في وقت هدد فيه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بحرق خيام الاعتصام في الرمادي، فيما عدّها الجمعة الأخيرة، تجنب خطباء الجمعة في المحافظات الغربية، وفي إطار ما سموه جمعة «قضيتنا تستحق التضحية»، الإشارة إلى العمليات القتالية التي يقوم بها الجيش العراقي غرب محافظة الأنبار ضد عناصر تنظيم دولة العراق والشام الإسلامية (داعش)، التي جاءت بمثابة الرد على مقتل قائد الفرقة السابعة في الجيش العراقي اللواء الركن محمد الكروي، الأسبوع الماضي. وقال المالكي في بيان له، أمس (الجمعة) إن «اليوم سيشهد آخر صلاة جمعة في ساحة الفتنة بمدينة الرمادي»، مشيرا إلى أنه «من يريد الصلاة الموحدة، فإن مكانها الجوامع، وليس في قطع الطرق».
وطالب المالكي «عشائر الأنبار التي تنصب خياما في ساحة الفتنة مكرهة، بأن يسحبوها حتى لا تتعرض للحرق إكراما للعشائر». من جهته، أكد إمام وخطيب جمعة «قضيتنا تستحق التضحيات» سعد الفياض التي أقيمت على الطريق الدولي السريع شمالي الرمادي أن «الشعب العراقي لبس ملابس حمراء منذ سنوات عدة، بسبب ما يتعرض له من ظلم وسفك لدمه واعتقاله وتهجيره من قبل الحكومة والميليشيات».
وأضاف الفياض أن «السنوات تمر، والمواطن العراقي لم يجد أملا في ساسته وبرلمانه وحكومته التي أغلقت الأذان وغضت الأبصار، ولم تنفذ خدمة واحدة لشعب نزف دما منذ سنوات، وإلى الآن»، وبين «أننا ندعو الساسة ومن سيرشح نفسه في الانتخابات المقبلة أن يكون أهلا للمسؤولية، وتكون له عدالة كعدالة الخليفة عمر الفاروق، وينصف حقوق المعتصمين». وأشار إلى أن «ساحات الاعتصام في الرمادي والفلوجة باقية لن ترفع الخيام حتى تنفيذ الحقوق»، مطالبا المالكي بـ«محاسبة الميليشيات التي تقتل وتهجر الأبرياء في وضح النهار ببغداد وحزامها وفي ديالى».
وفي السياق نفسه، أكد الشيخ عبد الرزاق الدليمي مسؤول العلاقات العامة في ساحة اعتصام الأنبار في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «جمعة (قضيتنا تستحق التضحية) كانت من حيث الحضور هي الأكثف، وكأننا في الأيام الأولى للتظاهرات، وليس في الجمعة الأولى بعد مرور سنة من انطلاقها»، عادّا أن «ذلك دليل واضح على التفاف الجماهير حول الساحة على أنها ساحة مطالب وحقوق مشروعة».
وبشأن التهديد الذي يمارس حول الساحة قال الشمري إن «كل الاحتمالات واردة بشأن ما يمكن أن يحصل للساحة، على الرغم من أنها ساحة للاعتصامات السلمية، وقد ثبت ذلك للقاصي والداني». وحول الموقف من العمليات العسكرية الجارية في صحراء الأنبار ضد تنظيم القاعدة قال الشمري: «نؤيد كل ما يمكن أن يؤدي إلى استقرار الوضع الأمني في الأنبار، وفي عموم العراق»، نافيا بشدة «وجود ساحات الاعتصام، وما يشهده البلد من خروقات أمنية».
في سياق متصل، دعت كتلة «متحدون» التي يتزعمها رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي إلى الفصل بين العمليات الإرهابية والمعتصمين. وقال الناطق باسم الكتلة ظافر العاني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «محاولة حرف الأنظار من مواجهة الإرهاب إلى افتعال الصدام مع المعتصمين، قد عكّر المزاج الوطني والشعبي، وقسّم العراقيين إلى أكثر من فريق. ولو أنه جرى توحيد الهدف تجاه الإرهابيين لوحدهم، لشاهدنا العراقيين جميعا كالجسد الواحد. فمن عانى الإرهاب ليسوا فئة محددة، ولا محافظة بعينها، أو حزبا سياسيا ما. الجميع كانوا ولا يزالون هدفا سهلا للإرهابيين»، مشيرا إلى أن «وجود عصابات الإرهاب في محافظات معينة، بسبب محاذاتها لسوريا جعل أبناء هذه المحافظات أول أهدافهم».
وعدّ العاني أن «تسييس الصدام مع الإرهاب قد أفقد المواجهة صفاءها، ولوث غاياتها، وحرّف أهدافها». وأكد العاني أن «التعامل مع المعتصمين ينبغي أن يكون سياسيا وليس مسموحا، لأن يكون بأي طريقة أخرى، أما مع الإرهاب، فإن الخيار العسكري هو الخيار الوحيد المتاح. وبالتالي، فإن توحيد السلطة لوسيلة المواجهة تجاه الإرهابيين والمعتصمين معا جعل جزءا من الشعب يتردد في دعم المواجهة مع الإرهاب، لأنه يشعر بأنه سيكون هدفا إضافيا للحملات العسكرية، فضلا عن أن استهداف المعتصمين يمثل نكوصا عن التجربة الديمقراطية التي تتيح حرية التعبير السلمي، لا سيما أن المعتصمين يوجدون، ومنذ عام، في مناطق ثابتة ومحددة ومطوقة أمنيا».
وحذر العاني من مغبة تصوير الحرب مع الإرهاب من أنها «معركة شخص واحد أو حزب واحد أو أنها معركة السلطة لوحدها، ما هو إلا تقزيم لحجم المشكلة، ومحاولة تسجيل نقاط انتخابية معروفة ولو كانت دماء العراقيين ثمنها». وتابع العاني إن «التلويح بالقوة تجاه معتصمين يمارسون حرية التعبير السلمي عن مطالبهم هو إرهاب فكري، وتهديد السياسيين الذين يناصرون سلمية الاعتصامات هو إرهاب سياسي، وتخوين المثقفين والإعلاميين الذين يقولون رأيا مستقلا بصد الهجوم على المعتصمين هو إرهاب إعلامي»، على حد وصفه.
يدير مستشار الأمن القومي العراقي السابق موفق الربيعي ظهره لتمثال لصدام حسين التف حول رقبته الحبل الذي شنق به, وهو يتذكر اللحظات الأخيرة قبيل إعدام ديكتاتور، ظل متماسكا حتى النهاية, بحسب قوله, ولم يعرب عن أي ندم. وفي مكتبه الواقع في الكاظمية، في شمال بغداد, على بعد نحو مائة متر من مكان تنفيذ الحكم في صدام الذي يصادف يوم الاثنين المقبل الذكرى السابعة لإعدامه, يبتسم الربيعي تارة, ويحرك يديه بحماسة تارة أخرى, وهو يروي في مقابلة حصرية مع وكالة الصحافة الفرنسية نهاية «المهيب الركن». ويقول الربيعي: «تسلمته عند الباب. لم يدخل معنا أي أجنبي أو أي أميركي, كان يرتدي سترة وقميصا أبيض, طبيعي غير مرتبك, ولم أرَ علامات الخوف عنده. طبعا بعض الناس يريدونني أن أقول إنه انهار, أو كان تحت تخدير الأدوية, لكن هذه الحقائق للتاريخ. مجرم صحيح, قاتل صحيح, سفاح صحيح, لكنه كان متماسكا حتى النهاية». ويضيف: «لم أسمع منه أي ندم. لم أسمع منه أي طلب للمغفرة من الله عز وجل, أو أن يطلب العفو. لم أسمع منه أي صلاة أو دعاء. الإنسان المقدم على الموت يقول عادة: يا ربي اغفر لي ذنوبي، أنا قادم إليك. أما هو, فلم يقل أيا من ذلك». وأعدم صدام حسين الذي حكم العراق لأكثر من عقدين بيد من حديد، قبل أن تطيح به قوات تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة اجتاحت البلاد في عام 2003 صباح يوم 30 ديسمبر (كانون الأول) 2006، في مقر الشعبة الخامسة بدائرة الاستخبارات العسكرية صباح يوم عيد الأضحى, بعدما أدين بتهمة قتل 148 شيعيا من بلدة الدجيل.
وقبضت القوات الأميركية على صدام حسين المولود في عام 1937 وصاحب التاريخ الحافل بالحروب والعداوات, في 13 ديسمبر 2003 داخل حفرة في مزرعة قرب ناحية الدور في محافظة صلاح الدين (140 كلم شمال بغداد). وكان صدام بنظراته الحادة وشواربه الكثيفة, الرجل القوي في العراق منذ تسلم حزب البعث السلطة في 17 يوليو (تموز) 1968، لكنه تولى رسميا قيادة البلاد في الـ16 من يوليو 1979. وينظر بعض العراقيين السنّة خصوصا إلى صدام على أنه قائد لا يتكرر، بحيث كانوا يطلقون عليه لقب «القائد الضرورة», وهي صفة تبناها بعض العرب الذين رأوا فيه «بطلا» لخوضه حروبا مع الولايات المتحدة وإيران وقصفه إسرائيل, وللجرأة التي بدا عليها في التسجيلات المصورة المسربة يوم إعدامه.
ويقول الربيعي متجاهلا خلفه تمثال صدام باللباس العسكري تعلو كتفيه رتبة «المهيب الركن» الخاصة به «عندما جئت به كان مكتوف اليدين وكان يحمل قرآنا. أخذته إلى غرفة القاضي حيث قرأ عليه لائحة الاتهام بينما هو كان يردد: الموت لأميركا, الموت لإسرائيل, عاشت فلسطين, الموت للفرس المجوس». ويتابع: «قدته إلى غرفة الإعدام, فوقف ونظر إلى المشنقة, ثم نظر لي نظرة فاحصة, وقال لي: دكتور, هذا للرجال. فتحت يده وشددتها من الخلف, فقال: أخ, فأرخيناها له, ثم أعطاني القرآن. قلت له: ماذا أفعل به؟ فرد: أعطه لابنتي, فقلت له: أين أراها؟ أعطه للقاضي, فأعطاه له».
وحصل خطأ أثناء عملية الإعدام، إذ إن رجلَيْ صدام كانتا مربوطتين ببعضهما, وكان عليه صعود سلالم للوصول إلى موقع الإعدام, فاضطر الربيعي, بحسب ما يقول, وآخرون، إلى جره فوق السلالم. وقبيل إعدام صدام الذي رفض وضع غطاء للوجه, تعالت في القاعة هتافات، بينها «عاش الإمام محمد باقر الصدر»، الذي قُتل في عهد صدام, و«مقتدى, مقتدى», الزعيم الشيعي البارز حاليا, ليرد الرئيس السابق بالقول: «هل هذه الرجولة؟». وكانت آخر كلمات قالها صدام «أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا», وقبل أن يكمل الشهادة, أعدم بعد محاولة أولى فاشلة قام بها الربيعي نفسه, الذي نزل بعد ذلك إلى الحفرة مع آخرين «ووضعناه في كيس أبيض, ثم وضعناه على حمالة وأبقيناه في الغرفة لبضعة دقائق».
ونقل جثمان صدام في مروحية أميركية من ساحة السجن في الكاظمية إلى مقر رئيس الوزراء نوري المالكي في المنطقة الخضراء المحصنة. ويقول الربيعي: «مع الأسف، الطائرة كانت مزدحمة بالإخوة, فلم يبق مكان للحمالة, لذا وضعناها على الأرض، بينما جلس الإخوة على المقاعد. لكن الحمالة كانت طويلة, لذا لم تسد الأبواب. أتذكر بشكل واضح أن قرص الشمس كان قد بدا يظهر», مشددا على أن عملية الإعدام جرت قبل الشروق, أي قبل حلول العيد. وفي منزل المالكي «شد رئيس الوزراء على أيدينا، وقال: بارك الله فيكم. وقلت له: تفضل انظر إليه, فكشف وجهه، ورأى صدام حسين», بحسب ما قال مستشار الأمن القومي السابق المقرب من رئيس الوزراء الذي يحكم البلاد منذ عام 2006. وعن مشاركته في عملية الإعدام, يقول الربيعي الذي سجن ثلاث مرات في عهد صدام: «لم أشعر بمثل ذلك الإحساس الغريب جدا. هو ارتكب جرائم لا تُعد ولا تُحصى، ويستحق ألف مرة أن يُعدم, ويحيا, ويُعدم, ولكن الإحساس, ذلك الإحساس إحساس غريب مليء بكل مشاعر الموت». ويوضح: «هذا ليس بشخص عادي. لقد تسبب خلال حكمه للعراق بحروب كثيرة, واستخدم الكيميائي ضد شعبه, وفقدنا مئات الآلاف في المقابر الجماعية, والآلاف في الإعدامات. لذلك كنت أعرف أنه حدث تاريخي».
وتحدث الربيعي عن مجموعة ضغوط تعرضت لها السلطات العراقية قبيل إعدام صدام, منها قانونية, ومنها سياسية من قبل زعماء عرب. وذكر أن مسار إعدام صدام انطلق بعد أحد المؤتمرات المتلفزة بين المالكي والرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش, الذي سأل المالكي, بحسب الربيعي, خلال اللقاء: «ماذا تفعلون مع هذا المجرم؟», ليرد عليه المالكي بالقول: «نعدمه». فيرفع بوش إبهامه له, موافقا.







