تقرير: دول الخليج نجحت في تجاوز آثار انخفاض أسعار النفط

المنتدى الاستراتيجي العربي ينطلق اليوم وتوقعات اقتصادية إيجابية للمنطقة لنصف العقد المقبل

قطاعات السياحة والعقارات والنقل والموانئ والخدمات المالية تقدّم مساهماتٍ نقديةً وتوظيفيةً مهمّةً في اقتصادات دول مجلس التعاون كافة (الشرق الأوسط)
قطاعات السياحة والعقارات والنقل والموانئ والخدمات المالية تقدّم مساهماتٍ نقديةً وتوظيفيةً مهمّةً في اقتصادات دول مجلس التعاون كافة (الشرق الأوسط)
TT

تقرير: دول الخليج نجحت في تجاوز آثار انخفاض أسعار النفط

قطاعات السياحة والعقارات والنقل والموانئ والخدمات المالية تقدّم مساهماتٍ نقديةً وتوظيفيةً مهمّةً في اقتصادات دول مجلس التعاون كافة (الشرق الأوسط)
قطاعات السياحة والعقارات والنقل والموانئ والخدمات المالية تقدّم مساهماتٍ نقديةً وتوظيفيةً مهمّةً في اقتصادات دول مجلس التعاون كافة (الشرق الأوسط)

قال تقرير حديث صدر أمس إن الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية نجحت في أن تتجاوز إلى حدّ بعيد، آثار انخفاض أسعار النفط في عام 2014، مشيراً إلى أن التوقعات الاقتصادية للمنطقة إيجابية نسبياً لنصف العقد المقبل، ما يفسح المجال أمام متابعة الإصلاحات الهيكلية والمالية في اقتصادات دول مجلس التعاون.
وقال التقرير الذي حمل عنوان «الآفاق الاقتصادية الاجتماعية لدول الخليج العربية... مؤشرات وتوقعات»، وصدر عن المنتدى الاستراتيجي العربي بالتعاون مع مركز الإمارات للسياسات، أن ارتفاع أسعار النفط وفّر آفاقاً أفضل لتحقيق التوازن في موازنات دول الخليج، إضافة إلى توقع المؤسسات المالية الدولية، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أن يكون النمو الاقتصادي متواضعاً، ولكنه سيكون ملحوظاً في الأعوام الخمسة المقبلة.
ويأتي إصدار التقرير على هامش انطلاق المنتدى الاستراتيجي العربي الذي تنعقد دورته الحادية عشرة اليوم في مدينة دبي الإماراتية، بمشاركة واسعة من خبراء ومسؤولين.
وقال التقرير الذي أعده الدكتور مارتن هفدت، الأستاذ المشارك في مركز دراسات الشرق الأوسط المعاصرة بجامعة جنوب الدنمارك، إن حكومات دول مجلس التعاون وهي السعودية والإمارات والبحرين والكويت وعمان وقطر تهدف إلى تحويل اقتصاداتها إلى نموذج نمو جديد يرسخ التنويع الاقتصادي وتطوير القطاع الخاص.
ودعا التقرير حكومات دول مجلس التعاون إلى تهيئة مساحة اقتصادية أكبر للقطاع الخاص إذا ما أرادت توسيع رقعة أعماله وتعزيزه، بما يمكّن الشركات الخاصة من تسريع استحداث الوظائف، كأن يكون ذلك على سبيل المثال من خلال خصخصة المؤسسات العامة، مشيراً إلى أنه يجب إجراء إصلاحات في سوق العمل، أولاً لتشجيع قطاع أكبر من المواطنين على الانضمام إلى القوى العاملة، وثانياً لجعل وظائف القطاع الخاص أكثر جاذبية للمواطنين.
وأوصى التقرير بضرورة تنفيذ إصلاحات تهدف إلى زيادة إنتاجية القطاع الخاص، من أجل نقل الإنتاج نحو سلسلة القيمة، وبما يتجاوز العمليات الإنتاجية والمنتجات البسيطة، موضحاً أنه من شأن ذلك توفير وظائف ذات محتوى معرفي أكبر، وبالتالي ذات رواتب أعلى تجذب المواطنين.
كما دعا التقرير إلى إجراء إصلاحات مالية لضمان أداء أكثر استدامة لاقتصادات دول مجلس التعاون، وكذلك إلى إجراء إصلاحات مؤسسية لتعزيز قدرة القطاع العام على التخطيط، ومن ثمّ تيسير تنفيذ خططه.
واعتبر أن التوقعات الراهنة لدول مجلس التعاون إيجابية، بعدما ارتفعت أسعار النفط في السنوات القليلة الماضية، موضحاً أن هذه الدول تعافت من التأثيرات الأكثر إلحاحاً لانخفاض أسعار النفط في عام 2014 عبر توليفة من التدابير شملت تقليص الموازنات الحكومية، والسحوبات من الأصول، وإصدارات سندات دين في الأسواق العالمية. وأشار إلى تطبيق إصلاحاتٍ مالية شملت إلغاء الدعم المقدّم على الوقود والكهرباء والماء؛ كما طبّق بلدان عضوان في مجلس التعاون، هما السعودية والإمارات، ضريبة القيمة المضافة، ومن المقرر أن تحذو بقية بلدان المجلس حذوهما، علماً بأن ضريبة القيمة المضافة مسألة مهمة من أجل استحداث قنوات بديلة للإيرادات الحكومية.
وأوضح التقرير أنه رغم إنجاز كثير من خطط التنويع الاقتصادي على مرّ السنوات الماضية، فإن للقضايا الهيكلية المتعلقة بالاقتصادات المعتمدة على النفط دوراً مؤثراً في هذا الشأن، ولعلّ أولها وأهمها الدور المهيمن للقطاع العام في هذه الاقتصادات، وثانيها تجزئة أو تقسيم سوق العمل، ومثل هذه القضايا الهيكلية تعد تحدياً محورياً في طريق تحقيق مزيد من تنويع القاعدة الاقتصادية ونمو القطاع الخاص.
وتابع: «يعدّ دمج الأجيال المتلاحقة من المواطنين المتعلمين تعليماً جيداً في الاقتصاد هدفاً معلناً لجميع بلدان مجلس التعاون، واستحداث ما يقرب من 500 ألف وظيفة سنوياً خلال العقد ونصف العقد المقبلين؛ وتحسين الاقتصادات من خلال الاستفادة من القوى العاملة الوطنية بشكل أفضل وبطريقة اقتصادية مستدامة. ومن أجل جعل القطاع الخاص أكثر جاذبية للمواطنين، لا بد من زيادة إنتاجيته بحيث تنتقل وظائفه من مرحلة الوظائف متدنية المهارات ومنخفضة الأجور إلى مرحلة الوظائف العالية المعرفة ومرتفعة الأجور. وبطبيعة الحال، يفترض مما سبق أن جيل الشاب في بلدان مجلس التعاون يمتلكون المؤهلات والحوافز لشغل مثل هذه الوظائف».
وأشار التقرير إلى أن الخطط والرؤى التنموية التي نشرتها دول مجلس التعاون - «رؤية الإمارات 2021» و«رؤية أبوظبي 2030» و«رؤية السعودية 2030» و«رؤية البحرين الاقتصادية 2030» و«رؤية الكويت 2035» و«رؤية عمان 2040» و«رؤية قطر الوطنية 2030» - تقوم على رؤية كبرى تتمثّل في تحويل الاقتصادات من حقبة الاعتماد على النفط إلى حقبة اقتصادات متقدمة قائمة على التقنية الفائقة في مرحلة ما بعد النفط، بالارتكاز إلى أسس متينة وذات استدامة اقتصادية. وأوضح أن الفهم الرئيس وراء الرؤى والإصلاحات التي أُعلن عنها يشير إلى أن نموذج «التخصيص» المتبع في حقبة الإيرادات النفطية الوفيرة لم يعد صالحاً للحقبة الجديدة، لأن تلك الإيرادات تواجه تحدياتٍ هائلة في الأجل الطويل، ناتجة عن قضايا تتعلق بفائض الإنتاج عالمياً، كزيادة إنتاج النفط من الصخر الصخري في الولايات المتحدة، إلى جانب المخاوف المتعلقة بالانبعاثات الكربونية الناجمة عن الوقود الأحفوري، والتحديات التي تفرضها التحولات التقنية والتراجع المستمر في تكلفة إنتاج الطاقة من مصادر الطاقة الخضراء، بالإضافة إلى أنه لم يتجسّد فعلياً التنوع الاقتصادي الذي يتحقّق تقليدياً عبر ضخ الاستثمارات في الصناعات التحويلية ونموها، ويعود ذلك إلى حقيقة أن السياسات الاقتصادية وحجم هذه الأسواق المحلية غير كافيين لتشجيع توسّع قطاع الصناعات التحويلية.
ومن وجهة نظر اقتصادية، وفقاً للتقرير، فإنه «بعد تجاوز أزمة انخفاض أسعار النفط في عام 2014، آن أوان تسريع تنفيذ أجندة الإصلاحات الهيكلية، والانتقال نحو نموذج النمو الجديد الذي يشجّع على تنويع الاقتصاد وتنمية القطاع الخاص. ويشمل ذلك إجراء إصلاحات عميقة لسوق العمل، ونظام التعليم، من أجل تعزيز الإنتاجية واستحداث الفرص للسكان بشكل عام. ومن الصحيح أن خطوات مهمة اتّخذت في هذا الصدد على مدى العقود الماضية، غير أنه لا بد من اتخاذ مزيد منها».
وشهدت اقتصادات الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية نمواً سريعاً في الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2014، وبلغ معدّل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي على أساس سنوي 4.9 في المائة، إلا أن انخفاض أسعار النفط في عام 2014 عرقل النمو، وتسبب في عجز كبير في ميزانيات دول مجلس التعاون، ومن ثمّ تراكم الديون عليها، وفقاً للتقرير.
وفي حين أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد في دول مجلس التعاون يماثل نظيره في اقتصادات متقدّمة مثل الولايات المتحدة وألمانيا، وبلدان أوروبية أصغر حجماً مثل الدنمارك (5.3 مليون نسمة)، نجد أن الأرقام تحجب بنية اقتصادات البلدان المعنية، ولا سيما حقيقة أنّ الناتج المحلي الإجمالي في المجموعة الأخيرة من البلدان يردّ في العادة إلى أنشطة إنتاجية، فيما يعود الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون، وإلى حدّ بعيد، إلى تصدير المواد الخام، بحسب التقرير.
وأكد أن الإصلاحات الاقتصادية قائمة، وعلى وجه العموم، وأن البنية المؤسسية في دول الخليج مسايِرة للدورات الاقتصادية، ويقصد بذلك أنّ إنفاق الحكومة وإقراض البنوك وما إلى ذلك يزداد حين تصعد أسعار النفط، ويتقلص بانخفاضها، مشيراً إلى أن السياسات المالية المعاكِسة للدورات الاقتصادية تبدو أكثر منطقية في مواجهة التقلّبات الجسيمة التي تمرّ بها الاقتصادات الخليجية بفعل تأثّرها بتذبذب أسعار النفط، فمثل هذه السياسات المالية تسهم في تسوية مثل هذه التقلّبات على مرّ السنين، وفي حين أنّ دول مجلس التعاون قامت، على أساس مخصّص، بتحويل فوائض سنوية كبيرة إلى احتياطيات مختلفة، شملت صناديق الثروة السيادية التي تمنحها نفوذاً اقتصاديا، وحتى يونيو (حزيران) 2018، كانت صناديق الثروة السيادية المملوكة لدول مجلس التعاون تدير نحو 2.7 تريليون دولار.
وأشار التقرير إلى أن كل دولة من دول المجلس تطبّق تصنيفاتها وتدابيرها الإجمالية الخاصّة بها، إلا أنه ذكر أن قطاعات السياحة والعقارات والنقل والموانئ والخدمات المالية تقدّم مساهماتٍ نقدية وتوظيفية مهمّة في اقتصادات دول مجلس التعاون كافة.
وتبرز السياحة كأحد الأمثلة اللافتة في هذا السياق، وعلى سبيل المثال استقبلت دول مجلس التعاون نحو 53 مليون سائح في عام 2015. بما في ذلك الأعداد الكبيرة من الحجّاج والمعتمرين الذين يقصدون السعودية، إلى جانب المواطنين السعوديين الذين يتدفّقون إلى البحرين في عطلة نهاية الأسبوع، والسيّاح من دول مجلس التعاون ومن حول العالم الذين يزورون الإمارات.
وناقش التقرير أبرز التحديات الماثلة أمام اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي؛ خصوصاً القضايا الهيكلية، أي إعادة هيكلة الاقتصادات حتى تتمكن من مواجهة تحديات المستقبل، ومن بين تلك القضايا كيفية استيعاب الاقتصادات الخليجية الأعداد المتزايدة والمتعاقبة من الشبّان المتعلمين والشابات المتعلمات بشكل أفضل في القوى العاملة خلال السنوات القادمة.
ووفقاً للتقرير، يترتّب على الزيادة السريعة في تعداد السكان ازدياد الطلب على المدارس، والتعليم الثانوي، والجامعات، والإسكان، والمرافق العامة، والبنية التحتية الشاملة، وفي نهاية المطاف الخدمات الصحية والمعاشات. وفوق كلّ ذلك، يفرض تعداد السكان المتزايد بسرعة ضغوطاً على المجتمعات لاستحداث وظائف جديدة كافية لاستيعاب الكثيرين الذين يصلون إلى سنّ العمل.



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.