بعد النظام.. «داعش» بلاء حلب الجديد

تطارد الصحافيين والناشطين.. وحياة الأهالي جحيم

عناصر «داعش» يثيرون الذعر في حلب (رويترز)
عناصر «داعش» يثيرون الذعر في حلب (رويترز)
TT

بعد النظام.. «داعش» بلاء حلب الجديد

عناصر «داعش» يثيرون الذعر في حلب (رويترز)
عناصر «داعش» يثيرون الذعر في حلب (رويترز)

كان آخر الأشياء التي فعلها محمود في سوريا أن ثبّت بابا أماميا جديدا لشقته. كانت تلك علامة أخرى على أن كل شيء في حلب بدأ يسير في الاتجاه الخاطئ. وقبل شهر، استبدل محمود بمسدسه بندقية رشاشة. أما الآن، فهو يضع حواجز معدنية كبيرة عند مدخل شقته ويتفحص الأقفال التي أصدرت دويا عند عودتها لأماكنها، بعد إغلاقه الباب بعنف، ثم ينظر محمود من خلال ثقب الباب إلى الردهة. غير أنه، وبعد ثلاثة أشهر من اتخاذ تلك التدابير، لم يعد الباب الأمامي أو البندقية الرشاشة يوفران الحماية الكافية له.
وخلال ما يقرب من ثلاث سنوات، كان محمود ناشطا وواحدا من الثوار السوريين الشباب الذين كرسوا سنوات من حياتهم لبلادهم والقضية التي كانوا يؤمنون بها. غير أنه عندما التقى «الشرق الأوسط» في ديسمبر (كانون الأول) في بلدة صغيرة جنوب تركيا، بدا، وهو يتحرك على غير هدى، شاعرا بالأمان في شقة صغيرة مريحة كان استأجرها مع صديقه، لكنه لم يستطع أن ينسى المدينة التي أُجبر على الرحيل منها.
يقول محمود: «شاركت في الاحتجاجات منذ البداية، واعتُقلت وسُجنت من قبل النظام. انضممت إلى الجيش السوري الحر، ثم بعد ذلك اتجهت للعمل مع الصحافيين الأجانب». ثم يستطرد قائلا: «عندما اندلع القتال في حلب، كنت أذهب إلى خط المواجهة كل يوم، ولم يتسلل الخوف أبدا إلى قلبي، على الرغم من تعرضي لإطلاق النار في أكثر من مائة مرة. أما الآن، بدأت أخشى على حياتي».
لم يكن النظام السوري هو الذي أجبر محمود على الفرار من حلب، بل كان أحدث اللاعبين المنضمين للحرب الأهلية في سوريا؛ إنهم المقاتلون الأجانب الذين ينتمون لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وهي المجموعة التي ترتبط بتنظيم القاعدة، والتي ظهرت للمرة الأولى في سوريا في ربيع عام 2013. وعندما زادت أعدادهم وقويت شوكتهم، بدأ مقاتلو داعش في شن حملة إرهاب ضد الصحافيين الأجانب والنشطاء السوريين ومن يعملون معهم. وتعتقل «داعش» وتسجن وتعذب وتقتل كثيرا من السوريين من أمثال محمود، سواء كانوا رجالا أو نساء، من الذين شاركوا في الثورة منذ اندلاع شرارتها الأولى، وتتهمهم بالعمل كجواسيس، وبأنهم أعداء لـ«الخليفة» الذي تأمل «داعش» في تنصيبه حاكما في سوريا.
وفرّ محمود من حلب قبل القبض عليه، لكن «أنور»، وهو ناشط كان يعمل منسقا ومترجما مع صحافيين ألمان وسويسريين في حلب، لم يكن محظوظا مثل محمود.
كان أنور في منزله في عزاز، وهي بلدة صغيرة بالقرب من المعبر الحدودي «باب السلامة»، عندما سمع طرقا على الباب. كان ذلك في أغسطس (آب)، حيث كان نائما خلال أشد ساعات النهار حرارة في ذلك الصيف القائظ. يقول أنور: «لم يكن هناك أحد بالمنزل غيري، فذهبت وفتحت الباب»، مضيفا: «عندما فتحت الباب، وجدت ثلاثة مسدسات وأربع بندقيات (كلاشنيكوف) مشهرة في وجهي».
ولم يفصح الرجال الذين اقتادوا أنور من منزله، وأجبروه على ركوب سيارة معصوب العينين، عن هويتهم أو إلى أي جهة ينتمون. بيد أن الأسئلة التي طرحوها عليه وهو ملقى في الظلام جعلته لا يشك لحظة في أن مستجوبيه ينتمون لتنظيم داعش. يقول أنور عن تلك التجربة: «سألوني في البداية عن الصحافيين الذين عملت معهم، ثم سألوني عما إذا كنت أعمل لصالح الاستخبارات الأميركية». وأضاف: «أجبتهم بـ(لا)، لكنهم لم يصدقونني».
اقتيد أنور إلى مستشفى الأطفال في حلب، وهي واحدة من خمسة مبان أعلنت منظمة العفو الدولية مؤخرا أنها تُستخدم من قبل «داعش» كمراكز احتجاز. ويشير أنور إلى أنه كان واحدا من نحو مائة سجين محتجزين هناك، غالبيتهم سوريون، كان الكثير منهم نشطاء وأعضاء في الجيش السوري الحر. وبينما كان أنور هناك، ألقى مقاتلو داعش القبض على عائلة سنية بأكملها، بما في ذلك النساء والأطفال، بتهمة أنهم شيعة. كما كان هناك ثلاثة صحافيين أجانب؛ فرنسيان ودنماركي، بين المحتجزين.
يصف أنور ما رآه في مكان الاحتجاز ذلك بقوله: «كان الوضع سيئا للغاية. كان هناك 15 شخصا في الغرفة، التي حبسنا فيها، وكنا نحصل على طعام يكفي فقط لشخصين اثنين. كانوا يسمحون لنا باستخدام المرحاض مرة واحدة في اليوم. وكلما فُتح باب الغرفة، كنت أدير وجهي تلقائيا إلى الحائط، لأنني أعرف أنه إذا لم أفعل ذلك فسأتعرض للضرب المبرح».
بعد أسبوعين في سجن (مستشفى الأطفال)، نقل أنور إلى مركز احتجاز آخر تديره «داعش» في منطقة الحيدرية الواقعة في محافظة حلب، حيث احتجز هناك مع مجموعة تضم مائتي فرد من الأكراد السوريين الذين اعتقلوا بينما كانوا يستقلون حافلة إلى مدينة القامشلي. واتهمتهم «داعش» بالسفر إلى العراق للانضمام إلى واحدة من الميليشيات الكردية، لكن أنور يعتقد أن جريمتهم الوحيدة هي انتماؤهم العرقي، حيث كانوا «جميعهم مدنيين».
وخلال الفترة التي قضاها أنور في الأسر، تعرض للضرب والتعذيب إلى حد فاق ما كان قد تعرض له خلال الأيام الـ20 التي قضاها في سجن النظام في بداية الثورة السورية. يقول أنور: «استخدموا الصدمات الكهربائية لتعذيبي، وعلقوني من السقف من ذراعي. لقد عذبني النظام، لكن لم يكن التعذيب بمثل تلك الوحشية». واضطر أنور أيضا لقراءة بيان ملفق عبر الفيديو، الذي اعترف فيه بالعمل لصالح الاستخبارات البريطانية. ويعلق أنور على ذلك بقوله: «بعد أن أجبروني على تصوير ذلك الفيديو، بدأت حقا أشعر بالخطر، وقررت حينها أنه ينبغي عليّ الفرار».
بعد مشاهدة الإجراءات التي يمارسها الخاطفون والتعرف على مخارج ومداخل ذلك السجن، قرر أنور أن هناك وسيلة للهرب من خلال قضبان نافذة السجن وتسلق الجدار المحيط به. نفذ المحاولة ثلاث مرات، وكان يعرف في كل مرة أنه إذا قُبض عليه، فإنهم سيعدمونه على الفور.
أخيرا، وفي إحدى المرات التي تحول انتباه الحراسة الليلية عن غرفته، تمكن أنور من الفرار. وبعد إقناعه عائلة في قرية مجاورة السماح له بالدخول إلى منزلهم والاتصال بعائلته، غادر أنور سوريا على الفور متجها إلى تركيا. ولم يعد إلى سوريا منذ ذلك الوقت.
ويضم جزء كبير من «داعش» مقاتلين أجانب بعضهم يرتبط بصلات ضعيفة جدا بسوريا، في حين أن البعض الآخر ليس له أدنى علاقة بسوريا. غير أنهم جميعا يؤمنون بأن سوريا هي المكان الذي ينبغي عليهم أن يجاهدوا فيه الآن. ولا تعني الأسس التي قامت عليها الثورة في سوريا لهؤلاء المقاتلين شيئا على الإطلاق، حيث إنهم، كما يقول محمود: «جاءوا إلى سوريا من أجل الموت، وهذه هي المشكلة الحقيقية. ولا يعرف غالبية المقاتلين الأجانب تاريخ أي من الأشخاص الذين يعتقلونهم ويستجوبونهم. فأنا، على سبيل المثال، ناشط، وقد قضيت فترة في سجون النظام، لكنهم لن يصدقوني، فهم يعتقدون فقط أنني جاسوس ويجب قتلي».
وأخبرنا محمود أن حلب قد أصبحت شبه خالية الآن من الناشطين، وأن الصحافيين الأجانب ابتعدوا عن المدينة منذ أواخر الصيف الماضي عندما بدأت موجة من عمليات الخطف التي نفذتها «داعش». يقول محمود إنهم «عندما انتهوا من خطف الصحافيين الأجانب، بدأوا في خطف وقتل الناشطين السوريين».
وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أعدم مسلحون ملثمون، يُعتقد أنهم أعضاء في «داعش»، محمد سعيد، وهو سوري كان يعمل لصالح قناة «العربية» الإخبارية. وردا على ذلك، قرر نشطاء حلب تشكيل مجموعة إعلامية، «وفي غضون يومين، اختطف مقاتلو (داعش) الذين شكلوا تلك المجموعة الإعلامية»، حسبما أفاد به محمود الذي أضاف: «بعد ذلك، غادر الجميع حلب إلى تركيا. وقد اعتقل مقاتلو (داعش) نحو 15 من نشطاء حلب».
ومع مغادرة الصحافيين والناشطين، بقي عدد قليل من الناس الذين كانوا على استعداد أو قادرين على توثيق محنة المدنيين المتفاقمة. ومع اقتراب أقسى شتاء عرفته المدينة منذ عقود، حُوصر الآلاف من الأسر في شققهم من دون كهرباء أو وسائل تدفئة، في حين بدأت قوات الرئيس السوري بشار الأسد في قصف مناطق حلب التي يسيطر عليها المتمردون بضراوة من جديد.
وفي ضربة ثانية قاسية، عرف محمود أنه في الوقت التي تقوى فيه شوكة «داعش»، بدأ تعاطف العالم الخارجي مع الثورة السورية يضعف يوما بعد يوم. وحينما بدأ الجهاديون الأجانب في لعب دور أكثر قوة ومركزية في الصراع السوري، بدت مزاعم الأسد بأنه يخوض حربا ضد الإرهابيين الأجانب، وهي المزاعم التي افترضها منذ الأيام الأولى للثورة، قابلة للتصديق الآن، وأصبحت فكرة أنه «الديكتاتور المحاصر» غريبة وغير منطقية. وهذا ما ألحق ضررا كارثيا بسمعة النشطاء السوريين.
يقول محمود: «الآن، يعتقد المواطنون العاديون في أوروبا أن الأسد يقاتل الإرهابيين، كما يعتقدون أنه لم يعد هناك ثورة في سوريا». غير أنه، وبدخول الصراع في الشتاء الثالث واستمرار تدفق اللاجئين على المخيمات التي امتلأت عن آخرها، بدأ السوريون أنفسهم يتحدثون عن ثورة عام 2011 كما لو كانت جزءا من حقبة تاريخية مختلفة. يقول عبد الله، وهو شاب من اللاذقية جلس مبتسما وهو يشاهد فيديوهات تصور الاحتجاجات السورية الأولى في مدينته: «لقد كانت أياما عظيمة».
لقد خبر الكثير من التجارب منذ بداية الثورة وحتى الآن؛ فقد شارك في الاحتجاجات، وتهرب من أداء الخدمة العسكرية. وفي أحد الأيام، قُبض عليه، وأُجبر على الانخراط في الجيش السوري لمدة ستة أشهر، قبل أن ينشق ويهرب إلى تركيا للعمل مع منظمة إنسانية. وعندما بدأ الجيش السوري الحر في السيطرة تدريجيا على المناطق الريفية حول اللاذقية، عبر عبد الله الحدود مرات كثيرة خلال رحلات منتظمة مع الصحافيين وموظفي الإغاثة.
غير أنه، وبعد أن بدأ مقاتلو «داعش» في السيطرة على المناطق التي كان يسيطر عليها الجيش السوري الحر، أصبحت رحلات عبد الله أكثر صعوبة وأكثر خطورة. وأصبحت الزيارة إلى مسقط رأسه محفوفة بالمخاطر والخوف؛ ليس من نظام الأسد، بل من الطغاة الجدد.
يقول عبد الله، ملخصا الأسباب التي قضت على الحلم الثوري: «لقد ارتكبنا خطأين قاتلين، أولهما أننا حملنا السلاح، ثانيهما أننا سمحنا للأجانب بالدخول إلى بلادنا. لم يعد هناك ثورة في سوريا، لقد انتهى الأمر».



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.