بعد النظام.. «داعش» بلاء حلب الجديد

تطارد الصحافيين والناشطين.. وحياة الأهالي جحيم

عناصر «داعش» يثيرون الذعر في حلب (رويترز)
عناصر «داعش» يثيرون الذعر في حلب (رويترز)
TT

بعد النظام.. «داعش» بلاء حلب الجديد

عناصر «داعش» يثيرون الذعر في حلب (رويترز)
عناصر «داعش» يثيرون الذعر في حلب (رويترز)

كان آخر الأشياء التي فعلها محمود في سوريا أن ثبّت بابا أماميا جديدا لشقته. كانت تلك علامة أخرى على أن كل شيء في حلب بدأ يسير في الاتجاه الخاطئ. وقبل شهر، استبدل محمود بمسدسه بندقية رشاشة. أما الآن، فهو يضع حواجز معدنية كبيرة عند مدخل شقته ويتفحص الأقفال التي أصدرت دويا عند عودتها لأماكنها، بعد إغلاقه الباب بعنف، ثم ينظر محمود من خلال ثقب الباب إلى الردهة. غير أنه، وبعد ثلاثة أشهر من اتخاذ تلك التدابير، لم يعد الباب الأمامي أو البندقية الرشاشة يوفران الحماية الكافية له.
وخلال ما يقرب من ثلاث سنوات، كان محمود ناشطا وواحدا من الثوار السوريين الشباب الذين كرسوا سنوات من حياتهم لبلادهم والقضية التي كانوا يؤمنون بها. غير أنه عندما التقى «الشرق الأوسط» في ديسمبر (كانون الأول) في بلدة صغيرة جنوب تركيا، بدا، وهو يتحرك على غير هدى، شاعرا بالأمان في شقة صغيرة مريحة كان استأجرها مع صديقه، لكنه لم يستطع أن ينسى المدينة التي أُجبر على الرحيل منها.
يقول محمود: «شاركت في الاحتجاجات منذ البداية، واعتُقلت وسُجنت من قبل النظام. انضممت إلى الجيش السوري الحر، ثم بعد ذلك اتجهت للعمل مع الصحافيين الأجانب». ثم يستطرد قائلا: «عندما اندلع القتال في حلب، كنت أذهب إلى خط المواجهة كل يوم، ولم يتسلل الخوف أبدا إلى قلبي، على الرغم من تعرضي لإطلاق النار في أكثر من مائة مرة. أما الآن، بدأت أخشى على حياتي».
لم يكن النظام السوري هو الذي أجبر محمود على الفرار من حلب، بل كان أحدث اللاعبين المنضمين للحرب الأهلية في سوريا؛ إنهم المقاتلون الأجانب الذين ينتمون لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وهي المجموعة التي ترتبط بتنظيم القاعدة، والتي ظهرت للمرة الأولى في سوريا في ربيع عام 2013. وعندما زادت أعدادهم وقويت شوكتهم، بدأ مقاتلو داعش في شن حملة إرهاب ضد الصحافيين الأجانب والنشطاء السوريين ومن يعملون معهم. وتعتقل «داعش» وتسجن وتعذب وتقتل كثيرا من السوريين من أمثال محمود، سواء كانوا رجالا أو نساء، من الذين شاركوا في الثورة منذ اندلاع شرارتها الأولى، وتتهمهم بالعمل كجواسيس، وبأنهم أعداء لـ«الخليفة» الذي تأمل «داعش» في تنصيبه حاكما في سوريا.
وفرّ محمود من حلب قبل القبض عليه، لكن «أنور»، وهو ناشط كان يعمل منسقا ومترجما مع صحافيين ألمان وسويسريين في حلب، لم يكن محظوظا مثل محمود.
كان أنور في منزله في عزاز، وهي بلدة صغيرة بالقرب من المعبر الحدودي «باب السلامة»، عندما سمع طرقا على الباب. كان ذلك في أغسطس (آب)، حيث كان نائما خلال أشد ساعات النهار حرارة في ذلك الصيف القائظ. يقول أنور: «لم يكن هناك أحد بالمنزل غيري، فذهبت وفتحت الباب»، مضيفا: «عندما فتحت الباب، وجدت ثلاثة مسدسات وأربع بندقيات (كلاشنيكوف) مشهرة في وجهي».
ولم يفصح الرجال الذين اقتادوا أنور من منزله، وأجبروه على ركوب سيارة معصوب العينين، عن هويتهم أو إلى أي جهة ينتمون. بيد أن الأسئلة التي طرحوها عليه وهو ملقى في الظلام جعلته لا يشك لحظة في أن مستجوبيه ينتمون لتنظيم داعش. يقول أنور عن تلك التجربة: «سألوني في البداية عن الصحافيين الذين عملت معهم، ثم سألوني عما إذا كنت أعمل لصالح الاستخبارات الأميركية». وأضاف: «أجبتهم بـ(لا)، لكنهم لم يصدقونني».
اقتيد أنور إلى مستشفى الأطفال في حلب، وهي واحدة من خمسة مبان أعلنت منظمة العفو الدولية مؤخرا أنها تُستخدم من قبل «داعش» كمراكز احتجاز. ويشير أنور إلى أنه كان واحدا من نحو مائة سجين محتجزين هناك، غالبيتهم سوريون، كان الكثير منهم نشطاء وأعضاء في الجيش السوري الحر. وبينما كان أنور هناك، ألقى مقاتلو داعش القبض على عائلة سنية بأكملها، بما في ذلك النساء والأطفال، بتهمة أنهم شيعة. كما كان هناك ثلاثة صحافيين أجانب؛ فرنسيان ودنماركي، بين المحتجزين.
يصف أنور ما رآه في مكان الاحتجاز ذلك بقوله: «كان الوضع سيئا للغاية. كان هناك 15 شخصا في الغرفة، التي حبسنا فيها، وكنا نحصل على طعام يكفي فقط لشخصين اثنين. كانوا يسمحون لنا باستخدام المرحاض مرة واحدة في اليوم. وكلما فُتح باب الغرفة، كنت أدير وجهي تلقائيا إلى الحائط، لأنني أعرف أنه إذا لم أفعل ذلك فسأتعرض للضرب المبرح».
بعد أسبوعين في سجن (مستشفى الأطفال)، نقل أنور إلى مركز احتجاز آخر تديره «داعش» في منطقة الحيدرية الواقعة في محافظة حلب، حيث احتجز هناك مع مجموعة تضم مائتي فرد من الأكراد السوريين الذين اعتقلوا بينما كانوا يستقلون حافلة إلى مدينة القامشلي. واتهمتهم «داعش» بالسفر إلى العراق للانضمام إلى واحدة من الميليشيات الكردية، لكن أنور يعتقد أن جريمتهم الوحيدة هي انتماؤهم العرقي، حيث كانوا «جميعهم مدنيين».
وخلال الفترة التي قضاها أنور في الأسر، تعرض للضرب والتعذيب إلى حد فاق ما كان قد تعرض له خلال الأيام الـ20 التي قضاها في سجن النظام في بداية الثورة السورية. يقول أنور: «استخدموا الصدمات الكهربائية لتعذيبي، وعلقوني من السقف من ذراعي. لقد عذبني النظام، لكن لم يكن التعذيب بمثل تلك الوحشية». واضطر أنور أيضا لقراءة بيان ملفق عبر الفيديو، الذي اعترف فيه بالعمل لصالح الاستخبارات البريطانية. ويعلق أنور على ذلك بقوله: «بعد أن أجبروني على تصوير ذلك الفيديو، بدأت حقا أشعر بالخطر، وقررت حينها أنه ينبغي عليّ الفرار».
بعد مشاهدة الإجراءات التي يمارسها الخاطفون والتعرف على مخارج ومداخل ذلك السجن، قرر أنور أن هناك وسيلة للهرب من خلال قضبان نافذة السجن وتسلق الجدار المحيط به. نفذ المحاولة ثلاث مرات، وكان يعرف في كل مرة أنه إذا قُبض عليه، فإنهم سيعدمونه على الفور.
أخيرا، وفي إحدى المرات التي تحول انتباه الحراسة الليلية عن غرفته، تمكن أنور من الفرار. وبعد إقناعه عائلة في قرية مجاورة السماح له بالدخول إلى منزلهم والاتصال بعائلته، غادر أنور سوريا على الفور متجها إلى تركيا. ولم يعد إلى سوريا منذ ذلك الوقت.
ويضم جزء كبير من «داعش» مقاتلين أجانب بعضهم يرتبط بصلات ضعيفة جدا بسوريا، في حين أن البعض الآخر ليس له أدنى علاقة بسوريا. غير أنهم جميعا يؤمنون بأن سوريا هي المكان الذي ينبغي عليهم أن يجاهدوا فيه الآن. ولا تعني الأسس التي قامت عليها الثورة في سوريا لهؤلاء المقاتلين شيئا على الإطلاق، حيث إنهم، كما يقول محمود: «جاءوا إلى سوريا من أجل الموت، وهذه هي المشكلة الحقيقية. ولا يعرف غالبية المقاتلين الأجانب تاريخ أي من الأشخاص الذين يعتقلونهم ويستجوبونهم. فأنا، على سبيل المثال، ناشط، وقد قضيت فترة في سجون النظام، لكنهم لن يصدقوني، فهم يعتقدون فقط أنني جاسوس ويجب قتلي».
وأخبرنا محمود أن حلب قد أصبحت شبه خالية الآن من الناشطين، وأن الصحافيين الأجانب ابتعدوا عن المدينة منذ أواخر الصيف الماضي عندما بدأت موجة من عمليات الخطف التي نفذتها «داعش». يقول محمود إنهم «عندما انتهوا من خطف الصحافيين الأجانب، بدأوا في خطف وقتل الناشطين السوريين».
وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أعدم مسلحون ملثمون، يُعتقد أنهم أعضاء في «داعش»، محمد سعيد، وهو سوري كان يعمل لصالح قناة «العربية» الإخبارية. وردا على ذلك، قرر نشطاء حلب تشكيل مجموعة إعلامية، «وفي غضون يومين، اختطف مقاتلو (داعش) الذين شكلوا تلك المجموعة الإعلامية»، حسبما أفاد به محمود الذي أضاف: «بعد ذلك، غادر الجميع حلب إلى تركيا. وقد اعتقل مقاتلو (داعش) نحو 15 من نشطاء حلب».
ومع مغادرة الصحافيين والناشطين، بقي عدد قليل من الناس الذين كانوا على استعداد أو قادرين على توثيق محنة المدنيين المتفاقمة. ومع اقتراب أقسى شتاء عرفته المدينة منذ عقود، حُوصر الآلاف من الأسر في شققهم من دون كهرباء أو وسائل تدفئة، في حين بدأت قوات الرئيس السوري بشار الأسد في قصف مناطق حلب التي يسيطر عليها المتمردون بضراوة من جديد.
وفي ضربة ثانية قاسية، عرف محمود أنه في الوقت التي تقوى فيه شوكة «داعش»، بدأ تعاطف العالم الخارجي مع الثورة السورية يضعف يوما بعد يوم. وحينما بدأ الجهاديون الأجانب في لعب دور أكثر قوة ومركزية في الصراع السوري، بدت مزاعم الأسد بأنه يخوض حربا ضد الإرهابيين الأجانب، وهي المزاعم التي افترضها منذ الأيام الأولى للثورة، قابلة للتصديق الآن، وأصبحت فكرة أنه «الديكتاتور المحاصر» غريبة وغير منطقية. وهذا ما ألحق ضررا كارثيا بسمعة النشطاء السوريين.
يقول محمود: «الآن، يعتقد المواطنون العاديون في أوروبا أن الأسد يقاتل الإرهابيين، كما يعتقدون أنه لم يعد هناك ثورة في سوريا». غير أنه، وبدخول الصراع في الشتاء الثالث واستمرار تدفق اللاجئين على المخيمات التي امتلأت عن آخرها، بدأ السوريون أنفسهم يتحدثون عن ثورة عام 2011 كما لو كانت جزءا من حقبة تاريخية مختلفة. يقول عبد الله، وهو شاب من اللاذقية جلس مبتسما وهو يشاهد فيديوهات تصور الاحتجاجات السورية الأولى في مدينته: «لقد كانت أياما عظيمة».
لقد خبر الكثير من التجارب منذ بداية الثورة وحتى الآن؛ فقد شارك في الاحتجاجات، وتهرب من أداء الخدمة العسكرية. وفي أحد الأيام، قُبض عليه، وأُجبر على الانخراط في الجيش السوري لمدة ستة أشهر، قبل أن ينشق ويهرب إلى تركيا للعمل مع منظمة إنسانية. وعندما بدأ الجيش السوري الحر في السيطرة تدريجيا على المناطق الريفية حول اللاذقية، عبر عبد الله الحدود مرات كثيرة خلال رحلات منتظمة مع الصحافيين وموظفي الإغاثة.
غير أنه، وبعد أن بدأ مقاتلو «داعش» في السيطرة على المناطق التي كان يسيطر عليها الجيش السوري الحر، أصبحت رحلات عبد الله أكثر صعوبة وأكثر خطورة. وأصبحت الزيارة إلى مسقط رأسه محفوفة بالمخاطر والخوف؛ ليس من نظام الأسد، بل من الطغاة الجدد.
يقول عبد الله، ملخصا الأسباب التي قضت على الحلم الثوري: «لقد ارتكبنا خطأين قاتلين، أولهما أننا حملنا السلاح، ثانيهما أننا سمحنا للأجانب بالدخول إلى بلادنا. لم يعد هناك ثورة في سوريا، لقد انتهى الأمر».



ملادينوف و«حماس» في القاهرة من أجل تفاهمات «حاسمة» بشأن «نزع السلاح»

أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

ملادينوف و«حماس» في القاهرة من أجل تفاهمات «حاسمة» بشأن «نزع السلاح»

أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

أفادت مصادر فلسطينية ومصرية، لـ«الشرق الأوسط»، بأنَّ وفداً من حركة «حماس» يصل إلى القاهرة الجمعة؛ لعقد اجتماعات مع الممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، والفصائل الفلسطينية، بجانب السلطات المصرية.

تلك الاجتماعات التي تعدُّ الثانية في نحو أسبوع، تأتي لبحث «تفاهمات حاسمة»، بشأن ملف نزع السلاح، وفق ما تقول المصادر، غداة حديث إعلام إسرائيلي، عن أنَّ مهلة ملادينوف للحصول على رد «حماس» بشأن نزع السلاح بالقطاع تنتهي الجمعة، وإن لم تحسم الحركة ردَّها بالإيجاب ستشن إسرائيل عمليةً عسكريةً جديدةً.

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن توافق على الانسحاب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

تحركات وتهديدات

ووفقاً لصحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، الخميس، فإنَّ إسرائيل تترقب ردود «حماس»، بعد انتهاء مهلة ملادينوف.

وكانت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» نقلت الثلاثاء، عن 3 مصادر، أن «مجلس السلام منح (حماس) مهلةً حتى الجمعة لقبول اقتراح نزع السلاح».

وقبيل انتهاء المهلة، قال ملادينوف، في تغريدة مساء الخميس عبر حسابه على منصة «إكس»: «دخلت 602 شاحنة إلى غزة مُحمَّلةً بإمدادات أساسية للعائلات التي انتظرت طويلاً».

وشكَّك المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الجمعة، من صحة ذلك، قائلاً: «تؤكد البيانات الفعلية ليوم 9 أبريل (نيسان) الحالي دخول 207 شاحنات فقط إلى القطاع، من بينها 79 شاحنة مساعدات في حين تضم حمولة بقية الشاحنات الـ207 عادة بضائع تجارية لشركات خاصة».

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المُدمَّرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

وقال المصدر المصري، إنَّ المحادثات ستبدأ مساء الجمعة وتتوالى، ومن المتوقع أن تبدي «حماس» رداً إيجابياً، خصوصاً مع تحريك في أعداد شاحنات المساعدات كبادرة إبداء نوايا حسنة من جانب ملادينوف، مع تفهم للاختلافات في الأعداد التي يطرحها كل جانب، لكنه تطور إيجابي يبنى عليه خلال المحادثات.

ويعتقد أن «هناك مؤشرات إيجابية حتى الآن تقول إن (حماس) ستناقش بعد ردها الإيجابي كيفية التنفيذ، وهذا يحتاج لتفاهمات حاسمة، للانتقال إلى تدابير وأفعال على الأرض، ونرى دخولاً فعلياً للجنة إدارة غزة»، مع مفاوضات متواصلة، مشيراً إلى أنَّ إسرائيل سلوكها متقلب دائماً، وقد تتذرَّع بأنَّ «حماس» تناور وتتجه إلى عمليات عسكرية.

لكن المصدر الثاني وهو فلسطيني، قال إنَّ الوفود الفلسطينية ستكتمل الجمعة أو السبت بحد الأقصى، لافتاً إلى أنَّ رد «حماس» قد لا يتضمَّن رفضاً تاماً أو قبولاً تاماً.

وأوضح المصدر أن الحركة والفصائل تنتظر رداً من ملادينوف على استفسارات بشأن تنفيذ الإطار المطروح، ومدى التزام إسرائيل بالاتفاق والانسحاب من القطاع، بخلاف أولوية نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل «لجنة إدارة غزة».

ويعتقد المصدر الفلسطيني الثالث، المقرَّب من «حماس»، «أن لقاء القاهرة لن يكون سهلاً لجميع الأطراف، خصوصاً أنَّ هناك استياء مما أثاره ملادينوف من حديث غير مطابق للواقع بشأن المساعدات، لكن الحركة معنية بتخفيف المعاناة عن الفلسطينيين، والسعي للتنفيذ الكامل للاتفاق، خصوصاً من جانب (الاحتلال)».

مصادر تتوقع بوادر إيجابية

ومن الواضح حسب صحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، أنَّه في حال كان رد «حماس» سلبياً فسيكون القرار بيد إسرائيل، وسيتعيَّن عليها نزع سلاح «حماس» بالقوة، وسط تأكيد منهما أنَّ «جميع الخيارات مطروحة، وننتظر التوجيهات السياسية، ولكن في ظلِّ تركيز الاهتمام على لبنان، يصعب توقُّع استئناف القتال في غزة خلال الأيام المقبلة».

وهذا يتماشى مع ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الاثنين، عن مصادر بأنَّ هناك ضغوطاً إقليمية مكثفة من قبل الوسطاء؛ لدفع الحركة نحو القبول بهذه المبادرة، لتجنُّب جولة جديدة من العمليات العسكرية الشاملة، خصوصاً في ظلِّ تلويح الإدارة الأميركية باستخدام خيارات عسكرية حازمة في حال رفض المسار السلمي.

وفي ضوء تلك التطورات، يعتقد أستاذ العلوم السياسية المتخصص بالشأن الإسرائيلي والفلسطيني، الدكتور طارق فهمي، أنَّ لقاء القاهرة الثاني خلال أسبوع، يبدو أنَّه يتجه لمشهد إيجابي، شريطة التزام كل الأطراف بالتوافق.

ويرى فهمي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنَّه في ضوء ردود «حماس» المتوقع أن تكون إيجابيةً ومشروطةً، وتحركات ملادينوف بشأن المساعدات، ومساعي القاهرة، يمكن أن نقول إن فرص النجاح قائمة في التوصُّل لتفاهمات تُنفَّذ بشأن ملفات اتفاق غزة، محذِّراً من أنَّ البديل حال الفشل سيكون احتلال إسرائيل باقي القطاع كما تخطِّط حالياً وتتمنى.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أنَّ التهديدات المتوالية خلال الأسبوع الحالي، وعشية لقاء ملادينوف و«حماس»، من باب الضغوط لا أكثر على الحركة.

وأشار الرقب في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنَّ أفضل المسارات التي يجب أن يذهب لها لقاء القاهرة، هو التوافق المبدئي على تسليم السلاح، وذلك بعد تشكيل الشرطة الفلسطينية ووصول قوات الاستقرار الدولية، ولكن هذا يتوقف على حسابات «حماس»، خصوصاً وهي تسعى لأن يكون المسار الإجباري للخروج من المشهد بأقل الخسائر.


مبيدات قاتلة بأسماء جذابة تهدد الأمن الغذائي اليمني

في السنوات الأخيرة تزايدت المخاوف من تلوث العسل اليمني بسبب انتشار المبيدات (غيتي)
في السنوات الأخيرة تزايدت المخاوف من تلوث العسل اليمني بسبب انتشار المبيدات (غيتي)
TT

مبيدات قاتلة بأسماء جذابة تهدد الأمن الغذائي اليمني

في السنوات الأخيرة تزايدت المخاوف من تلوث العسل اليمني بسبب انتشار المبيدات (غيتي)
في السنوات الأخيرة تزايدت المخاوف من تلوث العسل اليمني بسبب انتشار المبيدات (غيتي)

تحصل بعض المبيدات الخطرة التي يجري ترويجها في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية على أسماء جذابة، في حين يعيش السكان والمزارعون مخاوف متزايدة على صحتهم وجودة المحاصيل، في ظل انتشار معلومات عن احتوائها على مواد محظورة أو مجهولة المصدر، في ظل فساد الجماعة وغياب رقابة فعّالة.

وحذّر عدد من المزارعين، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من انتشار مواد يُشتبه في خطورتها على المحاصيل وصحة الإنسان، مبدين قلقهم على مزروعاتهم ومحاصيلهم وأراضيهم الزراعية من تأثيرات خطيرة تنعكس أيضاً على صحة المستهلكين، بالتزامن مع تزايد الاتهامات الموجهة إلى شبكات تجارية تابعة للجماعة الحوثية بالوقوف وراء إدخال مبيدات مجهولة المصدر تحت أسماء لافتة؛ مثل: «العبد» و«الفيل» و«الوسام».

ويقول المزارعون إن استخدام تلك الأنواع من المبيدات يتسبّب في أضرار جسيمة للمحاصيل الزراعية، مشيرين إلى أن زراعة «القات» تحظى بالنصيب الأكبر من استخدام هذه المواد، في بلد يستهلك غالبية سكانه هذه النبتة يومياً في طقوس الترفيه والاسترخاء. كما حذّر المزارعون والناشطون من احتواء «القات» على كميات كبيرة من السموم والمبيدات التي تشكّل تهديداً كبيراً ومباشراً على صحة المستهلكين، وذلك بسبب رغبة مزارعي هذه النبتة في تحقيق نمو سريع لأغصانها وأوراقها في زمن قياسي. وذكرت مصادر مطلعة في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، أن غالبية مزارعي «القات» يبررون إقدامهم على استخدام المبيدات بشكل مفرط، بسبب الإتاوات الكبيرة التي تفرضها جهات تابعة للجماعة الحوثية عليهم، مما يقلّل من أرباحهم بشكل كبير، ويضطرهم إلى مضاعفة الإنتاج بسرعة.

وثيقة مسرّبة تكشف عن تواطؤ القطاع الزراعي الذي يسيطر عليه الحوثيون مع تجار المبيدات (إكس)

وأوضحت المصادر أن الجهات الرقابية في القطاع الزراعي الذي تسيطر عليه الجماعة الحوثية تتجاهل الشكاوى والبلاغات التي ترد إليها، بما في ذلك التحذيرات التي تطلقها جهات صحية، وترفض إجراء أعمال رقابية وفحوصات ميدانية سواء في الأسواق والمزارع.

وثائق وشهادات

تفسّر المصادر الصمت الذي تمارسه هذه الجهات، بوجود أوامر من قيادات حوثية عليا من مصلحتها استمرار بيع المبيدات من جهة، وزيادة الإنتاج الزراعي مهما كان ملوثاً من جهة أخرى، للحصول على المزيد من الأموال بفرض المزيد من الجبايات عليه. ولا تقتصر هذه المخاوف على مزارعي «القات» فحسب؛ إذ يؤكد المزارعون أن تلك المبيدات تُستخدم أيضاً في زراعة الخضراوات والفواكه، مما يوسع دائرة القلق لتشمل سلامة الغذاء الذي يصل إلى موائد السكان، في بلد يعاني أصلاً من هشاشة أمنه الغذائي واعتماد كبير على الإنتاج المحلي المحدود.

مزارع «القات» في اليمن تشهد استخداماً مفرطاً لأنواع مختلفة من المبيدات المحظورة (فيسبوك)

وخلال الأيام الماضية، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لمزارع من مديرية بني مطر غرب العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يحذّر من دخول مبيدات وصفها بـ«الخطرة والمسرطنة» إلى الأسواق عبر التهريب، منبهاً إلى أن استخدامها ألحق أضراراً بالمزروعات. وكشف المزارع عن أنه تعرّض لضغوط وتهديدات لإجباره على سحب شهادته تلك، أو إثبات ما قام بنشره رغم تقديمه شهادات من مزارعين آخرين أكدوا تجربة تلك المواد. ويتزامن ذلك مع تداول وثيقة تشير إلى سماح قطاع الزراعة في حكومة الحوثيين غير المعترف بها، بدخول مبيدات مُصنّفة ضمن المواد المقيدة أو المحظورة دولياً إلى الأسواق في مناطق سيطرة الجماعة، مقابل مبالغ مالية كبيرة يُلزم التجار بدفعها بوصفها رسوماً.

هيئات الرقابة الخاضعة للحوثيين متهمة بعدم التفاعل بخصوص المبيدات القاتلة (فيسبوك)

وتكشف الوثيقة عن أنه تم الإفراج عن شحنة مبيدات بعد دفع نحو 30 ألف دولار من إحدى الشركات التجارية، رغم التحذيرات المرتبطة بخطورة مكونات تلك المواد على الصحة العامة والبيئة الزراعية.

تواطؤ مكشوف

اتهم عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي الجماعة الحوثية بالتناقض في مواقفها السياسية المعلنة وممارساتها الحقيقية على أرض الواقع، وذلك بالإشارة إلى معلومات تتحدث عن استيراد مبيدات خطرة من إنتاج إسرائيلي، رغم الخطاب المعادي للدولة العبرية.

ومنذ سنوات يتناقل السكان معلومات، لم يجرِ تأكيدها، بدخول مبيدات إسرائيلية المنشأ، إلى مناطق سيطرة الجماعة، في حين يقول خبراء زراعيون وكيميائيون إن خطورة المبيدات لا يقضي بالضرورة أن يكون مصدرها إسرائيل. وخلال جلسات محاكمته خلال العامَين الماضيَين، أقر تاجر المبيدات الموالي للجماعة الحوثية، عبد العظيم دغسان، والمتهم بإدخال وبيع مبيدات مهرّبة ومحظورة ومنتهية الصلاحية، باستيراد تلك المواد عبر التهريب، وحصوله على توجيهات عليا بالإفراج عن الشحنات المضبوطة. ورغم صدور قرار من القضاء التابع للجماعة بالقبض القهري على دغسان، وإغلاق محلاته التجارية، يؤكد ناشطون موالون للجماعة أن ذلك القرار لم يجد طريقاً للنفاذ، بسبب حصوله على حماية من قيادات عليا.

وقفة احتجاجية سابقة ضد مخطط حوثي لإنشاء مصنع مبيدات وسط التجمعات السكنية (إعلام محلي)

وخلال العامَين الماضيَين تعرّض عدد من الناشطين الموالين للجماعة الحوثية لملاحقات أمنية وإجراءات تعسفية شملت الاعتقال والتهديد بتعريضهم لمحاكمات بتهم تتعلق بالإساءة للأمن العام والتجسس على خلفية انتقادهم انتشار المبيدات المحظورة، وأحاديثهم عن انتشار شبكات لتجارتها. ومنذ أكثر من شهر، دعت الجمعية اليمنية لحماية المستهلك في صنعاء، الجهات المعنية التابعة للجماعة الحوثية، إلى اتخاذ إجراءات صارمة لمنع استيراد المبيدات المحظورة دولياً وغير المسجلة، وتشديد الرقابة على المنافذ الجمركية، ونشر قوائم بالمبيدات الممنوعة لحماية المزارعين والمستهلكين.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


المنفي يحضّ الأطراف الليبية على التوافق لإنجاز الانتخابات

المنفي مستقبلاً عدداً من أعضاء «الحوار المهيكل» في مكتبه بطرابلس (المجلس الرئاسي)
المنفي مستقبلاً عدداً من أعضاء «الحوار المهيكل» في مكتبه بطرابلس (المجلس الرئاسي)
TT

المنفي يحضّ الأطراف الليبية على التوافق لإنجاز الانتخابات

المنفي مستقبلاً عدداً من أعضاء «الحوار المهيكل» في مكتبه بطرابلس (المجلس الرئاسي)
المنفي مستقبلاً عدداً من أعضاء «الحوار المهيكل» في مكتبه بطرابلس (المجلس الرئاسي)

يكثّف محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، على نحو غير معهود، من لقاءاته بمختلف أطياف المجتمع في غرب البلاد، على خلفية خلافه غير المعلن مع عبد الحميد الدبيبة، رئيس «حكومة الوحدة» المؤقتة.

عدد من أعضاء «الحوار المهيكل» خلال اجتماعهم من المنفي (المجلس الرئاسي)

وقال مكتب المنفي إنه «في إطار مواصلة التشاور الوطني، وتعزيز مسارات التوافق السياسي»، بحث المنفي مع عدد من أعضاء «الحوار المهيكل» مستجدات الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في البلاد، بالإضافة إلى «التحديات الراهنة»، كما جرى «استعراض السُّبل الكفيلة بالدفع قدماً نحو ترسيخ الاستقرار، من خلال الوصول إلى استحقاق انتخابي شامل، يلبّي تطلعات الشعب الليبي».

وجدد المنفي، الذي التقى سياسيين وعسكريين عديدين خلال الأيام الماضية، مناشدته جميع الأطراف الليبية التوافق السياسي من خلال الحوار، بعيداً عن «الصفقات»، بهدف إنجاز الاستحقاق الرئاسي والنيابي، الذي يتوق إليه الشعب الليبي.

وفي ظل ما تعانيه السلطة التنفيذية في العاصمة طرابلس من تجاذبات حادة، شدد المنفي على «أهمية توحيد الجهود الوطنية، وتكثيف العمل المشترك بين مختلف الأطراف؛ بما يضمن إطلاق عملية سياسية جامعة لا تُقصي أحداً، وترتكز على مبادئ الشفافية والتوافق ومحاربة الفساد»، لافتاً إلى أن ذلك من شأنه الوصول بالبلاد إلى إجراء انتخابات عامة، تعبّر عن الإرادة الحرة والصادقة لليبيين.

ويمثل «الحوار المهيكل»، الذي انطلق منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أحد المسارات الأساسية ضمن «الخريطة الأممية»، التي عرضتها المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي، لمعالجة الانقسام بين حكومتي شرق ليبيا وغربها.

المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه (غيتي)

وتعمل البعثة الأممية لدى ليبيا، برئاسة هانا تيتيه، على دعم العملية السياسية في البلاد على نحو يتيح إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية المؤجلة منذ نهاية عام 2021؛ بسبب الخلافات على القاعدة الدستورية اللازمة للاستحقاق.

وسعياً لرأب الصدع بين منظومة القضاء في ليبيا ومنع انقسامها، سارعت البعثة من خلال نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا للشؤون السياسية ستيفاني خوري إلى مناقشة الأزمة مع النائب العام الصديق الصور، مساء الخميس، حيث أطلع النائب العام خوري على مستجدات جهوده المستمرة في الوساطة، الهادفة إلى معالجة الانقسامات المؤسسية داخل السلك القضائي.

النائب العام الليبي مستقبلاً خوري لبحث أزمة «القضاء» (مكتب النائب العام)

من جانبها، جدّدت البعثة الأممية دعمها لمقترحات لجنة الوساطة الليبية، مؤكدةً أهمية الحفاظ على «وحدة القضاء، وضمان أن تسهم الجهود الجارية في تعزيز نظام العدالة في ليبيا، بما يتماشى مع مبادئ سيادة القانون».

في شأن مختلف، نفت شركة الخطوط الجوية الليبية ما تم تداوله من أنباء حول فصل عدد من موظفيها، موضحة أن «ما يجري راهناً هو عملية إعادة تنسيب لأكثر من ألف موظف إلى قطاعات مختلفة، وفقاً لدرجاتهم الوظيفية وتخصصاتهم، ضمن خطة تنظيمية تهدف إلى تحسين توزيع الكوادر ورفع كفاءة الأداء».

وأوضحت الشركة، في وقت مبكر من صباح الجمعة، أن هذه الخطوة «تأتي في إطار إعادة تنظيم الهيكل الوظيفي، بما يعزز كفاءة العمل داخل مختلف الإدارات والقطاعات التشغيلية، مع التأكيد على التزامها الكامل بالحفاظ على استقرار موظفيها، وضمان حقوقهم الوظيفية كافة».

وقالت الشركة إنها عقدت اجتماعاً مشتركاً بمدينة بنغازي، ضم مدير منطقة بنغازي بالشركة الدكتور فرج المسلاتي، ورئيس مصلحة الطيران المدني محمد الغرياني؛ لبحث استكمال إجراءات تنسيب عدد من موظفي الشركة إلى مصلحة الطيران المدني. ولفتت إلى أن الاجتماع تناول متابعة الترتيبات الإدارية المتعلقة بعملية التنسيب، حيث تم الاتفاق على استكمال الإجراءات، وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة، و«بما يضمن انتقالاً منظماً وسلساً للموظفين».