فلوبير... العُصاب الجنوني والإبداع العبقري

غيّر مجرى مسيرة الرواية الفرنسية

فلوبير  -  تمثال فلوبير في مدينته
فلوبير - تمثال فلوبير في مدينته
TT

فلوبير... العُصاب الجنوني والإبداع العبقري

فلوبير  -  تمثال فلوبير في مدينته
فلوبير - تمثال فلوبير في مدينته

أولا: من هو فلوبير؟ من هو هذا الشخص الذي غير مجرى مسيرة الرواية الفرنسية فانتقل بها من الرومانطيقية إلى الواقعية القحة باعتراف معظم النقاد؟ وهو على أي حال أكبر روائي فرنسي في القرن التاسع عشر بعد بلزاك إذا ما استثنينا ستندال بالطبع. هؤلاء هم الثلاثة الكبار: ستندال، بلزاك، فلوبير. ولكن هناك شخصيات أخرى حفل بها ذلك القرن العظيم، ليس أقلها إميل زولا وغي دوموباسان وآخرون كثيرون. من المعلوم أن فلوبير كان يردد دائما هذه العبارة: لا أحب أن يهتم القارئ بشخصي المتواضع الذي لا أهمية له. الشيء المهم فقط هو أعمالي الأدبية وكفى. هذا ما قاله في رسالة إلى الكاتب الروسي الكبير تورغنييف. والواقع أن فلوبير كان يعتقد أن على الكاتب أن يختفي كليا وراء مؤلفاته. فهو عابر وزائل كشخص ولكن أعماله هي وحدها التي تبقى بعد رحيله. وهذا يعني أن فلوبير كان يقسم نفسه إلى شخصين: الشخص الواقعي الحقيقي كما هو معروف في الحياة اليومية من قبل الناس وأقرب المقربين منه، والشخص الحميمي الداخلي الذي لا يتوهج إلا عندما يختلي بنفسه في غرفته الصغيرة لمصارعة الإبداع الخلاق.
هل يعني ذلك أنه كان منفصم الشخصية؟ حتما، ككل أديب كبير. فحقيقة الأديب لا تتجلى فعلا إلا في إنتاجه: أي عندما ينقطع عن الناس ويتفرغ للإبداع. عندئذ يصبح شخصا آخر لا علاقة له بالشخص الواقعي المحسوس الذي نعرفه. ولكن هل يمكن الفصل الكامل بين الشخص الذي يعيش والشخص الذي يكتب ويبدع؟ بالطبع لا. في الواقع أن المسألة أكثر تعقيدا مما نظن. على أي حال فالشيء المؤكد هو أن فلوبير كشخص مات ولكن «مدام بوفاري» لا تموت. فلا تزال تقرأ حتى اليوم بل وتدرس في أرقى الجامعات العالمية. بل سنذهب إلى أبعد من ذلك ونقول: ألسنا نقرأ الإلياذة والأوديسة حتى الآن على الرغم أن هوميروس قد مات قبل نحو ثلاثة آلاف سنة؟ ألا تسحرنا مسرحيات شكسبير حتى بعد مرور أربعة قرون على وفاته؟ أليست خالدة أبد الدهر؟ من يستطيع أن يقتل شكسبير؟ والكوميديا الإلهية لدانتي أليست مقروءة الآن حتى بعد مرور سبعة قرون على كتابتها أو أكثر؟ وماذا عن شعر المتنبي؟ أو رسالة الغفران للمعري؟ الخ...الروائع الأدبية لا تموت...
لكن لنعد إلى نقطة البداية ولنطرح هذا السؤال: من هو صاحب مدام بوفاري؟ لقد ولد غوستاف فلوبير في مدينة «روان» الفرنسية عام 1821، أي في نفس العام الذي ولد فيه بودلير ومات فيه نابليون! وهو نفس العام الذي نشر فيه هيغل كتابه الشهير: قواعد فلسفة القانون. وقد أسس فيه للقانون الوضعي الحديث قاطعا بذلك مع القانون اللاهوتي أو الكنسي القديم. وقد زرت المدينة بعد وصولي إلى فرنسا بفترة قصيرة. ويقع بيت فلوبير في ضواحي المدينة، ومعلوم أنه تحول إلى متحف الآن. وهو مطل على نهر السين من فوق هضبة ومحاط بالطبيعة والأشجار والغابات. ومن نافذته كان فلوبير يستمتع برؤية القوارب الشراعية والسفن وهي تتهادى تحت البيت على سطح الماء. منظر ولا أروع! لكأني أراه الآن بعد كل تلك السنوات.
الشيء الذي لفت انتباهي في بيت فلوبير هو منظر مخطوطاته المعروضة من وراء الزجاج. يا إلهي كم هي مليئة بالتشطيبات والتصحيحات التي تجعل الصفحة عصية على الفهم تقريبا! ومعلوم أنه كان من عبيد الكتابة أو من «عبيد الشعر» كما تقول العرب. وكان ينتظر أحيانا عدة أيام لكي يصل إلى العبارة أو حتى الكلمة المناسبة وهو يئن ويتوجع. وعندما يصل إليها كان يصرخ بأعلى صوته: وجدتها! وجدتها! ولهذا السبب فلم يكتب كثيرا. في عام 1869 نشر فلوبير روايته الكبرى: التربية العاطفية. وهي رواية تصور حياة فرنسا السياسية والاجتماعية والأخلاقية في منتصف القرن التاسع عشر وقبل ثورة 1948 وما بعدها. إنها تصور الحياة الفرنسية من خلال شخصية البطل فريديريك مورو الذي يشعر بأنه محبط وعاجز عن فعل أي شيء. إنه إنسان مليء بالتناقضات والترددات أمام المصير والمجهول. ولذلك فإنه يترك الأحداث تتقاذفه من كل جانب وتفعل به ما تشاء. أنه كالقارب السكران الذي تحدث عنه رامبو في قصيدته العصماء... وهو الذي يجسد شخصية فلوبير كل التجسيد وليس مدام بوفاري على عكس ما يظن الناس وعلى عكس ما قال هو شخصيا: مدام بوفاري هي أنا! ولكن مدام بوفاري امرأة وليست رجلا لكي تمثله. كان ينبغي أن يقول: فريدريك مورو هو أنا! فهي روايته الوحيدة التي تشبه السيرة الذاتية المقنعة. والواقع أنه أمضى حياته كلها تقريبا في كتابتها. هل نعلم بأن تدبيجها استغرق منه ثلاثين سنة متواصلة مع بعض الانقطاعات؟ لكي نفهم السبب ينبغي العلم بأن فلوبير وقع وهو في الخامسة عشرة في حب امرأة بورجوازية متزوجة تجاوزت الثلاثين. وكان ذلك على شواطئ مدينة دوفيل أو تروفيل الساحرة. وهي أكبر قصة حب في حياته رغم أنه لم يلمسها. إنه حب أفلاطوني عذري على طريقة مجنون ليلى أو جميل بثينة أو ذي الرمة ومعبودته مي. وقد أسقط كل عواطفه المتأججة على بطل الرواية فريديرك مورو وجعله يقع أيضا في حب امرأة بورجوازية متزوجة بتاجر غني. بمعنى آخر فقد صفى حساباته على ظهر هذا الشخص، بطل روايته. والأدب كما تعلمون هو عبارة عن تصفية حسابات تاريخية مع نفسك أو مع العالم. في عام 1838 دبج فلوبير أول نص له بعنوان: مذكرات مجنون. وقد صفى فيها حساباته مع حبه المغدور أو المستحيل لتلك المرأة المتزوجة التي رآها على الشاطئ يوما ما وأصبحت حبه الأول والأخير إلى الأبد... وهي تحتوي على بذور روايته الكبرى التي لن تصدر إلا بعد ثلاثين سنة. وقد كتبها ثلاث أو أربع مرات قبل أن تنضج أخيرا ويرضى عنها. هذا هو الأدب: إنه تعب وجهد وصبر ومشقة. وفي النهاية قد يعطيك شيئا أو لا يعطيك. الأمور ليست مضمونة سلفا إلا للموهوبين العباقرة من أمثال فلوبير. ولكن حتى هو، فإنه لم يكن يخرج من كتابة روايته إلا منهكا، مستنزفا، مريضا! هل يعني ذلك أن النجاح في الأدب ناتج عن 90 في المائة جهد وتعب، و10 في المائة فقط موهبة وعبقرية؟
لقد عكست كتابات فلوبير روح العصر بكل قلقه وآماله ومخاوفه. ومن يريد أن يفهم الحياة الفرنسية في القرن التاسع عشر فما عليه إلا أن يعود إلى رواياته. وبهذا الصدد يرى النقاد أن رواية «التربية العاطفية» أهم من رواية «مدام بوفاري» رغم أن الشهرة العارمة كانت لهذه الأخيرة. ويرى عالم الاجتماع الشهير بيير بورديو أن رواية فلوبير تقدم لنا مادة ثمينة للتحليل السوسيولوجي أو الاجتماعي لتلك الفترة من تاريخ فرنسا. لكن لنعد إلى سيرته الذاتية. في نهايات عام 1849، أي وهو ما دون الثلاثين، قام فلوبير بأكبر سفرة له إلى الشرق لكي يتعرف عليه ويستلهمه في أعماله الأدبية المقبلة. وكان برفقة صديقه مكسيم دوكامب. وهناك تعرف على القاهرة والحياة المصرية في عهد المماليك. ثم غادر مصر في شهر يوليو (تموز) من عام 1850 إلى فلسطين أولا قبل أن ينتقل إلى سوريا، فلبنان، فتركيا، ثم أخيرا أثينا عاصمة اليونان. وهكذا دامت رحلته سنة كاملة أو أكثر قليلا. وبعدئذ عاد إلى فرنسا من اليونان عبر إيطاليا. وفور عودته تقريبا ابتدأ كتابة روايته الخالدة: مدام بوفاري. وقد أنهاها عام1857: أي إنها استغرقت منه سبع سنوات بالتمام والكمال.
وهذه هي الكتابة الحقيقية: أي الكتابة التي تستغرق وقتها الكافي ولا تستعجل الأمور أو تحرق الطبخة قبل أن تنضج. ولهذا السبب فإن فلوبير لم يكتب إلا خمس أو ست روايات طيلة حياته كلها. ولكن كل رواية كانت تشكل حدثا في تاريخ الأدب الفرنسي، كانت تشكل عالما بأسره. ولا يزال النقاد منشغلين بدراستها وتحليلها حتى الآن. وبالتالي فالعبرة ليست بالكمّية وإنما بالنوعية. وما ينطبق على الرواية ينطبق على الشعر أيضا. ولكن هناك استثناء واحدا هو: بلزاك. فقد كتب أكثر من ثمانين رواية معظمها من الروائع الأدبية. ولكن بلزاك هو بلزاك ولا يتكرر كل قرن ولا حتى كل عشرة قرون. بلزاك هو «وحش» الرواية الفرنسية، وربما العالمية!
أخيرا دعونا نقُل كلمة عن رأي جان بول سارتر بفلوبير. فسارتر لم يكن فيلسوفا فقط وإنما كان أيضا ناقدا أدبيا من أعلى طراز. والدليل على ذلك كتابه عن بودلير الصادر عام 1947، وكتابه ما هو الأدب؟ الصادر عام 1948، ثم كتابه الضخم عن جان جنيه: قديس وشهيد، الصادر عام 1952، ولكن كتابه عن فلوبير تجاوز كل ما سبق من حيث الأهمية والضخامة. فقد صدر في ثلاثة أجزاء تقارب الثلاثة آلاف صفحة! وأكل من عمر سارتر عشر سنوات بالتمام والكمال، ومع ذلك فلم يستطع إكماله... وقد انطلق في كتابه من الفضيحة المتمثلة بالسؤال التالي: كيف استطاع شخص أبله أن يتحول إلى عبقري؟ ففي رأيه أن فلوبير كان أغبى شخص في عائلته في البداية ولكن العُصاب النفسي الذي أصيب به هو الذي جعل منه عبقريا. ولذلك يدعى الكتاب: «أبله العائلة». وهذا يعني أن سارتر اتبع في تحليله نظريات علم النفس ولكن مطعمة بفلسفته الشخصية الوجودية. ومعلوم أنه دشن تيارا في النقد الأدبي الفرنسي يدعى بالتحليل النفسي الوجودي. وطبق هذه المنهجية على فلوبير لكي يكتشف سر عبقريته الأدبية أو كيف تحول من شخص عادي إلى شخص عبقري. وهذا يعني أنه لا إبداع من دون عُصاب نفسي. وكلما كان العصاب قويا كان الإبداع جارفا. ولا ننسى النواقص والعيوب: المعري كان أعمى وكذلك طه حسين. وبيتهوفين كان أطرش... كل ذي عاهة جبار! أما الأشخاص الطبيعيون السعداء المتصالحون مع أنفسهم ومجتمعهم وحياتهم فليسوا بحاجة لأن يصبحوا مبدعين أو عباقرة. وبالتالي فشكرا للعقد الشخصية، شكرا للعذابات النفسية، شكرا للدهاليز الداخلية! فلولاها لحرمنا من شخصيات كبرى ليس أقلها: بودلير، ودوستيوفسكي، ونيتشه، وهولدرلين، وجيرار دونيرفال، وعشرات الآخرين.



عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
TT

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الـ76 التي اختتمت مؤخراً، وهو الفيلم الذي أنتج بتمويل جزائري - فلسطيني - فرنسي، وتحدث مخرجه في حفل الختام رافعاً العلم الفلسطيني عن معاناة أبناء وطنه تحت وطأة الحصار والاحتلال.

يقول الخطيب لـ«الشرق الأوسط»، إنه بصفته مخرجاً فلسطينياً - سورياً، كان يدرك أن الطريق لن يكون سهلاً، لكن إيمانه بالمشروع دفعه للاستمرار، موضحاً أن المشاركة في «برلين» كانت بالنسبة إليه خطوة طبيعية لأي صانع أفلام يؤمن بعمله، لأن المهرجانات الكبرى ليست ترفاً، بل جزء من منظومة صناعة السينما، خصوصاً في العالم العربي، حيث يشكل حضور الفيلم في مهرجان دولي بوابة أساسية لانتشاره.

وعن توقعاته قبل إعلان النتائج، قال إنه كان يتوقع أن يذهب الفيلم بعيداً في المنافسة، لأن المخرج، إذا لم يؤمن بعمله، فلن يُقنع به لجنة التحكيم ولا الجمهور، مؤكداً أنه تمنى الفوز بالجائزة الكبرى، ليس فقط لقيمتها المعنوية، بل أيضاً لما تمثله من دعم مادي مهم في ظل الظروف الإنتاجية الصعبة التي أحاطت بالفيلم.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

وفي حديثه عن العمل نفسه، أوضح الخطيب أن «وقائع زمن الحصار» يتناول فكرة الحصار بوصفها حالة إنسانية متكررة في التاريخ الفلسطيني، وليس حدثاً مرتبطاً بمكان واحد أو زمن محدد، مشيراً إلى أن التصوير تم في الجزائر والأردن وفرنسا، بسبب تعذر العمل في مناطق النزاع المباشر، سواء في سوريا أو غزة.

وأضاف أنه اختار مواقع قريبة بصرياً من بيئة المخيمات المحاصرة، حتى لو لم تكن القصة تدور صراحة في مخيم اليرموك، لأن جوهر الحكاية مستمد من تجربة شخصية عاشها هناك، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من الفيلم صُوّر في أماكن داخلية، ما سهّل العملية نسبياً، فيما أُنجزت المشاهد الخارجية في الجزائر والأردن.

وعن اختيار الممثلين، قال الخطيب إن «الفيلم يقوم على خمس حكايات تتقاطع، ويضم عشرة ممثلين رئيسيين، والاعتبارات الإنتاجية لعبت دوراً حاسماً في الاختيار، لأن الفيلم أُنجز بميزانية محدودة جداً، مع اعتماد كبير على استثمار شخصي من المنتج، إضافة إلى دعم أصدقاء وفريق عمل آمنوا بالمشروع واشتغل بعضهم بشكل تطوعي أو بأجور رمزية».

وأضاف أن «فريق التمثيل ضم فنانين فلسطينيين وأردنيين وسوريين وجزائريين، وحاول، خصوصاً في الجزائر، العمل على اللغة واللهجة بحيث تبدو قريبة من (الفلسطينية)، لتخدم وحدة العالم الدرامي»، مؤكداً أن الاختيارات، رغم ظروفها، جاءت موفقة فنياً، لأن الممثلين لم يكونوا مجرد مؤدين، بل شركاء حقيقيون في بناء الشخصيات.

وتحدث الخطيب بصراحة عن صعوبة إنجاز فيلم روائي طويل بلا تمويل مسبق، مشيراً إلى أن كل مرحلة من مراحل التصوير شهدت فريقاً مختلفاً تقريباً، باستثناء مدير التصوير الذي بقي ثابتاً، لافتاً إلى أن اختلاف الطواقم بين بلد وآخر فرض تحديات تقنية في ما بعد الإنتاج، سواء على مستوى توحيد اللون أو الصوت أو الإيقاع العام، لكنه رأى في الوقت نفسه أن هذا التنوع لم ينعكس سلباً على روح العمل، لأن الجميع اشتغل بحب وإيمان.

وأضاف أن الفيلم مثال عملي على ما يسمى بـ«السينما المستقلة»، لكنه انتقد في الوقت ذاته المفهوم الشائع للاستقلالية، موضحاً أن «كثيراً من المخرجين يكتبون نصوصهم وهم يفكرون مسبقاً في شروط صناديق الدعم، ما يحدّ من حريتهم الإبداعية. أما في حالته، فقد بدأ التصوير من دون أي تمويل، ولم يتقدم إلى الصناديق إلا بعد انتهاء التصوير، حين كان قد سيطر بالكامل على السرد والشكل النهائي للفيلم».

وعن عملية الكتابة، قال إنه لا يميل إلى النصوص المغلقة، بل يترك مساحة واسعة للتطور أثناء التصوير، موضحاً أن الحوارات وبعض التفاصيل بُنيت في موقع التصوير، لأن اعتماده على تجربة شخصية مع الحصار منحه مرونة لتعديل الأحداث وفق المعطيات المتاحة في كل بلد، من دون المساس بروح القصة.

وأكد الخطيب أن الممثلين أضافوا إلى الشخصيات أكثر مما كان يتوقع، وأن الفيلم نتاج عمل جماعي حقيقي، شارك فيه الجميع، من مدير التصوير إلى المنتج الذي لم يكتف بدوره الإداري، بل كان حاضراً في الموقع، يساهم في تجهيز الديكورات والملابس وحتى التفاصيل التقنية، بسبب محدودية الميزانية.

وفيما يتعلق بعلاقته بالمهرجانات، قال إن الحديث عن عدم الاكتراث بها ليس دقيقاً، لأن المهرجانات الكبرى تشكل منصة أساسية للعرض والتوزيع، مشيراً إلى أن كثيراً من المهرجانات العربية تختار أفلامها بناء على مشاركاتها الدولية، ما يجعل الوجود في مهرجانات مثل «برلين» خطوة استراتيجية لأي فيلم عربي مستقل.

Your Premium trial has ended


الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)

يعود بينالي الفنون الإسلامية في دورته الثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 لصالة الحجاج الغربية في مدينة جدة، ليبني على النجاحات التي حقّقها في دورتيه الأولى والثانية.

وكانت الدورات السابقة من البينالي قد نجحت في خلق ظاهرة فنية عالمية مدعومةً بعدد من الشراكات الاستراتيجية مع مؤسسات ثقافية سعودية، من بينها الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ومجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية، ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). وقد أسهمت هذه الشراكات في تقديم قطع أثرية وأعمال فنية للجمهور للمرة الأولى، أبرزها عرض كسوة الكعبة المشرفة كاملةً في الدورة الثانية عام 2025، فيما يؤكد التزام المؤسسة بإتاحة الأعمال النادرة ذات الأهمية الثقافية الاستثنائية للجميع.

جائزة المصلى تعود مع الدورة الجديدة لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

جائزة المصلى

كما شكّل البينالي منصةً لإطلاق مبادرات طموحة، من أبرزها جائزة المصلى، المسابقة المعمارية الدولية التي أطلقتها المؤسسة عام 2024، بهدف تطوير مقاربات مبتكرة في مجال تصميم أماكن العبادة، تعيد تصوّر مستقبل هذه الأماكن كمساحات مؤقتة ومتنقلة، قابلة للتفكيك وإعادة التركيب بسهولة، وقادرة على تجاوز حدود التصميم والتقنيات المستدامة.

المدار... منصة عالمية

ويحتل «المدار» أهمية محورية في هذا التوسّع، وهو مبادرة رائدة ابتكرتها مؤسسة بينالي الدرعية لتحويل البينالي من معرض دوري إلى منصة عالمية مستدامة للفنون الإسلامية، وتجسّد التزام المملكة بالتعاون الثقافي على المستوى الدولي وعبر مختلف التخصصات. أُطلق «المدار» مع الدورة الأولى للبينالي، ويعكس فهماً للتراث الإسلامي باعتباره مجالاً حياً ومتجدداً، حيث يعيد تصوّر آليات جمع كنوز الحضارة الإسلامية من مختلف العصور والجغرافيات ودراستها وتقديمها للجمهور للتفاعل معها.

وتشمل الخطط الجديدة تحويل «المدار» إلى مبادرة فاعلة على مدار العام، ترتكز على 4 محاور رئيسية، هي: «معرض المدار»، الذي يُقام في كل دورة من بينالي الفنون الإسلامية، وتصاحبه برامج ثقافية عامة، و«منصة المدار الرقمية»، التي توظف أحدث التقنيات في أعمال البحث والتبادل الثقافي وصياغة السرديات المتعلّقة بالفنون والثقافة الإسلامية، و«مبادرات المدار»، التي تُعنى بتنظيم الندوات وجلسات الحوار وورش عمل تدعم البحث وتطوير الممارسة الإبداعية، و«مجتمع المدار»، وهو شبكة متخصصة تجمع أهم المؤسسات الدولية بهدف تعزيز تبادل المعرفة وبحث فرص التعاون المشترك.

جانب من قسم «المدار» في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

الفريق الفني

وقد تم اختيار فريق تقييم فني دولي ليقود بينالي الفنون الإسلامية 2027 بعد عملية اختيار دقيقة، بدأتها المؤسسة بطرح دعوة مفتوحة لتقديم المقترحات، تلتها مراحل تقييم واختيار نهائي من قبل لجنة مختصة. وسيضم فريق القيمين الفنيين كلاً من البروفيسورة أزرا أكشاميا، وندى رضا، وويليام روبنسون بصفته القيّم الفني الرئيسي، ويجمع هذا الفريق خبرات تجمع بين الممارسات الفنية المعاصرة، والأبحاث التاريخية، والقيادة المؤسسية، ما يعزّز دور المؤسسة الريادي في حفظ ودراسة وعرض التراث الثقافي الإسلامي على المستوى الدولي.

جانب من جناح المدينة المنورة في الدورة الثانية لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

ومن المقرّر أن تقام الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، والدورات المقبلة من بينالي الدرعية للفن المعاصر في نهاية كل عام، ما يتيح للمؤسسة التركيز على تعميق الشراكات المؤسسية ومواءمة البيناليات مع التقويم الثقافي الأوسع للمملكة. وسيبني بينالي الفنون الإسلامية في نسخته المقبلة على ما حقّقته الدورتان الأولى والثانية من نجاح، نتج عنه عرض ما يزيد عن 500 قطعة أثرية من أكثر من 40 مؤسسة، تمثل أكثر من 20 دولة، حيث ضاعفت الدورة الثانية عدد المؤسسات المشاركة 3 مرات مقارنةً بالدورة الأولى.


«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
TT

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»، الذي يتخذ اسمه من أحد أحياء العاصمة الرياض، حيث يتقدّم الماضي بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل الحاضر، وتتقاطع مصائر الشخصيات على إيقاع ذاكرة جماعية مثقلة بالتجارب.

تتناول قصة العمل عودة رجل كبير بالسن (إبراهيم الحساوي) إلى الحي بعد سنوات طويلة، محملاً بشعور متراكم من الظلم وذاكرة تحتفظ بتفاصيل قاسية، وتتحوّل هذه العودة إلى مشروع انتقام من أهل الحي الذين يرى أنهم كانوا سبباً فيما آل إليه مصيره، وذلك بتنفيذ مباشر من ابنه (محمد القس)، وتعاونه في خططه أخته (نيرمين محسن).

إبراهيم الحساوي ومحمد القس في مشهد يجمع الأب وابنه لتنفيذ خطط الانتقام (شاهد)

خيار التحوّل الفني

وفي قلب المكان المليء بالمكائد، والخطط الإجرامية، تبرز شخصية «منيرة» التي تؤديها الممثلة نيرمين محسن بوصفها الابنة الصغرى للأب المظلوم، في دور يمثّل محطة مهمة في مسار نيرمين التي قدّمت خلال السنوات الماضية أدواراً تميل إلى الكوميديا، والأعمال الخفيفة، قبل أن تختار مؤخراً الانتقال إلى مساحة درامية أكثر كثافة، وتعقيداً.

وفي حديثها لـ«الشرق الأوسط»، تعبّر نيرمين عن سعادتها بهذه التجربة، وترى أن «حي الجرادية» منحها فرصة حقيقية لإظهار جانب آخر من أدواتها التمثيلية. وتوضح أن بداياتها في الكوميديا، وأعمال التقليد جعلت معظم العروض التي تصلها تدور في الإطار نفسه، وهو ما جعلها تنتظر النص الدرامي الذي يفتح أمامها خطاً مختلفاً في مسارها الفني.

من المسرح الجاد إلى الشاشة

تشير نيرمين إلى أنها اشتغلت على هذا النوع من الأداء سابقاً في المسرح الروائي الجاد، وحقّقت فيه حضوراً لافتاً، وكانت تتطلع إلى نقل هذه التجربة إلى الدراما التلفزيونية عبر نص يمنحها مساحة أوسع للتعبير. وتضيف أنها في موسم دراما رمضان قدّمت شخصيتين مختلفتين درامياً، «منيرة» في «حي الجرادية» و«عهود» في مسلسل «أنا ولا أنا»، وهو ما تعتبره خطوة مهمّة في مسيرتها، لأنه يوسّع خياراتها، ويضعها أمام تحديات تمثيلية جديدة.

وبالسؤال عن انجذابها إلى شخصية منيرة، توضّح أن ما لفتها هو طبيعة هذا التكوين النفسي المركّب، مبينة أن الشخصية تقوم على فكرة «شرّ مخفي» يظهر عبر التفاصيل الدقيقة أكثر مما يظهر عبر الملامح، أو السلوك المباشر، وينبع هذا الشر من صدمة طفولة، ومن رغبة دفينة في الانتقام، بينما تحافظ الشخصية في الظاهر على صورة هادئة، ومترددة. وتشرح أنها قرأت الشخصية أكثر من مرة، وحاولت أن تتعرّف عليها بعمق، وأن تفهم ردود فعلها، وأن تقترب منها بوصفها إنسانة تحمل صراعاً داخلياً بين جانب طيب حاضر في تكوينها، ودافع داخلي يدفعها إلى خيارات قاسية.

نيرمين محسن من قلب تصوير المسلسل (انستغرام الممثلة)

بناء المسار النفسي

كما تؤكد نيرمين أن التحضير للشخصية جاء ضمن عمل جماعي عبر بروفات الطاولة التي جمعت فريق العمل تحت إشراف المخرج منير الزعبي. وفي هذه الجلسات، جرى النقاش حول أبعاد الشخصية، وتفاصيلها النفسية، ومسارها داخل الحكاية، وهو ما ساعد على تثبيت ملامحها الداخلية، وضبط إيقاعها النفسي.

وعن أكثر الجوانب التي شكّلت تحدياً لها في تجسيد منيرة، توضّح نيرمين أن طبيعة الدوافع والانفعالات تمثّل المحور الأساسي لهذا التحدي، فالشخصية تعتمد في حركتها الدرامية على ما يجري في الداخل أكثر مما يظهر في الخارج، وذلك من خلال لغة جسد هادئة، ونبرة محسوبة، بينما الداخل مزدحم بالصراعات، والذكريات التي تواصل تأثيرها في قراراتها.

وينسجم حديث نيرمين محسن مع طبيعة «حي الجرادية»، إذ يقوم العمل على بناء توتّر تدريجي يتكشّف عبر الزمن، وتظهر الشخصيات طبقة بعد أخرى، لتتحوّل العلاقات اليومية إلى مساحات مشحونة بالقلق، والخوف، ما بين عالم تجّار المخدرات، وجرائم القتل، والابتزاز، دون أن يكون هناك حد رادع لهوس الانتقام، والرغبة في تدمير سكان الحي.

وبالسؤال عن التفاعل الجماهيري، تقول نيرمين إن الأصداء التي وصلتها تحمل طابعاً مشجّعاً، وتعبّر عن سعادتها برؤية هذا التفاعل مع العمل، ومع الشخصيات. وترى أن الجمهور السعودي اليوم يتمتّع بوعي فني، ونضج في تلقّي الأعمال الدرامية، ويقدّر الجهد حين يُقدَّم بصورة احترافية، وفي ختام حديثها، وجّهت حديثها للمشاهدين بالقول: «إن الأحداث المقبلة تحمل تصاعداً أكبر بكثير».