تنفس الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومعه الحكومة الصعداء استناداً إلى المؤشرات التي تدل على تراجع تعبئة «السترات الصفراء» يوم السبت الماضي، ومعها أعمال العنف والشغب التي أضرت بصورة باريس وفرنسا وجعلتهما عُرضة للانتقادات عبر العالم.
إلا أن الحركة الاحتجاجية التي انطلقت في السابع عشر من الشهر الماضي بعيداً عن الأحزاب والنقابات انتشرت إلى عواصم أخرى، وأخذت تكبر ككرة الثلج وتتمدد من أوروبا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا... والخيط الجامع بينها التعبير عن رفض السياسات المتَّبَعة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. بيد أن باريس لا تَعتبر بعد أنها كسبت المعركة رغم التعبئة الاستثنائية لماكرون والحكومة من أجل قلب الصفحة السوداء التي كادت تطيح بالحكم والحكومة معاً، بعد أربعة أسابيع من العنف وسقوط ثمانية قتلى ووقوع أضرار بلغت في تقدير أولي ملياري يورو. ولم تخفت تعبئة «السترات الصفراء» إلا بعد أن دفع الرئيس الفرنسي الثمن الذي يقدر بـ12 إلى 14 مليار يورو.
جاء ذلك عبر وقف زيادات الرسوم المقررة على المحروقات، ورفع الحد الأدنى للأجور، وإلغاء الزيادات المقررة من الضرائب على المعاشات التقاعدية الضعيفة، وإعفاء ساعات العمل الإضافية من الضرائب، وإطلاق «الحوار الوطني الموسع» في الأيام القادمة والمفترض أن يدوم شهرين ونصف الشهر لمعالجة جميع مسائل الشكوى. أمّا الثمن المصاحب للإجراءات التي فصّلها رئيس الحكومة، أمس، في مقابلة صحافية مطولة مع جريدة «لي زيكو» الاقتصادية، فهي أن باريس ستتخطى سقف العجز في الميزانية المسموح به على المستوى الأوروبي «أي 3%»، بحيث سيتراوح ما بين 2.3 و2.4%. وهو ما يبرر تصريح وزير خارجية هولندا أمس، بأن فرنسا تحولت إلى «رجل أوروبا المريض»، وهو الوصف الذي أُطلق سابقاً على الإمبراطورية العثمانية نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
وفي الساعات الأخيرة، تكاثرت التحذيرات الموجَّهة إلى الحكومة من أن تعتبر أنها كسبت المعركة في وجه حركة «السترات الصفراء» التي انقسمت على نفسها وتراجع تأييد الرأي العام لها، ولكن من غير أن يعني ذلك أنها وضعت حداً لتحركاتها. وقال الوزير السابق فرنسوا بايرو، رئيس حزب «موديم» الوسطي وحليف الرئيس ماكرون، إنه «إذا كانت مشاركة (المحتجين) قد تراجعت، فإن المشكلات ما زالت موجودة من غير حلول». وسبق لبايرو الذي كان له كبير الفضل في إيصال ماكرون إلى قصر الإليزيه، أنْ حذّره من أنه «من الصعب حكم فرنسا ضد إرادة المواطنين».
ويبدو أن رئيس الجمهورية قد استوعب الدرس، ولم يتردد في الإعراب عن الأسف لـ«الأخطاء» التي ارتُكبت في التعاطي مع الفرنسيين، وعن الأقوال التي قد تكون «جرحتهم». وفي مقابلته الأخيرة، ذهب رئيس الحكومة إدوار فيليب في الاتجاه عينه، إذ أسف لأن الحكومة «لم تستمع كفاية للفرنسيين»، أي لمطالبهم وشكواهم.
ويبدو أن الرئيس ماكرون عازم على استعادة المبادرة السياسية في الداخل. والدليل على ذلك أنه ألغى أمس زيارة لمدينة بياريتز التي ستُعقد فيها اجتماعات مجموعة السبع أواخر شهر أغسطس (آب) القادم. وسترأس فرنسا المجموعة بدءاً من أول عام 2019.
وتريد الرئاسة الاستفادة منها لإعادة إسماع صوت فرنسا عبر العالم. ولذا، فإن ماكرون كان قد دعا سفراء 105 دول وممثلين للمؤسسات الدولية والإقليمية لمرافقته اليوم إلى منتجع بياريتز، ليعرض أمامهم أهداف وخطط وسياسات فرنسا للعام القادم. ولا تريد باريس تكرار الفشل الذي ألمّ بقمة السبع الأخيرة في كندا بسبب تعاطي الرئيس الأميركي دونالد ترمب معها، وسحب توقيعه من البيان الختامي. وطلب ماكرون من وزير الخارجية جان إيف لو دريان، أن يحل مكانه.
أما ماكرون، فسيرأس اجتماعاً موسعاً صباح اليوم في قصر الإليزيه سيضم الوزراء المعنيين وجمعاً من الفعاليات الاقتصادية، للتداول في إطلاق الحوار المرتقب الذي سيدور حول أربعة محاور تتناول مروحة واسعة من القضايا الاقتصادية والاجتماعية؛ هي مرحلة النقلة البيئوية والضرائب وتنظيم الدولة، والديمقراطية والمواطنة. ويراد بالموضوع الأخير الاستجابة لأحد مطالب «السترات الصفراء» السياسية، وهي إقرار مبدأ الاستفتاء بمبادرة شعبية. ولخّص رئيس البرلمان الوضع بجملة واحدة، هي أن «المعارك انتهت وحان وقت الحوار».
أما على الصعيد الداخلي، فإن الحكومة تعمل على خطين: الأول، تطبيع الوضع «ميدانياً»، أي دفع «السترات الصفراء» إلى الانسحاب من الحواجز التي يقيمونها على الطرق السريعة والطرق الفرعية، والتي تعيق السير. وبما أن الدولة تعتبر أنها استعادت المبادرة، فإنها لم تتأخر عن التلويح باللجوء إلى القوة، وهو ما جاء على لسان رئيس البرلمان ريشار فران، الذي أعلن أن إرسال القوى الأمنية «لم يعد مستبعداً».
وذهب وزير الداخلية كريستوف كاستانير، في الاتجاه نفسه، معلناً أنه «يكفي» قطع الطرقات وإغلاق المستديرات وأن قوى وزارة الداخلية «قامت بإخلاء المستديرات، وهي مستمرة في ذلك». وحسب كاستانير، فإنه «لا يمكن الاستمرار في التسبب بشلل الاقتصاد الفرنسي والتجارة في قرانا ومدننا». وكان بذلك يردّ على دعوات تكاثرت في الساعات الأخيرة للعودة إلى التظاهر السبت القادم وأيضاً يوم الجمعة، الذي يصادف عيد ميلاد الرئيس ماكرون الـ41، إلا أن أكثرية المراقبين تعتبر أن الحركة الاحتجاجية قد ضعفت لكنها لم تمتْ، وأن حشد المتظاهرين عشية أعياد نهاية العام ستكون بالغة الصعوبة خصوصاً في ظل الانقسامات العميقة القائمة بين جناح متشدد يدعو للاستمرار في التحرك وآخر معتدل يفضل الجلوس إلى طاولة المفاوضات والتحاور مع الحكومة.
وفي سياق موازٍ، تجهد الحكومة للتعجيل في ترجمة الإجراءات التي طلبها الرئيس ماكرون إلى قوانين سيبدأ العمل بموجبها في أسرع وقت، خصوصاً ما يتعلق منها برفع القدرة الشرائية للمواطنين المشمولين بها. لذا، فإن رئيس البرلمان دعا النواب للتعاون مع الحكومة وإلى تحمل مسؤولياتهم. وقد جُمعت هذه الإجراءات في مشروع قانون سيناقشه مجلس الوزراء، بعد غدٍ (الأربعاء)، قبل إحالته، الخميس، إلى الجمعية الوطنية، والجمعة إلى مجلس الشيوخ.
الحكومة الفرنسية عازمة على الإسراع في تنفيذ وعودها للمتظاهرين
رئيس البرلمان: المعارك انتهت وحان وقت الحوار
مواجهات بين متظاهري السترات الصفراء والأمن الفرنسي في نانت السبت الماضي (أ.ف.ب)
الحكومة الفرنسية عازمة على الإسراع في تنفيذ وعودها للمتظاهرين
مواجهات بين متظاهري السترات الصفراء والأمن الفرنسي في نانت السبت الماضي (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


