{بني مزاب} روّاد التجارة والتكافل في الجزائر

TT

{بني مزاب} روّاد التجارة والتكافل في الجزائر

المِزابيون أو بني مزاب، فرع من أمازيغ الجزائر، يعيشون في منطقة وادي مزاب (ولاية غرداية)، الواقعة على بعد 600 كم جنوب العاصمة الجزائرية. يتحدثون اللغة المِزابية (بكسر الميم بلا زيادة الياء)، وأصلها لغة زناتية، وكلتاهما (المِزابية والزناتية) مثل الشاوية والشلحية فرع من اللغة الأمازيغية. ويتحدثون أيضا الدارجة الجزائرية، وهي مزيج لغوي عربي فرنسي.
يشتهر بني مزاب بالتجارة، فتنتشر محالهم التجارية في كافة ولايات الجزائر، تتشابه تجارتهم، بـ«الخردوات»، وتشمل كل ما يخطر بالبال، نجد في محال المزابيين من المسمار والبرغي بكل الأنواع والمقاسات إلى أدوات التمديدات الصحية من حنفيات وأنابيب مختلفة المقاسات، النحاسي منها والبلاستيكي، ومواد البناء، وأصباغ الجدران، ومواد كهربائية من مصابيح مختلفة الأنواع والقوة، والمراوح ومجفف الشعر إلى أشرطة تمديد الكهرباء رفيعة وغلظة والأدوات الزراعية من المجرفة إلى المسحاة مرورا بالمذراة وغيرها، وحتى الغرابيل نجدها في محل المزابي، تسمى «صواور، مفردها صيّار» بعضها يُستخدم لتنقية القمح والشعير من الشوائب، وبعضها يستخدم في صنع «الكسكسي» لفرز المتوسط (الطعام) عن الخشن (البركوكس) وسلع أخرى. باختصار نادرا أن نسمع كلمة لا يوجد «مكانش» من تاجر مزابي، فكل ما يحتاجه الزبون موجود، وإن نفدت السلعة يحضرها للزبون من محل آخر، تلك الثقة بين المزابي والزبائن تشبه عقدا اجتماعيا كرّسته الأعراف جيلا بعد جيل.
في محال بني مزاب الباعة أغلبهم شباب، وبينهم صبية صغار يتعلمون أسلوب تجارة الأجداد، جميعهم في حركة دؤوبة لتلبية طلبات الزبائن، يعرضون عليهم ما لديهم من أنواع السلع مع شروحات عن الخصائص والميزات لكل نوع لتمكين الزبون من اختيار الأفضل.
منضدة الباعة في صدر المحل، وغالبا على شكل مربع مفتوح على باب الحانوت، وبجوار الباب سلع مربوطة بسلاسل وأقفال، تحسبا أن تسول نفس أحدٍ بالسوء ويسرق دون أن يراه المزابي المشغول مع الزبائن برضا خاطر وصدق كبير.
شعار المزابي «الصدق أساس التجارة لكسب ثقة الزبون حتى يعود للمحل» كما قال عمي موح (تصغير لاسم محمد)، «مايصحش نغش المشتري، لازم يثق فينا بش يولي خطرة أخرى ويشري».
عمي موح بلباسه المزابي، شروال مزموم بثنيات صغيرة متراصفة جنب بعضها البعض، فتعطي اتساعا للشروال حتى الركبتين، ويضيق من الركبتين حتى القدمين، كي لا يربكه أثناء مشيه بين سلع المحل المرصوصة على أرض وجوانب المحل.
يفتح المزابي محله قبل شروق الشمس، والعمال يستعدون لاستقبال الزبائن باحترام مألوف لديهم، وجوههم باشة، يعملون بلا كلل حتى منتصف النهار، وهي ساعة فرصة الغداء، وتمتد حتى الثانية والنصف زوالا، هذا موعد مقدس لا يتخلى عنه العمال المزابيون، يغلقون المحل، ويقضون فرصة الغداء بداخله. وبعد الراحة يفتحون المحل إلى السابعة والنصف مساء. خلال عملهم لا يمكن أن نرى عاملا جالسا على كرسي، فقط «المعلم» إن كان كبير السن، له الحق بالجلوس، وهو يدير العمل ويرشد الشباب العاملين.
تلك المعاملة اللطيفة للزبون من أخلاق التجارة المزابية، يستقبل المزابي زبونه بحفاوة باش الوجه تشعره بإنسانيته، ويعرض عليه سلعه كلها، ولا يتذمر من تقليبه لها، حتى إن كان ذلك من باب الفضول، ولا يميز بين الزبائن مهما تفاوتت مقاماتهم، فهو يبدأ دائماً بأول الداخلين، ثم الذي يليه، ولا يصدم زبونه بكلمة «ماكانش أو ماعنديش». لذا محال المزابيين تعرف إقبالا كبيرا من الزبائن.
عمي موح ابن الرابعة والسبعين عاما تحدث معنا عن مشواره التجاري: «رافقت والدي وجدي إلى الحانوت كان عمري سبع سنوات، كنت أذهب للحانوت بعد درس القرآن بالجامع لأتعلم القراءة والكتابة، وبعدما تعلمت القراءة والكتابة والحساب أصبحت أحد عمال المحل، الذي كان يديره جدي، كان عمري تقريبا عشر سنين، كنت بعمر رشيد ولْد ولدي»، وأشار إلى حفيده رشيد، وأضاف: «مش سهلة التجارة، تحتاج رقة بالكلام، وجهك يكون فرحان، وتهتم بالزبون».
تتميز الشخصية المزابية بالهدوء وسعة الصدر، يندر رؤية مزابي يتشاجر مع شخص آخر، أو يقول كلاما غير لائق، أو يلبس لباساً غير اللباس التقليدي لبني مزاب، وهو الشروال وفوقه صدرية خاصة، ويعتمر قلنسوة بيضاء.
لا يوجد في المجتمع المزابي فقير أو عاطل عن العمل، لأن نظاما اجتماعيا لدى بني مزاب يقوم على التكافل، يسيره ما يسمى «مجالس العزابة» يتكون من الوجهاء، يشرف على تسيير الحياة العامة للسكان، يوفرون العمل للشباب بالتجارة، ويولمون ولائم جماعية بالمناسبات، وينظمون الأعراس الجماعية لتخفيض تكاليف العرس، ويحددون المهور، ويساعدون في تكاليف الزواج للشباب، لذا لا توجد عندهم عنوسة. ويمول «مجلس العزابة» تبرعات المبسورين، ولا يتأخر مزابي عن دفع ما عليه من مال.
تاريخ بني مزاب – حسب الدراسات التاريخية - يعود إلى ألف عام، لهم طرازهم العمراني الخاص، صنفته اليونيسكو من التراث العالمي. منازل بني مزاب مغلقة على الخارج، مفتوحة على صحن الدار، يُفتح باب الدار على رواق يفصل المنزل عن الشارع، فلا يمكن رؤية صحن الدار من الباب الخارجي، هذه المنازل تشبه القلاع تسمى «قصور»، مبنية من الطوب، فتتماهى مع المكان بلون رمال الصحراء.



«الممثلين» المصرية تواجه أزمة الصور المفبركة لدينا الشربيني

الفنانة دينا الشربيني (إنستغرام)
الفنانة دينا الشربيني (إنستغرام)
TT

«الممثلين» المصرية تواجه أزمة الصور المفبركة لدينا الشربيني

الفنانة دينا الشربيني (إنستغرام)
الفنانة دينا الشربيني (إنستغرام)

توعدت نقابة «الممثلين» المصرية بملاحقة مروجي صورة مفبركة للفنانة دينا الشربيني صممت بتقنية الذكاء الاصطناعي، وأظهرتها بشكل لا يليق، مما عرضها لانتقادات واسعة عقب انتشارها عبر «السوشيال ميديا» خلال الساعات الماضية.

وتصدر اسم دينا الشربيني، وكذلك أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية، على موقع «غوغل» في مصر الأربعاء بعد تداول الصورة، وتحرك النقابة لمواجهة الأزمة، واتخاذها إجراءات قانونية ضد الشاب الذي نشر الصورة، وملاحقته، في إطار حرص النقابة على حماية الفنانين من حملات الإساءة والتشهير على «السوشيال ميديا»، التي انتشرت أخيراً بشكل واسع، خصوصاً مع الاستعانة بتقنية الذكاء الاصطناعي، حسب تعليقات ومشاركات «سوشيالية» أكدت أنها سلاح ذو حدين، ويجب الحرص في استخدامها.

من جانبها علقت دينا الشربيني على تحرك النقابة القانوني، وموقفها الداعم، عبر خاصية «ستوري» بحسابها على موقع «إنستغرام»، معربة عن امتنانها وشكرها لنقيب الممثلين، كما اهتمت بالترويج لأحدث عروضها المسرحية «علمي علوم» على الخاصية نفسها.

الناقد الفني المصري عماد يسري أكد أن «ظاهرة الإساءة للفنانين وفبركة الصور ومقاطع الفيديو ليست جديدة، لكنها ازدادت مع انتشار تقنية الذكاء الاصطناعي بالسنوات الأخيرة، ومحاولة صناعة (ترند) غير مناسب، وبعيد عن التمثيل، ومحتوى الفنان الأساسي»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الظاهرة مرفوضة، ويجب التصدي لها، ومحاسبة من يسير وفقها، وملاحقته، ومعاقبته».

وأشاد يسري بحرص النقابة على اتخاذ إجراءات قانونية لحفظ حقوق أعضائها، وحمايتهم من التشويه، مضيفاً: «الفنان إنسان أولاً وأخيراً، وليس من حق أحد الإساءة إليه، بينما انتقاد أعماله الفنية أمر متاح، ولكن دون إساءة لشخصه».

الفنانة المصرية دينا الشربيني (إنستغرام)

من جهته، كشف المحامي الدكتور حسام لطفي لـ«الشرق الأوسط» أن أي فبركة تنشر على وسائل التواصل الاجتماعي تعد جريمة، وجنحة في حق مرتكبها، وستتم معاقبته بالقانون وفق المادة 25 في الفصل الثالث من قانون «مكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات» رقم 175 لسنة 2018 الذي يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر، وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه، ولا تتجاوز 100 ألف جنيه.

وقبل واقعة دينا الشربيني، تعرضت الفنانة ريهام عبد الغفور لواقعة مشابهة، بعد تداول صور ومقاطع فيديو التقطت لها خلسة من زاوية غير لائقة أثناء حضورها العرض الخاص لفيلم «خريطة رأس السنة» قبل أشهر عدة، مما عرضها لانتقادات وتعليقات مسيئة، عقب انتشارهما، ودفعها لاتخاذ الإجراءات القانونية، وساندتها النقابة حينها، حتى تم الإعلان عن القبض على المتهم بالتصوير، والنشر.

وفي السياق، وقبل أيام وقعت نقابة الممثلين مذكرة تفاهم مع شركة «ميتا» خلال فعاليات مهرجان «الجونة»، لإطلاق مبادرة تهدف لـ«نشر الوعي الرقمي»، وحماية الفنانين، والحد من الأضرار الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وانتهاك الخصوصية، وفق ما أعلنه المهرجان.

وفنياً، تستعد دينا الشربيني للمشاركة في فعاليات موسم الرياض خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، عبر مسرحية «علمي علوم»، والتي تجمعها بعدد من نجوم الكوميديا، كما تواصل تصوير دورها في «الفيل الأزرق 3»، وتعاقدت أخيراً على بطولة فيلم «أهل العيب»، إلى جانب تحضيرات الجزء الجديد من المسلسل الرمضاني «كامل العدد».


«الله يستر»... لماذا الضحك على مادة استُهلِكت كثيراً؟

للطائفية عمر طويل... وللنكتة عنها 7 أرواح (الشرق الأوسط)
للطائفية عمر طويل... وللنكتة عنها 7 أرواح (الشرق الأوسط)
TT

«الله يستر»... لماذا الضحك على مادة استُهلِكت كثيراً؟

للطائفية عمر طويل... وللنكتة عنها 7 أرواح (الشرق الأوسط)
للطائفية عمر طويل... وللنكتة عنها 7 أرواح (الشرق الأوسط)

تضع مسرحية «الله يستر» جمهورها أمام شخصيات يعرفها قبل أن تبدأ الحكاية. في مقدّمها «جورجيت الخازن»، المرأة المسيحية المتشدّدة التي تنتمي إلى مخزون اجتماعي لبناني يملك المتفرّج مفاتيحه مُسبَقاً، فتبدو أقرب إلى صورة نمطية متوارَثة منها إلى شخصية من لحم ودم. ومن حولها تتشكَّل سلسلة من الصِدامات العائلية التي تستحضر الاختلاف الديني وما يرافقه من أحكام وتوقُّعات. تستعير المسرحية التي كتبتها نبال عرقجي وأنتجتها، من إخراج علي اتحاد (مسرح «دوار الشمس»)، فكرتها من الفيلم الفرنسي «ماذا فعلنا بالرب؟»، وتُعيد توزيعها على مجتمع تُدار فيه العلاقات الشخصية أحياناً وفق حسابات الجماعة الدينية. وإنما استمرار انجذاب الجمهور إلى هذه المادة المُستَهلكة يستحق قراءة في أسباب جاذبيتها، وما تكشف عنه تلك الجاذبية من وظيفة الكوميديا داخل مجتمع اعتاد تنظيم علاقاته عبر التصنيفات.

نضحك معاً على ما يعجز عن جمعنا (الشرق الأوسط)

تقوم آلية الإضحاك على استحضار أنماط اجتماعية جرى تثبيتها طويلاً في الوعي اللبناني. فكلّ شخصية تحمل معها تاريخاً من الأحكام التي يتداولها الناس عن جماعتها، وتكفي بعض الإشارات ليستحضر المتفرّج الصورة بأكملها. بذلك يصبح الجمهور شريكاً في بناء الموقف الكوميدي، إذ يُضيف إلى ما يسمعه خبرته الخاصة ومخزونه من النكات والتصوّرات. وتستفيد المسرحية من هذه المُشاركة الذهنية، فتختصر الطريق إلى الضحك وتضمن سرعة التواصل، لكنها تجعل بناء الشخصيات تابعاً لِما يُعرَف عنها مُسبَقاً.

كلّ طائفة تعرف دورها... حتى قبل رفع الستارة (الشرق الأوسط)

في هذا النوع من الكوميديا، يؤدّي الاختلاف الديني وظيفة تتّصل بتأكيد الهوية أكثر من مناقشتها. فالانتماء الطائفي في لبنان يتشكَّل أيضاً عبر ما تقوله الجماعة عن سواها، وما تتخيَّله من صفات تُميّز أفرادها. وتتغذَّى هذه العملية من ميل الإنسان إلى تصنيف محيطه الاجتماعي وفق انتماءات محدّدة، تمنحه شعوراً بالانتماء وتؤثّر في نظرته إلى الآخرين. وعندما يضحك المتفرّج على صورة طائفية متداوَلَة، فهو يتعرَّف إلى نظام التصنيفات الذي نشأ داخله، ويُشارك في إعادة تداوله. هكذا تنشأ علاقة حسّاسة بين السخرية من التعصُّب واستمرار حضوره في المُخيّلة.

تتعب الحكايات من التكرار ولا يتعب الجمهور من الضحك (الشرق الأوسط)

تستمدّ «الله يستر» مادتها الكوميدية من هذا الموروث. فالمفارقات تتوالى وفق منطق الاختلافات المعروفة، والشخصيات تتحرَّك داخل حدود رسمتها لها هوياتها الاجتماعية. وتُستخرج الطرافة من المُبالَغة في الصفات وردود الأفعال، فيما يظلُّ الاشتغال على التحوّلات الداخلية محدوداً. ويتيح هذا البناء إيقاعاً سريعاً ومواقف مُضحِكة، لكنه يجعل العمل أقرب إلى إعادة تمثيل التصوّرات الشائعة منه إلى مُساءلتها درامياً. فالمسرح يمتلك القدرة على جَعْل الشخصية تتصرَّف على خلاف ما ينتظره الجمهور منها، وعلى كشف ما تُخفيه وراء صورتها الاجتماعية. وفي هذه المسرحية، تُحافظ الشخصيات غالباً على وظائفها الكوميدية المعروفة.

والطائفية بما تحمله من تاريخ اجتماعي ونفسي، مادة قابلة لمعالجات درامية متعدّدة. لكنّ الاعتماد على صُورها الأكثر تداولاً يجعل التعرُّف إليها أسرع من اكتشافها. ومن هذه الناحية، تعرف كوميديا «الله يستر» مُسبَقاً كيف تصل إلى جمهورها، وتُفضّل الاستثمار في استجابته المتوقَّعة على المُغامرة في تشكيل تجربة مسرحية مختلفة.

الطائفية التي تُفسد العيش تُصلح أحياناً مزاج الأمسية (الشرق الأوسط)

يمنح الأداء المسرحية حيوية، ويُسهم الانسجام بين الممثلين في الحفاظ على إيقاعها الكوميدي. وتلفت مايا يمّين في شخصيتَي «فاطمة أم حسن»، و«أنطوانيت»، جارة «جورجيت» الفضولية، بما تُحدثه من اختلاف في اللهجة والحركة وردود الفعل، خصوصاً في الشخصية الأولى التي تمنحها طرافة خاصة تتعدَّى حدود الحوار المكتوب. أما لمى لاوند فتؤدّي «جورجيت الخازن» بحضور مُقنع، وتمنح تعصّبها الطائفي ملامح امرأة تشكَّلت قناعاتها عبر التربية والعادات، وإن ظلَّت الشخصية أسيرة صورتها النمطية. وإلى جانبهما، تؤدّي ميليسا عزيز دور «ماري كريستين»، ابنة «جورجيت»، ويجسّد محمد فوعاني شخصية حبيبها «حسن»، فيما تحضر نبال عرقجي في دور «ماري إيلين»، ووليد عرقجي في دور «جان ماري»، وجويل منصور في دور الابنة الصغرى. وتسهم هذه المجموعة في إضفاء خفّة على المَشاهد العائلية، من خلال تبادُل الحوار وسرعة التفاعل، وإن بقيت الشخصيات محكومة في معظمها بالمواقف التي أُعدَّت لإثارة الضحك.

يضحك اللبنانيون على اختلافاتهم كأنهم يسمعونها للمرة الأولى (الشرق الأوسط)

وتكشف خاتمة المسرحية عن البُعد الشخصي الذي يحكم نيّات الكاتبة. تحمل نبال عرقجي صورة والدها الراحل، وتروي كيف نشأت على احترام الناس بمعزل عن انتماءاتهم الدينية، وكيف عرفت طائفتها مصادفةً في مراهقتها. تضع هذه اللحظة ما سبقها في إطار إنساني شخصي، وتكشف عن الدافع الذي حمل الكاتبة إلى معالجة الاختلافات بين اللبنانيين. فالمسرحية التي تمضي معظم وقتها في إبراز الفوارق تنتهي إلى الإشارة إلى إمكان العيش خارج سلطانها.

للضحك ضرورته في بلد أثقلته انقساماته وأزماته، و«الله يستر» تمنح جمهورها نصيباً منه. لكن كان يمكن للعرض أن يمضي أبعد في مُساءلة ما جعلنا نضحك طوال الأمسية.


فك شفرة لعبة «الهولا هوب» المعقدة ضد الجاذبية

أمضى الباحثون عقوداً في محاولة فهم كيف يتحدى هذا الطوق الجاذبية؟ (بكسلز)
أمضى الباحثون عقوداً في محاولة فهم كيف يتحدى هذا الطوق الجاذبية؟ (بكسلز)
TT

فك شفرة لعبة «الهولا هوب» المعقدة ضد الجاذبية

أمضى الباحثون عقوداً في محاولة فهم كيف يتحدى هذا الطوق الجاذبية؟ (بكسلز)
أمضى الباحثون عقوداً في محاولة فهم كيف يتحدى هذا الطوق الجاذبية؟ (بكسلز)

قد تبدو لعبة طوق الخصر «الهولا هوب» مجرد وسيلة للتسلية، لكن الفيزياء الكامنة وراء هذه الأداة معقدة للغاية، لدرجة أن العلماء أمضوا عقوداً في محاولة فهم كيفية تحدِّي هذا الطوق للجاذبية.

وقد خُصِّصت أبحاث علمية عديدة لدراسة هذا اللغز البسيط: كيف تتضافر حركات الوركين والساقين مع قوى الاحتكاك والقوى الطاردة المركزية للحفاظ على دوران هذه اللعبة؟ وقد دفع هذا السؤال، الذي ظل بلا إجابة حاسمة، فريقاً من المهندسين في جامعة كاليفورنيا في بيركلي بالولايات المتحدة إلى معالجة المسألة باستخدام أسلوب مبتكر لتحليل البيانات.

وتتحدى النتائج، التي نُشرت أخيراً في دورية «الديناميكيات غير الخطية»، قناعات سادت على مدى 20 عاماً بشأن كيفية عمل «الهولا هوب»، كما تقترح نهجاً أفضل لنمذجة الأنظمة الميكانيكية المعقدة، مثل حركة الطوق أثناء الدوران. وقد يكون هذا النهج مفيداً في مجالات أخرى، كإعادة التأهيل البدني والروبوتات.

وسعى الباحثون في بيركلي، بقيادة أوليفر أورايلي، أستاذ الهندسة الميكانيكية، إلى البناء على الدراسات السابقة من خلال تتبُّع حركة الطوق باستخدام مستشعر متخصص سجَّل 120 لقطة في الثانية، وجمع بيانات عن السرعة الدورانية والتسارع وقوة الجاذبية والمجالات المغناطيسية.

وعندما أسفر تحليل المكونات الرئيسية للبيانات الإضافية التي جمعها الباحثون عن نتائج تختلف اختلافاً جذرياً عن تلك التي توصلت إليها فرق بحثية سابقة، قرروا تغيير نهجهم والاستعانة بطريقة رياضية غير خطية لمعالجة البيانات.

وكشفت هذه الطريقة أن عظام الفخذ والساق والقدم تعمل معاً للحفاظ على دوران الطوق، في حين تتسبب حركة الفخذ في تذبذب الطوق رأسياً. وعلى خلاف ما أظهرته الدراسات السابقة، بيّن الباحثون أن دوران الطوق وتذبذبه مرتبطان ارتباطاً جوهرياً.

وبدأ أورايلي عمله بمحاولة تحديد حركات الجسم الضرورية لممارسة هذه اللعبة. وابتكرت زميلتاه، كريستال تشيرن، الباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه في الهندسة الإنشائية، وتيريزا هونين، التي تشغل حالياً منصب أستاذ مساعد في الجامعة الأميركية في لبنان، طريقة لتثبيت أجهزة استشعار متطورة على الطوق والساق اليمنى والقدم. وبعد ذلك، مارست تشيرن، وهي لاعبة جمباز سابقة، اللعبة فيما كانت أجهزة الاستشعار تجمع البيانات.

وعندما حاول الباحثون محاكاة نتائج دراسات أخرى باستخدام بياناتهم الخاصة، وجدوا أن النتائج الرقمية لا تتطابق. وقال أورايلي في بيان صدر يوم الأربعاء: «لقد فوجئنا حقاً؛ فالنتائج السائدة تشير إلى أن حركة الجسم لا تؤثر في الطوق إطلاقاً، والعكس صحيح أيضاً». لكن هذا الاستنتاج لا يبدو منطقياً.

وتوصل الباحثون إلى أن دوران طوق «الهولا هوب» حول خصر تشيرن نتج عن العمل المشترك لعظام الفخذ والساق (الظنبوب) ومشط القدم.

فقد كانت عظام الفخذ والساق تلتوي كما لو كانت مقابض صنبور، في حين كانت الساق تتحرك صعوداً وهبوطاً. وكانت تشيرن تثني ساقيها ثم تمدّهما، وتحرك عظام مشط قدميها، فيما تنقل وزن جسمها من الحافة الداخلية للقدم إلى حافتها الخارجية. وأشار أورايلي إلى أن الباحثين فوجئوا بالدور المحوري الذي يؤديه الكاحلان والقدمان في هذه العملية.

فعند استخدام طوق «الهولا هوب»، لا يظل الطوق موازياً تماماً للأرض، بل يميل صعوداً وهبوطاً. وقد تبيَّن أن حركة عظام فخذ تشيرن كانت تؤثر في هذا التمايل أثناء دورانها داخل مفصلي الورك. ونظراً إلى استحالة تحريك عظمة الفخذ بهذه الطريقة من دون التواء عظمة الساق (الظنبوب)، لا يمكن فصل الحركات المسؤولة عن دوران الطوق عن تلك التي تسبب تمايله. وقال أورايلي: «لقد كان الأمر أكثر إثارة للاهتمام بكثير مما تخيلنا».

ورغم أن البحث يتمحور حول لعبة يعود انتشارها إلى خمسينات القرن الماضي، فإن دلالاته تتجاوز هذا المجال بكثير. فقد تسهم هذه النتائج في تطوير نماذج أكثر دقة لكيفية تحرك الأشخاص أثناء استخدام المشايات الطبية، على سبيل المثال، مما يساعد اختصاصيي العلاج الطبيعي على التركيز على إعادة تأهيل الحركات الأساسية. وأضافت هونين أن هذا النوع من تحليل الحركة قد يكون مفيداً أيضاً في تصميم الأطراف الاصطناعية وتطوير الروبوتات.