قيود واندماجات وتشريعات لـ«ضبط» المشهد الإعلامي العربي في 2018

الأخبار الكاذبة تمنح الصحافة أملاً بمواجهة مواقع التواصل

جاءت سوريا في ذيل القائمة في المرتبة الـ 177 لتقرير منظمة «مراسلون بلا حدود» عن مؤشر حرية الصحافة هذا العام (غيتي)
جاءت سوريا في ذيل القائمة في المرتبة الـ 177 لتقرير منظمة «مراسلون بلا حدود» عن مؤشر حرية الصحافة هذا العام (غيتي)
TT

قيود واندماجات وتشريعات لـ«ضبط» المشهد الإعلامي العربي في 2018

جاءت سوريا في ذيل القائمة في المرتبة الـ 177 لتقرير منظمة «مراسلون بلا حدود» عن مؤشر حرية الصحافة هذا العام (غيتي)
جاءت سوريا في ذيل القائمة في المرتبة الـ 177 لتقرير منظمة «مراسلون بلا حدود» عن مؤشر حرية الصحافة هذا العام (غيتي)

قد يكون العنوان الأبرز للمشهد الإعلامي العربي في عام 2018 هو مواجهة الأخبار الكاذبة وما ترتب على ذلك من تحديات وفرص، فعلى مدار العام أقيمت مؤتمرات وجلسات حوارية لإيجاد حل لهذه المشكلة التي أرقت المنطقة العربية والعالم على حدٍ سواء، ومع ذلك فإن هذه الأزمة أعطت بعض الأمل للإعلام التقليدي كوسيلة للتحقق من المعلومات في مواجهة الإعلام الجديد أو السوشيال ميديا.
لكن وعلى مستوى آخر، فإن المعركة لا تزال دائرة بين ما يسمى بالإعلام القديم والحديث، وباتت وسائل الإعلام العربية القديمة تعاني تحت وطأة سيطرة مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الحديث على الشبكة العنكبوتية.
ليس هذا هو الخطر الوحيد الذي يهدد الإعلام العربي فعام 2018 كان حافلاً بالتحديات سواء تلك المتعلقة بالقيود والتشريعات القانونية، أو بمستوى الحريات الممنوحة للصحافة والإعلام، ومحاولات جهات حكومية السيطرة على مضمون الرسالة الإعلامية عبر اندماجات وتحالفات، أو عن طريق أزمات مالية متلاحقة عصفت بالإعلام بشكل عام، والصحافة الورقية بشكل خاص، مما أدى إلى إغلاق قنوات تلفزيونية وصحف ورقية.
وعلى صعيد التشريعات القانونية شهد العام محاولات عربية عدة لسن تشريعات إعلامية لـ«ضبط المشهد»، فأصدرت مصر 3 قوانين لتنظيم الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، ووضعت للمرة الأولى نصوصاً خاصة بالمواقع الإلكترونية، وحددت طرقاً لترخيصها، وفي السودان تم تعديل قانون الصحافة والمطبوعات، بينما ما زالت دول أخرى مثل البحرين ولبنان تعمل بقوانين قديمة يؤكد قائمون على العمل الإعلامي أنها لم تعد تتواكب مع العصر، وفي الجزائر ما زال العاملون بقطاع الإعلامي المرئي والمسموع يعانون من عدم إصدار الحكومة للائحة التنفيذية للقانون الصادر عام 2014 لتنظيم عمل الإعلام المرئي والمسموع، وكسر احتكار الدولة للتلفزيون، لتعامل القنوات التلفزيونية الخاصة في الجزائر، باعتبارها مكاتب لوسائل إعلام أجنبية.
وتثير قضية التشريعات الإعلامية سواء كانت قديمة أو جديدة الجدل في كل دولة تثار فيها هذه القضية، فبينما يرى البعض في التعديلات قيوداً جديدة على حرية الإعلام، ومحاولة من جانب الدولة السيطرة عليه، يؤيد آخرون هذه القيود للحد من الفوضى الإعلامية.
الناشر المصري هشام قاسم يرى في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «القوانين الجديدة ما هي إلا محاولة لفرض مزيد من القيود على حرية الإعلام»، مؤكداً أن ضبط المشهد الإعلامي «لن يحدث إلا بمزيد من الحرية، فالمنافسة هي التي ستمنح الإعلام القدرة على التطور».
لكن الإعلامي اللبناني جورج قرداحي كان له رأي آخر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «القوانين ضرورية لتنظيم الإعلام، ووضع قيود حتى لا يتجاوز الإعلام الخطوط الحمراء التي تمس بالسلم الأهلي والتعايش بين المواطنين».
الصحافي التونسي توفيق حبيب، رئيس تحرير مجلة ليدرز، كان أيضاً مع إنشاء كيانات لتنظيم عمل الإعلام، وإن كان يؤكد على «تمتع الإعلام التونسي بالحرية»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» «إن الدستور التونسي الصادر في عام 2014، نص على تكوين هيئة للاتصال السمعي والبصري، لكن هذا لم يحدث حتى الآن».
ورصدت منظمة «مراسلون بلا حدود» في تقريرها الأخير عن مؤشر حرية الصحافة لعام 2018، أن «العداء للصحافيين يزداد عالمياً»، وصنف التقرير، الذي يقيس حرية الصحافة في 180 دولة، الدول العربية في مراكز متأخرة، بسبب النزاعات المسلحة والاتهامات بالإرهاب، وزيادة الرقابة، مما يجعل ممارسة المهنة في الوطن العربي «أمراً خطيراً»، وجاءت سوريا في ذيل القائمة في المرتبة 177، ثم اليمن 167، والبحرين 166، وليبيا 162، ومصر 161، والعراق 160، والجزائر 136، والمغرب 135، والإمارات 128، ولبنان 100، وتونس 97.
لكن التشريعات والقيود القانونية سواء مقيدة أم ضابطة للمشهد الإعلامي العربي، ليست هي الوسيلة الوحيدة التي يتم اللجوء إليها للسيطرة على الرسالة الإعلامية، فهناك وسائل أخرى مثل حبس الصحافيين والإعلاميين، ربما كان أبرزها في المغرب حبس الصحافي المغربي توفيق بوعشرين، أو امتلاك الدولة أو جهات محسوبة عليها لوسائل الإعلام وربما كان المثال الأوضح على ذلك خلال عام 2018 ما حدث في مصر، من اندماج عدة شبكات فضائية، ودخولها تحت مظلة واحدة، أدت في النهاية إلى إغلاق الكثير من القنوات وتسريح عدد من الإعلاميين، ووقف عدد من البرامج لمشاهير الإعلاميين مثل لميس الحديدي.
رئيس التحرير السابق لصحيفة «المصري اليوم» محمد السيد صالح، عدّ في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «الاندماجات تمثل خطورة على المشهد الإعلامي»، وقال إن «قطاعاً كبيراً الآن يضم مؤيدين للسلطة ينتقدون تدخل جهات ذات طابع رسمي للسيطرة على المشهد الإعلامي، خصوصاً وأن إدارة الموقف لا تجري باحترافية».
ويضيف صالح: «ما نراه اليوم يثبت أن هذه الاندماجات كانت بلا خطة ولا هدف، فهناك قنوات أغلقت في نفس العام الذي أطلقت فيها»، ويقدر أن «الخسائر بالمليارات، لكن الخسارة الأكبر تكمن في الجمهور الذي انصرف عن هذه القنوات إلى وسائل إعلام أخرى خارجية».
الأزمات المالية تحدٍ آخر أضيف لما واجهه الإعلام العربي في العام المنصرم، وكان ذلك بسبب تراجع عائدات الإعلانات، وارتفاع تكلفة الطباعة، وسعر الورق، في ظل انخفاض التوزيع واتجاه الجمهور للصحافة الإلكترونية كبديل عن الورقية.
وشهد عام 2018 تقليص أماكن طباعة صحيفة الحياة ورقياً وتقديم نسخة إلكترونية لقرائها، كما تم إغلاق دور صحافية عريقة مثل دار الصياد في لبنان، وتوقف صحف تونسية عن الطباعة واكتفائها بالمواقع الإلكترونية، وما نتج عن ذلك من تشريد صحافيين، وكان أكبر تعبير عن الأزمة هو إصدار صحيفة النهار اللبنانية عدداً من الجريدة بصفحات بيضاء.
توضح الصحافية التونسية آسيا العتروس، رئيس تحرير أول في جريدة الصباح التونسية، لـ«الشرق الأوسط» أزمة صحيفتها كواحدة من الصحف المصادرة في تونس في أعقاب الثورة التونسية، وتقول: «صحيفة الصباح واحدة من المؤسسات الإعلامية التي نشأت في تونس في أعقاب استقلالها، فعمرها من عمر تونس لكنها اليوم مهددة، حيث لم تحظَ بالإصلاح المطلوب في ظل فساد المشهد الإعلامي عبر ما يسمى بتعيينات الولاءات (أصحاب الولاء)».
ورأت العتروس أن «مناخ الحريات الصحافية في تونس لم يقابله استثمار لهذه الحرية، لتشهد الساحة الإعلامية منافسة شرسة بين مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة التقليدية».
ويرى رئيس تحرير مجلة ليدرز التونسية أن «الصحافة كانت أكبر مستفيد من الثورة التونسية، خاصة فيما يتعلق بالتحرر والتعددية، وإن كانت هناك محاولات لتجنيدها أو احتوائها في بعص الأحيان»، ويشير حبيب إلى أن «قلة المنافسة الاقتصادية بسبب ما حدث في ليبيا، أدى إلى انحسار الإنفاق الإعلامي وغياب الإعلانات والاشتراكات».
ويقول: «عام 2018 شهد صدور صحف ومحطات ومواقع مجهولة التمويل لا تخضع لأي منطق اقتصادي، واحتجاب صحف عتيدة مثل جريدة الصريح اليومية، وأخبار الجمهورية الأسبوعية، واكتفائها بنسخ إلكترونية، وتراكم ديون وأزمات مالية في دور صحافية أخرى مثل الصباح».
وتعد المنافسة مع مواقع التواصل الاجتماعي، والإعلام الإلكتروني أحد أهم أسباب الأزمة التي تعاني منها الصحافة الورقية، خاصة مع هروب المعلنين إلى تلك المساحات الجديدة التي يمكن قياس مدى تأثيرها، بعيداً عن مؤشرات وهمية يتيحها الإعلام التقليدي.
خالد البرماوي، الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الحديث، يوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الصراع بدأ بين شركات السيلكون فالي وشركات الإعلام، على مساحة الإعلانات، لنصل اليوم إلى استحواذ (غوغل) و(فيسبوك) على 85 في المائة من الإعلانات، مقابل 15 في المائة لباقي وسائل الإعلام».
ويقول البرماوي إن «العالم استشعر خطورة السوشيال ميديا خاصة بعد الانتخابات الأميركية الأخيرة، وبدأت تحالفات إعلامية تضغط في مواجهة ما سمي بالأخبار المفبركة، واستطاعت خلال عام 2018 استعادة المصداقية لمنصاتها الإعلامية خاصة فيما يتعلق بالتحقق من الأخبار المفبركة والمغلوطة التي ثبت تأثيرها السلبي على المجتمع».
وإن كانت المعالجة عالمياً جاءت ملائمة بدرجة أو بأخرى، فإن الوضع مختلف عربياً، ويرى البرماوي أن «المنطقة العربية متأخرة في المشكلة والحل، رغم أن المشكلة أصعب هنا لأن وعي المواطن أقل»، لكنه في الوقت نفسه يرى أن «هناك حالة بسيطة متنامية في الشارع العربي مفادها أن السوشيال ميديا أكثر انتشاراً لكنها ليست الأكثر مصداقية، والتحقق من المعلومة يستلزم اللجوء لوسائل الإعلام التقليدية».
ودعا البرماوي وسائل الإعلام إلى «العمل على سد الفراغ على الإنترنت بتوفير محتوى نادر قادر على المنافسة في العصر الإلكتروني».
لكن فتحي أبو حطب، مدير عام مؤسسة المصري اليوم، يرى أن «وسائل الإعلام التقليدية في الوطن العربي خسرت المعركة في مواجهة الإعلام الحديث»، ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «النموذج الربحي للإعلام الذي كان قائماً على الإعلانات تغير، ولم يعد بإمكان الإعلام التقليدي جذب النسبة المطلوبة من المعلنين لافتقاده البيانات التي توفرها وسائل الإعلام الحديث عن طبيعة الجمهور وصفاته وحجمه، وما يدفع المعلنين إلى الإنترنت».
ويضيف أبو حطب أن «الإعلام في العالم تنبه إلى هذا التغير، وبدأ يعتمد على الاشتراكات، كما يحدث في نيويورك تايمز مثلاً»، متسائلاً: «هل لدى الإعلام العربي ما يستحق أن يدفع الجمهور مقابله؟»، ومشيراً إلى أن «المسألة تتطلب تحالفات وتوفير محتوى تستطيع تسويقه عالمياً»، واصفاً المؤسسات العربية بأنها «خارج الصناعة، وإن بقيت ستكون مؤسسات بائسة جداً».
وعلى صعيد التلفزيون والإنتاج التلفزيوني ضرب أبو حطب مثلا بشبكة نتفليكس، التي تحقق عائدات تبلغ 11 مليار دولار في السنة، مشيرا إلى أن «هناك شركات عربية بدأت تنتح لهذه المنصات، في ظل تراجع الإنتاج الدرامي والإعلامي في القنوات التقليدية»، ويقول: «للأسف فإن الإنترنت وسيط لم تنتبه له المؤسسات الصحافية».
ونظراً لطبيعة الإعلام العربي الذي يدخل المال السياسي فيه كجزء مهم من اللعبة فقد لا نشهد توقفاً للإعلام التقليدي، حيث سيستمر حتى وإن كان بلا جمهور لأن الساسة ما زالوا يؤمنون بأهميته ويسعون للتحكم فيه، وهو ما يعبر عنه الصحافي التونسي توفيق حبيب الذي يتوقع أن يشهد عام 2019 في تونس وهو عام الانتخابات، «محاولات لكسب وسائل الإعلام التقليدية واستمالتها وتمويلها لأغراض انتخابية».


مقالات ذات صلة

ترمب يغازل مذيعة «فوكس نيوز» بعد سؤال عن أوضاع إيران

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 26 مارس 2026 (أ.ب)

ترمب يغازل مذيعة «فوكس نيوز» بعد سؤال عن أوضاع إيران

أثنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مظهر مذيعة شبكة «فوكس نيوز» مباشرةً بعد سؤاله عن أحوال المدنيين في إيران التي مزقتها الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم العربي اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ «كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)

مصر تحذر من محاولات تقويض علاقاتها بالدول العربية عبر السجالات الإعلامية

حذرت مصر من محاولات بث الفرقة وتقويض العلاقات المصرية - العربية عبر وسائل الإعلام على وقع الحرب الإيرانية.

أحمد عدلي (القاهرة )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ) p-circle

«الخيانة العظمى»... ترمب يلوّح بأقصى العقوبات ضد الإعلام بسبب تغطية الحرب الإيرانية

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقادات حادة لعدد من المؤسسات الإعلامية، مطالباً بمحاكمتها بتهمة «الخيانة العظمى» على خلفية تغطيتها للحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
TT

«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)

ما عاد ثمة ريب في أن الذكاء الاصطناعي أصبح إحدى أكثر التقنيات تأثيراً في تشكيل الاقتصاد العالمي. وعلى مدى العقد الماضي، هيمنت حفنة من شركات التكنولوجيا والحكومات، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، على العديد من الإنجازات في مجال التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي التوليدي. ومن الأبحاث الرائدة إلى المناقشات التنظيمية المحورية، جرت صياغة أجندة الذكاء الاصطناعي العالمية داخل «وادي السيليكون»، وواشنطن، وبروكسل ولندن.

مع ذلك، أثناء انعقاد «قمة الذكاء الاصطناعي العالمية» التاريخية عام 2026 في نيودلهي، شرعت الهند في مسعى أكثر طموحاً وهو إعادة تموضعها، ليس فقط كمشارك في ثورة الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً كـ«مهندس رئيس» لمستقبلها.

صورة من «القمة» (أ.ف.ب)

منصة عالمية فريدة

لقد شارك في هذه «القمة»، التي استغرقت ستة أيام، نخبة من صنّاع السياسات والباحثين والمستثمرين والمديرين التنفيذيين من شركات التكنولوجيا الرائدة، بينهم ممثلون عن شركات عملاقة. وضمّت قائمة الرؤساء التنفيذيين في القمة أسماءً لامعة، على صعيد صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية، مثل سوندار بيتشاي («غوغل» و«ألفابيت»)، وسام ألتمان («أوبن إيه آي»)، وداريو أمودي («أنثروبيك»)، وديميس هاسابيس («غوغل ديب مايند»)، إضافة إلى الملياردير موكيش أمباني، رئيس شركة «ريلاينس إندستريز»، الذي تتخذ مجموعته خطواتٍ حثيثة بمجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وأيضاً وفّرت «القمة» منصة عالمية فريدة، باستضافتها نخبةً من قادة العالم، منهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بجانب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.

وبينما أثنى ماكرون على الإطار الرقمي المتميز للهند، داعياً إلى إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية، حذّر غوتيريش من أن «مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُقرره عدد قليل من الدول، أو يُسيطر عليه عدد قليل من المليارديرات»، داعياً إلى نهج أكثر شمولاً وإنصافاً في تطور هذه التكنولوجيا.

تكنولوجيا أساسية

في أي حال، سلطت القمة الضوء على اتجاه عالمي أوسع نطاقاً. إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي حكراً على عدد قليل من مراكز الأبحاث النخبوية، بل غدا تكنولوجيا أساسية تُؤثر على مختلف الصناعات في جميع أنحاء العالم. وبالفعل، سلطت «قمة» نيودلهي الضوء بشكل واضح على الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية الفورية للذكاء الاصطناعي. وبالنسبة الهند والعديد من دول «الجنوب العالمي»، جرى التركيز على كيفية نشره على نطاق واسع لتسريع وتيرة جهود التنمية.

وهكذا خرجت رسالة «القمة» مؤكدة ألاّ يبقى الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا حصرية تسيطر عليها قلة من الاقتصادات الغنية، بل وجوب تطويره إلى أداة متاحة للجميع، تستطيع معالجة التحدّيات العالمية كالرعاية الصحية، ورصد المناخ، والإنتاجية الزراعية.

في هذا الصدد، وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل»، الذكاء الاصطناعي بأنه «نقلة نوعية في المنصات»، وحث على السعي إليه «بجرأة» و«بمسؤولية» لتجنب اتساع «الفجوة بمجال الذكاء الاصطناعي». وشدد على الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، مُعلناً أنه أكثر أهمية من اكتشاف النار أو الكهرباء.

غوتيريش يلقي كلمته (UNIC)

استثمارات تكنولوجية ضخمة

من ناحية ثانية، شهدت «القمة» كذلك مواقف مهمة بشأن الاستثمارات في منظومة الذكاء الاصطناعي المزدهرة في الهند. إذ كشف ألتمان، عن أن الهند من أهم أسواق «أوبن إيه آي»، وأنها تضم أكثر من 100 مليون مستخدم نشط أسبوعياً لخدمة «تشات جي بي تي»؛ لتحتل بذلك المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة. أما «غوغل» فأعلنت مجموعة من الالتزامات، بينها مسارات جديدة للألياف الضوئية، ضمن مبادرة «أميركا ـ الهند كونكت» لتعزيز الاتصال الرقمي بين البلدين ومواقع أخرى في نصف الكرة الجنوبي. وعلاوة على ذلك، أعلنت Google.org عن مبادرة منفصلة بعنوان «تحدي الذكاء الاصطناعي من أجل الابتكار الحكومي»، كدعوة عالمية للمنظمات التي تُطوّر حلولاً مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على إحداث نقلة نوعية في الخدمات العامة.

من جهتها، أعلنت مجموعة «أداني»، من القطاع الخاص، عن تخصيص استثنائي بقيمة 100 مليار دولار أميركي، لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الهند، باستخدام الطاقة المتجددة بحلول عام 2035. وأوضحت المجموعة أن هذا الاستثمار سيحفز استثمارات إضافية بقيمة 150 مليار دولار في قطاعات مجاورة، تتضمن تصنيع الخوادم، ومنصات الحوسبة السحابية السيادية، والبنية التحتية الكهربائية المتقدمة. كما خصصت الهند 1.1 مليار دولار أميركي لصندوق رأسمال استثماري مدعوم من الدولة، مخصص للشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم.

وبالتوازي، برزت مبادرة شركة «كوالكوم»، التي كشفت عن برنامج استثماري بقيمة 150 مليون دولار، مصمّم خصيصاً لدعم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، يركز على البرمجيات المتقدمة وتكنولوجيا أشباه الموصلات. ومن المقرر أن يتعاون هذا البرنامج مع شركتي «تاتا للإلكترونيات» و«سارفام للأبحاث» الناشئة.

وبشكل عام، تجاوزت التزامات الاستثمار المرتبطة بـ«القمة» 250 مليار دولار أميركي، لتشمل مزيجاً متنوعاً من مبادرات القطاع الخاص والحكومة. ويؤكد محللون على أهمية هذه الاستثمارات، بفضل تزايد اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على القدرات الحاسوبية؛ ما يستلزم بنية تحتية ضخمة للبيانات.

الأثر الملموس للذكاء الاصطناعي

أيضاً، كان من أبرز المواضيع التي برزت في «القمة» التوسع في نطاق التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي. عرضت الشركات الناشئة والمؤسسات البحثية بفخر تكنولوجيات رائدة تهدف إلى إحداث ثورة في تشخيص الرعاية الصحية، وتعزيز الإنتاجية الزراعية، وتحسين فرص الحصول على التعليم. ومن بين العروض التوضيحية البارزة، أداة تشخيصية تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على تحديد اعتلال العين السكري من خلال تحليل متطور للصور؛ ما يتيح إمكانية الكشف المبكّر في العيادات التي تتسم بمستوى محدود من الرعاية المتخصصة.

وقدمت شركات أخرى أدوات ذكاء اصطناعي مبتكرة مصمّمة لتحليل حالة المحاصيل باستخدام صور الأقمار الاصطناعية؛ الأمر الذي يمدّ المزارعين بمعلومات قيّمة لتحسين المحاصيل وتقليل الأثر البيئي. وتُظهر هذه التطبيقات بوضوح كيف يتجاوز الذكاء الاصطناعي البحث التجريبي، ويتغلغل في قطاعات ذات آثار اجتماعية واقتصادية مباشرة وعميقة.

سباق البنية التحتية

في سياق متصل، تمحوَرت إحدى الركائز الأساسية للمناقشات على الطلب المتزايد بسرعة على البنية التحتية الحاسوبية اللازمة لبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ويتطلب تدريب نماذج اللغة الضخمة المعاصرة كميات هائلة من القدرة الحاسوبية وأجهزة متخصصة. وعليه، غدت شركات مثل «إنفيديا» ركيزة أساسية في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية، مع اعتماد وحدات معالجة الرسوم الخاصة بها الكثير من نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً في العالم. ومن المقرر أن تدمج هذه المبادرة آلاف وحدات معالجة الرسوم العالية الأداء، والمخصصة تحديداً لدعم الجامعات ومختبرات الأبحاث والشركات الناشئة الواعدة.

سد الفجوات اللغوية

التحدّي المعقّد المتمثل في التنوّع اللغوي ناقشته «القمة» بعناية. وتاريخياً، جرى تدريب معظم نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الرائدة، بشكل أساسي، على بيانات اللغة الإنجليزية. ولكن، يتواصل مليارات الأشخاص حول العالم بلغات أخرى. وبالتالي، قدّم المطوّرون أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة مصممة بدقة لمواجهة هذا التحدي. وهنا يبرز BharatGen Param2، كنموذج لغوي ضخم مصمم خصيصاً لدعم جميع اللغات الهندية الـ22 المعترف بها دستورياً. كذلك، عرضت شركة «سارفام إبه آي» نموذجاً متعدد اللغات ضخماً مبنياً على بنية «مزيج من الخبراء»؛ بهدف تحسين الكفاءة وقابلية التوسع بشكل كبير.

التحديات

أخيراً، لا تزال التحديات قائمة، وبخاصة الحاجة إلى تعزيز صناعة أشباه الموصلات، ودعم مؤسسات البحث المتقدمة، وتعميق التعاون الدولي. ولكن مع هذا، أشارت المناقشات والالتزامات المقنعة، التي شهدتها «القمة» بقوة إلى أن مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي يشهد بالفعل تطوراً كبيراً. وفي حين يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي قد بدأ عصره الحديث في عدد محدود من مختبرات التكنولوجيا، فإن الخبراء يؤكدون أن مستقبله سيتشكل من خلال نظام بيئي عالمي مترابط أوسع نطاقاً.


منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار

ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
TT

منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار

ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)

عزّز التفاعل مع حفل توزيع جوائز الأوسكار على منصّات التواصل الاجتماعي المنافسة مع التلفزيون. فوفق بيانات لشركة «نيلسن» المتخصّصة في قياسات وأبحاث سوق الإعلام، نشرتها شبكة «إيه بي سي» الأميركية أخيراً، اجتذب البث التلفزيوني لحفل الأوسكار هذا العام 17.9 مليون مشاهد في الولايات المتحدة، بانخفاض بنسبة 9 في المائة عن العام الماضي، وهذه أدنى نسبة مشاهدة منذ عام 2022.

وتبعاً للشبكة نفسها، وتزامناً مع تراجع مشاهدة البث التلفزيوني للحفل السنوي السينمائي الكبير، ازداد التفاعل مع الحفل على منصات التواصل الاجتماعي بنسبة 42 في المائة هذا العام بالمقارنة مع عام 2025 ليصل إلى ‌أكثر من 184 مليون مشاركة.

خبراء التقدم بـ«الشرق الأوسط» رأوا أن «منصّات التواصل تفرض الآن واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار»، وذكروا أن المنصات الرقمية تتنافس لتكون المكان الذي يناقش فيه المشاهدون الأحداث لحظة بلحظة. والبيانات الخاصة بحفل الأوسكار تعزّز الآن الطروحات التي ترى أن العالم دخل رسمياً عصر ما بعد التلفزيون التقليدي.

الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي بليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقةً إن ما يحدث «جزء من التحوّل في أنماط استهلاك المحتوى حول العالم، في ظل الاعتماد على الهواتف الجوالة ومنصات التواصل الاجتماعي».

وأردفت أن «البيانات الخاصة بحفل الأوسكار تعزّز الطروحات التي تقول إن العالم قد دخل رسمياً عصر ما بعد التلفزيون التقليدي... وحتى الرياضة التي كانت الحصن الأخير للتلفزيون التقليدي شهدت انتقالاً لحقوق البث نحو المنصات الرقمية». ولفتت في هذا الصدد إلى صفقة «نتفليكس» مع «WWE بقيمة 5 مليارات دولار، واستحواذ شركة «Prime Video» على حق تغطية مباريات دوري الكرة الأميركية (NFL)، مضيفةً أن «هذه مؤشرات لا يمكن تجاهلها وستسهم في سحب جزء كبير من جمهور التلفزيون نحو منصات المشاهدة الرقمية».

إلا أن أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي ترى أن «التلفزيون يستطيع مع هذا تبني بعض الاستراتيجيات التي تضمن بقاءه ضمن هذه البيئة التنافسية»، وأن من بين هذه الاستراتيجيات «استراتيجية محرك الاكتشاف» عبر تصميم المحتوى القصير ليعمل «محرك اكتشاف» يحوّل المشاهدين الرقميين إلى جمهور مخلص للتلفزيون. ثم هناك استراتيجية ثانية تعتمد على «تفعيل نموذج التلفزيون الاجتماعي»، موضحةً أن هذه الأخيرة «تعتمد على تبني نموذج التسويق عبر البث المباشر من خلال دمج التفاعلية في الوقت الفعلي».

وأوضحت د. مي عبد الغني أن «التلفزيون يظل المصدر الأكثر ثقة للأخبار في الأوقات العصيبة مقارنةً بمنصات التواصل المزدحمة... ولكنّ تعزيز هذه المكانة يتطلب الالتزام الصارم بالتدقيق المهني وتطوير مهارات الكوادر البشرية للتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي».

وبالمناسبة، في ضوء التنافس بين المنصات والتلفزيون، من المقرر أن ينتقل بث حفل الأوسكار عام 2029 من شبكة «إيه بي سي» إلى موقع «يوتيوب» التابع لشركة «غوغل».

من جهة أخرى، أوضح محمد فتحي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن «منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار». وأشار إلى أن «قواعد اللعبة التنافسية بين التلفزيون والمنصات الرقمية تغيّرت، فتحولت من صراع بقاء إلى تكامل استراتيجي». ثم تابع أن «المعلنين ما عادوا الآن يكتفون بالإعلان التلفزيوني، إذ تثبت البيانات أن العلامات التجارية التي تدمج حملاتُها بين التلفزيون والمنصات تحقق عائداً أعلى بنسبة تصل إلى 800 في المائة». وأضاف أن «المنافسة ليست على جذب المشاهد لترك التلفزيون، بل على الاستحواذ على انتباهه في أثناء المشاهدة؛ فالمنصات الرقمية تتنافس لتكون المكان الذي يناقش فيه المشاهدون الأحداث لحظةً بلحظة».

ولفت فتحي إلى أن «التلفزيون فقد القدرة على الاحتكار، ولم يعد البوابة الوحيدة للأحداث، بل أصبح جزءاً من منظومة كبرى... نتيجة تغيير سلوك المشاهدة. فالمشاهد اليوم لا يشاهد 3 ساعات متواصلة، ويفضل اللحظات المفضلة والمقاطع القصيرة والقصص».

واستطرد أن «تراجع التلفزيون سيكون مفزعاً... نعم... إذا استمر التلفزيون بنفس الشكل القديم». لكنه استدرك ليشير إلى قدرته على الاستمرار بسبب بثّه الأحداث الرياضية والحفلات، وقدرته على الوصول إلى شريحة جمهور غير قادرة على امتلاك شاشات ذكية أو الوصول إلى الإنترنت، وهي شريحة تتقلص بمرور الوقت».

واختتم بالقول إن «المنافسة بين التلفزيون والمنصات الرقمية لم تعُد تهدف لإقصاء الآخر، بل أدّت إلى خلق نظام تكاملي، فالتلفزيون يتراجع بوصفه وسيلة وحيدة للبث، فيما تعمل المنصّات الرقمية مسوّقاً للأحداث وداعماً أكبر للانتشار».


حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».