الضفة الغربية... إسرائيل تحتلها بمن عليها و«حماس» تزاحم السلطة فيها

تداخل فظيع في خريطة القوى لكن لا شيء هناك يشبه قطاع غزة

عراك في الضفة بين أفراد الأمن التابعين للسلطة وعنصر من «حماس» في زي مدني (أ.ف.ب)
عراك في الضفة بين أفراد الأمن التابعين للسلطة وعنصر من «حماس» في زي مدني (أ.ف.ب)
TT

الضفة الغربية... إسرائيل تحتلها بمن عليها و«حماس» تزاحم السلطة فيها

عراك في الضفة بين أفراد الأمن التابعين للسلطة وعنصر من «حماس» في زي مدني (أ.ف.ب)
عراك في الضفة بين أفراد الأمن التابعين للسلطة وعنصر من «حماس» في زي مدني (أ.ف.ب)

بخلاف قطاع غزة، لا يمكن حصر المواجهة في الضفة الغربية التي ترزح تحت احتلال إسرائيلي مباشر يتحكم في كل مفاصل الحياة هناك بما في ذلك السلطة الفلسطينية الحاكمة.
حالة من الفوضى هنا، وتداخل لا يمكن تنظيمه بين الفلسطينيين والإسرائيليين، جنود إسرائيليون على الأرض مقابل شرطة فلسطينية ورجال أمن، مستوطنون في الشوارع مقابل مواطنين، وشوارع منفصلة وأخرى مشتركة، وفي أحيان كثيرة اختلاط غير مفهوم في مجمعات التسوّق والمنتجعات البعيدة والمناطق الصناعية ووجهات سياحية محددة وفي البلدات الوادعة.
إنه احتكاك مباشر يكاد يكون في كل شارع وزاوية ومنطقة وفي كل يوم وساعة ودقيقة، بشكل مرتب سلفاً أو فجائي، وهو احتكاك عادي جداً، لكنه يجعل المواجهة هنا أصعب وأسوأ ومعقدة أكثر من غزة أو لبنان، ويخلق حالة لا يمكن لجهاز أمني أن يتنبأ بها أو يحاصرها أو يتعامل فوراً معها، وإلا لكانت نجحت أجهزة الأمن الإسرائيلية المتقدمة التي تراقب كل شارع وزاوية وحجر وهاتف وشخص تقريباً، بوقف سيل الانتفاضات والهبات والهجمات المتقطعة منذ عقود.
إنها حرب مفتوحة لا تتوقف ولا تنتهي، تشارك فيها إسرائيل والسلطة الفلسطينية وفصائل بحجم فتح و«حماس» و«الجهاد الإسلامي» والجبهتين «الشعبية» و«الديمقراطية» وآخرون، وجميعهم يشكلون قوى تسعى إلى السيطرة على المنطقة الصغيرة.
وإذا كان يمكن القول إن الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي يأخذ وجوها مختلفة في الضفة، على السيادة وفي المفاوضات وعبر محاولات السيطرة على كل شيء ومن خلال عمليات إطلاق نار وطعن ودهس وتفجيرات، فإن له وجها آخر غير معلن أيضا وهو صراع فلسطيني - فلسطيني، ويتجلى أكثر بين الفصيلين الأكبر «فتح» و«حماس». صراع سيطرة ونفوذ تتقدمه القوى التالية بالترتيب:

«فتح»... الأوسع انتشاراً
يرمز اسم «فتح» إلى الأحرف الأولى لعبارة «حركة التحرير الوطني الفلسطيني» (أي حتف ومقلوبة تصبح فتح). أسست الحركة في المنفى أواخر الخمسينات لكنها ظهرت إلى العلن عام 1965. وفي 31 ديسمبر (كانون الأول) 1964. نفذت أولى عملياتها العسكرية ضد إسرائيل، والتي اضطلعت بها «العاصفة»، الجناح العسكري للحركة. وأعلنت العملية في بلاغ عسكري حمل الرقم واحد، في أول يناير (كانون الثاني) 1965. وكذلك أعلنت بيانها السياسي الأول، الذي أذاعته القيادة العامة لقوات «العاصفة». لمع نجم «فتح» بسبب العمليات العسكرية ضد إسرائيل.
وفي العام 1967. دخل ياسر عرفات (أبو عمار) الأراضي المحتلة، وأسس بعض الخلايا العسكرية لـ«فتح»، في الضفة الغربية، ومن هنا بدأت أسطورته بين الفلسطينيين. وعلى أثر ازدياد العمليات الفدائية، شنت إسرائيل هجومها الواسع على مدينة الكرامة، يوم 21 مارس (آذار) 1968. وفي هذه المعركة، انتصر رجال «فتح» إلى جانب الجيش الأردني. لقد كان انتصارا معنويا لعرفات وحركته. وبعد عامين سيطرت «فتح» على اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وانتخب عرفات رئيساً لها؛ وصدر بيان عن الحركة، يَعُدّ منظمة التحرير الفلسطينية إطاراً، يجمع في داخله كافة التنظيمات الفلسطينية العاملة. بدأت «فتح» تتوسع وفي العام 1974، اعترف مؤتمر القمة العربي السابع في الرباط، بالمنظمة التي تقودها «فتح» ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني. وفي العام نفسه، اعترفت بها، كذلك، الجمعية العامة للأمم المتحدة، بصفة عضو مراقب، وسمحت لها بالاشتراك في كل دوراتها، وكلِّ دورات المؤتمرات الدولية وأعمالها، والتي تعقد برعاية الجمعية العامة، فضلاً عن تلك التي تعقد برعاية هيئات الأمم المتحدة.
كانت الخطوة الأهم لـ«فتح» عام 1993 عندما أسست الحركة التي تسيطر على منظمة التحرير، السلطة الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة، كخطوة مؤقتة نحو الدولة التي لم تقم حتى الآن. وانضم معظم كوادر «فتح» إلى السلطة وحصلوا على وظائفها، كما ظل رئيس «فتح» رئيسا للسلطة الفلسطينية. وبدت السلطة أحد مكتسبات الحركة.
ومنذ ذلك الوقت لم تسمح «فتح» بخسارة المنظمة أو السلطة وخاضت مواجهات عدة في سبيل «الشرعية» معظمها كان في مواجهة حركة «حماس».

«حماس»...المنافس الأول
أسست «حركة المقاومة الإسلامية» (حماس) عام 1987 بعد اندلاع الانتفاضة الأولى. وأعلنت عن نفسها آنذاك جناحاً من أجنحة «الإخوان المسلمين» في فلسطين، قبل أن تعدل الميثاق بوثيقة جديدة العام الماضي وتتنصل من «الإخوان» في ظل تقارب مع النظام المصري. أعلنت الحركة عن تأسيس جناحها العسكري «كتائب الشهيد عز الدين القسام» بنهاية عام 1991. وأخذت نشاطات «كتائب القسام» تتسع وتتصاعد. وعام 1994 أعلنت الحركة «حربا شاملة» ضد إسرائيل، تلتها عدة عمليات تفجيرية قادها المهندس يحيى عياش الذي اعتبر لعامين بعد ذلك، حتى اغتياله في غزة، بطلاً أقلق أجهزة الأمن الإسرائيلية.
واجهت الحركة سلطة الحكم الذاتي التي جاء بها الرئيس الراحل ياسر عرفات، لكنه كان أكثر جماهيرية ورمزية. وبانطلاق «الانتفاضة الثانية» عام 2000. دخلت «حماس» مواجهة «كسر العظم» مع الإسرائيليين، بعد تنفيذها عدة عمليات كبيرة في العمق الإسرائيلي، وتميزت عمليات الحركة بإسقاط أكبر عدد من القتلى، فردت إسرائيل بسلسلة اغتيالات طالت قادة ورموز «حماس» وبينهم الشيخ أحمد ياسين مؤسس الحركة وصلاح شحادة القائد العام لـ«كتائب القسام».
تركز الطرح، السياسي والآيديولوجي لحركة «حماس»، على فكرة التحرير «من البحر إلى النهر» (أي كلّ فلسطين).
سيطرت الحركة على قطاع غزة عام 2007 بعد معركة مع السلطة كسبتها بسرعة، لكن عينها ظلت على الشرعية الفلسطينية كلها.

لا إحصاءات للأحجام
وفي ظل تنافس لا محدود، لا يمكن حصر أعداد «الفتحاويين» في الضفة أو «الحمساويين»، إنهم في كل مكان. لكن منذ سيطرت «حماس» على قطاع غزة في العام 2007، بدأت السلطة حرباً لا هوادة فيها ضد الحركة في الضفة الغربية وهي حرب «استباقية» لإضعاف قدرة الحركة على تشكيل أي تهديد محتمل على وضع السلطة. وليس سراً أن إضعاف السلطة في الضفة ظل هاجسا مشتركا للطرفين.
ويظهر تسلسل الأحداث منذ 2007 على الأقل حتى اليوم، إصراراً حمساوياً على إشعال مواجهة مع إسرائيل في الضفة، طالما رأت السلطة فيها كلام حق يراد به باطل، أي إضعافها ونشر مزيد من الفوضى هنا. ومن أجل ذلك لاحقت السلطة أسلحة «حماس» وأنبوب المال المغذي لها، ومنعتها من الخطابة في المساجد وأخذت منها الجمعيات الخيرية وحظرت أي نشاط للحركة لم يحصل على تصريح مسبق. ببساطة لقد هدمت بنية الحركة التي كانت أيضا تستهدفها إسرائيل. لكن «حماس» لم تستسلم، ظلت تعمل بخطين متوازيين، الأول إعادة بناء بنيتها التحتية بشكل قد يهدد السلطة والثاني الدخول إلى منظمة التحرير كونها مظلة الشرعية الفلسطينية.

«حماس» تركب موجة التصعيد
أما الخط الأول فتمثل في تنفيذ الحركة الإسلامية عدة عمليات في الضفة بخلاف رغبة السلطة الفلسطينية التي لا تسعى إلى مواجهة مسلحة مع إسرائيل، وأخطر هذه العمليات على الإطلاق عام 2014 حينما اختطف مجموعة لـ«حماس» 3 مستوطنين وقتلتهم في منطقة الخليل، وهي العملية التي رأى فيها الرئيس الفلسطيني محمود عباس محاولة من الحركة لإشعال حرب في الضفة هدفها إسقاط السلطة. قبل هذه العملية وبعدها نفذت «حماس» عدة عمليات في الضفة متحدية السلطة الفلسطينية، وظلت تنادي على الدوام بتصعيد العمل المقاوم في الضفة وإطلاق انتفاضات.
ولا تنكر «حماس» أنها تريد إشعال الضفة الغربية حتى أن رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية قال قبل يومين فقط في مهرجان نظمته الحركة في الذكرى الحادية والثلاثين لتأسيسها في غزة أمس، إن الضفة الغربية المحتلة هي «الساحة الأهم والأعمق لحسم الصراع مع إسرائيل».
جاء كلام هنية هذا بعدما نفذت الحركة عدة عمليات في الضفة الغربية في محيط رام الله وفي الشمال، وهو الأمر الذي وضع المنطقة على شفا مواجهة جديدة. وعادة ما تعطي مثل هذه المواجهات في الضفة وحتى في غزة، دفعة قوية لحركة «حماس» من أجل استعادة الدور في الضفة.
وهذا يفسر لماذا أخرجت الحركة بشكل استثنائي قبل أيام قليلة مسيرات كبيرة باسمها في الخليل ونابلس للاحتفال بذكرى انطلاقتها، وهي مسيرات لم يكن يمكن مشاهدتها لولا حالة المواجهة الحالية.

لماذا الضفة؟
كل ذلك في الضفة، فيما ظلت «حماس» تسعى إلى اتفاق في غزة، وهي معادلة طالما استفزت السلطة. وقال اللواء عدنان الضميري الناطق باسم الأجهزة الأمنية الفلسطينية، متسائلاً: «لمن لديه ذاكرة ولم يسرقوا وعيه، أن يتذكر كيف كانت مقدمات انقلاب حماس في غزة 2007 وما هي الوسائل والأساليب التي اتبعتها في التحضير للانقلاب؟ كيف انقضت على الأمن والسلطة وما هي الشعارات التي رفعتها؟». وأضاف: «شعارات، واستغلال نساء وأطفال ومساجد»، وتساءل «من كانوا حلفاء حماس في تلك المرحلة ومن هم حلفاؤهم اليوم؟».
هذا الكلام يشكل مرآة تعكس اتهامات للحركة بأنها تسعى إلى تقويض السلطة في الضفة عبر إطلاق فوضى هناك والحفاظ على نفسها في غزة. والاتهامات السلطوية لـ«حماس» تعززها رواية إسرائيلية كذلك. وهذا يفسر لماذا أرسل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رسالة لـ«حماس» عبر الوسطاء مفادها أنه لا يمكنهم الحفاظ على اتفاق في غزة وإشعال جبهة الضفة. وتقر إسرائيل بأن «حماس» تعمل لإعادة بناء قواتها في الضفة بهدف فرض سيطرتها هنا. ويتردد في الكواليس أن هذا العمل التنظيمي، يشمل تجنيد الأعضاء ونقل وتهريب الأموال. لكن كثيرين يرون أن تعاظم شعبية «حماس» لا يعدو كونه استعدادا لليوم الذي يحدث فيه فراغ في السلطة. غير أن تصور أفراد «كتائب القسام» يتمشون في شوارع الضفة يبدو ضربا من الخيال.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.