السياسة المصرية «تبحر جنوباً»

القاهرة تسعى إلى استعادة تأثيرها الأفريقي عبر «دبلوماسية القمة»

السياسة المصرية «تبحر جنوباً»
TT

السياسة المصرية «تبحر جنوباً»

السياسة المصرية «تبحر جنوباً»

شكّلت محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، خلال مشاركته في القمة الأفريقية بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 1995، نقطة فارقة في تاريخ العلاقات المصرية - الأفريقية. ووفق دبلوماسيين مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «الحادث تسبب في إحجام مبارك، ومن حوله، عن حضور أي فعاليات بالقارة، الأمر الذي تراجع معه الاهتمام المصري بأفريقيا بشكل عام».
ويشرح السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية الأسبق، قائلاً إنه «عقب الحادث، الذي نفذه مسلحون ينتمون لجماعات متشددة، نشأ فراغ كبير في العلاقات المصرية - الأفريقية، لانقطاع ما يُطلق عليه (دبلوماسية القمة)، فحدثت فجوة في التواصل مع قادة الدول الأفريقية». ويتابع: «خشية الرئيس الأسبق من تكرار الحادث، وشكوكه في مستويات التأمين بالدول الأفريقية، جعلته يعزف عن حضور القمم والمناسبات المهمة، وهو ما جعل قادة تلك الدول يديرون وجوههم عن القاهرة بالمثل... فالدول الأفريقية أشبه بمجالس الحكماء، التواصل فيها يكون على مستوى القيادات».

استمر حكم الرئيس المصري حسني مبارك نحو 30 سنة، حتى أسقطته ما عُرِفت بـ«ثورة يناير» عام 2011. والآن، وبعد مرور أكثر من عشرين سنة على محاولة اغتياله الفاشلة في أديس أبابا، بدا لافتاً الاهتمام الذي توليه السياسة الخارجية المصرية للقارة السمراء، الذي تجسد بشكل رئيسي في الحضور القوي للرئيس عبد الفتاح السيسي، معظم القمم الأفريقية، منذ وصوله إلى الحكم عام 2014، فضلاً عن تكثيف القاهرة للفعاليات المرتبطة بأفريقيا، وآخرها «منتدى الاستثمار - أفريقيا 2018» في شرم الشيخ، الأسبوع الماضي، إذ شهد حضور 10 زعماء أفارقة، ونحو 3 آلاف شخص من رواد الأعمال الأفارقة.
يقول السفير محمد حجازي مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية الأسبق، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاهتمام بأفريقيا أخذ شكلاً متزايداً في السنوات الأخيرة، بدأ بعودة (دبلوماسية القمة) لممارسة دورها على الساحة الأفريقية، في ظل إدراك سياسي لأهمية أفريقيا لمصر، ووعي للتكالب الدولي الخارجي الحاصل على القارة ومواردها باعتبارها بيئة واعدة للاستثمار».
وأردف: «الرئيس السيسي شارك بنفسه في معظم الفعاليات والقمم، ووضع أفريقيا على سلّم أولويات السياسة المصرية، الأمر الذي أهّل مصر لتولي العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي ممثلةً عن القارة الأفريقية عامي 2016 - 2017، ثم انتخبت عضواً بمجلس السلم والأمن الأفريقي عن دول الشمال، وهي الآن رئيسة مجلس السلم والأمن الأفريقي، في حين تستعد لتولي مقعد القيادة رئيساً للاتحاد الأفريقي مع انطلاق عام 2019».

- أفريقيا أولوية مصرية
وتشير زيارات الرئيس السيسي الخارجية منذ عام 2014، إلى الأولوية التي تحتلها علاقات مصر مع دول أفريقيا في السياسة الخارجية، إذ قام بزيارة 21 دولة أفريقية من إجمالي 69 زيارة خارجية قام بها، بما يمثّل أكثر من 30 في المائة. كما عقد السيسي 112 اجتماعاً مع قادة ومسؤولين أفارقة زاروا مصر خلال السنوات الثلاث الماضية من إجمالي 543 اجتماعاً، وفقاً لتقرير أصدرته «الهيئة العامة للاستعلامات»، وهي مؤسسة رسمية تتبع الرئاسة المصرية.
أيضاً امتد الحضور السياسي المصري ليشمل مختلف المشاركات والمنتديات الاستراتيجية الإقليمية والدولية مع قارة أفريقيا، في إطار مساعي القاهرة لترسيخ حضورها وتأثيرها داخل القارة. وهنا يقول ضياء رشوان، رئيس هيئة الاستعلامات المصرية، إن «حركة السياسة الخارجية في المحافل الإقليمية والدولية تكشف الأهمية التي توليها مصر لأفريقيا، انطلاقاً من أن انتماءها لمحيطها الأفريقي يُعد مكوّناً رئيسياً من مكوّنات الهوية المصرية، كما أن الخطاب السياسي للرئيس السيسي داخلياً وخارجياً يشير إلى الأهمية الاستراتيجية لعلاقات مصر الأفريقية، واعتزازها بانتمائها».
وترى السفيرة منى عمر، مقررة اللجنة الدائمة للشؤون الأفريقية بالمجلس المصري للشؤون الخارجية، من جهتها، أن «الرئيس السيسي أظهر بالفعل اهتماماً كبيراً بأفريقيا ووضعها كأولوية على سُلَّم أولويات الخارجية المصرية، باعتبارها تشكّل أمناً قومياً مصرياً وأمناً غذائياً واقتصادياً». غير أن عمر أشارت لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الإدراك المصري لأهمية القارة الأفريقية لم يغب أبداً عن الدبلوماسية المصرية، لكنه شهد بعض الأفول في السنوات السابقة؛ جزء منه متعلق بحادث محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا، وجزء آخر بسبب غياب التنسيق بين الأجهزة المختلفة بالدولة ومؤسساتها، وهو ما تم تداركه في الوقت الراهن، والبناء على ما تقدم، الذي لا يمكن إغفاله».
وحقاً، تحوّلت مصر في السنوات الأخيرة إلى ملتقى لكثير من المؤتمرات المتعلقة بالأوضاع الأفريقية، آخرها منتدى «أفريقيا 2018»، في دورته الثالثة، وسبقه في أغسطس (آب) الماضي في شرم الشيخ أيضاً اجتماع مجلس محافظي رؤساء البنوك المركزية الأفريقية (52 دولة أفريقية) في دورته الـ41. وفي سبتمبر (أيلول) الماضي عقد المؤتمر الإقليمي للنواب العموميين في أفريقيا، بمشاركة عدد من الدول الأوروبية.
ويشير السفير حجازي، في هذا الإطار، إلى أن «التظاهرة الأخيرة (منتدى أفريقيا 2018) دليل على أن مصر مدركة لأهم التحديات التي تواجه القارة الأفريقية، ومنها التحدي الاقتصادي والتنموي، فضلاً عن التحدي الأمني، حيث تزامن المنتدى مع مناورات عسكرية مصرية - أفريقية في قاعدة محمد نجيب المصرية، في ظل رؤية مصرية تركز على البعدين التنموي والأمني، باعتبارهما مساراً واحداً».
ونوّه حجازي بدور مصر البارز حالياً في تسوية النزاعات وتحقيق السلم داخل القارة، قائلاً إن «دورها في حل النزاعات داخل دولة جنوب السودان ومنطقة القرن الأفريقي يُعتبر مثالاً على ذلك». كما أشار إلى مفاوضات تجري الآن في القاهرة لتوقيع اتفاقية قارية تقضي بتحرير السلع والخدمات في أفريقيا، وأيضاً حرية الانتقال. ولفت إلى تقرير أصدره الاتحاد الأوروبي أخيراً تحدث فيه إيجابياً عن دور مصر في تسوية النزاعات في أفريقيا، واعتبر أن ترؤسها الاتحاد عام 2019 يفتح آفاقاً جديدة للعلاقات الأوروبية - الأفريقية.

- حزمة إجراءات لحضور فعال
رؤية مصر الجديدة نحو أفريقيا عبّر عنها الرئيس السيسي، حين أكد، في ختام منتدى أفريقيا، الأحد الماضي، أن بلاده «عادت للوجود المؤثر والفعال على الساحة الأفريقية بهدف التعاون والتعمير والبناء لصالح الأشقاء الأفارقة انطلاقاً من الثوابت الرئيسية لسياسة مصر تجاه الدول الأفريقية»، معلناً عن حزمة إجراءات تضمن وجوداً فعالاً لمصر بين أبناء القارة، بما في ذلك إنشاء «صندوق ضمان مخاطر الاستثمار في أفريقيا»، لتشجيع المستثمرين المصريين لتوجيه استثماراتهم، والتفاوض مع مؤسسات دولية لدعم البنية الأساسية في أفريقيا، ومن ضمن ذلك الإسراع في الانتهاء من طريق القاهرة - كيب تاون، لدمج أقطار القارة وتوسيع حركة التجارة.
كما أعلن عن توفير 100 منحة تدريبية عسكرية لمختلف دول القارة خلال العام المقبل، للرفع من كفاءات وخبرات الضباط وقادة الجيوش في كلية القادة والأركان المصرية وأكاديمية ناصر للعلوم العسكرية. وبدورها، شرعت الحكومة المصرية في اتخاذ قرارات تتيح «معاملة تفضيلية» للأفارقة في مصر، وتعزز التوجه المصري نحو أفريقيا.
وشملت هذه القرارات مبادرة لتدريب الشباب الأفريقي (في معهد التخطيط القومي المصري) في مجال الإصلاح الإداري والتخطيط الاستراتيجي، ورفع قدرات الجهاز الإداري، وبرامج خاصة بالتأهيل السياسي للمرأة، والدراسات الاستراتيجية والأمنية، مع بحث تقديم برامج خاصة بريادة الأعمال في المدارس والجامعات. وهناك أيضاً مبادرة أخرى هي «أفريقيا لإبداع الألعاب والتطبيقات الرقمية»، لتأهيل وتنمية قدرات 10 آلاف شاب مصري وأفريقي، وتحفيز تأسيس 100 شركة مصرية وأفريقية ناشئة في هذا المجال، تتولى تنظيمها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمصر.
وفي إطار التوجه المصري أيضاً نحو «معاملة مميزة» للأفارقة، وضعت وزارة الخارجية لافتات خاصة بمواطني دول الاتحاد الأفريقي في مطار القاهرة، وخصصت ممراً للجوازات لهم، لتسهيل إجراءات دخولهم تعبيراً عن حرص مصر على تعزيز عملية الاندماج مع الأفارقة على مختلف المستويات. وعزز هذا التوجه كذلك موافقة الحكومة على الترخيص لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي بالاشتراك مع عدد من الجهات الوطنية في تأسيس شركة مساهمة، وهي «الشركة الوطنية المصرية للاستثمار الأفريقي»، وإعلان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تخطيطه لإنشاء «أول قناة فضائية أفريقية»، ومن المتوقَّع إطلاقها خلال العام المقبل.
كذلك، في إطار خطة الدولة نحو أفريقيا، أعلنت وزارة الشباب والرياضة المصرية التجهيز لعقد المؤتمر الأول للطب الرياضي التخصصي، والمعسكر الأفريقي لرائدات الأعمال الأفريقيات، وغيرهما من الفعاليات. كما قرر الأزهر تشكيل لجنة مختصة لوضع برامج وأنشطة لتدعيم أبناء القارة الأفريقية، من خلال زيادة عدد المنح المقدَّمة للطلاب الدارسين بالأزهر، وزيادة أعداد المبعوثين من المدرسين في أفريقيا.

- طريق غير مفروش بالورود
غير أن التوجه نحو أفريقيا ليس طريقاً مفروشاً بالورود، وفق السفير حجازي. فهناك كثير من التحديات التي ستواجه مصر في إطار مساعيها لتطوير علاقتها بالدول الأفريقية. فخلال عام كامل ستقضيه مصر في مقعد القيادة الأفريقية، مطلع 2019، عندما تترأس الاتحاد الأفريقي «ستتطلع أفريقيا لما ستقدمه القاهرة بكل ما لها من معارف وقدرات وإمكانيات... وعلى مصر الاعتناء بتحديين، هما الأهم على صعيد القارة حالياً: الإرهاب والهجرة غير الشرعية. وهذا يوجب على مصر أخذ زمام مبادرة تسهم في دعم قدرات القارة على مواجهة هذه المشكلة التي تهدد أوروبا».
وطرح حجازي مجموعة من الأفكار يمكن أن تجعل عام الرئاسة المصري للاتحاد الأفريقي عاماً للإنجازات، منها إنشاء صندوق تمويلي لمشاريع الشركات المصرية بالقارة الأفريقية يُدار على أسس بنكية، ويرصد لهذا البنك - الصندوق ميزانية استثمارية لا تقل عن 500 مليون دولار أو تزيد، من أجل تقديم قروض ميسّرة لتمويل المشاريع بالدول الأفريقية. كما طرح إنشاء صندوق للمقايضة الأفريقي يتم من خلاله تبادل السلع من خلال عملية تقييم للمنتج وفقاً لسعره في السوق العالمية، مما سيخفف الضغط على سوق العملات.
من جهته، قال طارق رضوان، رئيس لجنة الشؤون الأفريقية بالبرلمان المصري، لـ«الشرق الأوسط» إن «التحرك نحو أفريقيا يجب أن يكون مدروساً وفي إطار رؤية استراتيجية لدول أفريقيا المختلفة واحتياجاتها الاستثمارية والاقتصادية والاجتماعية، لرسم معالم تحرك مصري فعال، باعتبار أن أي تحرك عشوائي هو إهدار للوقت والجهود، وأن هناك منافسة دولية تنتظر مصر». وأكد أن «اللجنة البرلمانية تسعى، من جهتها، إلى تعزيز التحرك على المستوى الأفريقي، لإعادة مصر إلى قلب القارة، بجانب الجهود التي تبذلها السلطة التنفيذية»، داعياً إلى «توعية الشعب المصري حول (أهمية) أفريقيا».

- «سد النهضة»
إن التوجه المصري نحو أفريقيا، خصوصاً دول حوض النيل فيها، فرضته، كما يبدو، عدة أحداث، من بينها أزمة «سد النهضة» الإثيوبي. فبالتوازي مع مفاوضات «متعثرة» تجريها القاهرة مع أديس أبابا منذ سنوات، لإيجاد حل لتأثير سلبي على حصتها من مياه النيل نتيجة تشييد السد، قررت مصر أخيراً التوسع في تنفيذ مشاريع تنموية في دول حوض النيل، مثل أوغندا وجنوب السودان وتنزانيا وغيرها، وفق رؤية تقضي بتبني منهج أكثر شمولية يضمن المنافع المشتركة والتعاون في إدارة الموارد المائية، مع الحفاظ على حصة مصر من النهر. وتقول مصادر دبلوماسية مصرية لـ«الشرق الأوسط» إن «اهتمام مصر فقط بالحفاظ على حصتها في نهر النيل، الذي تشترك فيه 10 دول أفريقية أخرى، كان مثار شكوى دائمة على مدار السنوات الماضية، غير أنها في الوقت الراهن تسعى إلى تجاوز ذلك، من خلال توسيع مجالات التعاون مع الدول الأفريقية عامة، ودول حوض النيل على وجه الخصوص».
وجاء تدشين سد «ستيغلر غورج» (خانق ستيغلر) في تنزانيا، كأحدث المشاريع التنموية المصرية مع دول حوض النيل بالقارة الأفريقية، إذ وقَّع رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الثلاثاء الماضي، عقد إنشاء السد لتوليد الطاقة الكهرومائية، الذي فاز به تحالف شركات مصرية. وعلى هامش التوقيع، أشار مدبولي إلى أهمية التعاون مع الدول الأفريقية باعتبارها سوقاً مفتوحة وشريكاً استراتيجياً وتملك القدرة الفنية والخبرة العملية، مؤكداً أن هناك «ثقة أفريقية في قدرات مصر». واعتبر مدبولي «المشروع الذي وُقّع عقده بين مصر وتنزانيا يُعد عودة حميدة لقوة مصر الناعمة في أفريقيا، وذلك بأن يكون لمصر بصمة واضحة في كل دولة بأفريقيا، وقد تكون هذه البصمة عبر مشاريع ووجود لوزارات بعينها، مثل مجالي الصحة والتعليم وغيرهما».
وكان الرئيس السيسي قد أكد أنه حريص جداً على «أن ننتهز فترة رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي، وأن تقود مصر عملاً أفريقياً مشتركاً لصالح أفريقيا بوجه عام».
وفي السياق أيضاً، تسعى مصر إلى إنشاء خط ملاحي نهري للربط بين نهر النيل والبحر المتوسط ليمر بجميع دول حوض النيل، وينتهي عند بحيرة فيكتوريا. وسبق أن أكد السيسي اهتمام مصر بسرعة استكمال مراحل هذا المشروع، باعتباره نافذة للدول الأفريقية على البحر المتوسط وأحد أهم شرايين الربط بين الدول الأعضاء في التجمُّع، فضلاً عما سيوفره المشروع من فرص لتعزيز التجارة البينية ونقل السلع والخدمات وزيادة فرص الاستثمار.

- أرقام حول مصر وأفريقيا
* بلغ حجم الاستثمارات المصرية في أفريقيا حتى عام 2017 نحو 7.9 مليار دولار أميركي موزعة على 62 مشروعاً، وارتفع لنحو 10.2 مليار دولار عام 2018. وتشمل هذه الاستثمارات قطاعات البناء والتشييد والمواد الكيميائية والتعدين والمستحضرات الطبية والدوائية والاتصالات والمكوّنات الإلكترونية والخدمات المالية، في حين يبلغ حجم الاستثمارات الأفريقية في مصر 2.8 مليار دولار.
وتتمثل أهم الصادرات المصرية إلى دول أفريقيا في السكر والمخاليط العطرية وأجهزة الاستقبال، وترابيع البلاط والمكعبات، ومنتجات شمع البارفين، وغيرها، في حين تتمثل أهم الواردات المصرية من الدول الأفريقية في الشاي، وغاز البوتان، والأقطاب السالبة من النحاس، والقطن.
* تعد كل من الجزائر، والسودان، وليبيا، ونيجيريا، والمغرب، وإثيوبيا، وسوازيلاند، وتنزانيا، وكينيا، وكوت ديفوار (ساحل العاج)، من أهم الوجهات المصرية للاستثمار الأجنبي المباشر في أفريقيا.
* تمتلك دول القارة موارد اقتصاديّة ضخمة، إذ توجد فيها نحو 30 في المائة من الثروة المعدنية بالكامل في العالَم، و8 في المائة من الاحتياطيات النفطيّة، و7 في المائة من احتياطي الغاز.

- أفريقيا... وفرصها الواعدة
ترى الدكتورة سالي فريد، مديرة مركز البحوث الأفريقية بجامعة القاهرة، أن مصر حرصت، بعد «ثورة يناير» 2011، على إعادة ترتيب أولويات سياستها الخارجية، بما يعيد التوازن في علاقاتها التي كانت سائدة على صعيد كثير من القضايا والملفات، وفي مقدمتها العلاقات مع أفريقيا، التي أتاح غياب مصر عنها لقوى أخرى فرصة التسلل إليها، وتهديد مصالحها بها.
وأضافت فريد في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «التحرك المصري لتدعيم علاقات التعاون مع الدول والتكتلات الأفريقية، لا بد أن يكون من خلال إبرام الاتفاقات التجارية معها، وزيادة حجم التبادل التجاري بينها وبين الدول الأفريقية، الذي يعد ضئيلاً مقارنة بحجم تجارة مصر مع العالم».
وأشارت الخبيرة في الشؤون الأفريقية إلى أن «الاستثمارات المصرية في القارة الأفريقية تواجه العديد من المنافسين على المستوى العالمي والإقليمي، ما يجعلها بحاجة إلى تعزيز استثماراتها في القارة، مما يساعد على تعزيز وزيادة قدرتها لاستعادة دورها الريادي مرة أخرى، ودفع العلاقات الاقتصادية المصرية مع دول القارة، فالتجارة والاستثمار يخلقان المصالح بين الدول، خصوصاً في ظل وجود نحو 32 اتفاقية استثمار ثنائية مع الدول الأفريقية، منها 11 اتفاقية سارية ستسهل ذلك التوجُّه».
وتابعت فريد أن «اختيار القارة الأفريقية كبوصلة للاستثمارات المصرية في الفترة المقبلة سيعود بالفائدة على الاقتصاد المصري، لما تمتلكه دول تلك القارة من موارد اقتصاديَّة ضخمة، كما تشكّل سوقاً استهلاكيَّة كبيرة تضمُّ نحو 1.2 مليار نسمة وموارد بشرية، بجانب موقعها الاستراتيجي المتميز عن بقية المناطق في العالم، وتتوافر العديد من الفرص لرجال الأعمال المصريين في أفريقيا في مجالات التجارة والاستثمار سواء في السلع أو الخدمات».
واقترحت الدكتورة فريد «بناء علاقات ثنائية قوية مع الدول الأفريقية على غرار تجارب دول أخرى، باعتبارها خطوة أولى يتعين البدء بها، ويمكن التركيز على الدائرة الأولى المتمثلة في دول حوض النيل والشرق الأفريقي، ثم التوسع في المراحل المقبلة مع عدد أكبر من الدول الأفريقية». واعتبرت أن «هناك ضرورة لتحقيق التكامل بين مصر والدول الأفريقية على أرض الواقع... يمكن أن تحصل مصر على وارداتها من الدول الأفريقية، بدلاً من العالم الخارجي من خلال صادرات الدول الأفريقية المتخصصة في تصدير السلع الأولية والمواد الخام، وفي المقابل تحصل الدول الأفريقية على وارداتها من مصر بدل اللجوء إلى العالم الخارجي».
كذلك طالبت الخبيرة في الشؤون الأفريقية بإنشاء وحدة خاصة بالسوق الأفريقية وتخصيص خط تمويلي للصادرات المصرية للسوق الأفريقية لتغطية مخاطر الائتمان، وإنشاء مخازن مصرية في الدول الأفريقية حتى تكون البضائع حاضرة في تلك الأسواق، ولتصبح تلك المخازن قاعدة انطلاق للصادرات المصرية، وإعداد قاعدة بيانات لتوفير البيانات اللازمة عن المنتجات المطلوبة وتحديد المنتجات المصرية التي تناسب أذواق المستهلكين. بالإضافة إلى أهمية الدعم الدبلوماسي للمصدرين إلى الدول التي لا توجد بها مكاتب تجارية، وإقامة معرض دائم للمنتجات المصرية لعرضها على المستهلكين والمستوردين لاستغلال الفرصة المهيأة حالياً.



أزمة تيغراي... مسار قلق إثيوبي بانتظار مقاربة دولية

مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

أزمة تيغراي... مسار قلق إثيوبي بانتظار مقاربة دولية

مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

رغم أن الانتخابات الإثيوبية العامة التي تمت مطلع يونيو (حزيران) الحالي، تُظهر نتائجها الأولية حالة من الاستقرار مع فوز كبير لحزب «الازدهار» الحاكم، فإن إقليم تيغراي، الذي تتوتر علاقاته مع رئيس الوزراء آبي أحمد، لا يزال نقطة تشغل حيزاً من تفكير أديس أبابا مع عدم تنظيم اقتراعات في الإقليم ومخاوف من تجدد الصراع.

تلك المخاوف التي ترجمتها تحذيرات نشرتها «وكالة الأنباء الإثيوبية»، الجمعة، تشي بأن الإقليم الذي خاض حرباً ذات تكلفة عالية مع الحكومة الفيدرالية قبل سنوات لا يزال مسار قلق إثيوبي، وأن التدخل الدولي لوقف اندلاع حرب جديدة يحمل أولوية، وفق ما يراه برلماني إثيوبي تحدث لـ«الشرق الأوسط».

تحذيرات إثيوبية

التحذيرات الإثيوبية من اندلاع مواجهة جديدة مع تيغراي، كانت لافتة، الجمعة، في مقال رأي نشرته وكالة الأنباء الرسمية للبلاد، تحت عنوان «يجب ألا تُدفع إثيوبيا مجدداً إلى أتون الحرب»، ومدون باسم غيتاتشو ردا، مستشار الوزير لشؤون شرق أفريقيا في الحكومة الإثيوبية، والرئيس السابق للإدارة الإقليمية المؤقتة لإقليم تيغراي، ورضوان حسين، المدير العام لجهاز الاستخبارات والأمن الوطني الإثيوبي، وكبير المفاوضين عن الحكومة الفيدرالية خلال محادثات السلام في بريتوريا عام 2022.

وحسب المسؤولين الإثيوبيين، فإن «(اتفاق بريتوريا) في 2022 شكل بارقة أمل ومنعطفاً حاسماً لمنطقة أنهكتها الحرب والدمار. واليوم، ينبغي أن يواجه أولئك الذين يسعون إلى تقويض هذا الاتفاق ضغطاً دولياً حازماً لمنع العودة إلى دوامة الصراع».

وتحدثا عن أن «جهات مرتبطة بإريتريا أسهمت في تنسيق تحالف بين القوى المعارضة للاتفاق، ضمن إطار أُطلق عليه اسم (سيمدو)؛ بهدف الحفاظ على حالة التوتر والصراع»، في حين «تشير المؤشرات اليوم إلى أن هذا التحالف، الذي تشكل عبر اجتماعات عقدت في أسمرة ومقلي الإثيوبية والسودان، يستعد للدفع نحو جولة جديدة من المواجهات المسلحة».

مخاوف من تجدد الصراع في إقليم تيغراي في إثيوبيا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وحسب الوقائع التي يتحدث عنها المسؤولان الإثيوبيان، فهناك «جناح متشدد داخل (الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي) أقدم على تفكيك الإدارة الإقليمية المؤقتة وإنشاء إدارة بديلة بصورة أحادية، كما واصل عمليات التجنيد والتدريب والتسليح بدعم مباشر من الحكومة الإريترية، إلى جانب إقصاء الأصوات الداعية إلى السلام والالتزام باتفاق بريتوريا».

وخلص المسؤولان إلى أن «منع العودة إلى الصراع يتطلب من جميع الأطراف الدولية والإقليمية التي تمتلك نفوذاً أو تأثيراً على (الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي) وداعميها ممارسة أقصى درجات الضغط للحيلولة دون انهيار عملية السلام»، مؤكدين أن «استئناف الأعمال العدائية لن يشكل خطراً على إثيوبيا وحدها، بل ستكون له تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة بأكملها».

وتأتي تلك التحذيرات بعد أقل من أسبوعين من إجراء الانتخابات العامة السابعة التي شهدتها البلاد، التي تنافس فيها أكثر من 10438 مرشحاً من 42 حزباً سياسياً على مقاعد مجلس نواب الشعب والمجالس الإقليمية.

تقريب وجهات النظر

ويرى البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، أن «نجاح الانتخابات من دون أي مشاكل تذكر هو الإنجاز الأول، باستثناء بعض الأماكن المحدودة رغم التوقعات السلبية التي كانت تروّج لها بعض الجهات، والتي ادّعت غياب الاستقرار واحتمالية حدوث اضطرابات تحول دون إجراء الانتخابات، ولقد تخطينا تلك العقبات وأنجزنا الانتخابات بنجاح، معرباً عن ثقته في تجاوز هذه المرحلة الصعبة في تيغراي عبر تقريب وجهات النظر والوصول إلى حلول سلمية.

ورغم إبرام اتفاق سلام عام 2022 لإنهاء الحرب الأهلية في تيغراي، التي تتحدث إحصائيات رسمية أنها تسببت في مقتل مئات الآلاف، فإن خطوة اتخذها الحزب السياسي الرئيسي هناك الشهر الماضي لإعادة فرض سيطرته على الإدارة السياسية للمنطقة دفعت إلى استثناء إقليم تيغراي في الشمال، في ضوء استمرار التوتر بين السلطات الإقليمية هناك والسلطات الفيدرالية في العاصمة.

وفي إقليم أمهرة الذي يضم نحو 20 مليون نسمة، هدَّدت ميليشيات «فانو» القومية بتعطيل العملية الانتخابية؛ ما تسبب في إلغاء هيئة الانتخابات التصويت في ثماني دوائر فقط من أصل 137.

ووسط تلك التوترات، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي في بيان صادر في السادس من يونيو (حزيران) الحالي بشأن الانتخابات، أن «معالجة الخلافات السياسية يجب أن تتم عبر الأطر الدستورية ومؤسسات الدولة والحوار الوطني».

مسلحون سابقون في تيغراي خلال إعادة تأهيلهم ودمجهم (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وجاء هذا الحديث مع ترجيحات بأن «حزب (الازدهار) سيهيمن على الانتخابات في مواجهة معارضة متشرذمة أضعفتها الخصومات الداخلية»، وفق ما ذكرت «رويترز» في تقرير سابق.

ويتوقع البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد أن «تتدخل الجهات الإقليمية والدولية وتسهِم في حل هذه المشكلة كما فعلت سابقاً في (اتفاق بريتوريا)، فنحن شعب واحد وبلد واحد، ولا يوجد عائق لا يمكن تجاوزه إذا توفرت الإرادة القوية، وهذه الأزمة ستحل قريباً».

ودعا المنظمات الدولية والإقليمية للمشاركة الفعالة في دعم التقارب وحل المشكلات العالقة، مشدداً على أن هذا المسار هو ما تتطلع إليه الدولة في المرحلة المقبلة.

وشدد البرلماني الإثيوبي على رفض العودة إلى مربع الصراع المسلح، مضيفاً: «أملنا ألا تتكرر الحرب مرة ثانية، فقد تعلمنا درساً قاسياً من الحروب السابقة التي ألحقت أضراراً جسيمة بالجميع، والحرب ليست في مصلحة أحد».

وأكد أن «الحل بات قريباً، سواء عبر التدخل الدبلوماسي الدولي أو الإقليمي، لضمان استقرار البلاد وتجنب أي مواجهات عسكرية مستقبلية».


نيجيريا وإرث العنف المسلح... هل تنجح الدولة في استعادة السيطرة؟

جنود نيجيريون يمرّون أمام دبابات عسكرية جاهزة للانتشار خلال جولة قام بها رئيس أركان الجيش بمدينة مايدوغوري بولاية بورنو شمال شرقي البلاد نوفمبر 2025 (رويترز)
جنود نيجيريون يمرّون أمام دبابات عسكرية جاهزة للانتشار خلال جولة قام بها رئيس أركان الجيش بمدينة مايدوغوري بولاية بورنو شمال شرقي البلاد نوفمبر 2025 (رويترز)
TT

نيجيريا وإرث العنف المسلح... هل تنجح الدولة في استعادة السيطرة؟

جنود نيجيريون يمرّون أمام دبابات عسكرية جاهزة للانتشار خلال جولة قام بها رئيس أركان الجيش بمدينة مايدوغوري بولاية بورنو شمال شرقي البلاد نوفمبر 2025 (رويترز)
جنود نيجيريون يمرّون أمام دبابات عسكرية جاهزة للانتشار خلال جولة قام بها رئيس أركان الجيش بمدينة مايدوغوري بولاية بورنو شمال شرقي البلاد نوفمبر 2025 (رويترز)

تشكّل ظاهرة العنف المسلح أحد أبرز التحديات التي تواجه الكثير من الدول الأفريقية، حيث تتداخل العوامل الأمنية والسياسية والاقتصادية في إنتاج أزمات معقدة يصعب احتواؤها في المدى القصير. وفي هذا السياق، تبرز نيجيريا بوصفها إحدى الساحات الرئيسية لهذه المواجهة؛ إذ تواجه منذ سنوات تهديدات متزايدة من جماعات مسلحة تنفذ هجمات دامية تستهدف المدنيين والمؤسسات الحكومية على حد سواء.

جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

ومع استمرار هذه التحديات، تتجدد التساؤلات حول قدرة الدولة على استعادة الأمن والاستقرار ووضع حد لدائرة العنف التي ألقت بظلالها على مستقبل البلاد. هذا ما أكده إبينيزر أوبإداري، وهو أكاديمي وكاتب نيجيري متخصص في الشؤون السياسية والدينية والاجتماعية في أفريقيا، في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية.

ويقول أوبإداري إنه بعد أيام من الهجمات المنسقة التي شنها مسلحون على مدارس في ثلاث بلدات بولاية أويو الواقعة في جنوب غرب نيجيريا، والتي اختطفوا خلالها 39 تلميذاً وسبعة معلمين، مضى منفذو الحادث المروع الذي وقع الشهر الماضي خطوة أبعد عندما أقدموا على قطع رأس مايكل أوييدوكون (57 عاماً)، وهو معلم رياضيات. وكان الأب لطفلين ثاني معلم يلقى حتفه على أيدي هؤلاء المهاجمين الذين لم يتم القبض عليهم بعد، ليلقى المصير نفسه الذي لقيه جويل أديجبوي أديسيان (48 عاماً)، والذي تردد أنه أُعدم أثناء محاولته حماية تلاميذه.

الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو لدى حضوره مهرجاناً للصيد تزامناً مع تدهور الوضع الأمني (إ.ب.أ)

ويرى أوبإداري أن هذه الهجمات الأخيرة، عند قياسها بمقياس ما حدث في السابق، فإنها لم تكن الأسوأ على الإطلاق. فقد تضمنت الحملة التي تشنها جماعة «بوكو حرام» والفصائل المرتبطة بها منذ عقود لفرض نظام حكم ثيوقراطي قائم على الشريعة في البلاد عمليات اختطاف أكثر بكثير وعمليات قتل أشد دموية ووحشية.

ويعزى رد الفعل الواسع تجاه هذه الهجمات الأخيرة، على الأرجح، إلى مجموعة من العوامل. أحدها موقع الهجمات نفسها. ففي حين بدا أن الحادث الأخير يعزز بصورة عامة حجج المنتقدين الذين يؤكدون أن إدارة بولا تينوبو فقدت السيطرة على المنظومة الأمنية في البلاد، فإنه أثار في قلب المناطق اليوروبية (إحدى أكبر الجماعات العرقية في نيجيريا) مخاوف متزايدة بشأن التغلغل المستمر لمختلف الجماعات المسلحة داخل الإقليم.

ونظراً للتركيبة الاجتماعية للمجتمع المدني في جنوب غرب نيجيريا، حيث أدى الجمع بين تقاليد النشاط الاجتماعي والتشبع الإعلامي تاريخياً إلى حالة من اليقظة المفرطة، فإن التغطية الإعلامية المكثفة والمتواصلة للهجمات وتداعياتها لم تكن مفاجئة. علاوة على ذلك، فإن أي أمل لدى المسؤولين الحكوميين في إمكانية التعامل مع الحادث بصفته مجرد هجوم جديد نفذته «عصابات مسلحة» مجهولة الهوية تبدّد سريعاً مع تداول مقاطع مصورة تظهر عملية قطع رأس مايكل أوييدوكون بصورة وحشية. ولم يكن المشهد المروع لعملية الإعدام وحده هو الصادم، بل إن رمزيته كأداة للحرب النفسية لطالما استخدمتها الجماعات المتطرفة لبث الرعب وانتزاع تنازلات سياسية كانت واضحة بشكل لا لبس فيه.

وكانت رسالة المسلحين واضحة، وهي: إذا كنا قادرين على قطع رأس معلم واحد، فتخيلوا ما الذي يمكننا فعله ببقية المعلمين والطلاب الموجودين في قبضتنا؟ وفي أعقاب ذلك، أفادت مصادر إخبارية عدة في أنحاء البلاد بأن المهاجمين، بالإضافة إلى مطالبهم بالحصول على أموال والإفراج عن رفاق لهم محتجزين، يطالبون أيضاً بـ«تنازلات تتعلق بالقوانين المستقبلية لهذه البلاد».

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

وسواء كان المقصود بذلك تطبيق الشريعة الإسلامية كما استنتج كثيرون في وسائل الإعلام (مع الإشارة إلى أن المتحدثين باسم المجتمع المسلم في ولاية أويو أدانوا أفعال الإرهابيين وعدّوها «إجرامية ومخالفة لتعاليم الإسلام»)، فإن فكرة أن الجناة مجرد «خاطفين عشوائيين» وليسوا جماعة إرهابية ذات أهداف دينية صريحة، حسب وصف أحد المعلقين النيجيريين، أصبحت أكثر صعوبة في الدفاع عنها.

وبالتالي، فإن عمليات الاختطاف والإعدام الأخيرة تمثل، بقدر ما تسهم في تسليط الضوء على الجذور العقائدية والدينية للتمرد في شمال نيجيريا، تطوراً مهماً في النقاش المحتدم غالباً حول أسباب انهيار القانون والنظام في البلاد.

مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كورمين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)

وعلى مدى العقدين الماضيين، تمسك قطاع من وسائل الإعلام الغربية وعدد غير قليل من الباحثين بنظرية مفادها أن انعدام الأمن في شمال نيجيريا ناجم عن «صراعات بين المزارعين والرعاة»، وأن صلته بالدين، إن وجدت أصلاً، ضعيفة للغاية. إلا أن هذه النظرية أصبحت أقل إقناعاً عاماً بعد عام مع تزايد الهجمات الدموية التي تنفذها جماعات متطرفة مختلفة ضد أهداف حكومية ومدنية في نيجيريا ودول الساحل الأفريقي.

ويقول أوبإداري: «في نيجيريا، كشف وقوع معظم هذه الهجمات في مناطق لا تاريخ فيها لصراعات المزارعين والرعاة، واستهدافها أشخاصاً لا علاقة لهم إطلاقاً بالزراعة أو الرعي (مثل أديسيان وأوييدوكون)، عن العبثية الفريدة لنظرية (المزارعين والرعاة). وليس هذا فحسب، بل إن التداخل بين البعد الديني الأساسي، وهو موضوع سعيت باستمرار إلى لفت الانتباه إليه، والانتماء العرقي للفولاني، يعدّ من أبرز الملاحظات الواردة في أحدث تقرير للجنة الأميركية للحرية الدينية الدولية».

ومن باب الإنصاف، فقد فعل الرئيس الحالي أكثر مما فعله معظم أسلافه لمعالجة هذه المشكلة. فمن جهة، زاد الرئيس النيجيري الإنفاق الدفاعي بشكل ملحوظ؛ إذ تضاعفت تقريباً مخصصات القطاع بين عامي 2024 و2025 كما أظهر شجاعة بإعلانه أن «قطاع الطرق والميليشيات والعصابات المسلحة ولصوص السلاح والطوائف العنيفة والجماعات المسلحة المتمركزة في الغابات والمرتزقة المرتبطين بجهات أجنبية» هي جماعات تصنف إرهابية، وأبدى استعداداً أكبر من أسلافه لإجراء تغييرات داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية. ومن جهة أخرى، يستحق إشادة كبيرة لقبوله عروض المساعدة المقدمة من الجيش الأميركي رغم معارضة قطاع من النخبة لهذا التعاون، ورغم أن ذلك وضعه فوراً في مسار تصادمي مع شخصيات دينية نافذة في الشمال.

حاكم ولاية أدماوا في شمال شرق نيجيريا خلال زيارة لمنطقة غوياكو التي تعرضت لهجوم مسلح من تنظيم «داعش» الإرهابي (أ.ب)

وحسب أوبإداري، كان أوضح دليل على تنامي نجاح هذا التعاون هو مقتل أبو بلال المينوكي، الرجل الثاني في تنظيم «داعش»، الشهر الماضي، بعد أن شنت قوات من البلدين هجوماً على مقرّه في حوض بحيرة تشاد. كما أسفر التعاون عن تكثيف الضربات ضد أهداف إرهابية مختلفة في شمال البلاد، وتنفيذ عمليات ناجحة لتحرير رهائن. وفي الواقع، قد يكون التوسع الملحوظ للجماعات المتطرفة نحو جنوب نيجيريا ناتجاً من بدء تبادل المعلومات الاستخباراتية والعمليات المشتركة بين الولايات المتحدة ونيجيريا في تحقيق النتائج المرجوة في النصف الشمالي من البلاد.

عربة للشرطة بمكان الهجوم المسلح في جوس الشمالية عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية (رويترز)

ويقول أوبإداري إنه على الأرجح، ستزداد الأزمة سوءا قبل أن تبدأ التحسن. فعلى رغم زيادة الإنفاق الدفاعي، فإن احتواء خصم يسعى إلى تحقيق مهمة أخروية ويعدّ أن النصر يتمثل في إلغاء الدولة العلمانية لا الاندماج فيها، كان دائماً مهمة بالغة الصعوبة. كما أن الوضع يزداد تعقيداً؛ لأن هذا العدو، من الناحية العملية، عدو دولي مندمج في شبكات عابرة للحدود، وتساعده في تنفيذ أنشطته الخبيثة حدود رخوة وبنية تحتية حكومية متهالكة.

ويختم أوبإداري بأن الخطوة الأولى الحاسمة تتمثل في إدراك حقيقة هذا التهديد كما هو. أما القضاء عليه، فسيتطلب تسخير قدرات وموارد الدولة النيجيرية بالتعاون مع جيرانها في منطقة الساحل وشركاء دوليين آخرين. وإلى جانب ذلك، سيتطلب الأمر الكثير من الوقت والصبر.


مقتل 12 وإصابة 9 في إطلاق رصاص بجوهانسبرغ

عناصر الأمن والإسعاف في حادثة سابقة وقعت في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)
عناصر الأمن والإسعاف في حادثة سابقة وقعت في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مقتل 12 وإصابة 9 في إطلاق رصاص بجوهانسبرغ

عناصر الأمن والإسعاف في حادثة سابقة وقعت في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)
عناصر الأمن والإسعاف في حادثة سابقة وقعت في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)

قالت الشرطة في جنوب أفريقيا، اليوم الأربعاء، إن ما لا يقل عن 12 شخصاً لقوا حتفهم، وأُصيب تسعة، مساء أمس الثلاثاء، عندما فتح مسلَّحون النار في منطقة سكنية عشوائية بكليفلاند، إلى الشرق من جوهانسبرغ.

وأفادت الشرطة، في بيان لها، بأنها أطلقت عملية بحث واسعة النطاق عن أكثر من 10 مشتبَه بهم، عقب الهجوم الذي استهدف مستوطنة «جامبرز» العشوائية، ولا يزال الدافع وراء الهجوم مجهولاً، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأكدت الشرطة أن المشتبَه بهم وصلوا بسيارة تويوتا كوانتوم بيضاء، ودخلوا المستوطنة من مدخلين، وأطلقوا النار على عدة مواقع، قبل أن يلوذوا بالفرار في السيارة نفسها.

وتُعدّ جنوب أفريقيا من الدول التي تشهد أعلى معدلات جرائم القتل في العالم، حيث يبلغ متوسطها نحو 60 جريمة قتل يومياً.