دريدا: العالم يحتاج إلى الفلسفة

ترجمة عربية للقائه الأخير مع جريدة «لوموند» الفرنسية

دريدا: العالم يحتاج إلى الفلسفة
TT

دريدا: العالم يحتاج إلى الفلسفة

دريدا: العالم يحتاج إلى الفلسفة

ما الذي يمكن أن يُثيره فيلسوفٌ باعثٌ على الجدل والاختلاف مثل جاك دريدا، أو ما يتركه من أسئلة لها حواف حادة؟ ففي كل ما انخرط فيه، وما تمرد عليه، أو ما شاكسه، كان دريدا شغوفاً بمواجهة الأفكار التي يصنعها الآخرون، هو يدرك أن هذه المواجهة هي جوهر رغبته العميقة في التغيير، وفي تنشيط دينامية التفكير، لكي يكون فاعلاً ومؤثراً مثل أي سلطة أخرى، لأنه يدرك أن كل ما في التاريخ، أو كل ما في الوجود، لا يتحرك إلا بدافع من سلطة ما، حيث دافعية سلطة الوعي، أو الحب، أو الكراهية، أو سلطة تقويض «اللوغوس» أو المركز، أو المنطق؛ فكلها تمثل واجهات لسلطة القوة والثروة والتاريخ.
العالم يحتاج إلى الفلسفة لكي «يتعلم التغيير»، هذا ما يقوله دريدا، ولكي يمارس التفكير بالتقويض والاختلاف، والشغف بالحرية، بوصفهما تصريحاً علنياً عن الحاجة إلى تلك الفلسفة، لأن فعل التغيير ليس بريئاً، فله لبوس سياسية وأخلاقية ومعرفية، وله تأثيره على إعادة هندسة العالم بعد فوضاه، وهذا ما يجعل الفلسفة ضرورية وحمائية، فضلاً عن دورها في تعليم الإنسان كيف يكون معرفياً في تفسير وتأويل الحرية والسعادة، ولكي يواجه - بالمقابل - الاستبداد والعنف والتوحش الرأسمالي، فهو مؤمن بأن الأفكار التي لا يمكن استعمالها في هذه المواجهة، يجب تلفها، أو وضعها في المتحف، وأن جرأته هي التي جعلته في حالة من «الاحتجاج الدائم»، وربما في حالة صاخبة من «التفكير الدائم».
«ميراث الغائب» هو الكتاب الذي صدر أخيراً عن دار «نينوى» (دمشق، 2018)، للباحث المترجم نصير فليح، وهو عبارة عن ترجمة للحوار الأخير الذي أجراه دريدا مع جريدة «لوموند» الفرنسية قبل رحيله بشهرين.
تضمن الكتاب فصلين، استقرأ فيهما الباحث أبرز الفلسفات المعاصرة التي واجهها دريدا في جدله وفي صراعه، وفي فلسفته التي لامست تابوهات المركز الميتافيزيقي للعقل الغربي، ولمهيمناته في السلطة والمقدس. في الفصل الأول، وضعنا الباحث في فضاء الحوار، وفي طبيعة ما حاول دريدا أن يطرحه من إجابات تتعلق بالموت والمعيش، ليس من وجهة نظر فلسفية فقط، بل عبر رؤية شمولية، أراد من خلالها أن يمارس نوعاً من الاعتراف حول «فن العيش»، وعن ضآلة كل الأشياء أمام هذه اللعبة الخطيرة التي لم يشأ أن يتعلمها، وأن إحساسه بالموت دفعه إلى سيكولوجيا التعلم، بقصد إبقاء لغته متوترة مثيرة، لأن التوتر شرط ضروري للتعلم والمعرفة، كما يقول.
التعريف بفلسفة دريدا وتحولاته هو الأمر الأكثر أهمية، فالرجل سريع التحول، وبعيد النظر في استقراء ما يمكن أن يتركه الثبات على الأفكار، وعلى الكينونات، وأن الغرب وفلسفاته وسلطاته، وحتى تاريخه، يتمحور حول وجود علاقة مزعومة بين الأنا والعالم، وأن حضورها سيكون موهوماً، أو أنه سيكون نوعاً من «ميتافيزيقا حضور»، كما يسميها، التي تحولت إلى خطوط في مواجهته لأطروحات وفلسفات ديكارت وهيدغر وليفناس وهيغل وماركس ونيشته، تلك التي لم تتخلص من مركزية اللوغوس الغربي، وأنويته الأوروبية المتعالية بشكلٍ خاصٍ.

- دريدا ومصطلحاته التقويضية
قدم الباحث في الفصل الثاني قراءة لمصطلحات دريدا في الترجمات العربية لكتبه، وهو موضوع ريبة وجدل دائمين، ولعل من أكثر هذه المصطلحات إثارة: «التقويض – التفكيك»، و«الاختلاف- الاختلاف المرجأ»، كما يقترحه المترجم. فدريدا في مقاربة هذه المصطلحات كسياقات للفهم والتفكير، ولإعادة قراءة التاريخ والمركز اللوغوسي، وضع نفسه في تقصٍّ إشكالي لأفكار نيتشه وهيدغر بشكلٍ خاصٍ، وفي جدل دائم مع فلاسفة معاصرين، لا سيما مع فوكو وإيغلتون ونعوم تشومسكي وهابرماس وآلان باديو، وغيرهم.
إن ما يُثير في هذه المصطلحات هو طابعها الإحالي، إذ إنها تمارس وظيفة التعرية المفهومية، مثلما أنها تدفعه لمواجهة كثير من الفساد في اللغة، وفي المعرفة، وحتى في العقل المؤسسي، وهذا ما يجعلها مصطلحات «مُهدِدة» للمركز التقليدي، وللمعنى التقليدي، وبما يجعل هذه المراكز تفقد قوتها، وتتحول طروحاتها إلى مقاربات، وإلى «مجرد تأويلات مستمرة لدلالات غير نهائية»، فضلاً عن أن هذه المصطلحات تُشكل الأساس في مجال قراءاته التقويضية لثنائيات اصطلاحية أخرى، مثل «الطبيعة والثقافة، والكتابة والكلام، والحضور والغياب، والعقل والجسد، والشكل والمعنى، وغيرها).
إن الترجمات العربية لقاموس دريدا تكشف عن الطابع الإشكالي لطروحاته الفكرية، ولتعقد كتاباته، ولطبيعة مواقفه الفلسفية إزاء قضايا تاريخية وسياسية وثقافية، تؤسس لنفسها تداولية استثنائية داخل النسق الذي كثيراً ما يتعرض للإزاحة، كما يقول المترجم، بسبب بحثه الدائم عن الحقيقة، أو بسبب ما يواجهه من نزعات عدمية، تستدعي بالضرورة فهماً ووعياً، وربما حساسية ما لمصطلحاته ولأفكاره، لا سيما مصطلح التقويض، كمقابل لمصطلحي التفكيك والتدمير الهيدغري.

- اعترافات دريدا
قد يكون الحوار الأخير لدريدا وجهاً آخر للاعتراف، فهو يفتح أفقاً لأفكاره، ويُزيح عنها كثيراً من الالتباسات، لا سيما أن المحرر الثقافي جان برنباوم في جريدة «لوموند» الفرنسية حاول أن يضعه أمام هذا الاعتراف، وكأنه يعرف أنه الخطوة الأخيرة له قبل الموت الذي يجتاحه.
في هذا اللقاء، قال دريدا صراحة: «أريد أن أتعلم العيش أخيراً، لكن هذا التعلم ليس بعيداً عن فكرة تقبل الموت، وعن الخروج من الفوضى، بما فيها فوضى العالم والسياسة والحقوق والنظام الدولي».
تعلم الموت هو مقابل لتعلم العيش، هذا ما يعترف به دريدا، إذ يقول: «جميعنا ناجون مُنحوا إنقاذاً مؤقتاً». وكأنه كان يراقب جسده المنخور، مثلما يراقب العالم العاصف، لذا «يتوجب العيش، فما زلت لم أتعلم، أو التقط أي شيء حول هذا الموضوع». ويعترف دريدا، في موقع آخر من الحوار، بأنه سعى دائماً إلى تعقيد فكرة نرجسية تعلم العيش، إذ يربط فكرة العيش بالإنقاذ، لا سيما الإنقاذ المعرفي، فهو «لن يفهم أن صحافياً ما لا يعرف كيفية قراءته، أو حتى قراءة عنوان الكتاب»، مثلما يكره أن يموت الإنسان بسبب الغباء، إذ لا مناص أمامه سوى أن يكتب، وأن يترك الأثر. لكن هذا الأثر، كما يقول: «لا أستطيع أن أجعله متاحاً لكائن من كان، لا أستطيع حتى أن أعنونه بطريقة فردية إلى شخص معين».
اعتراف دريدا بأنه بعيد عن الفهم، وأن هناك من لا يقرأه جيداً، قد يكون قاسياً، رغم أن مثل هذا القارئ سيظهر هنا أو هناك، كما يقول، ولعله من الوهم والقلق والخوف أن «تكون هناك فرصة لظهور كل هذا لاحقاً. لكن أيضاً من الجانب الآخر، وبالتالي بصورة متزامنة، لديّ شعور بأنه، بعد أسبوعين أو شهر من موتي، لن يبقى هناك شيء، لا شيء عدا ما تم حفظ حقوق طبعه وأُودع في المكتبات».
هذا الاعتراف هو ما يشبه الخذلان، الذي جعله يدرك أهمية تلازم تعلم الموت والحياة، والذهاب بالأفكار إلى النهاية، فعالم والأفكار، بما فيها أفكار القوة والمعرفة والسطوة والجسد والاستعمار والكوزمبوليتية، ستكون بعض ذلك الأثر القابل للنسيان أيضاً، الذي سيُحفظ في المتاحف والمكتبات.


مقالات ذات صلة

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

ثقافة وفنون الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» السعودي، دشنّ الدكتور إبراهيم المطرف كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)

عادة نوم بسيطة قد تُنقذك

معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)
معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)
TT

عادة نوم بسيطة قد تُنقذك

معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)
معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)

يشكو كثير من الناس من الشعور الدائم بأن الوقت لا يكفي، وأن يومهم يمضي في سباق متواصل لإنجاز المهام المتراكمة. ورغم محاولات تحسين الإنتاجية عبر تنظيم الجداول أو تقليل المشتتات، قد يكون الحل أبسط مما نتخيل: موعد نوم ثابت. فحسب الكاتبة وخبيرة إدارة الوقت لورا فاندركام، فإن غياب انتظام النوم لا يحرمك من الراحة فحسب، بل قد يكون سبباً رئيسياً في الشعور بالتسرع وضيق الوقت خلال النهار.

توضح فاندركام أن معظم الناس يستيقظون في وقت ثابت نسبياً بسبب التزامات العمل أو الدراسة، لكن قلة منهم يلتزمون بموعد نوم محدد. ونتيجة لذلك، قد يتمكن الشخص من الحفاظ على مستوى عام من الإنتاجية، لكنه يواجه صعوبة في التركيز المستمر طوال اليوم. ومع تراجع التركيز، تبدأ المهام في التراكم، ما يدفع إلى إنجازها على عجل. وعندما يسود التسرع، تزداد الأخطاء، فيضطر الشخص إلى إعادة العمل أو محاولة تدارك ما فاته، ليُهدر بذلك الوقت الذي كان يسعى إلى توفيره.

وتشير فاندركام، مؤلفة ثمانية كتب في إدارة الوقت، إلى أن المشكلة لا تكمن في قلة ساعات النوم على مدار الأسبوع، بل في عدم انتظامها. فقد يسهر الشخص لوقت متأخر في إحدى الليالي ويستيقظ مبكراً جداً، ثم يعوّض ذلك في الليلة التالية بالنوم في وقت عشوائي، بينما تكون عطلات نهاية الأسبوع غير منتظمة تماماً. هذا التذبذب المستمر، في رأيها، ينعكس سلباً على الأداء الذهني والتنظيم اليومي.

في ربيع عام 2021، أجرت فاندركام استطلاعاً شمل أكثر من 150 مشاركاً، أمضوا تسعة أسابيع في تطبيق تسع قواعد محددة مسبقاً لتعزيز الإنتاجية، من بينها الالتزام بموعد نوم ثابت. وتقول إن أحد المشاركين وصف تحديد موعد النوم بأنه «القاعدة الأقل جاذبية، لكنها الأكثر تأثيراً على الإطلاق»، في إشارة إلى الدور الكبير الذي يلعبه انتظام النوم في تحسين الأداء اليومي.

وتدعم نتائج علمية حديثة هذا الطرح؛ إذ توصلت دراسة نُشرت في يوليو (تموز) 2025 في مجلة «نيتشر» الطبية إلى نتيجة مماثلة. فقد تابع الباحثون أكثر من 79 ألف بالغ عامل في اليابان، ووجدوا أن عدم انتظام مواعيد النوم يرتبط بانخفاض الإنتاجية وزيادة الشعور بالانفصال عن العمل.

وترى فاندركام أن موعد النوم «يُحدد مسار اليوم بأكمله»؛ لأنه يساعد الفرد على معرفة عدد ساعات العمل المتاحة أمامه، ما يُسهّل تنظيم المهام بصورة واقعية. وتوضح أن الناس يدركون أن لليوم بداية واضحة، لكنهم غالباً ما يتعاملون مع نهايته على أنها مفتوحة وغير محددة. والحقيقة، كما تقول، أن اليوم له نهاية فعلية، وكل ما نخطط لإنجازه يجب أن يتناسب مع هذا الإطار الزمني، في عملية تشبه ترتيب قطع أحجية بحيث تتلاءم مع المساحة المتاحة.

وتشير فاندركام إلى أنها حددت لنفسها موعداً ثابتاً للنوم عند الساعة الحادية عشرة مساءً منذ سنوات، مؤكدة أن هذا الروتين يمكّنها من اتخاذ قرارات أكثر عقلانية بشأن كيفية استثمار وقتها خلال النهار.

من جانب آخر، توضح راشيل سالاس، اختصاصية طب الأعصاب وأستاذة في جامعة جونز هوبكنز، أن اضطراب النوم قد يؤثر سلباً في إيقاع الساعة البيولوجية، أي النمط الطبيعي للنوم والاستيقاظ في الجسم. وتنصح سالاس بمراقبة الوقت الذي يستيقظ فيه الجسم تلقائياً من دون منبه لبضعة أيام، ثم إجراء تعديلات تدريجية بمقدار 30 دقيقة عند الحاجة للوصول إلى جدول أكثر اتساقاً.

وتشدد سالاس على أن النوم حاجة إنسانية أساسية، وأن تأثيره يمتد إلى مختلف جوانب الصحة، من الإدراك والذاكرة إلى الهضم. وتؤكد أنه من الصعب التفكير في جانب من جوانب الصحة لا يتأثر بجودة النوم وكفايته.

وحسب «مايو كلينك»، يحتاج معظم البالغين إلى نحو سبع ساعات من النوم ليلاً، مع الإقرار بأن احتياجات النوم تختلف من شخص لآخر. وتنصح فاندركام بأنه بعد تحديد عدد الساعات التي تجعلك تشعر باليقظة والنشاط الذهني يومياً، يمكنك استخدام هذا الرقم لتحديد موعد نومك المثالي.

وتختم بقاعدة بسيطة: انظر إلى وقت استيقاظك اليومي، ثم اطرح منه عدد الساعات التي تحتاجها للنوم، لتحصل على موعد نوم واضح وثابت. فتنظيم نهاية اليوم، في نظرها، هو الخطوة الأولى لاستعادة السيطرة على بدايته.

الرأي


مصر: مخاوف من تأثيرات «حرب إيران» على «الانتعاشة السياحية»

السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
TT

مصر: مخاوف من تأثيرات «حرب إيران» على «الانتعاشة السياحية»

السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)

في الوقت الذي كانت مصر تتوقع فيه تحقيق انتعاشة سياحية لافتة في عام 2026 على غرار ما حققته في العام الماضي؛ فإن «حرب إيران» فجَّرت مخاوف من حدوث تأثيرات سلبية في هذا القطاع الحيوي، خصوصاً بعد تحذير أميركا لرعاياها من عدم السفر إلى 14 دولة بمنطقة الشرق الأوسط.

وأعرب خبراء سياحة ومرشدون سياحيون عن مخاوفهم من تأثيرات إلغاء بعض الحجوزات السياحية، خصوصاً من دول غرب ووسط آسيا التي تمر رحلاتها عادة بمنطقة الخليج العربي.

ووفق ثروت عجمي، رئيس غرفة شركات السياحة بالأقصر (جنوب مصر) فإن «الصراع الحالي لا بد أن يكون له تأثير في مصر، وإن كان لم يظهر حتى الآن بشكل واضح، لكن هناك مؤشرات تؤدي لمخاوف من هذه التأثيرات من بينها وضع الولايات المتحدة مصر ضمن 14 دولة حذرت من زيارتها».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لدينا الآن مجموعات من السائحين الأميركيين من المتوقع أن يكملوا برنامجهم السياحي، ويسافروا لكن بعد التحذير الأميركي أعتقد أن فرص مجيء أفواج أخرى في المدة القليلة المقبلة ستكون ضعيفة».

ونشرت السفارة الأميركية بالقاهرة بياناً على صفحتها بـ«فيسبوك» ذكرت فيه أنه «يجب على الأفراد الذين يخططون للسفر أن يكونوا على استعداد للتغييرات في خططهم؛ حيث قد تحدث إغلاقات في الأماكن الجوية في البلدان المجاورة»، وأكد البيان أنه «نظراً للتوترات العالية في المنطقة، تظل بيئة الأمن معقدة، ويمكن أن تتغير بسرعة».

حركة الطيران بالشرق الأوسط تأثرت بأحداث حرب إيران (وزارة الطيران المدني)

وأشار الخبير السياحي المصري، أيمن الطرانيسي، إلى «تزايد المخاوف في القطاع السياحي المصرى من أن تلقي تداعيات الحرب في إيران بظلالها على مؤشرات الانتعاشة السياحية التي بدأت تتشكل مؤخراً».

وقال الطرانيسي لـ«الشرق الأوسط» إن «إلغاء عدد من السائحين القادمين من شرق آسيا حجوزاتهم بسبب اضطراب حركة الطيران يعكس حساسية القطاع لأي توترات إقليمية حتى إن كانت خارج الحدود المباشرة. ويأتي ذلك في وقت كانت فيه شركات السياحة تعول على تنوع الأسواق لتعويض سنوات التراجع».

ووجَّه وزير السياحة المصري، شريف فتحي، رسالة طمأنة حول أوضاع السياحة المصرية مع بدء اندلاع الصراع، وقال في كلمة أمام لجنة السياحة والطيران بمجلس النواب (البرلمان المصري)، قبل يومين، إن «مصر دولة آمنة ومستقرة، وإن التطورات الإقليمية والأحداث الجيوسياسية الحالية التي تشهدها المنطقة لم تؤثر في الحركة السياحية الوافدة إليها».

ولفت رئيس غرفة شركات السياحة بالأقصر إلى أن السوق السياحية الأوروبية تعد مصر بعيدة عن مناطق الاضطرابات، ورغم ذلك فإن التحذير الذي أطلقته أميركا لرعاياها سيؤثر في بقية الأسواق خصوصاً الصينية منها».

وخلال اللجنة البرلمانية التي ناقشت استراتيجية وزارة السياحة للترويج للأنماط المختلفة، وتعظيم فرص الاستثمار السياحي، أكدت النائبة سحر طلعت مصطفى، رئيس لجنة السياحة والطيران المدني بمجلس النواب، أنه في ضوء المستجدات الإقليمية الراهنة بالمنطقة، تبرز أهمية تعزيز جاهزية قطاع السياحة للتعامل بكفاءة مع أي تطورات محتملة، بما يضمن الحفاظ على استقرار الحركة السياحية الوافدة لمصر.

وتعوّل مصر على قطاع السياحة كواحد من أهم مصادر الدخل القومي، حيث حققت في العام الماضي دخلاً يصل إلى 24 مليار دولار، وفق مركز معلومات مجلس الوزراء، وحصلت على جائزة أفضل وجهة تراثية من منتدى السياحة العالمي، وتطمح مصر في جذب 30 مليون سائح بحلول عام 2031.


ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
TT

ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)

يقدم الفيلم الهندي «ليس بطلاً» للمخرجة ريما داس عملاً إنسانياً هادئاً يتأمل التحولات الصغيرة التي تصنع فارقاً عميقاً في حياة الأطفال والكبار على حد سواء، وينتمي الفيلم، الذي حصد تنويهاً من لجنة تحكيم مسابقة «أجيال» بمهرجان «برلين السينمائي» في نسخته الماضية، للأعمال ذات الإنتاج المشترك مع تقديمه بشراكة هندية سنغافورية.

تدور أحداث الفيلم خلال صيف مفصلي في حياة طفل في الحادية عشرة يُدعى «ميفان»، يجد نفسه مُقتلعاً من إيقاع المدينة السريع إلى قرية أجداده البعيدة، حيث الزمن أبطأ، والعلاقات أكثر تعقيداً مما تبدو عليه للوهلة الأولى، لنشاهد في افتتاحية الفيلم، صدمة الانتقال لطفل اعتاد على الراحة والسرعة والاتصال الدائم، يُلقى به في فضاء لا يعترف بالعجلة ولا بالمكافآت الفورية.

حصد الفيلم تنويهاً من لجنة التحكيم في «برلين السينمائي» (إدارة المهرجان)

القرية ليست مجرد مكان جغرافي، بل هي عالم مغاير بقوانينه الخاصة، حيث كل شيء يتطلب انتظاراً، وكل علاقة تحتاج إلى وقت كي تتشكل، من هنا، يبدأ الصراع الصامت بين «ميفان» والمحيط الجديد، ويتجسد في علاقته المتحفظة بعمته الشابة «باهي»، وهي علاقة مثقلة بمشاعر غير منطوقة وماضٍ لم يُحسم بعد.

تنسج المعالجة الدرامية خيوطها عبر تفاصيل الحياة اليومية، والذهاب إلى المدرسة، والاحتكاك بأطفال القرية، ومراقبة الحيوانات والطبيعة، والانخراط تدريجياً في روتين يبدو بسيطاً لكنه يحمل دروساً عميقة، فلا يعتمد الفيلم على أحداث كبرى أو تحولات درامية صاخبة، بل يراهن على التراكم البطيء للحظات الصغيرة التي تُعيد تشكيل وعي الطفل بذاته وبالآخرين.

العلاقة بين ميفان وعمته تشكل العمود الفقري العاطفي للفيلم، فالتوتر بينهما لا يُحل عبر مواجهات مباشرة، ولكن من خلال صمت طويل يسمح للمشاعر الدفينة أن تطفو تدريجياً إلى السطح، حضور «ميفان» الهادئ داخل المنزل يُعيد فتح جراح قديمة، ويكشف هشاشة الكبار بقدر ما يكشف ارتباك الصغار.

صناع الفيلم خلال حضورهم في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

تطرح المعالجة أيضاً ثنائية لافتة بين العالم الرقمي وإيقاع القرية البطيء، فالطفل «ميفان»، ابن المدينة، يحمل داخله ضجيج التكنولوجيا وتوقعات الإنجاز السريع، بينما تفرض عليه القرية زمناً مختلفاً، بلا شاشات تُكافئه فوراً ولا مقارنات تُحفزه على السباق، هذا الاحتكاك بين السرعة والسكون لا يُدان فيه أي طرف، بل يُقدَّم بوصفه سؤالاً مفتوحاً حول ما نكسبه وما نخسره حين يتغير إيقاع حياتنا.

تقول مخرجة الفيلم ريما داس لـ«الشرق الأوسط» إن «ليس بطلاً» يمثل بالنسبة لها امتداداً لمسار فني تنشغل فيه دائماً بالطفولة بوصفها مساحة صدق خالص، مشيرة إلى أن فكرة الفيلم انطلقت من تساؤل بسيط لكنه عميق، وهو ماذا لو لم تكن البطولة مرتبطة بالإنجازات الكبرى أو التحولات الصاخبة؟ وماذا لو كانت البطولة في القدرة على البقاء، والتحمل؟

وأوضحت أن شخصية «ميفان» لم تُكتب على أنها بطل تقليدي، بل هي شخصية طفل يعيش ارتباكه بالكامل، من دون أن يملك أدوات تحليل مشاعره، بل يختبرها كما هي، بعفوية وتناقض، لافتة إلى أن اسم الفيلم «ليس بطلاً» يحمل موقفاً فكرياً واضحاً مرتبطاً بـ«مقاومة لفكرة الانتصار الدائم».

مخرجة الفيلم خلال حديثها في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأشارت إلى أنها لم تكن مهتمة بتقديم قصة نضج تقوم على التغلب أو الفوز، بل على التعلم البطيء، وعلى تقبل الفشل والانتظار والارتباك باعتباره جزءاً طبيعياً من النمو، لافتة إلى أن أكثر أشكال الشجاعة التي تلمسها في الحياة اليومية هي تلك الهادئة، التي لا تُعلن نفسها، بل تظهر في تفاصيل صغيرة متمثلة في الإصغاء، والصبر.

وعن اختيارها السرد من منظور طفل في الحادية عشرة، أوضحت أن الأطفال يرون العالم بلا فلاتر جاهزة، كما أنهم قادرون على احتضان التناقضات من دون الحاجة إلى تبريرها، مشيرة إلى أن «ميفان» لا يحلل مشاعره، بل يعيشها، وهو ما منح الفيلم مساحة لمراقبة علاقات معقدة من دون إصدار أحكام، عبر هذا المنظور الطفولي الذي سمح بأن يظهر الانتماء بوصفه تجربة تُكتسب تدريجياً، وليس مفهوماً يُشرح أو يتم فرضه.

قدم الفيلم جانباً إنسانياً (مهرجان برلين)

وتطرقت إلى حضور التكنولوجيا في الفيلم، مؤكدة أنها لم تكن تسعى إلى إدانتها، بل إلى مراقبة ما يحدث حين يلتقي إيقاع السرعة الرقمية بسكون القرية، مشيرة إلى أن الأطفال اليوم يتعرضون لضغط الضوضاء، والآراء المتدفقة، والمقارنات المستمرة، والمكافآت الفورية، حتى لو لم يدركوا أثر ذلك بشكل واعٍ.

وأوضحت أن الفيلم يحاول عكس هذه الحالة، وطرح سؤال حول ما نفقده وما نكسبه حين يتغير إيقاع الزمن من حولنا، لافتة إلى أن تجربتها في العمل مع الأطفال تغيّرت عبر السنوات، فبعدما كان الأطفال ينصتون إليها باعتبارها المخرجة التي تقود المشهد في تجاربها السابقة، أصبحت اليوم تشعر بأنها مطالبة بالإنصات إليهم أكثر، لأن عالمهم تغيّر، وأصواتهم باتت تحمل وعياً مختلفاً.