السنعوسي فاز بالبوكر.. والشباب السعودي أضاف لرصيد الثقافة.. والفن سجل نقطة جديدة

مؤتمر الأدباء السعوديين وفيلم «وجدة».. واستقلال الإذاعة

السنعوسي فاز بالبوكر.. والشباب السعودي أضاف لرصيد الثقافة.. والفن سجل نقطة جديدة
TT

السنعوسي فاز بالبوكر.. والشباب السعودي أضاف لرصيد الثقافة.. والفن سجل نقطة جديدة

السنعوسي فاز بالبوكر.. والشباب السعودي أضاف لرصيد الثقافة.. والفن سجل نقطة جديدة

مثل فوز الروائي الكويتي، سعود السنعوسي، بجائزة البوكر العربية، على روايته «ساق البامبو»، واحدا من أبرز منجزات المثقفين الخليجيين. فقد منح هذا الفوز للرواية الكويتية إطارا من التتويج بعد رحلة ناهزت النصف قرن.
وفي حين راح بعض المثقفين السعوديين يعددون الأحداث الثقافية التي مرت بها بلادهم، وتلك التي تمثل محطات بارزة، كان لافتا أن هناك من وجد أن الثقافة السعودية راوحت مكانها خلال عام 2013، ولم تقفز إلى الأمام، على الرغم من أنها حافظت على وتيرتها في الحركة.
يلخص الناقد أحمد بوقري، ما يعده «رتابة المشهد الثقافي»، بالقول: «حفل مشهدنا الثقافي هذا العام بانتفاء كل بواعث الفعل الثقافي البسيط، فهناك انتخابات متعثرة، ونواد أدبية بلا مرتادين، وحركة نشر بطيئة، وإنتاج أدبي فقير يشرئب نحو الخارج، ومكتبات متقلصة على قرطاسياتها ومستهلكاتها، وصفحات ثقافية تقتات على ما يقال لا على ما تقول».
لكن مثقفين آخرين رأوا أن هناك أحداثا مهمة مرت بها السعودية وشارك فيها الشباب، منها التواصل والحراك داخل وسائط التواصل الاجتماعي، وانتعاش حركة النشر، والقراءة، ودخول أعداد واسعة من المشتغلين بالشأن الثقافي، إضافة إلى انعقاد مهرجانات كبيرة وواسعة.

* مؤتمر الأدباء السعوديين
كما بين الشاعر جاسم الصحيح، أن من أهم الأحداث الثقافية في السعودية خلال عام 2013، كان انعقاد مؤتمر الأدباء الذي خرج بتوصيات عدة بالاهتمام بالمسرح وبالمراكز الثقافية، ورفع سقف الرقابة. وأضاف: «كما أن هذا العام حمل لي حدثا ثقافيا مميزا وهو فوز ديواني (ما وراء حنجرة المغني) بجائزة البابطين». وطالب وزارة الثقافة والإعلام بالاهتمام بإعادة جائزة الدولة التقديرية، وإيجاد جوائز كبرى للمبدعين في المجالات الأدبية.
كذلك يؤكد الأديب الدكتور سلطان القحطاني، أن السعودية شهدت في عام 2013، عددا من الفعاليات الثقافية المتميزة عن سابقاتها. وقال إن أولى تلك المنجزات، كان وجود هيئة مستقلة عن وزارة الثقافة والإعلام باسم «هيئة الإذاعة والتلفزيون»، حين حصلت الإذاعة فيها على استقلالية، وانفصلت إذاعة جدة عن البرنامج العام، وتحولت إلى شبابية ثقافية.
وأضاف: «أما الثاني، فهو انعقاد مؤتمر الأدباء السعوديين الرابع في المدينة المنورة عاصمة للثقافة الإسلامية. وقد تميز هذا المؤتمر عن سابقيه (الثاني والثالث)، بمشاركات الشباب، ومشاركة البلاد العربية ببحوث عن الأدباء والأدب في السعودية، وما كتبه الأدباء العرب عن البلاد».
أما الثالث، برأي الدكتور القحطاني، فهو انعقاد ملتقى نادي مكة المكرمة، في دورة استثنائية عن الأدب والثقافة والحدود بينهما. وكان ملتقى مثمرا ومفيدا، من حيث التفاعل والحضور وجدية الأبحاث والنتائج والحوارات المثمرة وتكريم أصحاب الجهود الثقافية، من أبناء مكة، مما جعل هذا حافزا لتكريم أبناء المناطق الأخرى في دورات أنديتهم.

* الشباب والثقافة
الدكتور عبد الله السفياني، مدير الموسوعة العالمية للأدب العربي، يقول: «في نظري إن أبرز ما يميز العامين الأخيرين، وعام 2013 تحديدا، هو بروز الحراك الشبابي في مجال اللقاءات والإصدارات من كتب ودواوين شعرية، بالإضافة إلى نشاطهم في شبكات التواصل الاجتماعي، مع ملاحظة تنافس دور النشر على الأسماء المتميزة في هذه الشبكات، وطبع إنتاجها الورقي وتسويقه».
ويرى القاص محمد الشقحاء، أن إصدارات كرسي الأدب السعودي يعد من أهم الأحداث الثقافية في السعودية خلال العام الماضي. وهذا الكرسي صادر عن جامعة الملك سعود، وقد قدم رسائل ودراسات علمية حول أدباء سعوديين ومنتجهم الأدبي وسيرهم الذاتية، فتناول غازي القصيبي وحامد دمنهوري وغيرهم من الأدباء والمبدعين.
في حين ذكر يوسف العارف، عضو نادي جدة الأدبي، أن تعيين الأمير خالد الفيصل وزيرا للتربية والتعليم، يعد خاتمة مسك لسنه 2013، عادا أن الأمير خالد الفيصل يمثل نقلة نوعية في الثقافة السعودية. فهو من أطلق عددا من المبادرات الثقافية، مثل مؤسسة الفكر العربي، وسوق عكاظ، وغيرهما.
ورأت عفاف المحيسن، أن أهم الأحداث الثقافية كان «اختيار المدينة المنورة عاصمة للثقافة الإسلامية».

* تراجع
بعض المثقفين السعوديين لم يجدوا في عام 2013 حدثا تمكن الإشارة إليه كعام يمثل حالة استثنائية عن العام السابق له. وتقول الشاعرة زينب غاصب: «لا يوجد حدث ثقافي مهم خلال عام 2013. فهناك حاله تراجع بسبب التصويت في الأندية الأدبية، وانتخاب أشخاص ليس لهم أي صلة بالثقافة للعمل في الأندية، مما أدى إلى هذه الحالة من التراجع».
كذلك لا يرى الأديب والإعلامي الدكتور صالح المحمود، حدثا بعينه يمكن الإشارة إليه، وقال: «لم أجد شيئا بارزا، ربما نحن بحاجة ماسة إلى هز المشهد وخلخلته لنخلق النوعي». لكنه أضاف: «الجديد ثقافيا: معرض الرياض للكتاب، والمهرجان الوطني للثقافة والتراث (الجنادرية)، وإقامة ملتقيات الأندية، وغيرها». وبرأيه فإن هذه المناسبات «لم تستطع تقديم فعل ثقافي مختلف ونوعي طيلة السنوات الماضية».

* فشل على صعيد الأندية
وأشار القاص فهد المصبح، إلى أن من أهم الأحداث الثقافية التي جرت خلال عام 2013، كان فشل وزارة الثقافة والإعلام في حل مشكلات الأندية الأدبية، وخصوصا نادي الشرقية الأدبي، مؤكدا وجود إشكالية لم تحل وهي موقف الوزارة من الأندية الأدبية.
بينما يرى الأديب الدكتور أحمد قران الزهراني، أن معظم الفعاليات الثقافية فعاليات مكررة تحدث كل عام. وقال إننا نطالب بتجديد وتطوير الفعاليات التي تقدمها وزارة الثقافة والإعلام مثل إقامة مؤتمر للشعر العربي، والرواية العربية، أو الفنون التشكيلية، أو جائزة كبرى للمبدعين في المجالات الأدبية تكون مختلفة عن جوائز الأندية الأدبية.
في حين عد القاص طاهر الزارعي، استقالة مدير عام الأندية الأدبية حسين بافقيه، بعد ثلاثة أشهر من تعيينه، بالحدث الأبرز في الحالة الثقافية السعودية. وكانت الاستقالة أحدثت أصداء واسعة عند الأدباء والمثقفين.
بينما رأت الإعلامية منيرة المشخص، أن أهم حدث كان الاحتفاء باللغة العربية، وتكريم الدكتور محمد أحمد الرشيد من قبل وزارة الثقافة والإعلام.

* الفن السعودي
وقال الشاعر محمد خضر: «أعتقد أن عمل الفنان عبد الناصر غارم في مزاد دار كريستي بدبي، يعد منجزا رائعا لفنان من السعودية. وقد حقق عمل تركيبي بعنوان (قبة الكابيتول) للفنان السعودي عبد الناصر غارم، مبلغ 545 ألف دولار». كذلك أشار خضر إلى نجاح فيلم «وجدة» للمخرجة السعودية هيفاء المنصور، وإلى دخول أرامكو السعودية هذا العام، في رعاية الثقافة والإبداع، من خلال معرضها «إثراء المعرفة» الذي أضاف قدرا من «التواصل مع المجتمع».
ويقول خضر: «على الصعيد الشخصي أصدرت مجموعتي الشعرية (منذ أول تفاحة) في بداية العام، وقرأت ما يقارب 48 كتابا جديدا في فروع مختلفة في الفن والأدب والفكر والثقافة العامة.

* دليل لأدب الطفل
أما الأديبة والكاتبة هيلة البغدادي، عضو نادي تبوك الأدبي، فتقول: «من الأحداث الثقافية على مستوى العربي، انعقاد (المنتدى العربي السنوي للتطوير التربوي 2013) الذي عقدته مؤسسة الفكر العربي من خلال مشروع (عربي 21)، حيث شارك فيه عدد من الوزارات والمؤسسات الثقافية والتربوية».
كما أن المؤسسة أطلقت أيضا أول دليل عربي لـ1021 كتابا مصنفا لأدب الطفل العربي، وذلك بدعم مشترك بين مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية وشركة أرامكو السعودية، بهدف بناء المكتبات الصفية المصنفة في المدارس، تماشيا مع التوجه العالمي لتشجيع الأطفال على تعلم القراءة، والرغبة في المطالعة باللغة العربية.

* البوكر للكويت والبابطين يحمل حوار الحضارات إلى أوروبا
* يرى الناقد والروائي السوري عدنان فرزات، الذي يعمل في الكويت، أن فوز الروائي الكويتي سعود السنعوسي بجائزة البوكر العربية عن روايته «ساق البامبو»، يعد أبرز حدث ثقافي على المستوى الكويتي.
ويقول إن من الأحداث الثقافية المهمة في الكويت أيضا، كان مشاركة الفرق المسرحية الكويتية في المهرجان المحلي بنصوص كلها لمؤلفين كويتيين. وهذا يعني أن هناك شريحة جديدة من المؤلفين بدأت تطرح أفكارها من بعد ركود نسبي. كذلك قيام مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، بعقد مؤتمر عالمي حول حوار الحضارات، في مقر اتحاد البرلمان الأوروبي، وبرعاية رئاسة هذا البرلمان، وهو بعنوان: «الحوار العربي الأوروبي في القرن الحادي والعشرين: نحو رؤية مشتركة». المميز في هذا المؤتمر، هو تشكيل هيئة دولية لمتابعة القضايا الإنسانية والسلمية على صعيد العالم، من خلال تواصل هذه الهيئة مع زعامات الدول والمنظمات الحقوقية.
ويضيف: «إن ما نأمل في أن يتحقق خلال السنة الجديدة، هو الشروع في إنشاء مجمع ثقافي متكامل يضم كل الفعاليات الأدبية والمسرحية والتشكيلية وغيرها، وانضمام كل المؤسسات والاتحادات والروابط والجمعيات المعنية تحت هذا السقف، لأن الشتات المكاني يضعف قوة الفعل الثقافي وخصوصا على صعيد الجمهور».
وفي دولة الإمارات، تشير الأديبة والكاتبة الإماراتية نورة النومان في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن جائزة القصة والرواية التي انطلقت أخيرا في دبي بدولة الإمارات، تعد من أهم الأحداث الثقافية في عام 2013 في بلادها. وتقول إن أهمية هذا الحدث الثقافي، تكمن في كونه يهتم بالإبداعات والروايات التي لم يحالفها الحظ في النشر بعد، مبينة أن هذه الجائزة بمثابة تحفيز وتشجيع للمبدعين الجدد الذين لم يتمكنوا من نشر مؤلفاتهم لسبب أو لآخر، لترى إبداعاتهم ومؤلفاتهم النور.
وثمة حدث ثقافي آخر شغل الأوساط الإماراتية في عام 2013، وفق النومان، وهو معرض الشارقة للكتاب الدولي وفعالياته، بعده حدثا مميزا وناجحا، مشيرة إلى أن «المعرض أتاح لرواده فرصة الاطلاع على تجارب جديدة وكتاب جدد، بجانب الكتاب المعروفين».



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».