وسط موجة الهبوط العالمي... أين تستثمر في 2019؟

الخبراء ينصحون بـ«الصبر» على الأسهم و«النظر» إلى الأسواق الناشئة

يرى أغلب المراقبين أن دورة صعود الأسواق العالمية التي استمرت لنحو 30 عاماً قد انتهت (أ. ب)
يرى أغلب المراقبين أن دورة صعود الأسواق العالمية التي استمرت لنحو 30 عاماً قد انتهت (أ. ب)
TT

وسط موجة الهبوط العالمي... أين تستثمر في 2019؟

يرى أغلب المراقبين أن دورة صعود الأسواق العالمية التي استمرت لنحو 30 عاماً قد انتهت (أ. ب)
يرى أغلب المراقبين أن دورة صعود الأسواق العالمية التي استمرت لنحو 30 عاماً قد انتهت (أ. ب)

ينتهي عام 2018 وسط ظروف ضاغطة لكل الأسواق الرئيسية في العالم، وبعد بداية مشرقة، جاء الربع الأخير لتتكاثف فيه كل المخاوف والمخاطر، ما أدى إلى هبوط واسع بالأسواق... ومع اتفاق الخبراء أن ظروف السوق ستكون أصعب مع مطلع العام الجديد، ما سينعكس على سلوك المستثمرين في 2019 يتوقع الخبراء أن يواجه المستثمرون معضلة حقيقية العام المقبل.
وعادت التقلبات مع حدوث ضجة في الربع الأخير من هذا العام، حيث دخلت الكثير من المناطق المختلفة في الأسواق العالمية «منطقة التصحيح» بانخفاض يلامس 20 في المائة، وعادة ما ينظر المستثمرون الأكثر تفاؤلا إلى أن هذا الانخفاض يعتبر «فرصة شراء محتملة». لكن مع تزايد الغموض السياسي والاقتصادي على جانبي المحيط الأطلسي، يجب عليهم أن يوازنوا خوفهم من فوات الفرص بما يعرف بـ«FOMO»، مقابل خوفهم من خسارة المال بما يعرف بـ«FOLM».
وقبل اثني عشر شهرا، لاحظ المستثمرون «فجأة» التغير الكبير الذي طرأ على أسواق السندات، حيث تحول التيسير الكمي إلى «تشديد كمي»، ووصف المحللون عام 2018 بأنه نهاية «دورة صاعدة» دامت لمدة 30 عاما.
وخلال العامين الماضيين، انتابت الأسواق بعض المخاوف، بدأت في 2016 بعد التصويت على الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي وفوز الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمقعد الرئاسة الأميركي، وتملك الخوف من الاقتصاديين والمستثمرين من عام 2017 إلا أنه تبين أنه عام رائع بالنسبة للاقتصاد العالمي.
وفي نهاية عام 2017، كان الجميع متفائلا بحلول 2018 لكنه كان عاما مخيبا للآمال إلى حد كبير بانقلاب الصورة في كل مكان، باستثناء الولايات المتحدة التي شهدت تحسنا في بعض المؤشرات الداخلية.
والآن، يخشى عدد أكبر من الاقتصاديين والمستثمرين من عام 2019 بعد توقعات باتجاه العالم نحو الركود، في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي خاصة في ظل انعكاس منحنى العائد، الذي يعد «أداة ذات مصداقية لدى الاقتصاديين للتنبؤ بالركود».
التساؤل الذي يتبادر في أذهان المستثمرين الآن، هل الانخفاض عبارة عن «موجات تصحيح»، أم سيثبت أن المتشائمين على حق بأن نبدأ العام بأسواق هابطة العام المقبل؟
وإذا كانت فعليا موجات تصحيحية، فإن هناك نقاطا معينة يمكن استهدافها في الأسواق الأميركية والأوروبية والأسواق الناشئة لمحاولة «الشراء العكسي»، أي الشراء مع نزول الأسهم أملا في المكسب عند معاودة الأسعار للارتفاع، لكن منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لم نر معاودة للارتفاع، ولم ينجح ما يعرف بـ«شراء الانخفاض»... وهو الأمر الذي يرجح استمرارية الانخفاض والتدهور في الأسواق العالمية في ظل المشكلات الجيوسياسية الراهنة.
- تشاؤم وتفاؤل
وقام بنك «مورغان ستانلي» في مذكرة نهاية أكتوبر بتعديل توقعاته إلى «سلبي» لـ21 فئة من فئات الأصول في جميع أنحاء العالم لهذا العام بالقيمية الحقيقية، وهو الأمر الذي لم نعهده في السوق العالمية منذ سبعينيات القرن العشرين، وهو دليل آخر على أن التشديد الكمي كان تغييرا كبيرا بالنسبة لكثير من المستثمرين.
وبينما تستعر مخاوف المستثمرين، يرى الملياردير الشهير وارن بافيت أن «هذه الأوقات مثالية وهي الأفضل؛ كي يكون المستثمر هادئاً... وعليه التمسك بأساسيات التداول (أي شراء السهم والاحتفاظ به لفترة طويلة)».
وبنى بافيت سمعته الأسطورية عبر شراء الأسهم الهابطة. واقترح منذ أيام على المستثمرين في أوقات التقلبات والمبيعات المكثفة في «وول ستريت»، ضرورة قراءة قصيدة شعرية يرجع تاريخها للقرن التاسع عشر، وسرد أبياتاً منها تقول: «لو أمكنك الحفاظ على رأسك في الوقت الذي يخسرها الآخرون... لو أمكنك الانتظار دون كلل... لو أمكنك التفكير دون أن تجعل هذه الأفكار هدفاً... لو أمكنك الثقة بنفسك عندما يشك بك الآخرون... إذن ستكون الأرض وكل شيء تحت قدميك».
وأشار بافيت إلى أنه استخدم هذه الأبيات الشعرية في خطاب لمساهمي «بركشاير هاثاواي» عام 2017، ناصحاً إياهم بعدم الهلع عندما تشهد السوق تقلبات عنيفة.
ويرى المحللون بريقا من التفاؤل مع عودة «المعدل العائد المرجعي النقدي MWRR»، وهو مقياس لأداء أصل أو محفظة أصول، ويساوي معدل العائد الداخلي IRR مستويات جيدة... كما ظهر في استطلاع لـ«الشرق الأوسط» لمديري الاستثمار في الشركات الأوروبية أن بعض المستثمرين حصلوا على أعلى وزن نقدي على الإطلاق خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة.
وقالت مارينا باكستون، المحللة في بنك «ستاندرد تشارترد»، لـ«الشرق الأوسط»: «قبل عام كان كل شيء باهظ الثمن، الآن كل شيء مخيف جدا».
ويجادل محللون أن ما تشهده الأسواق هو نهاية الدورة الصاعدة، معللين ذلك بأنه تباطؤ جزء من النمو السريع الذي شهدته الأصول، فيما يأمل المستثمرون في فرصة أخرى لشراء الانخفاض، وهو ما يتوقعه المحللون في ظل التباطؤ الذي شهده الاقتصاد الأميركي. وشهدت صناعة السيارات سلسلة من خيبات الأمل هذا العام، وهو دليل قوي لبعض المحللين المتشائمين، مؤكدين على حالة القلق من عدم اليقين بشأن العلاقات الصينية الأميركية المتغيرة.
ولكن تظل السوق الأميركية الأقل تضررا بما يحصل في العالم، خاصة في ظل تباطؤ النمو في أوروبا من 2.0 في المائة المتوقعة هذا العام، إلى 1.8 في المائة في 2019. وتواجه الأسواق الناشئة صعوبات إدارة الديون التي أصبحت أكثر إرهاقا بسبب ارتفاع الأسعار والعملات المتقلبة، ومن المتوقع أن ينمو اقتصاد الصين بنسبة 6 في المائة، ولكن هذا يعد أقل من معدل عشر سنوات البالغ 10 في المائة.
فيما يرى بعض المحللين فرصا جيدة في السوق الأوروبية، على سبيل المثال شركة النفط الفرنسية توتال التي تتداول في بورصة نيويورك، وينصح هوارد لينهان خبير أسواق المال في مجموعة «صن» الأميركية في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بألا يتخلى المستثمرون عن مخزوناتهم في الأسواق الناشئة، مدللا بسوقي البرازيل والهند.
ولا يزال هناك موقف إيجابي من معدلات الاستثمار في الأسهم العالمية، خاصة مع استمرار ارتفاع أرباح الشركات مع المحافظة على تقييم معتدل بشأن عوائد السندات العالمية، خاصة بالمقارنة مع معدلات الدخل الثابت قصير الأجل في الولايات المتحدة، ومن الواضح أن هناك مخاطر سلبية واضحة على الاقتصاد العالمي في 2019.
- أميركا... ربحية مضمونة رغم التراجعات
ويتوقع المحللون المزيد من الهبوط «الناعم» في الولايات المتحدة، معللين ذلك بـ«نمو وقتي» فائق السرعة خلال عام 2018 بسبب قرارات الرئيس دونالد ترمب، ومنها على سبيل المثال التخفيضات الضريبية للشركات وحوافز الاستثمار، وهي عوامل «غير متكررة».
ويشير الخبراء إلى أن بداية انعكاس ذلك الهبوط الناعم ظهرت في تراجع أسواق السندات، ووصول الأرباح إلى ذروتها رغم نموها المستمر، والذي لم يكن بنفس المعدلات السابقة: «إلا أن هناك نموا يذكر»، حسبما توضح الأرقام.
وتشكل إصدارات سندات فئة BBB الآن نصف سوق السندات الاستثمارية، ونتج الكثير منها كنتيجة مباشرة لطفرة الاندماج والاستحواذ على مدار الثلاثة أعوام الماضية، فيما وعدت الشركات المصدرة بتحسين ميزانيتها العمومية خلال الفترة 12 إلى 18 شهرا القادمة. لكن إذا بدأ الاقتصاد العالمي في التباطؤ فإن الضغط سيكون «كبيرا» مع بدء تخفيض تصنيف السندات للشركات، ومن المتوقع أن تبدأ تلك الدورة شركة «جنرال إلكتريك».
ولا تزال الخلفية المالية في الوقت الراهن راجحة نحو الاستثمار بالأسهم، فمن المتوقع أن ترتفع أرباح الشركات في الولايات المتحدة حتى وإن لم تكن كما كانت من قبل؛ لكنها ستظل ترتفع.
وقال محلل الأسواق الأميركي ديفيد جوي إن «البيئة الاقتصادية والاستثمارية تتمتع بصحة جدية، لكنها أصبحت أقل ملاءمة». وأكد جوي لـ«الشرق الأوسط» أن مكاسب الأسهم في العام المقبل ستكون معتدلة، مع زيادة التقلبات بسبب حالة عدم اليقين.
ويتوقع المحللون أن يصل مؤشر «ستاندرد آند بورز» إلى مستوى ما بين 2950 و3000 نقطة العام المقبل، والذي من شأنه أن يحقق عائدا إجماليا بما في ذلك أرباح الأسهم بنحو 8 في المائة، وأن يصل مؤشر «داو جونز» الصناعي إلى مستوى 27800 نقطة.
ومن المتوقع أن تحقق الشركات مكاسب بنسبة 20 في المائة خلال العام الحالي، على أن تستمر في الأرباح وفقا لمعدل نمو الاقتصاد الأميركي بنحو 3.5 في المائة في الربع الثالث على أساس سنوي، وفقا لأحدث تقرير حكومي، ومعدل بطالة عند 3.7 في المائة، وهو المعدل الأدنى منذ عام 1963.
ويتوقع الاقتصاديون تباطؤ الاقتصاد الأميركي من معدل سنوي يبلغ 3.1 في المائة في الربع الرابع من 2018، إلى 2.3 في المائة في الربع الرابع من 2019 بمعدل نمو إجمالي 2.7 في المائة خلال عام 2019 هبوطا من 2.9 في المائة في 2018.
ومن المتوقع أن يتباطأ نمو أرباح الشركات في «مؤشر ستاندرد آند بورز 500» من 24 في المائة إلى 8.8 في المائة في نفس فترة المقارنة المذكورة سابقا، وفقا لتقديرات المحللين في تعقب معدلات نمو الأرباح.
وتوقع بنك «مورغان ستانلي» أن تتقلص هوامش الأرباح مع ارتفاع تكاليف العمالة وخدمات الدين والتعريفات الجمركية. فيما توقع «بنك أوف أميركا ميريل لينش» أن تنمو الأرباح خلال العام القادم بنحو 6 إلى 7 في المائة، وهو الأمر الذي سيهبط بتقديرات ربحية الأسهم في المؤشر بنحو 170 دولارا، مقارنة بتقديرات سابقة 177 دولارا لكل سهم داخل المؤشر.
وستضع قائمة المخاطر التي تضم التوترات التجارية وارتفاع أسعار الفائدة الاقتصاد وربحية الشركات على المحك، غير أن خطر تعرض الاقتصاد الأميركي لركود واسع بعيد عن إجماع الاقتصاديين في الوقت الراهن، لكن يمكن أن يقترب مع تصاعد وتيرة الحرب التجارية بشكل أكبر من المتوقع.
وتضيف توقعات الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) برفع مرتين للفائدة خلال العام المقبل من الضغط على الأسوق.
- بريطانيا... مخاوف من بريكست سيئ و«حكومة عمالية»
وفي إنجلترا، أجمع الاقتصاديون بأنه لا يمكن التكهن بالمستقبل، لأن الخروج البريطاني دون اتفاق يعد أسوأ سيناريو لبنك إنجلترا (المركزي البريطاني)، وفي الوقت ذاته يبقى الاستفتاء الثاني على الخروج «غير مرجح».
وهناك توقعات بحدوث ركود في المملكة المتحدة، لكن لا يمكن وصفه بالركود العميق، فسوف يعتمد بالأساس على نفقات الأسر البريطانية والشركات خلال العام المقبل.
وعلى سبيل المثال، إذا شدد المستهلكون «الأسر» نفقاتهم مقابل زيادة المدخرات، فإن الركود سيتسع بشدة، وهو ما حدث في المملكة المتحدة سابقا عامي 1992 و2008، لكن هذا لم يظهر بعد - حتى الآن - في أي من التوقعات الحكومية للعام القادم.
وإذا انتهت مفاوضات «بريكست» من دون صفقة، فليس هناك اختيار أمام مارك كارني محافظ بنك إنجلترا إلا رفع أسعار الفائدة.
وبصرف النظر عن البريكست، فإن المملكة المتحدة تواجه مشكلة حقيقية في «الإنتاجية»، فبريطانيا في حالة توظيف كامل مع معدل استثمار منخفض للأعمال، والذي سيستغرق بعض الوقت للارتفاع. وهناك توقعات متفائلة بأن العام المقبل سيشهد تحسنا هامشيا في معدلات الإنتاجية والاستثمار، لكن يظل أقل بكثير من معدلات النمو الاقتصادي التي اعتادت عليها المملكة المتحدة في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، وهو ما سيؤخر نمو الاستثمار في ظل تراجع فرص النمو الضخمة والمعتادة في المبيعات. ولكن إذا استمرت الأجور في الارتفاع مع تشديد سوق العمل، فمن المؤكد أن يشهد العامان القادمان موجة من الاستثمار ستدفع الإنتاجية في السنوات الخمس المقبلة.
وفي استطلاع «الشرق الأوسط» لمديري الاستثمار والأصول بالشركات البريطانية بشأن مدى قلقهم بشأن البريكست على مدار الـ18 شهرا الماضية، أكد 80 في المائة من عينة قوامها 213 مديرا للاستثمار والأصول، أنهم «ليسوا قلقين بشأن البريكست»، بل على العكس فهم أكثر قلقا بشأن حكومة قادمة من حزب العمال، فيما أجمعوا على محاولتهم على التأكد من خروج أموالهم إلى جزر القنال الإنجليزي لتجنب خضوعهم لضوابط رأس المال في حال انتخاب حكومة من حزب العمال، وأعربوا عن قلقهم من سرعة تسييل الممتلكات الراقية في ظل انخفاض أسعار العقارات في بعض أجزاء وسط لندن بنسبة 30 في المائة.
- أوروبا.. توقعات إيجابية رغم الضغوط
كانت الأسهم الأوروبية مخيبة للآمال إلى حد كبير خلال الأرباع الثلاثة الأخيرة. ولا تزال بعض البيانات الاقتصادية الكلية في أوروبا، ولا سيما الصادرات وإنتاج السيارات، تظهر علامات التباطؤ... ولكن يجب أن يكون الناتج المحلي الإجمالي ثابتاً بشكل معقول في المستقبل من أجل تحسين المؤشرات، خاصة من خلال معايير البلدان المتقدمة.
وعلى الجانب الآخر، انخفضت المخاوف السياسية من حدوث أزمة إيطالية بشكل كبير في الأيام الأخيرة، كما أن تحسن شروط خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يعزز من معنويات المستثمرين.
ومن شأن استمرار انخفاض أسعار الفائدة وزيادة الأرباح اللائقة من النمو الاقتصادي العالمي أن يساعد على انتعاش سوق الأسهم. وتجدر الإشارة إلى أن ارتفاع أسعار النفط والسلع الأساسية، التي تعني الشركات البريطانية والأوروبية بشكل كبير عبر شركات متعددة الجنسيات، يجب أن يعزز أيضاً أرباح الشركات بعد اتجاه سلبي للغاية في الربع الثالث. علاوة على ذلك، من المتوقع أن يرتفع مؤشر «يورو ستوكس» إلى مستوى 375 نقطة في نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وإلى مستوى 380 نقطة نهاية العام القادم.
- شرق آسيا... الانتعاش قادم
وكانت الأسهم اليابانية مخيبة للآمال، لكن معدل النمو على أساس سنوي للعام المالي 2019 يظل جيدا عند 9 في المائة، مع نسبة توزيعات أرباح بنسبة 2.3 في المائة. ومن المحتمل أن تكون النزاعات التجارية العالمية قد لعبت دوراً رئيسياً في خفض معنويات المستثمرين فيما يتعلق بالبلاد، مع انخفاض الطلب الصيني على سلع النفقات الرأسمالية اليابانية بشكل كبير. كما عانى الاقتصاد المحلي الياباني من الكوارث الطبيعية في الربع الثالث الذي ينتهي وفقا للسنة المالية اليابانية بنهاية العام، ولكن ينبغي للربع الرابع أن ينتعش بشكل جيد. ولا تزال الشركات لديها معدلات تشغيلية عالية لاستمرار النمو الاقتصادي العالمي، لذا فإن توقعات الخبراء بتحسن المعنويات لهذا الأخير من شأنه أن يؤدي إلى اهتمام أكبر بالأسهم اليابانية.
ومن المتوقع أن يبلغ مؤشر «توبكس» الياباني مستوى 1752 نقطة في يونيو، و1862 نقطة نهاية العام المقبل، بإجمالي العوائد بالدولار عند مستويات 5.1 و16.8 في المائة على التوالي.
أما بالنسبة لمؤشر «إم إس سي آي» MSCI في منطقة المحيط الهادي، فقد كان أيضاً مخيّباً للآمال بسبب مخاوف التجارة، ولكن من المتوقع أن تشهد أسهم هونغ كونغ والأسهم الأسترالية أداء جيداً خلال العام المقبل.
وفي مثل هذا الوقت من العام الماضي، ظن المستثمرون أن الدولار سيظل ضعيفا، لذا اتجه الجميع إلى العملات المحلية وسندات الأسواق الناشئة، لكن الأمر انتهى ببيع تلك الأصول مقابل الحصول على الدولار الذي ارتفع بشكل مطرد خلال 2018، وإذا ظل الدولار قويا واستمر في الارتفاع في 2019 فعلى المستثمرين مراقبة اليوان والاحتياطي الأجنبي الصيني، حيث انخفض مؤشر «سي إس آي 300» CSI300 وهو مؤشر لسوق الأوراق المالية المرجحة بالأرقام الرأسمالية، لأداء أكبر 300 شركة متداولة في بورصتي شنغهاي وشنغن بأكثر من 20 في المائة منذ بداية العام وحتى الآن.
ويراقب المستثمرون الصين عن كثب بعد فقدان بكين لفائض حسابها الجاري، خاصة أن الصين، التي أصبحت المقترض الأول عالميا من حيث معدل زيادة الاقتراض، ستواجه مشكلة حقيقية إذا ارتفعت تكلفة رأس المال بالنسبة للمقترض.



العقود الآجلة الأميركية ترتفع بحذر وسط ترقب لنتائج «إنفيديا»

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

العقود الآجلة الأميركية ترتفع بحذر وسط ترقب لنتائج «إنفيديا»

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ارتفعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية بشكل طفيف صباح الأربعاء، بعد جلسات متقلبة شهدتها الأسواق في مطلع الأسبوع، في وقت يترقب فيه المستثمرون نتائج أعمال شركة «إنفيديا» ويقيّمون في الوقت ذاته المخاطر المحيطة بقطاع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تصاعد الضبابية بشأن الرسوم الجمركية.

وسجلت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» الصناعي ارتفاعاً بنحو 0.12 في المائة، في حين صعدت عقود «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.14 في المائة، و«ناسداك 100» بنحو 0.19 في المائة، في إشارة إلى محاولة السوق استعادة قدر من الاستقرار بعد موجة تذبذب حادة خلال فبراير (شباط).

وكان الشهر الحالي قد اتسم بتقلبات ملحوظة في «وول ستريت»، مع تنامي تساؤلات المستثمرين حول ما إذا كانت الاستثمارات الضخمة التي ضختها شركات التكنولوجيا العملاقة في مجال الذكاء الاصطناعي بدأت تنعكس فعلياً على الأرباح والنمو، أم أن التقييمات السوقية سبقت الأساسيات المالية. وزادت حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات التجارية والرسوم الجمركية من حدة التذبذب؛ ما دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر عبر قطاعات عدة.

وشهدت قطاعات مثل العقارات التجارية والنقل بالشاحنات والخدمات اللوجيستية تراجعات حادة في الآونة الأخيرة، في ظل مخاوف من أن تؤدي التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى اضطرابات هيكلية واسعة في نماذج الأعمال التقليدية.

في هذا السياق، أشار محللو «غولدمان ساكس» إلى أن المستثمرين يركزون حالياً على الشركات القادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز الإنتاجية وتحقيق مكاسب طويلة الأجل، غير أن عدداً محدوداً فقط من الشركات تمكن حتى الآن من تقديم تقديرات واضحة حول الأثر المالي المباشر لهذه التقنيات على أرباحها. وأضافوا أن استقرار الأرباح يمثل عنصراً أساسياً لدعم استقرار أسعار الأسهم، إلا أن حالة عدم اليقين بشأن تداعيات الذكاء الاصطناعي من غير المرجح أن تتبدد في المدى القريب.

وعلى الصعيد السياسي، تفاخر الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأداء سوق الأسهم خلال خطابه عن حالة الاتحاد، مؤكداً أن معظم الدول والشركات تسعى للالتزام باتفاقيات الرسوم الجمركية والاستثمار المبرمة مع الولايات المتحدة. وكانت التعريفة الجمركية العالمية المؤقتة بنسبة 10 في المائة قد دخلت حيز التنفيذ الثلاثاء، عقب قرار المحكمة العليا الأسبوع الماضي، قبل أن يشير ترمب لاحقاً إلى احتمال رفعها إلى 15 في المائة، من دون توضيح موعد أو آلية التطبيق.

وشهدت جلسة الثلاثاء تحسناً ملحوظاً في المعنويات، لا سيما تجاه أسهم الذكاء الاصطناعي؛ ما دفع مؤشر «ناسداك»، الذي يهيمن عليه قطاع التكنولوجيا، إلى الإغلاق على ارتفاع تجاوز 1 في المائة.

وتتجه الأنظار اليوم إلى نتائج «إنفيديا» المرتقبة بعد إغلاق السوق؛ إذ يسعى المستثمرون إلى مؤشرات تؤكد استمرار نمو أرباح الشركة الرائدة في صناعة الرقائق، في ظل خطط إنفاق رأسمالي ضخمة متوقعة أن تبلغ نحو 630 مليار دولار بحلول عام 2026. وارتفع سهم الشركة بنحو 0.5 في المائة في تداولات ما قبل الافتتاح، في حين تباين أداء بقية أسهم التكنولوجيا الكبرى وأسهم النمو.

على صعيد الشركات، قفز سهم «أكسون إنتربرايز» بنسبة تقارب 16 في المائة بعد أن فاقت الشركة المصنّعة لأجهزة الصعق الكهربائي توقعات أرباح الربع الرابع، في حين هبط سهم «وورك داي» بنحو 9 في المائة بعدما توقعت الشركة أن تأتي إيرادات اشتراكات السنة المالية 2027 دون تقديرات السوق.

كما تراجع سهم «فيرست سولار» بأكثر من 15 في المائة بعد أن أشارت الشركة إلى توقعات مبيعات سنوية أقل من المنتظر، في حين انخفض «سهم إتش بي» بأكثر من 5 في المائة إثر تحذير من تراجع شحنات أجهزة الكمبيوتر الشخصية. ومن المنتظر أن تعلن كل من «تي جيه إكس» و«لويز» نتائج أعمالهما قبل افتتاح السوق.

وفي وقت لاحق من الأسبوع، تتركز الأنظار على نتائج شركات البرمجيات الكبرى، بما في ذلك «سيلزفورس» و«إنتويت» و«سنو فليك»، في ظل تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز» لقطاع البرمجيات والخدمات بنحو 23 في المائة منذ بداية العام، متأثراً بمخاوف متزايدة من تأثيرات الذكاء الاصطناعي على نماذج الأعمال التقليدية.

كما يترقب المستثمرون كلمات عدد من مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال اليوم؛ بحثاً عن إشارات بشأن المسار المستقبلي للسياسة النقدية، خاصة بعد أن أشار مسؤولان في البنك المركزي إلى عدم وجود توجه وشيك لتعديل أسعار الفائدة في الأمد القريب.


مؤشر السوق السعودية يسجل أدنى إغلاق منذ شهر ونصف

مستثمران يتابعان تحركات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
مستثمران يتابعان تحركات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
TT

مؤشر السوق السعودية يسجل أدنى إغلاق منذ شهر ونصف

مستثمران يتابعان تحركات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
مستثمران يتابعان تحركات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)

واصلت سوق الأسهم السعودية تراجعها في ختام تداولات يوم الأربعاء، مع ارتفاع وتيرة الحذر بين المستثمرين.

وتراجعت السوق بنسبة 0.5 في المائة لتغلق عند 10848 نقطة، مسجلة أدنى إغلاق منذ نحو شهر ونصف.

وبهذا الانخفاض، تصل خسائر المؤشر منذ بداية فبراير (شباط) 2026 إلى 534 نقطة، أي بنسبة 4.7 في المائة مقارنة بإغلاق يناير (كانون الثاني) الماضي.

على صعيد الأسهم، تراجع سهما «أرامكو» و«مصرف الراجحي» بأقل من واحد في المائة، ليغلقا عند 25.74 ريال و102.40 ريال على التوالي.

وهبط «سهم كيان السعودية» بنسبة 5 في المائة عند 4.88 ريال، مواصلاً تراجعه للجلسة الرابعة على التوالي، لتصل خسائره خلالها إلى نحو 13 في المائة، بعد أن أعلنت الشركة عن خسائر بقيمة 685.5 مليون ريال في الربع الرابع من 2025، مقارنة بخسائر مماثلة في الفترة نفسها من العام السابق.

في المقابل، صعد سهم «مرافق» بنسبة 8 في المائة إلى 31.24 ريال، وبتداولات بلغت نحو 4 ملايين سهم بقيمة 126 مليون ريال، بعد إعلان الشركة نتائجها المالية وتوزيعاتها النقدية.


حرب الأكواد: غارة مادورو تضع «أنثروبيك» في مواجهة البنتاغون

شعار «أنثروبيك» (رويترز)
شعار «أنثروبيك» (رويترز)
TT

حرب الأكواد: غارة مادورو تضع «أنثروبيك» في مواجهة البنتاغون

شعار «أنثروبيك» (رويترز)
شعار «أنثروبيك» (رويترز)

لطالما قدمت شركة «أنثروبيك» (Anthropic) نفسها بوصفها الحارس الأمين لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والملجأ الآمن للباحثين الفارين من «تهور» المنافسين. ولكن في فبراير (شباط) 2026، يبدو أن هذا البرج العاجي بدأ يتصدع تحت وطأة ضغوط لم تكن في الحسبان.

فبين مطرقة المنافسة الشرسة مع «أوبن إيه آي» و«إكس إيه آي»، وسندان المواعيد النهائية الصارمة التي فرضتها وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، وجدت الشركة نفسها مضطرة للتراجع عن أقدس مبادئها: «السلامة أولاً». هذا التحول الدراماتيكي لا يمثل مجرد تغيير في سياسة شركة، بل يعلن بداية عصر جديد توضع فيه «القدرة التنافسية» فوق كل اعتبار أخلاقي.

عقل «كلود»

يمثل نموذج «كلود»، الذي طورته «أنثروبيك»، قفزة نوعية فيما يُعرف بـ«نماذج الاستدلال المتقدم»، وهو ما يفسر استماتة المؤسسة العسكرية لامتلاكه دون قيود. تقنياً، يمتلك «كلود» قدرة فريدة على تحليل «البيانات غير المنظمة» عبر نافذة سياقية هائلة تسمح له بمعالجة ملايين السجلات الاستخباراتية وصور الأقمار الاصطناعية في ثوانٍ معدودة للخروج بـ«صورة استخباراتية موحدة».

وفي ميادين القتال، يقوم «كلود» بدور المحلل التكتيكي؛ إذ يمكنه التنبؤ بتحركات العدو، واقتراح أفضل الخطط اللوجيستية لنقل القوات، واكتشاف الثغرات السيبرانية في شبكات العدو لحظياً. هذه القدرة على الانتقال من تحليل البيانات الضخمة إلى اتخاذ قرارات ميدانية حاسمة هي التي جعلته المحرك الأساسي في منصات عسكرية مثل «بالانتير»، حيث تحول من مجرد «أداة مساعدة» إلى «قائد رقمي» يدير العمليات المعقدة تحت النار.

إلا أن ميزة «كلود» الكبرى هي ذاتها «المعضلة» للجنرالات، وهي «الذكاء الاصطناعي الدستوري»؛ حيث يمتلك النموذج دستوراً أخلاقياً داخلياً يدفعه لرفض الأوامر التي قد تؤدي لانتهاكات إنسانية، وهو ما يراه البنتاغون «عائقاً برمجياً» غير مقبول في جندي رقمي يُفترض أن يكون ولاؤه مطلقاً.

شعار برنامج الذكاء الاصطناعي «كلود» التابع لشركة «أنثروبيك» (موقع الشركة)

جذور التحالف والتمرد

تأسست العلاقة بين «أنثروبيك» والبنتاغون على تناقض جوهري فالشركة تأسست بوصفها «مؤسسة للمنفعة العامة» تضع دستورها الرقمي الأخلاقي فوق رغبات الزبائن، بينما يرى البنتاغون في هذا النهج «غطرسة تقنية» تهدد الأمن القومي. وتكشف التقارير المسربة أن الاحتكاكات بدأت فعلياً عندما اكتشف الجنرالات أن مهندسي الشركة يمتلكون «مفاتيح تقنية» تتيح لهم مراقبة أنماط استخدام النموذج لحظياً، مما جعل تحركات الجيش السرية «شفافة» أمام مبرمجين مدنيين. هذا التوجس تحول إلى غضب عارم مع تكرار حالات «الرفض البرمجي»؛ حيث كان «كلود» يمتنع آلياً عن الإجابة على استفسارات تتعلق بتحديد أهداف بشرية أو تحليل بيانات استخباراتية لمراقبة مدنيين، عادّاً إياها مخالفة لمبادئ «الذكاء الاصطناعي الدستوري» التي بُني عليها.

وقد تجلى هذا «التمرد الرقمي» بوضوح في مطلع عام 2026، خلال تنفيذ قوات خاصة أميركية عملية ميدانية استهدفت تحركات الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. خلال تلك العملية، تم استخدام «كلود» عبر منصة «بالانتير» لمهام فائقة الحساسية، شملت فك تشفير اتصالات القوات المحيطة بمادورو في وقت قياسي واقتراح مسارات الهجوم والانسحاب بناءً على معطيات الأرض المتغيرة. إلا أن «تدخل» أنظمة السلامة في «أنثروبيك» للاعتراض على هذه الأنماط القتالية في «وقت التنفيذ» الفعلي، أثار جنون القادة العسكريين؛ إذ عدوا أن وجود شركة خاصة تملك حق «الفيتو» الأخلاقي على القرارات السيادية في قلب الميدان يمثل سابقة خطيرة تهدد حياة الجنود، وهو ما دفع الوزير «هيغسيث» لوضع الشركة أمام خيار الانصياع الكامل أو «التأميم» بقانون الإنتاج الدفاعي.

صورة نشرها حساب تابع للبيت الأبيض على «إكس» للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وهو رهن الاحتجاز (أ.ف.ب)

كواليس «الثلاثاء العاصف»

أفاد مصدر مطلع لـ«رويترز» بأن حدة الخلاف بلغت ذروتها في اجتماع عُقد يوم الثلاثاء بين الرئيس التنفيذي لـ«أنثروبيك»، داريو أمودي، ووزير الدفاع بيت هيغسيث. وضع الأخير الشركة أمام إنذار نهائي ينتهي مفعوله عند الساعة الخامسة من مساء الجمعة: إما رفع القيود كافة عن استخدام الجيش لنموذج «كلود»، وإما مواجهة إجراءات «سلبية» غير مسبوقة.

ولم يتوقف تهديد هيغسيث عند حدود العقود المالية، بل لوّح بتفعيل «قانون الإنتاج الدفاعي»، وهو الإجراء الذي يمنح الحكومة سلطة استثنائية لإجبار الشركات الخاصة على إعطاء الأولوية القصوى لمتطلبات الدفاع القومي. وفي حال تفعيل هذا القانون ضد «أنثروبيك»، فإنه سيؤدي عملياً إلى ما يشبه «تأميم» الكود البرمجي لنموذج «كلود»، وتحويله من أداة مدنية إلى محرك حرب خاضع بالكامل للمعايير العسكرية، بعيداً عن أي رقابة من مطوريه. كما هدد الوزير بتصنيف الشركة بأنها «خطر على سلسلة التوريد»، وهي «رصاصة رحمة» قانونية كفيلة بعزل «أنثروبيك» عن السوق، ومنع أي جهة حكومية أو خاصة من التعامل معها.

وزير الدفاع بيت هيغسيث يقف خارج البنتاغون (أ.ب)

التراجع الكبير

رغم التصريحات الرسمية التي تحاول الحفاظ على صورة «الحارس الأمين»، فإن الشواهد تؤكد أن «أنثروبيك» بدأت بالفعل رحلة التراجع التكتيكي عن مبادئها الجوهرية. فخلف الكواليس، قامت الشركة بمراجعة بروتوكول «مستويات السلامة»، حيث تخلت عن سياسة «التجميد التلقائي» لتطوير النماذج الخطيرة؛ فبعد أن كان القانون الداخلي يقضي بإيقاف أي نموذج يتجاوز حدود الأمان، أصبحت القاعدة الجديدة تبيح الاستمرار في التطوير إذا وصل المنافسون، مثل «أوبن إيه آي» أو «إكس إيه آي»، إلى المستوى ذاته، وذلك تحت ذريعة «الضرورة التنافسية»، ومنع الخصوم من الانفراد بالقمة التقنية.

هذا التحول لم يمر بسلام داخل أروقة الشركة، بل أدى إلى «نزف في المواهب» وصفه مراقبون بأنه «زلزال داخلي». استقالة باحثين بارزين، وفي مقدمتهم مرينانك شارما، لم تكن مجرد مغادرة وظيفية، بل كانت صرخة تحذير من أن الإدارة بدأت تُغلب «منطق البقاء المالي» وضغوط البنتاغون على «منطق الأمان الوجودي». ويرى المستقيلون أن قبول الشركة بتعريف مهام «كلود» في عملية مادورو، بـ«دعم للأمن القومي» بدلاً من «مشاركة قتالية»، هو مجرد التفات لغوي يمهد الطريق لرفع القيود كلياً.

الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي يتحدث بقمة تأثير الذكاء الاصطناعي 2026 في بهارات الهندية (إ.ب.أ)

«كلود كود» وغزو المكاتب

وبينما تنشغل الإدارة بالسياسات، تواصل الأقسام التقنية طرح أدوات هزت الأسواق العالمية. أحدث هذه الأدوات هو «كلود كود سيكيوريتي» الذي يمتلك قدرة مذهلة على اكتشاف ثغرات «يوم الصفر» التي استعصت على الخبراء لعقود. وقد تسبب هذا الإعلان في هبوط حاد لأسهم شركات الأمن السيبراني والبرمجيات؛ حيث انخفض سهم «رويترز» بنسبة 16 في المائة، وسهم «ليغال زوم» بنسبة 20 في المائة. والمفارقة هنا تكمن في أن الذكاء الاصطناعي أصبح «المرض والعلاج» في آن واحد؛ فهو يكتشف الثغرات، ولكنه أيضاً يولد أكواداً برمجية أكثر عُرضة للأخطاء الأمنية بمرتين مقارنة بالبشر.

تقف «أنثروبيك» اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فبحلول الموعد النهائي يوم الجمعة، ستحدد الشركة هويتها للعقد المقبل. هل تظل تلك المنظمة التي تقودها المبادئ، أم تتحول إلى «متعهد دفاعي» تقوده ضغوط البنتاغون وحسابات الأرباح؟ إن التراجع عن التزامات السلامة يبعث برسالة واضحة: في سباق الذكاء الاصطناعي المحموم لعام 2026، لم يعد هناك متسع للمثالية، والبقاء هو للأسرع، حتى لو كان ذلك على حساب أمان البشرية.