محنة الاقتصاد الزراعي الهندي تتفاقم

دعم المستهلكين والاهتمام بالمناطق الحضرية أديا إلى تردي الزراعة

أوضاع الزراعة في الهند تسوء بشدة في ظل سياسات اقتصادية تهتم بالمستهلك أكثر من المزارع (رويترز)
أوضاع الزراعة في الهند تسوء بشدة في ظل سياسات اقتصادية تهتم بالمستهلك أكثر من المزارع (رويترز)
TT

محنة الاقتصاد الزراعي الهندي تتفاقم

أوضاع الزراعة في الهند تسوء بشدة في ظل سياسات اقتصادية تهتم بالمستهلك أكثر من المزارع (رويترز)
أوضاع الزراعة في الهند تسوء بشدة في ظل سياسات اقتصادية تهتم بالمستهلك أكثر من المزارع (رويترز)

تشهد الهند أزمة اقتصادية زراعية كبرى مع اندلاع موجات تلو الموجات من المسيرات الاحتجاجية التي تضم الملايين من المزارعين في غير موضع من البلاد خلال هذه الأيام. وتعد الزراعة من أهم وأكبر قطاعات الاقتصاد الهندي، إذ يسهم القطاع الزراعي بنسبة 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ويوفر فرص العمل لنحو 50 في المائة من إجمالي القوى العاملة في الهند. وتعكس احتجاجات المزارعين الهنود حقيقة الاضطرابات العميقة بين سكان المناطق الريفية في البلاد، حيث يرتفع القلق من تضاؤل الأرباح الزراعية بسبب اضطرار أكثرية المزارعين إلى سداد مستحقات الديون المتراكمة عليهم. ويطالب المزارعون بتحسين أسعار المنتجات الزراعية والإعفاءات الحكومية فيما يتعلق بسداد الديون المقترضة من المصارف المحلية.
يقول الصحافي الهندي بي. كيه. بالاشاندران: «ازدادت الشروط التجارية مع القطاعات الاقتصادية الأخرى سوءاً خلال السنوات الأخيرة، كما تراجع الاستثمار الحكومي في القطاع الزراعي كثيراً مقارنة بالاستثمارات في قطاعات أخرى مثل القطاع الصناعي. وفتح الائتمان الرسمي المجال لمزيد من تكاليف الائتمان الباهظة للقطاع الخاص».
- المحنة الراهنة
توجهت أغلب السياسات الحكومية صوب المناطق الحضرية، ما أسفر عن حالة غير مسبوقة من عدم المساواة، الأمر الذي أدى إلى اشتداد الأزمة المالية في المناطق الريفية الهندية. وتبدى هذا الأمر بصورة مستمرة عبر العقدين الماضيين، بحسب آراء الخبراء.
وبصرف النظر عن أسعار السلع العالمية، التي انخفضت بواقع 25 في المائة عن ذروتها المسجلة في عام 2014، فإن السياسات الهندية الداعمة للمستهلكين، والمستقلة تماماً عن السياسات التجارية، هي من العوامل المساعدة في استمرار انخفاض أسعار المنتجات الزراعية الهندية. ورغم أن الهند لا تفرض الضرائب على الزراعة، فإن الأمر انتهى بالمزارعين الهنود لسداد 14 في المائة ضرائب على إجمالي الإيرادات الزراعية خلال الأعوام الـ17 الماضية. وقال أشوك غولاتي، خبير الاقتصاد الزراعي الهندي: «إن سياساتنا الخاصة بالمزارعين هي في واقع الأمر معنية بتأييد المستهلكين وليس المنتجين. وأسفرت ضوابط الأسعار المفروضة، فضلاً عن الرقابة الصارمة على الصادرات، إلى إفقار المزارعين الهنود».
ووفقاً لمؤسسة الأبحاث الاقتصادية الحكومية الهندية «نيتي آيوغ»، (المؤسسة الوطنية للتحول الهندي المنشأة منذ 3 سنوات لتحل محل لجنة التخطيط القديمة)، فإن متوسط نمو الدخل للأسرة الزراعية، بين عامي 2011 و2016، كان 0.44 في المائة فقط، ما يعني بالأساس حالة من الركود الشديد في دخول المزارعين، (لكن التكاليف في ارتفاع مطرد منذ ذلك الحين، في حين أن الدخل يعكس التضخم على أساس شهري خلال الفترة نفسها، وبلغ تضخم أسعار الغذاء نسبة 2.8 في المائة).
ويقول يوغندا ياداف، أحد أبرز زعماء الاحتجاجات الحالية ومؤسس إحدى جمعيات المزارعين الهنود: «بالنسبة إلى غالبية المزارعين، فإن الدخل لا يتجاوز 50 دولاراً في الشهر. وهذا هو المستوى الذي يعيشون عليه. ومن أبرز أسباب ذلك هو عدم حصول المزارعين على أسعار معقولة للمحاصيل التي ينتجونها».
ولا يعتبر انخفاض أسعار المحاصيل المشكلة الوحيدة بالنسبة للمزارعين الهنود، إذ تشكل أنماط الطقس المتقلب بصورة متزايدة تحدياً جديداً وقوياً في بلد يعاني نصف مزارعيه تقريباً من مشكلة توافر مياه الري، حيث تتعرض أغلب المحاصيل، باستثناء الأرز والقمح، إلى التلف في مكانها بسبب ارتفاع الواردات ونقص مرافق التخزين البارد، فضلاً عن سياسات السوق الحرة الحكومية غير المقيدة التي أسفرت عن ظهور طبقة الوسطاء الانتهازيين بأكثر من أي وقت مضى. وتستند هذه الاحتجاجات إلى البيانات التي تكشف تراجعاً واضحاً في الاقتصاد الزراعي الهندي، مع تراجع ربحية القطاع الزراعي. وأظهر التعداد السكاني في عام 2011، وللمرة الأولى منذ الاستقلال الهندي في عام 1947، أن المناطق الحضرية الهندية قد استقبلت كثيراً من السكان مقارنة بالمناطق الريفية في البلاد. وانخفض تعداد المزارعين إلى أكثر من 8.6 مليون نسمة حتى عام 2011. ومع انتقال المزارعين إلى حياة المدن أو تحولهم إلى عمال، فقد ارتفع تعداد العمال المتحولين من الزراعة في البلاد لأكثر من 37 مليون عامل، وفقاً لآخر الإحصاءات الزراعية ذات الصلة. وبحسب مختلف الدراسات المعنية، فإن نحو نصف المزارعين الهنود قد أعربوا عن رغبتهم في ترك العمل بالزراعة، غير أنهم لا يستطيعون ذلك بسبب نقص وسائل العيش البديلة.
ويقول سايناث الباحث المختص في المجال الزراعي، إن الحكومات المتعاقبة كانت تحاول الدفع بالمزارعين خارج القطاع الزراعي، وبالنسبة إليهم، كانت الطريقة المثلى إلى ذلك هي تحويل الاقتصاد الزراعي إلى جحيم لا يُطاق. وقال آجاي فير جاخار، أحد كبار المزارعين المشاركين في الاحتجاجات: «فشلت الحكومة في توفير الدعم الكافي للاستثمار في الدخل للمزارعين. وهناك القليل للغاية من الوظائف خارج القطاع الزراعي التي يمكنها دعم ذلك القطاع».
ووفقاً إلى موقع «إندياسبند» الإلكتروني، فإن الهند قد زرعت مزيداً من الحبوب الغذائية في عام 2017 أكثر من أي وقت مضى، وارتفعت الميزانية الزراعية الحكومية بنسبة 111 في المائة خلال السنوات الأربع حتى 2017 - 2018. ومع ذلك، فقد تهاوت الأسعار، وارتفعت الديون الزراعية غير المسددة بنسبة 20 في المائة، إذ عجزت أكثر من 600 مليون أسرة زراعية هندية عن تلبية الاحتياجات الأساسية. وتنفق نحو 70 في المائة من الأسر الزراعية البالغ عددها نحو 90 مليون أسرة بأكثر مما تكسب في المتوسط على أساس شهري ما يدفعهم دفعاً إلى الاستدانة، وهو السبب الرئيسي لأكثر من 50 في المائة من حالات الانتحار بين المزارعين الهنود، حسب تقدير الدراسات. وتمثل حالات انتحار المزارعين نسبة 11.2 في المائة من إجمالي حالات الانتحار المسجلة في الهند.
ويبدو أن قطاع الشركات قد سطا على القطاع الزراعي في البلاد عبر التواطؤ مع الحكومات المتعاقبة التي قررت تسليم الأرباح الزراعية إلى حفنة مختارة عوضاً عن ملايين المزارعين. وتعرض القطاع الزراعي كذلك لصدمة شديدة مع لجوء رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى سياسات صارمة لمكافحة الفساد والقضاء على الأموال السوداء وإيقاف العمل بالفئات الكبيرة من الروبية الهندية. يقول الخبير الاقتصادي آرون كومار: «على الرغم من تفاقم الأزمة الريفية عبر السنوات، أسفر وقف تداول الفئات النقدية الكبيرة عن نقص كبير في السيولة النقدية منذ عامين وأثر بشدة في دخول المزارعين. وفقد كثير من المزارعين رؤوس أموالهم، واضطروا للاقتراض من المصارف أو من المرابين المحليين بأسعار فائدة باهظة، ومن ثم ارتفعت التكاليف كثيراً. ولذلك، مع ارتفاع التكاليف وانخفاض الإيرادات يتلاشى الدخل».
- حلول مقترحة
تكمن المشكلة الحقيقية في فهم الطبيعة المتغيرة للزراعة. إذ صارت الزراعة الهندية في الآونة الأخيرة أكثر تنوعاً مع زيادة كثافتها.
وارتفعت تكاليف الزراعة مع ازدياد الحاجة إلى السيولة النقدية وصعود الميكنة الزراعية. ويستلزم الحل طويل الأجل توفير الاستثمار الزراعي إلى جانب آلية دعم الأسعار التي تراعي انعدام الكفاءة في الأسواق. ومن شأن هذه السياسة أن تتطلب وجود استثمارات واسعة في مشاريع البنية التحتية، والوصول إلى الأسواق، والتخزين، والتكنولوجيا، وإحياء القطاع غير الزراعي لاستيعاب العمالة الفائضة من القطاع الزراعي.
ويقول ديفيندر شارما، المحلل في السياسات الغذائية والتجارية: «تحتاج الهند إلى استثمارات هائلة في قطاع الزراعة، وفي الوقت نفسه، توافر القدرة الاقتصادية لدى المزارعين. هناك نحو 600 مليون مواطن هندي يعملون في القطاع الزراعي (أو ما يقارب ضعف سكان الولايات المتحدة الأميركية). وأفضل وسائل تنمية البلاد هي توفير مزيد من الدخل في أيدي المواطنين الفقراء، لأنه بتوافر هذه الأموال في أيديهم، يتحرك الطلب صعوداً ومن ثم تتحرك عجلة التنمية إلى الأمام».
وإذ إنه لا مجال لاختلاف الآراء بشأن محنة المزارعين في الهند، فإن زيادة الحد الأدنى لدعم الأسعار لا يمكن أن يكون الحل المنشود. ويقول المحللون إن الهند قد تضطر إلى الاستعانة بالعلوم في حل تلك المشكلات، إذ إن الحد الأقصى من التكلفة المرتفعة يؤدي إلى ارتفاع الحد الأدنى لدعم الأسعار، ما يؤدي إلى تفاقم المشكلات في القطاع الزراعي وليس حلها.
ووفقاً إلى الخبير الاقتصادي غولاتي، فإن «توفير دعم الدخل للمزارعين هو الخيار الأفضل من توفير دعم الأسعار، لأنه لن يؤثر سلبياً في الأسواق. ووفرت الصين، على سبيل المثال، دعماً لدخل المزارعين بقيمة 22 مليار دولار على أساس الأراضي التي يمتلكونها. ومن شأن الهند محاكاة هذه التجربة محلياً».
وانتقد البرلماني فارون غاندي من حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم آراء خبراء الاقتصاد الذين يؤيدون دفع الإتاوات المالية إلى القطاع الصناعي ولا يوافقون في الوقت نفسه على تدابير مماثلة للقطاع الزراعي.
واقترح فارون غاندي في كتابه المعنون «البيان الريفي: بلوغ المستقبل الهندي عبر القرية» بعض الحلول المعنية بتهدئة المخاوف الريفية الهندية الشائعة. وقال: «يمكن توزيع الإعانات الحكومية الكبيرة لشراء المعدات الزراعية والأسمدة والمبيدات، في حين يمكن توسيع مظلة التأمين الصحي من خلال خطة الرعاية الصحية الوطنية».
وعلاوة على ذلك، ينبغي دفع الأجور للمزارعين الهامشيين مقابل حراثة الحقول الخاصة بهم، ما يؤدي إلى تقليل تكاليف المدخلات، فهم لا يستطيعون تحمل تكاليف العمالة الزراعية الأخرى ويعتبرونها غريبة من الناحية الاجتماعية أن يحرث مواطن أرض مواطن آخر. ومن شأن هذه التدابير أن ترفع من الدخل الصافي لدى المزارعين، وتقلل من نطاق الضائقة المالية الريفية. مع مزيد من الاهتمام ورعاية المزارعين الهامشيين في الهند عبر اتخاذ القرارات الصحيحة لدعمهم.
- السقوط السياسي
وصل ناريندرا مودي إلى السلطة في الهند على وعود بمضاعفة الدخل الريفي في البلاد بحلول عام 2022. بيد أن خيبة الأمل باتت شديدة الوضوح بين جموع المزارعين ومن شأنها أن تشكل تحدياً كبيراً أمام مودي الذي يسعى لإعادة انتخابه في العام المقبل، إذ يمثل المزارعون كتلة تصويت انتخابية مهمة للغاية، بحسب المحللين السياسيين.
ويقول ساتيش ميسرا، من مؤسسة الأبحاث والمراقبة في نيودلهي، إن «المعارضة المحلية تتصاعد في مواجهة مودي. وما لم تحظَ بدعم الريف، فلن يمكن لأي حزب سياسي الفوز اعتماداً على الدعم الحضري فقط، فالمحنة الريفية الحالية حقيقية ومؤلمة. وينبغي التعامل مع القضية الزراعية بطريقة فائقة العناية والتركيز».



تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط تذبذب سعر الدولار الأميركي، تواصل السلطات المصرية ملاحقة من يتاجرون في النقد الأجنبي خارج السوق الرسمية. فعلى مدار 3 أيام، تمكنت وزارة الداخلية من ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة، بقيمة مالية تجاوزت 20 مليون جنيه (377.3 ألف دولار).

وقد أثارت الملاحقات الأمنية التي تعلن عنها «الداخلية» يومياً، تساؤلات حول «انتعاش السوق السوداء مجدداً في البلاد». وبينما رهن بعض الخبراء عودة «السوق السوداء» بعدم «توفُّر العملة في البنوك»، رأى مراقبون أنَّ «استمرار الملاحقات يشي بوجود (السوق السوداء) للعملة، وأن هناك من يتاجرون خارج السوق الرسمية».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توفر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثَّرت الأزمة حينها على توفر السلع والخدمات، ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 53 جنيهاً.

وأكدت «الداخلية» في إفادة، مساء السبت، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع في النقد الأجنبي والمضاربة في أسعار العملات خارج السوق المصرفية، لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

يأتي هذا في وقت انخفضت فيه العملة الأميركية، يوم الأحد، بعد موجة ارتفاعات سجلتها على مدار الأيام الماضية؛ حيث سجلت في معظم البنوك أدنى مستوى وهو 53 جنيهاً.

واستمر تذبذب سعر الدولار في البلاد، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 55 جنيهاً، شهد تراجعاً، ثم عاد إلى الارتفاع الطفيف، ثم انخفض مجدداً في تداول الأحد.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على فيسبوك)

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، الحكومة، الشهر الماضي، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة».

وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي، مصطفى بدرة، أن «ما يحدث الآن هو أن البعض يكتنز الدولار، ولكن أن تكون هناك متاجرة خارج نطاق السوق المصرفية، فهي ليست العامل الكبير لتغيير سعر الصرف». ودلَّل على أن «السلطات تضبط المتلاعب بالعملة ثم تحوِّله بعد إجراءات قانونية للنيابة، ثم إلى المحكمة التي تتخذ قراراً بإدانته أو الإفراج عنه؛ وهذا لا يحرك السوق اليوم».

ويضيف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحرك السوق اليوم هو زيادة المعروض في العملة الأجنبية، ما يؤثر في سعر الصرف الأجنبي».

آلية أخرى تحدَّث عنها بدرة، وهي «عندما يكون هناك تحسُّن في آليات جذب العملة الأجنبية إلى البلاد وتحسُّن في قيمة الجنيه، تبدأ العملات الأجنبية -بما فيها الدولار- في الانخفاض». ويشير إلى أنه «في حال عدم توفر العملة في البنوك تظهر السوق السوداء، ولكن ما دامت العملة متوفرة لأي مستثمر بالسعر الرسمي المعلن، فلماذا يلجأ للسوق السوداء؟».

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات، ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مصري يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

كما يرى بدرة أن «آلية تذبذب الدولار هي الباعث الأساسي أو الرافد الأساسي للسوق السوداء». ويشير إلى «عدم ظهور أزمة لتدبير العملة بالنسبة للحجاج المصريين هذا الموسم، على عكس شكاوى البعض خلال سنوات ماضية من عدم توفر العملة، وهذا يدل أن الدولة دبَّرت احتياجات المسافرين من العملات الأجنبية لموسم الحج، رغم ما يحدث منذ الحرب الإيرانية من خروج للأموال الساخنة».

وتؤكد الحكومة بشكل متكرر «حرصها على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية والسلع الاستراتيجية للمواطنين».

من جهته، قال الخبير الاقتصادي رشاد عبده، إن «المحدد الرئيسي لتحديد سعر الصرف، هو قوى العرض والطلب». ويرى أن «قوى العرض والطلب ليست ثابتة بسبب المتغيرات الإقليمية التي تسببت في رفع سعر الدولار، منذ بدء الحرب الإيرانية. ولكن مع الإعلان عن اتفاق، مساء السبت، تذبذب سعر الدولار نحو الانخفاض». ويشير إلى أن «هناك عوامل كثيرة تتحكم في سعر الدولار».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «البعض يرى في شراء الدولار الآن فائدة؛ خصوصاً مع تصاعد حديث عن ارتفاع سعره خلال الأشهر المقبلة في البلاد، ومن هنا تنشط وزارة الداخلية في ضبط كثير من القضايا».

مقر البنك المركزي المصري (صفحة البنك على فيسبوك)

لكن عبده يرهن «عودة السوق السوداء بعدم توفر الدولار في البنوك بالنسبة للمستثمرين، ولكن ما دام متوفراً -كما هو حالياً- فلا توجد سوق سوداء». ويقول إن «الفاصل في انتعاش السوق السوداء من جديد هو مدى قدرة البنوك على تلبية احتياجات المستوردين والمستثمرين، والإفراج عن البضائع في الجمارك».

وأكد وزير المالية أحمد كجوك، في أبريل (نيسان) الماضي، أن «الموازنة العامة للدولة للعام المالي المقبل اعتمدت 47 جنيهاً كمتوسط لسعر الصرف، بناء على سعر الصرف السائد في تاريخ إعداد الموازنة».

وحسب المراقبين: «يعدُّ سعر الدولار بالموازنة سعراً استرشادياً لتحديد حجم الموازنة، وبالتالي يمكن أن ينخفض أو يزيد عليه وفق مرونة سعر الصرف وتدفقات موارد العملة».


تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تواجه البنية التحتية للنظام المالي العالمي المبني على هيمنة الورقة الخضراء اختباراً غير مسبوق؛ حيث تكشف البيانات المالية الصادرة عن الأسواق عن موجة «تسييل جماعي» متزامنة لسندات الخزانة الأميركية تقودها كبرى الاقتصادات العالمية والناشئة، مما يثير مخاوف جدية حول بدء تفكك القواعد التقليدية التي استندت إليها المديونية السيادية الأميركية لعقود.

وفي تطور دراماتيكي لافت، أقدمت تركيا على بيع نحو 89 في المائة من إجمالي حيازاتها من السندات الأميركية في غضون شهر واحد فقط؛ حيث هوت أرقام حيازتها من 15.7 مليار دولار في فبراير (شباط) الماضي إلى 1.8 مليار دولار فقط في مارس (آذار)، في خطوة تؤكد تخلي أنقرة شبه الكامل عن الديون الأميركية كأداة احتياطية.

هروب لكبار الدائنين

لم تكن الخطوة التركية معزولة عن مشهد أوسع يقوده كبار حاملي الديون الأميركية تاريخياً، وتحديداً اليابان والصين؛ تحت وطأة ضغوط العرض والوقود والتبعات الاقتصادية للحرب المستمرة في الشرق الأوسط ومضيق هرمز. وتظهر البيانات الصادمة الأبعاد التالية:

  • الصين: خفّضت بكين حيازاتها بمقدار 42 مليار دولار في شهر مارس وحده، لتهبط بمحفظتها إلى 652.3 مليار دولار، وهو المستوى الأدنى لها منذ عام 2008، مواصلةً خطتها الاستراتيجية لتقليل الاعتماد العضوي على الدولار وتدويل اليوان.
  • اليابان: الدائن الأكبر لواشنطن، لم تكن بمعزل عن هذه «الحمى»؛ إذ تخلصت طوكيو من نحو 47 مليار دولار من السندات خلال ذات الفترة، في خطوة وُصفت بأنها أضخم عملية تسييل يابانية تشهدها الأسواق منذ نحو ثلاثة عقود، وذلك بهدف توفير السيولة النقدية والدفاع عن عملتها المحلية (الين) أمام تداعيات أسعار الطاقة الوافدة.

كماشة النفط والدفاع عن العملات

ويرى محللو أسواق المال أن هذا الانسحاب الجماعي - الذي تسبب في تراجع إجمالي الديون الأميركية المملوكة لأطراف أجنبية بنحو 240 مليار دولار في شهر واحد - ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو نتاج ضغوط اقتصادية حادة؛ إذ إن القفزة القياسية لأسعار النفط العالمية التي بلغت نحو 80 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، أجبرت البنوك المركزية حول العالم على تسييل أصولها المقومة بالدولار (وفي مقدمتها السندات) لتمويل فاتورة استيراد الطاقة الباهظة ودعم استقرار عملاتها الوطنية.

ويتفق المراقبون في نيويورك على أن هذا التراجع الحاد في قاعدة المشترين الدوليين يمثل المعضلة الأكبر لإدارة ترمب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي على حد سواء؛ حيث يتزامن هذا «الهجران الجماعي» للسندات مع تنامي الاحتياجات التمويلية الضخمة لواشنطن لتغطية عجز الموازنة، مما يضع نظام الدولار أمام حقيقة رقمية قاسية، مفادها أنه «عندما تشتد الضغوط الهيكلية، لم يعد الاحتفاظ بالديون الأميركية خياراً آمناً»، وهو ما سيدفع تكاليف الاقتراض الأميركية نحو مستويات حرجة قد تعيد صياغة النظام النقدي العالمي بالكامل.


رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
TT

رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

تواجه الإدارة الأميركية، برئاسة الرئيس دونالد ترمب، اختباراً معقداً وغير متوقع في إدارة دفة السياسة الاقتصادية؛ حيث لم تعد الضغوط نابعة من كواليس غرف القرار السياسي فحسب، بل من قوة سوقية هائلة ومستقلة إلى حد كبير؛ تتمثل في «سوق السندات الأميركية» التي بدأت تفرض شروطها، وتختبر مدى تحمل واشنطن لارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي.

وبينما يتحدث البيت الأبيض عن إحراز تقدم ملموس نحو صياغة اتفاق سلام لإنهاء الحرب المستمرة منذ 3 أشهر مع إيران، ركّز مستثمرو سندات الخزانة على التداعيات التضخمية طويلة الأجل والشكوك المحيطة بفرص التهدئة المستدامة؛ وهو ما دفع عوائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى تجاوز عتبة 4.5 في المائة بشكل حاد، لتلامس مستوى 4.69 في المائة مؤخراً، وهو الأعلى لها منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

كماشة الفائدة وتكلفة المعيشة

وينعكس هذا الصعود المتسارع في عوائد السندات مباشرة على تكاليف الاقتراض في مختلف مفاصل الاقتصاد الأميركي، بدءاً من القروض العقارية، مروراً ببطاقات الائتمان، وصولاً إلى قروض الشركات؛ ما يُهدد الاستقرار المالي الإجمالي.

وفي هذا السياق، يرى غريغ فارانيلو، رئيس استراتيجية الأسعار الأميركية في مؤسسة «أميري فيت سيكيوريتيز»، أن السوق بدأت تفرض نوعاً من «الألم الاقتصادي»، مشيراً إلى أن المستويات الراهنة ستلقي بظلالها حتماً على قطاع الإسكان والتمويل العقاري، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ويتزامن هذا التوتر المالي مع مخاوف عميقة تعصف بموظفي البيت الأبيض تتعلق بالقفزة المستمرة في أسعار وقود السيارات (البنزين)، والتي باتت تُشكل المصدر الأكبر للقلق الإداري حالياً. ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي مناقشة خيارات رفع أسعار الفائدة بوصفها أداة وحيدة لكبح جماح التضخم، بدلاً من خفضها كما يُطالب ترمب بانتظام؛ ما يضع السياسة النقدية والمالية في مسار متقاطع ومربك للأسواق.

رهانات الخريف وخيارات المناورة المحدودة

وتكتسب هذه الضغوط الاقتصادية بُعداً سياسياً بالغ الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والتي ستُحدد مصير السيطرة الجمهورية الهشة على مجلسي النواب والشيوخ؛ إذ يُثير إنفاق إدارة ترمب الطموح مخاوف بعض المشرعين من تفاقم العجز المالي.

وفي هذا الصدد، يؤكد خبراء أن معيار «القدرة على تحمل التكاليف» بات الكلمة الأكثر تردداً في أروقة واشنطن؛ نظراً لأن مستويات الفائدة الحالية قد تؤدي إلى تبريد الطلب على الإسكان، والضغط على إنفاق المستهلكين، وفي أسوأ السيناريوهات، دفع الاقتصاد نحو الركود.

وفي المقابل، تسعى الإدارة الأميركية إلى تهدئة روع المستثمرين عبر رسائل تطمينية؛ إذ صرح وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بأن الارتفاع الحالي في العوائد، خصوصاً في الآجال الطويلة للمنحنى، مدفوع أساساً بصدمة الطاقة الناتجة عن حرب إيران، مؤكداً أنها «ضغوط مؤقتة» ستزول بزوال مسبباتها الجيوسياسية.

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم البيت الأبيض، كوش ديساي، أن التركيز يظل منصباً على الأجندة طويلة الأجل لترمب، والتي تستهدف تسريع النمو، وخفض البيروقراطية، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي لاستعادة الحيوية المالية.

قوة السوق ومقصلة الـ5 %

تاريخياً، لطالما شكّلت سوق السندات قوة سياسية قادرة على صياغة السياسات في واشنطن التي تحتاج دوماً للحفاظ على ثقة المستثمرين لتمويل ديونها المتنامية؛ وهي المفارقة التي لخّصها المستشار السياسي الأسبق جيمس كارفيل في تسعينات القرن الماضي، بقوله إنه يرغب في أن يعود للحياة على هيئة «سوق السندات» لقدرتها العالية على إخافة الجميع وترهيبهم.

ويرى الخبراء والمحللون أن خيارات واشنطن للتدخل وكبح جماح العوائد تظل محدودة للغاية، حتى لو قفزت الأسعار إلى «مستوى الألم الحرج» المقدر بنحو 5 في المائة؛ فالارتفاع الحالي مدفوع بقوة النمو الاقتصادي وعناد التضخم المرتبط بالوقود، وليس بمخاوف ائتمانية تتعلق بالقدرة على السداد. وبالتالي، فإن أي تدخل حكومي عنيف أو مصطنع قد يقوّض مصداقية الدولة في معركتها ضد التضخم، ويأتي بنتائج عكسية تؤدي إلى تفاقم الضغوط الصعودية للعوائد، ما يبقي الاقتصاد الأميركي معلقاً بين مرونة قطاع الشركات وقواعد اللعبة الصارمة لأسواق المال.