الضفة الغربية... إسرائيل تحتلها بمن عليها و«حماس» تزاحم السلطة فيها

تداخل فظيع في خريطة القوى لكن لا شيء هناك يشبه قطاع غزة

عراك في الضفة بين أفراد الأمن التابعين للسلطة وعنصر من «حماس» في زي مدني (أ.ف.ب)
عراك في الضفة بين أفراد الأمن التابعين للسلطة وعنصر من «حماس» في زي مدني (أ.ف.ب)
TT

الضفة الغربية... إسرائيل تحتلها بمن عليها و«حماس» تزاحم السلطة فيها

عراك في الضفة بين أفراد الأمن التابعين للسلطة وعنصر من «حماس» في زي مدني (أ.ف.ب)
عراك في الضفة بين أفراد الأمن التابعين للسلطة وعنصر من «حماس» في زي مدني (أ.ف.ب)

بخلاف قطاع غزة، لا يمكن حصر المواجهة في الضفة الغربية التي ترزح تحت احتلال إسرائيلي مباشر يتحكم في كل مفاصل الحياة هناك بما في ذلك السلطة الفلسطينية الحاكمة.
حالة من الفوضى هنا، وتداخل لا يمكن تنظيمه بين الفلسطينيين والإسرائيليين، جنود إسرائيليون على الأرض مقابل شرطة فلسطينية ورجال أمن، مستوطنون في الشوارع مقابل مواطنين، وشوارع منفصلة وأخرى مشتركة، وفي أحيان كثيرة اختلاط غير مفهوم في مجمعات التسوّق والمنتجعات البعيدة والمناطق الصناعية ووجهات سياحية محددة وفي البلدات الوادعة.
إنه احتكاك مباشر يكاد يكون في كل شارع وزاوية ومنطقة وفي كل يوم وساعة ودقيقة، بشكل مرتب سلفاً أو فجائي، وهو احتكاك عادي جداً، لكنه يجعل المواجهة هنا أصعب وأسوأ ومعقدة أكثر من غزة أو لبنان، ويخلق حالة لا يمكن لجهاز أمني أن يتنبأ بها أو يحاصرها أو يتعامل فوراً معها، وإلا لكانت نجحت أجهزة الأمن الإسرائيلية المتقدمة التي تراقب كل شارع وزاوية وحجر وهاتف وشخص تقريباً، بوقف سيل الانتفاضات والهبات والهجمات المتقطعة منذ عقود.
إنها حرب مفتوحة لا تتوقف ولا تنتهي، تشارك فيها إسرائيل والسلطة الفلسطينية وفصائل بحجم فتح و«حماس» و«الجهاد الإسلامي» والجبهتين «الشعبية» و«الديمقراطية» وآخرون، وجميعهم يشكلون قوى تسعى إلى السيطرة على المنطقة الصغيرة.
وإذا كان يمكن القول إن الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي يأخذ وجوها مختلفة في الضفة، على السيادة وفي المفاوضات وعبر محاولات السيطرة على كل شيء ومن خلال عمليات إطلاق نار وطعن ودهس وتفجيرات، فإن له وجها آخر غير معلن أيضا وهو صراع فلسطيني - فلسطيني، ويتجلى أكثر بين الفصيلين الأكبر «فتح» و«حماس». صراع سيطرة ونفوذ تتقدمه القوى التالية بالترتيب:

«فتح»... الأوسع انتشاراً
يرمز اسم «فتح» إلى الأحرف الأولى لعبارة «حركة التحرير الوطني الفلسطيني» (أي حتف ومقلوبة تصبح فتح). أسست الحركة في المنفى أواخر الخمسينات لكنها ظهرت إلى العلن عام 1965. وفي 31 ديسمبر (كانون الأول) 1964. نفذت أولى عملياتها العسكرية ضد إسرائيل، والتي اضطلعت بها «العاصفة»، الجناح العسكري للحركة. وأعلنت العملية في بلاغ عسكري حمل الرقم واحد، في أول يناير (كانون الثاني) 1965. وكذلك أعلنت بيانها السياسي الأول، الذي أذاعته القيادة العامة لقوات «العاصفة». لمع نجم «فتح» بسبب العمليات العسكرية ضد إسرائيل.
وفي العام 1967. دخل ياسر عرفات (أبو عمار) الأراضي المحتلة، وأسس بعض الخلايا العسكرية لـ«فتح»، في الضفة الغربية، ومن هنا بدأت أسطورته بين الفلسطينيين. وعلى أثر ازدياد العمليات الفدائية، شنت إسرائيل هجومها الواسع على مدينة الكرامة، يوم 21 مارس (آذار) 1968. وفي هذه المعركة، انتصر رجال «فتح» إلى جانب الجيش الأردني. لقد كان انتصارا معنويا لعرفات وحركته. وبعد عامين سيطرت «فتح» على اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وانتخب عرفات رئيساً لها؛ وصدر بيان عن الحركة، يَعُدّ منظمة التحرير الفلسطينية إطاراً، يجمع في داخله كافة التنظيمات الفلسطينية العاملة. بدأت «فتح» تتوسع وفي العام 1974، اعترف مؤتمر القمة العربي السابع في الرباط، بالمنظمة التي تقودها «فتح» ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني. وفي العام نفسه، اعترفت بها، كذلك، الجمعية العامة للأمم المتحدة، بصفة عضو مراقب، وسمحت لها بالاشتراك في كل دوراتها، وكلِّ دورات المؤتمرات الدولية وأعمالها، والتي تعقد برعاية الجمعية العامة، فضلاً عن تلك التي تعقد برعاية هيئات الأمم المتحدة.
كانت الخطوة الأهم لـ«فتح» عام 1993 عندما أسست الحركة التي تسيطر على منظمة التحرير، السلطة الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة، كخطوة مؤقتة نحو الدولة التي لم تقم حتى الآن. وانضم معظم كوادر «فتح» إلى السلطة وحصلوا على وظائفها، كما ظل رئيس «فتح» رئيسا للسلطة الفلسطينية. وبدت السلطة أحد مكتسبات الحركة.
ومنذ ذلك الوقت لم تسمح «فتح» بخسارة المنظمة أو السلطة وخاضت مواجهات عدة في سبيل «الشرعية» معظمها كان في مواجهة حركة «حماس».

«حماس»...المنافس الأول
أسست «حركة المقاومة الإسلامية» (حماس) عام 1987 بعد اندلاع الانتفاضة الأولى. وأعلنت عن نفسها آنذاك جناحاً من أجنحة «الإخوان المسلمين» في فلسطين، قبل أن تعدل الميثاق بوثيقة جديدة العام الماضي وتتنصل من «الإخوان» في ظل تقارب مع النظام المصري. أعلنت الحركة عن تأسيس جناحها العسكري «كتائب الشهيد عز الدين القسام» بنهاية عام 1991. وأخذت نشاطات «كتائب القسام» تتسع وتتصاعد. وعام 1994 أعلنت الحركة «حربا شاملة» ضد إسرائيل، تلتها عدة عمليات تفجيرية قادها المهندس يحيى عياش الذي اعتبر لعامين بعد ذلك، حتى اغتياله في غزة، بطلاً أقلق أجهزة الأمن الإسرائيلية.
واجهت الحركة سلطة الحكم الذاتي التي جاء بها الرئيس الراحل ياسر عرفات، لكنه كان أكثر جماهيرية ورمزية. وبانطلاق «الانتفاضة الثانية» عام 2000. دخلت «حماس» مواجهة «كسر العظم» مع الإسرائيليين، بعد تنفيذها عدة عمليات كبيرة في العمق الإسرائيلي، وتميزت عمليات الحركة بإسقاط أكبر عدد من القتلى، فردت إسرائيل بسلسلة اغتيالات طالت قادة ورموز «حماس» وبينهم الشيخ أحمد ياسين مؤسس الحركة وصلاح شحادة القائد العام لـ«كتائب القسام».
تركز الطرح، السياسي والآيديولوجي لحركة «حماس»، على فكرة التحرير «من البحر إلى النهر» (أي كلّ فلسطين).
سيطرت الحركة على قطاع غزة عام 2007 بعد معركة مع السلطة كسبتها بسرعة، لكن عينها ظلت على الشرعية الفلسطينية كلها.

لا إحصاءات للأحجام
وفي ظل تنافس لا محدود، لا يمكن حصر أعداد «الفتحاويين» في الضفة أو «الحمساويين»، إنهم في كل مكان. لكن منذ سيطرت «حماس» على قطاع غزة في العام 2007، بدأت السلطة حرباً لا هوادة فيها ضد الحركة في الضفة الغربية وهي حرب «استباقية» لإضعاف قدرة الحركة على تشكيل أي تهديد محتمل على وضع السلطة. وليس سراً أن إضعاف السلطة في الضفة ظل هاجسا مشتركا للطرفين.
ويظهر تسلسل الأحداث منذ 2007 على الأقل حتى اليوم، إصراراً حمساوياً على إشعال مواجهة مع إسرائيل في الضفة، طالما رأت السلطة فيها كلام حق يراد به باطل، أي إضعافها ونشر مزيد من الفوضى هنا. ومن أجل ذلك لاحقت السلطة أسلحة «حماس» وأنبوب المال المغذي لها، ومنعتها من الخطابة في المساجد وأخذت منها الجمعيات الخيرية وحظرت أي نشاط للحركة لم يحصل على تصريح مسبق. ببساطة لقد هدمت بنية الحركة التي كانت أيضا تستهدفها إسرائيل. لكن «حماس» لم تستسلم، ظلت تعمل بخطين متوازيين، الأول إعادة بناء بنيتها التحتية بشكل قد يهدد السلطة والثاني الدخول إلى منظمة التحرير كونها مظلة الشرعية الفلسطينية.

«حماس» تركب موجة التصعيد
أما الخط الأول فتمثل في تنفيذ الحركة الإسلامية عدة عمليات في الضفة بخلاف رغبة السلطة الفلسطينية التي لا تسعى إلى مواجهة مسلحة مع إسرائيل، وأخطر هذه العمليات على الإطلاق عام 2014 حينما اختطف مجموعة لـ«حماس» 3 مستوطنين وقتلتهم في منطقة الخليل، وهي العملية التي رأى فيها الرئيس الفلسطيني محمود عباس محاولة من الحركة لإشعال حرب في الضفة هدفها إسقاط السلطة. قبل هذه العملية وبعدها نفذت «حماس» عدة عمليات في الضفة متحدية السلطة الفلسطينية، وظلت تنادي على الدوام بتصعيد العمل المقاوم في الضفة وإطلاق انتفاضات.
ولا تنكر «حماس» أنها تريد إشعال الضفة الغربية حتى أن رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية قال قبل يومين فقط في مهرجان نظمته الحركة في الذكرى الحادية والثلاثين لتأسيسها في غزة أمس، إن الضفة الغربية المحتلة هي «الساحة الأهم والأعمق لحسم الصراع مع إسرائيل».
جاء كلام هنية هذا بعدما نفذت الحركة عدة عمليات في الضفة الغربية في محيط رام الله وفي الشمال، وهو الأمر الذي وضع المنطقة على شفا مواجهة جديدة. وعادة ما تعطي مثل هذه المواجهات في الضفة وحتى في غزة، دفعة قوية لحركة «حماس» من أجل استعادة الدور في الضفة.
وهذا يفسر لماذا أخرجت الحركة بشكل استثنائي قبل أيام قليلة مسيرات كبيرة باسمها في الخليل ونابلس للاحتفال بذكرى انطلاقتها، وهي مسيرات لم يكن يمكن مشاهدتها لولا حالة المواجهة الحالية.

لماذا الضفة؟
كل ذلك في الضفة، فيما ظلت «حماس» تسعى إلى اتفاق في غزة، وهي معادلة طالما استفزت السلطة. وقال اللواء عدنان الضميري الناطق باسم الأجهزة الأمنية الفلسطينية، متسائلاً: «لمن لديه ذاكرة ولم يسرقوا وعيه، أن يتذكر كيف كانت مقدمات انقلاب حماس في غزة 2007 وما هي الوسائل والأساليب التي اتبعتها في التحضير للانقلاب؟ كيف انقضت على الأمن والسلطة وما هي الشعارات التي رفعتها؟». وأضاف: «شعارات، واستغلال نساء وأطفال ومساجد»، وتساءل «من كانوا حلفاء حماس في تلك المرحلة ومن هم حلفاؤهم اليوم؟».
هذا الكلام يشكل مرآة تعكس اتهامات للحركة بأنها تسعى إلى تقويض السلطة في الضفة عبر إطلاق فوضى هناك والحفاظ على نفسها في غزة. والاتهامات السلطوية لـ«حماس» تعززها رواية إسرائيلية كذلك. وهذا يفسر لماذا أرسل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رسالة لـ«حماس» عبر الوسطاء مفادها أنه لا يمكنهم الحفاظ على اتفاق في غزة وإشعال جبهة الضفة. وتقر إسرائيل بأن «حماس» تعمل لإعادة بناء قواتها في الضفة بهدف فرض سيطرتها هنا. ويتردد في الكواليس أن هذا العمل التنظيمي، يشمل تجنيد الأعضاء ونقل وتهريب الأموال. لكن كثيرين يرون أن تعاظم شعبية «حماس» لا يعدو كونه استعدادا لليوم الذي يحدث فيه فراغ في السلطة. غير أن تصور أفراد «كتائب القسام» يتمشون في شوارع الضفة يبدو ضربا من الخيال.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.