبلوماسية الفرنسية خلال الشهور المقبلة، الأولى هي الانتخابات الفرنسية المقررة في مايو (أيار) المقبل، التي ستكون لحظة فارقة أخرى في الصراع بين الشعوبية والاتجاه العام المناصر لأوروبا. وستحدد نتائج الانتخابات شكل المؤسسات الأوروبية في بروكسل بعد خروج بريطانيا من المنظومة. ثانياً، رئاسة دول مجموعة السبعة الكبار والقمة الاستثنائية نهاية أغسطس (آب) في بيارتيز، وبعدها النسخة الثانية «من منتدى باريس للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني)، وجميعها تمثل أولويات بالنسبة للدبلوماسية الفرنسية في المرحلة المقبلة.
بالتأكيد تسببت الأحداث الجارية في فرنسا في شعور ماكرون بالضآلة، والأيام المقبلة ستوضح ما إذا كان سيركز جهده إلى الداخل على حساب دور فرنسا الخارجي، أم أن الاضطرابات الداخلية ستزيد من قناعاته بأهمية تعويض ذلك بتعزيز الدور الخارجي لفرنسا. لا ينبغي على ماكرون الجزع بشأن صورة فرنسا في الخارج بسبب «السترات الصفراء». صحيح أن تلفزيونات العالم وكذلك تغريدات «تويتر» قد تلاعبتا كثيراً بفكرة أن «باريس تحترق»، لكن يمكن النظر إلى ما يحدث على أن فرنسا في عهد ماكرون تمر بمرحلة بعث جديد، أو في أسوأ الأحوال على أنه مرض انتشر بين دول العالم المتقدم. القادة الآخرون يدركون ذلك جيداً، فهم يعلمون أنه ما من دوله يمكنها أداء الدور الذي تؤديه فرنسا للمساهمة في تعزيز استقرار النظام العالمي.



«البنتاغون» يبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» يبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في «البنتاغون».

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك، فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة بعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم «البنتاغون» كينغسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.

وقال مسؤول في حلف شمال الأطلسي، رداً على سؤال عما إذا كان من الممكن تعليق عضوية دولة في الحلف: «معاهدة تأسيس حلف شمال الأطلسي لا تنص على أي بند بشأن تعليق العضوية في الحلف».

«تقليل الشعور بالاستحقاق»

وقالت بريطانيا وفرنسا ودول أخرى إن الانضمام إلى الحصار البحري ​الأميركي سيعني دخولها في الحرب، لكنها ستكون على استعداد للمساعدة في إبقاء المضيق ‌مفتوحاً بمجرد التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار أو انتهاء الحرب.

لكن مسؤولي إدارة ترمب شدَّدوا على أن حلف شمال الأطلسي لا يمكن أن يكون طريقاً من ‌اتجاه واحد. وعبَّروا عن خيبة الأمل من إسبانيا، التي قالت حكومتها التي يقودها حزب العمال الاشتراكي إنها لن تسمح باستخدام قواعدها أو مجالها الجوي لمهاجمة إيران. ولدى الولايات المتحدة قاعدتان عسكريتان مهمتان في إسبانيا، هما قاعدة روتا البحرية وقاعدة مورون الجوية.

قال المسؤول، مٌلخصاً محتوى رسالة البريد الإلكتروني، إن الخيارات السياسية الموضحة في الرسالة تهدف إلى إرسال إشارة قوية إلى أعضاء حلف شمال الأطلسي بهدف «تقليل الشعور بالاستحقاق لدى الأوروبيين».

وأوضح أن الرسالة تشير إلى أن خيار تعليق عضوية إسبانيا في الحلف سيكون له تأثير محدود على العمليات العسكرية الأميركية، لكنه سيكون له تأثير رمزي كبير.

ولم يكشف المسؤول ‌عن السبل التي ربما تتبعها الولايات المتحدة لتعليق عضوية إسبانيا في الحلف.

وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، رداً على سؤال حول التقرير قبيل اجتماع لقادة الاتحاد الأوروبي في قبرص لمناقشة قضايا، من بينها بند المساعدة المتبادلة في حلف شمال الأطلسي: «لا نتحرك بناءً على رسائل إلكترونية. نحن نتحرك بناءً على وثائق رسمية ومواقف حكومية، وفي هذه الحالة عن مواقف الولايات المتحدة».

جزر فوكلاند

تتضمن المذكرة أيضاً خياراً للنظر في تقييم الدعم الدبلوماسي الأميركي لما يعرف باسم «الممتلكات الإمبراطورية» الأوروبية القديمة، مثل جزر فوكلاند بالقرب من الأرجنتين.

ويذكر موقع وزارة الخارجية الأميركية أن الجزر تخضع لإدارة بريطانيا، لكن الأرجنتين لا تزال تطالب بالسيادة عليها. ورئيس الأرجنتين خافيير ميلي من حلفاء ترمب.

وتحمس ميلي لهذه الاحتمالات. وقال في مقابلة مع محطة إذاعية نشرها على حسابه على «إكس»، الجمعة: «نفعل كل ما في مقدور البشر لنستعيد كل جزر مالفيناس الأرجنتينية، الجزر، لأيدي الأرجنتين... نحرز تقدماً كما لم يحدث من قبل» وهو الاسم الذي تطلقه الأرجنتين على جزر فوكلاند.

وخاضت بريطانيا والأرجنتين حرباً قصيرة في 1982 بشأن الجزر بعد محاولة أرجنتينية فاشلة للسيطرة عليها. وقتل نحو 650 جندياً أرجنتينياً و255 عسكرياً بريطانياً قبل أن تستسلم الأرجنتين.

وأكد متحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الجمعة، أن بريطانيا لها السيادة على جزر فوكلاند. وقال للصحافيين: «موقف بريطانيا بشأن جزر فوكلاند واضح تماماً. إنه موقف راسخ لم يتغير».

وأساء ترمب مراراً إلى ستارمر، ووصفه بأنه جبان بسبب عدم رغبته في الانضمام إلى حرب الولايات المتحدة مع إيران، ووصف ترمب حاملات الطائرات البريطانية بأنها «دُمى». وقال إن ستارمر «ليس ونستون تشرشل»، مقارناً إياه برئيس الوزراء البريطاني الراحل.

ولم توافق بريطانيا في البداية على طلب الولايات المتحدة السماح للطائرات الأميركية بمهاجمة إيران من قاعدتين بريطانيتين، لكنها وافقت لاحقاً على السماح بمهام دفاعية تهدف إلى حماية سكان المنطقة، بما في ذلك المواطنون البريطانيون، ​وسط الرد الإيراني.

وفي تعليقات للصحافيين في «البنتاغون» في وقت سابق من ​هذا الشهر، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث إن «الكثير قد انكشف» من خلال الحرب على إيران، مشيراً إلى أن صواريخ إيران بعيدة المدى لا يمكنها ضرب الولايات المتحدة، لكنها تستطيع الوصول إلى أوروبا.

وقال هيغسيث: «نواجه أسئلة، أو عراقيل، أو تردداً... وليس لدينا في الحقيقة الكثير من مقومات التحالف إذا كانت هناك دول غير مستعدة للوقوف إلى جانبنا عندما نحتاج إليها».


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».