اتهامات داخلية لنتنياهو بركوب موجة حرب الأنفاق للتستر على فضائح الفساد

انتقاد الحكومة لتسريبها أسراراً عسكرية بالتزامن مع مطالبة تل أبيب الجيش اللبناني بتدمير أنفاق «حزب الله»

دورية لليونيفيل قرب الحدود اللبنانية - الإسرائيلية (يونيفيل)
دورية لليونيفيل قرب الحدود اللبنانية - الإسرائيلية (يونيفيل)
TT

اتهامات داخلية لنتنياهو بركوب موجة حرب الأنفاق للتستر على فضائح الفساد

دورية لليونيفيل قرب الحدود اللبنانية - الإسرائيلية (يونيفيل)
دورية لليونيفيل قرب الحدود اللبنانية - الإسرائيلية (يونيفيل)

في وقت يتجاهل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الانتقادات والتحذيرات والاتهامات بأنه يركب موجة حرب أنفاق «حزب الله» لغرض التستر على لوائح اتهامات الفساد ضده، خرج عدد من الجنرالات السابقين والخبراء العسكريين في هجوم شديد اللهجة عليه بلغ حد اتهامه بـ«تسريب أسرار عسكرية والمساس بأمن إسرائيل». وعلى صعيد العمل الميداني، واصلت قوات سلاح الهندسة الإسرائيلية عملية «درب الشمال» للبحث عن أنفاق وتدميرها، وطالب الجيش الإسرائيلي الجيش اللبناني بالمبادرة بالتعاون مع قوات «يونيفيل»، بتدمير الأنفاق وبذلك ينزع فتيل الحرب ويوفر على لبنان عناءها.
وجاء المطلب الإسرائيلي، وفقا لتسريبات قدمتها مصادر أمنية في تل أبيب أمس الجمعة، خلال اللقاء الذي عقد في رأس الناقورة بين ممثلين من الجيشين اللبناني والإسرائيلي في مقر قوات المراقبة الدولية (اليونيفيل) أول من أمس.
وعاد قائد الجبهة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، يوئيل ستريك، على تكرارها خلال لقائه مع قائد قوات «يونيفيل» الجنرال الإيطالي ستيفانو دل كول، خلال جولة على الحدود حيث يعتقد الجيش الإسرائيلي أنه توجد فيها ثلاثة أنفاق هجومية على الأقل حفرها حزب الله، وأطلعه على النفق الذي تم اكتشافه في كفار كيلا.
وسلم ستريك قائد قوات يونيفيل خريطة لقرية رامية اللبنانية وفيها إشارات إلى بيوت يعتقد الجيش الإسرائيلي أنها حُفرت منها أنفاق هجومية تمتد إلى الجانب الإسرائيلي من الحدود، وطالبه بأن «يتيقن يونيفيل من تحييد الأنفاق» في الجانب اللبناني من الحدود، مهددا بأن «من يدخل إلى الحيز الموجود تحت الأرض سيشكل خطرا على حياته». وتابع أن مسؤولية حفر الأنفاق تقع على حكومة لبنان.
وقال ستريك إن هناك عشرات الأنفاق القائمة داخل الأراضي اللبنانية، وقد يتجه الجيش الإسرائيلي إلى تدميرها حتى لا تستخدم ضده. وأكد أنه يعتبرها «أنفاقا هجومية وعدوانية تنطوي على خرق السيادة الإسرائيلية من جانب حزب الله، للمس بمواطنين إسرائيليين، وهذا إثبات آخر على انتهاكات خطيرة من جانب حزب الله الذي يتجاهل بشكل فظ قرارات الأمم المتحدة وفي مقدمتها القرار 1701». وهنا طرح مطلبه من «يونيفيل» أن يسعى هو والجيش اللبناني إلى هدم الأنفاق في الجانب اللبناني «حتى لا يقدم الجيش الإسرائيلي على القيام بهذه المهمة».
من جهته، واصل نتنياهو تصريحاته حول الأنفاق و«حزب الله»، بطريقة تستفز قيادة جيشه ومخابراته. وقال ليل أول من أمس، إن ترسانة الصواريخ الدقيقة التي بحوزة حزب الله تشمل بضع عشرات من الصواريخ، وأن هذا العدد القليل سببه عمليات عسكرية نفذتها إسرائيل. وبحسب نتنياهو، الذي كان يتحدث في مراسم سنوية جرت في ديوان الرئيس الإسرائيلي، لمنح أوسمة لعناصر جهاز الموساد، فإنه «بموجب خطة حزب الله، كان ينبغي أن يكون مسلحا بآلاف الصواريخ الدقيقة. لكن حاليا لديهم عشرات معدودة من هذه الصواريخ. والسبب أن لدى إسرائيل قوى قادرة على العمل، بعضهم جالس في هذه الغرفة. وهذا دمج قوات الموساد والجيش الإسرائيلي وكل منظومتنا الأمنية». وكما اعتاد قادة الجيش الإسرائيلي، المحظور عليهم توجيه انتقاد للقيادة السياسية، فقد تركوا جنرالات سابقين يتحدثون باسمهم. فخرج رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش سابقا، عاموس يدلين، الذي يرأس معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، ليهاجم نتنياهو، ويقول إن تصريحاته حول وجود عدة عشرات فقط من الصواريخ الدقيقة لدى حزب الله، هو خطأ كبير. وقال يدلين لإذاعة «103 إف إم» الإسرائيلية أمس الجمعة: «سمعنا أمس رئيس الحكومة ووزير الأمن يتحدث عن أرقام دقيقة نسبيا حول الصواريخ. وهذا خطأ كبير، لأنه يساعد جدا حزب الله أن يدرك من أين نعرف ما نعرفه. وإذا كان لدينا تفوق معين على حزب الله اليوم، ولم يكن موجودا في العام 2006. فهو مصادر استخبارية جيدة جدا. ويحظر مساعدة حزب الله على كشفها». وشدد يدلين على أن «نتنياهو ألحق ضررا باستخباراتنا. وهذا ضرر يحظر أن يحدث. ويتعين على رئيس الحكومة أن يتحدث عن هذه الأمور في هيئات مغلقة، وليس بإعلان للجمهور ولا ينطوي على أي فائدة».
وقد انضم إلى يدلين عدد آخر من القادة تكلموا بنفس الروح وراحوا يقارنون بينه وبين قادة ورؤساء حكومات آخرين كانوا يعملون ولا يتكلمون.
وقال يدلين، في السياق، إن أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، «مرتدع جدا» لأن حزب الله يمتنع عن إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل منذ انتهاء حرب لبنان الثانية، في العام 2006. لكن يدلين أشار إلى أنه «يوجد خط ما سيلزمه بالرد. وأعتقد أن هجمات في منطقة بيروت ستكون خطا أحمر. ونحن لا نعرف ماذا يدور في رأس نصر الله، وبإمكاننا أن نقدر ذلك وحسب. وعندما كنت رئيسا لشعبة الاستخبارات كنت حذرا ومتواضعا جدا في تقديراتي حول ما سيقرر أشخاص في المستقبل».
وتطرق يدلين إلى عملية «درع شمالي» التي ينفذها الجيش الإسرائيلي حاليا عند الحدود مع لبنان، وقال إنه «إذا أغلقنا النفق كله، بضخ الإسمنت من جانبنا ولم يُقتل أحد، فإنه لم يحدث شيء. لكن إذا دخلنا بدبابات إلى نقطة معينة في جانبهم وجرى تبادل إطلاق نار، فإن هذه قصة أخرى، ولذلك فإن الخطوط هنا ناعمة للغاية وليست مطلقة بالتأكيد. وهذه أمور ستلحق ضررا بإمكانية أن نكون أقوى وننتصر في الحرب القادمة».
وأضاف أن الردع متبادل بين إسرائيل وحزب الله وتوازن الرعب يمكن أن يستمر طالما لا يخرقه أحد الجانبين. وقال يدلين عن ذلك إن «هذا تقييم دقيق للغاية. ويوجد هنا ردع متبادل وأعتقد أنه لا ينبغي أن نأسف لأننا لا نشن حربا. فالحرب هي الخيار الأخير. وحزب الله ليس تهديدا وجوديا على إسرائيل، وإنما تهديد استراتيجي، ليس واضحا لمصلحة من يلعب الوقت. فقوتنا تتعاظم أيضا، وقدرتنا الاستخبارية أصبحت أفضل، والمضادات الصاروخية هي منظومة مهنية وحيدة في العالم، ولدينا سلاح جو ممتاز وإذا كُتبت علينا الحرب فإننا مستعدون لها. وأن نبادر الآن إلى حرب مع حزب الله ليست في مصلحة دولة إسرائيل». واعتبر يدلين أن عملية «درع شمالي» هي عملية مهمة «لكن لا ينبغي تضخيمها أكثر مما هي فعلا. والأنفاق ليست كرت الأص بالنسبة لحزب الله، والأص (في أوراق اللعب) بالنسبة له هو قوة نيرانه. وحتى أن الأنفاق ليست كرت الملك أو الملكة، ربما الأمير. وجيد جدا أننا وجدنا الأنفاق وعملنا ضدها. لكن عندما نعمل يحدث ضرر معين لأن العدو يدرك أنه مخترق. والآن يجب أن نبذل كل الجهود كي لا يعرف من أين هو مخترق».



«التربة»... مدينة تنام تحت الرعب بعد الاقتحام الحوثي

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
TT

«التربة»... مدينة تنام تحت الرعب بعد الاقتحام الحوثي

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)

منذ ليلتين تنام مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب غربي محافظة تعز، قبل مغيب الشمس، ويسود أحياءها صمتٌ مطبق حتى الفجر، ما حدا بأحد سكانها إلى تخيلها كمقبرة لا تتحرك فيها سوى عناصر الجماعة الحوثية الذين شبَّههم بأشباح توزع الخوف وتعيشه بالقدر ذاته، بينما تعود الحركة خلال ساعات النهار بشكل محدود.

لم يكن الخوف وليد لحظة اقتحام الحوثيين للمدينة، إلا أنه تضاعف حال وصولهم إليها، وحسب مصادر محلية في مديرية الشمايتين؛ فإن عناصر الجماعة أصرت على تثبيته في قلوب السكان عندما قتلت مدنياً بشكل أشبه بالإعدام الميداني، ساعة اقتحامها مركز المديرية (مدينة التربة) بعد إعلانه رفض وجودهم فيها.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القتيل خرج من محله التجاري ليقف أمام العربات العسكرية الحوثية التي تتقدم إلى المدينة مطالباً بمغادرتها، فوجَّه عناصر الجماعة أسلحتهم نحوه وطلبوا منه إعلان الولاء بأداء الصرخة الخمينية، إلا أنه رد عليهم بالضحك، فأطلقوا عليه النار وأردوه في الحال.

وتسببت سيطرة الجماعة الحوثية على المدينة بدفع السكان إلى العودة إلى منازلهم، في حين أُغلقت المحال التجارية وخفَّت حركة التسوق، بينما سارع المتسوقون القادمون من مختلف مناطق المديرية والمديريات المجاورة إلى المغادرة، قبل أن يتمكنوا من شراء احتياجاتهم.

قافلة غذائية وجَّهها سكان مدينة التربة إلى جبهات غرب تعز قبل استيلاء الحوثيين عليها (فيسبوك)

وقبل أن تصل المعارك إلى أبواب المدينة، كانت أصوات القصف والصواريخ قد أصبحت جزءاً من يوميات الأهالي، وأدى التصعيد إلى نزوح عائلات من مناطق قريبة من خطوط المواجهة، فيما اتجه آخرون إلى مناطق أكثر أمناً داخل تعز أو نحو محافظة لحج.

محاولات لتطبيع النفوذ

قضى غالبية السكان ليلتهم الأولى في ظلام دامس، إذ أطفأوا أضواء المنازل وقضوا أوقاتهم في ترقب أي تطورات للأحداث، بينما كانت أصوات الاشتباكات تأتي من محيط المدينة، حيث استمرت الاشتباكات بين الجماعة وقوات من الجيش الحكومي إلى ساعات متأخرة من الليل.

تكشف إحدى ربات المنازل لـ«الشرق الأوسط» عن أن اضطرار السكان لإطفاء أضواء المنازل كان تخوفاً من إقدام عناصر الجماعة على اقتحامها أو تفتيشها أو اشتباههم بمن يضيء الأنوار، إلى جانب القلق من اقتحامها للمبيت أو طلب أي مساعدة.

مقاتل في الجيش اليمني يقف على مرتفع صخري بإحدى الجبهات الجبلية في تعز (فيسبوك)

كما لجأ عناصر الجماعة الحوثية إلى استخدام مكبرات الصوت ظهيرة الاثنين، لدعوة التجار والباعة إلى فتح متاجرهم ومحالهم، إلا أن تلك الدعوات لم تلقَ استجابة في البداية.

وحسب شهادات سكان في المدينة لـ«الشرق الأوسط» فإن المطالبة تحولت بعد نحو ساعة إلى تهديد بكسر أبواب المحال التجارية بالقوة، وهو ما دفع عدداً من الباعة إلى العودة لممارسة أنشطتهم خوفاً على سلعهم من النهب أو من أي عقوبات تطولهم جراء استمرار تعطيل التسوق، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لعودة الحركة في المدينة إلى وضعها الطبيعي.

وطلب عناصر الجماعة من السكان مساعدتهم في الحصول على المواد الغذائية، خصوصاً مع إغلاق المطاعم والمحال التجارية، واضطروا إلى تناول الأغذية المعلبة التي حصلوا عليها من المحال التجارية التي فتحت أبوابها تحت التهديد، بينما توسل عدد منهم إلى السكان لشراء أغذية مطبوخة من منازلهم.

يذكر أحد السكان، وهو ينتمي إلى مديرية المقاطرة المجاورة، والتابعة لمحافظة لحج، أن عدداً من أقاربهم حزموا بعض أمتعتهم الخفيفة ومقتنياتهم الثمينة وغادروا إلى قراهم التي قدِموا منها للسكن في التربة، أو لجأوا إلى أقارب لهم في مناطق أخرى.

مشهد من المعارك التي شهدتها مديرية الشمايتين خلال الأيام الماضية (الشرق الأوسط)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الخوف من ممارسات الحوثيين كان هو الدافع الأبرز للنزوح المستمر منذ بدء سيطرة الجماعة على المدينة، إلى جانب مخاوف العديد من الأسر الفقيرة على مدخراتها ومقتنياتها من النهب، وهو ما ظهر من خلال ازدياد حركة شاحنات النقل المحملة بالأثاث والممتلكات على عديد من الطرق.

توجس من السكان

تكشف مثل هذه الشهادات جانباً لا يظهر في البيانات العسكرية، فالمعركة التي توصف في نشرات الأخبار بأنها تقدم أو تراجع على محور قتالي، تعني بالنسبة إلى العائلات قراراً عاجلاً بشأن مغادرة المنزل، وإلى أين تذهب، وما الذي يمكن حمله معها، وما إذا كان الطريق الذي تسلكه سيظل مفتوحاً.

يروي ناشط اجتماعي في المدينة مشاهدته لتصرفات أظهرت توجس عناصر الجماعة من السكان، ومخاوفهم من ردة فعل شعبية على وصول النفوذ الحوثي إلى مساكنهم، وظهر ذلك من خلال تجنبهم الدخول إلى الأزقة الضيقة ونصب نقاط تفتيش في كل الشوارع المحيطة العامة وعلى أطرافها ومداخلها، وعقد اجتماعات مع أئمة المساجد.

محافظة تعز تستعد لحصار حوثي يفاقم سوء الأوضاع الإنسانية بعد استيلاء الجماعة على مدينة التربة (أ.ف.ب)

ويؤكد الناشط، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على إظهار هويته، أن الجماعة لم تطلب، حتى الآن، ترديد الصرخة الخمينية في المساجد، إلا أن عناصرها حذروا الأئمة من أي دعوات لمقاومتهم تنطلق منها، وطالبوا بالإبلاغ عن أي تجمعات فيها مهما كان الهدف منها.

واستخدم المقاتلون الحوثيون المساجد للاستراحة والمبيت والاغتسال وغسل ملابسهم في مرافقها، بعد أن جلبوا إليها مواد التنظيف وأواني بلاستيكية.

وتبسط الجماعة الحوثية نفوذها على مدينة التربة ومنطقة الصافية القريبة منها، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر أمنية، وبذلك يكون الطريق الرئيسي الرابط بين تعز وعدن خارج إدارة الحكومة اليمنية، مما سيؤدى إلى تطويق الحوثيين لمدينة تعز من جهات عدة.

بالنسبة إلى سكان المنطقة، لا يمثل الطريق مجرد خط على خريطة عسكرية، بل هو المسار الذي تمر عبره المواد الغذائية، والمرضى، والمسافرون، والعمال، وتتحرك من خلاله البضائع بين تعز وعدن. ومع إغلاق الطرق الرئيسية في المحافظة، تصبح المسارات البديلة أطول وأكثر تكلفة وأشد خطورة، في وقت تعاني فيه غالبية العائلات من تراجع قدرتها على تحمل تبعات الحرب.


صنعاء تترقب «فجر اليمن» بعد 12 عاماً من الانقلاب الحوثي

يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
TT

صنعاء تترقب «فجر اليمن» بعد 12 عاماً من الانقلاب الحوثي

يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)

يترقب سكان العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ما ستؤول إليه العملية العسكرية التي أطلقتها الحكومة اليمنية تحت اسم «فجر اليمن»، وسط آمال بأن تفتح الطريق أمام إنهاء سنوات الانقلاب والحرب، واستعادة مؤسسات الدولة، وعودة الحياة العامة إلى مسار أرسخ استقراراً.

وبعد نحو 12 عاماً منذ سيطرة الجماعة الحوثية المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية، يقول سكان إن الحديث عن العملية أعاد إلى كثير منهم مشاعر الأمل التي غابت طويلاً، وإن ما ينتظرونه «لا يقتصر على تحول عسكري، وإنما يتصل بعودة الدولة والقانون والحريات وتحسن الخدمات»، وإنهاء ما يصفونها بـ«سنوات من الخوف والجبايات والتضييق الأمني».

ويقول سكان تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» إن العاصمة «تبدو مثقلة بإرث طويل من الحرب والانقسام وتدهور الأوضاع المعيشية»، وإن كثيراً من المواطنين باتوا «ينظرون إلى أي تغيير محتمل بوصفه فرصة للخروج من واقع فرضته الجماعة على المدينة منذ سيطرتها عليها».

قوات من «ألوية العمالقة» تبدأ عملية «فجر اليمن» نحو الساحل الغربي (أ.ف.ب)

ويؤكد «عبد الله»، وهو موظف حكومي من صنعاء، أن الحديث عن عملية «فجر اليمن» أعاد إلى كثير من المواطنين شيئاً من الأمل، موضحاً أن ما يريده السكان هو «دولة تحميهم وتوفر لهم الأمن والخدمات، وليس مزيداً من القمع ومصادرة الحريات».

ويضيف أن الخوف من تبعات المواقف السياسية دفع كثيراً من المواطنين إلى تجنب النقاش في الشأن العام، حتى داخل منازلهم. ويقول: «هناك أشياء كثيرة يتحدث عنها الناس همساً فقط. المواطن يريد أن يتكلم بحرية، لكنه يخاف من أن يدفع ثمن كلامه».

بحث عن عودة الدولة

في السياق نفسه، تقول ناشطة من ضواحي صنعاء، إن السنوات الماضية «أكلت أعمار اليمنيين»، مشيرة إلى أن الأسر أصبحت منشغلة بتأمين الغذاء والدواء والإيجار، في ظل استمرار الأزمات.

وتضيف: «نحن لا نبحث عن الحرب؛ نبحث عن نهاية الحرب والانقلاب. نريد أن تعود الدولة ونعيش مثل بقية الناس».

وترى أن «النساء تحملن جانباً كبيراً من الأعباء التي خلفتها الأزمة، خصوصاً في الأسر التي فقدت معيلها أو مصدر دخلها»، مشيرة إلى أن استمرار الحرب «انعكس على تفاصيل الحياة اليومية للأسر وعلى قدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية».

سعيُ الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبّدهم مئات القتلى والجرحى خلال أسبوع (إعلام عسكري)

أما «صلاح»، وهو من محافظة إب ويعمل بائع خضراوات في صنعاء، فيقول إن المواطنين لم يعودوا يحتملون مزيداً من سنوات الخوف، مؤكداً أن مطلبهم الأساسي يتمثل في وجود مؤسسات وقانون يحمي الجميع.

ويضيف: «نريد أن نستيقظ يوماً ولا نخاف من حملات الجباية، أو الابتزاز في نقاط التفتيش، أو من اعتقال أحد أفراد الأسرة بسبب رأيه».

ويشير إلى أن تداعيات الحرب «انعكست على أوضاع الأسر، بعدما فقدت عائلات كثيرة مصادر دخلها، فيما اضطر آخرون إلى مغادرة البلاد بحثاً عن العمل والأمان».

مدينة تحت الضغط

على مدى السنوات الماضية، واجه سكان صنعاء أعباء اقتصادية وأمنية متصاعدة، مع انتشار نقاط التفتيش وتوسع الإجراءات القمعية والجبايات التي أثرت على التجار وأصحاب الأعمال والأسر.

ويرى ناشطون أن هذه الظروف عمقت حالة السخط داخل المجتمع، خصوصاً مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، بالتزامن مع تضييق المساحة المتاحة أمام التعبير عن المواقف المخالفة للجماعة.

ويقول «بشير» إن «الناس صمتوا طويلاً لأنهم خائفون، وليس لأنهم راضون»، عادّاً أن أي تحول يعيد للمؤسسات دورها سيحظى باهتمام واسع بين المواطنين.

عناصر أمن حوثيون يجوبون شوارع صنعاء (رويترز)

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أعلن، الاثنين، انطلاق العملية العسكرية «فجر اليمن»، قائلاً إنها تهدف إلى استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء انقلاب الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وقال العليمي في منشور على منصة «إكس»: «على بركة الله... انطلقت عملية (فجر اليمن) لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية».


معارض مصري يتظاهر في هولندا ويعيد أزمة «حصار السفارات»

مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
TT

معارض مصري يتظاهر في هولندا ويعيد أزمة «حصار السفارات»

مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)

أعاد تظاهر معارض مصري أمام مقر السفارة المصرية في هولندا الجدل مجدداً حول ما عرف بـ«حصار السفارات» المصرية في الخارج من عناصر مرتبطة بجماعة «الإخوان»، ما دعا متابعين وإعلاميين مصريين إلى المطالبة بتحرك دبلوماسي وقانوني لمواجهة تلك «الحملات التحريضية المنظمة» ضد مؤسسات الدولة.

وأظهر مقطع فيديو متداول الشاب أنس حبيب وهو يحتج أمام مقر البعثة الدبلوماسية في هولندا ويوجِّه سباباً إلى أمن السفارة، منتقداً السلطات المصرية، ومتطرقاً إلى حبس ستة صحافيين في مصر يعملون بمنصة «متصدقش» الإلكترونية التي اتهمتها السلطات المصرية مؤخراً بالتبعية لجماعة «الإخوان» المحظورة.

وشهد العام الماضي حملة تظاهر أمام السفارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج والدعوة لإغلاقها، قام فيها الشاب نفسه بإغلاق مقر السفارة المصرية في هولندا على العاملين من الخارج بأقفال، بزعم أن القاهرة تعرقل دخول المساعدات إلى غزة، وهو ما نفته مصر مراراً، مُوجهّة أصابع الاتهام إلى جماعة «الإخوان» بالوقوف أمام الحملة التي تطورت إلى احتجاجات أمام السفارات المصرية في عدة دول.

وعَدّ وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، وقتها، أن استهداف البعثات الدبلوماسية المصرية في الخارج يعتبر «اعتداءً على السيادة، وضرباً للذات الوطنية، وتشجيعاً على الانقسام الداخلي». كما اتهم دولاً بـ«التقاعس عن توفير الحماية للبعثات الدبلوماسية المصرية»، معلناً تطبيق مبدأ «المعاملة بالمثل» مع سفاراتها في القاهرة.

وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي (وزارة الخارجية)

وأثارت واقعة أنس حبيب الأخيرة تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، واعتبر متابعون وإعلاميون مثل هذه التحركات لا تندرج في إطار التعبير السياسي المعتاد، بل تأتي ضمن حملات تحريضية تدبرها جماعة «الإخوان»، تستهدف إثارة التوتر أمام مقار السفارات المصرية، بوصفها محاولات مستمرة لإثارة الأزمات وتدويل خلافاتها مع الدولة المصرية.

وأدرجت مصر «الإخوان» على قائمة «الكيانات الإرهابية» أكثر من مرة، كما حظرتها عام 2013. ويخضع مئات من قادة وأنصار الجماعة حالياً، وعلى رأسهم مرشدها العام محمد بديع، لمحاكمات في قضايا يتعلّق معظمها بـ«التحريض على العنف»، وقد صدرت في بعضها أحكام بالإعدام، والسجن المشدّد، والمؤبّد.

وعَدّ متابعون الواقعة بأنها «جريمة بكل المقاييس، وإهانة لموظفين عموميين أثناء أداء عملهم، ويجب أن يحاسب عليها منفذها على الفور». فيما أشاد آخرون بالتزام أمن السفارة بضبط النفس خلال الواقعة، رغم ما وُجه لهم من استفزازات وكلمات غير لائقة.

وفيما لم تعلق وزارة الخارجية المصرية على الواقعة، تصاعدت مطالبات على نطاق واسع بتحرك رسمي واللجوء إلى القضاء الهولندي، ونقل المواجهة من السجال السياسي والإعلامي إلى ساحة المساءلة القانونية، خاصة أن الواقعة حدثت في وجود أفراد من الشرطة الهولندية، مع تبني موقف أكثر تشدداً تجاه أي حوادث تستهدف السفارات المصرية في الخارج.

ويرى الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية وقضايا الأمن القومي والإرهاب، منير أديب، أن الاعتداء على السفارات أو مقار إقامة السفراء والعاملين بالسلك الدبلوماسي لا يندرج تحت مظلة حرية التعبير، مضيفاً أن توجيه الإهانات أو التهديدات للعاملين في البعثات الدبلوماسية، أو تنظيم تحركات تستهدف مضايقتهم ومنعهم من أداء مهامهم، لا يمكن تصنيفه باعتباره عملاً معارضاً مشروعاً، «بل يمثل محاولة لترهيب مؤسسات الدولة وموظفيها والعاملين بها».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «مفهوم الإرهاب لا يقتصر على الأعمال المسلحة أو الاعتداءات الجنائية المباشرة، وإنما يشمل أيضاً صوراً أخرى من الإرهاب السياسي واللفظي والسلوكي».

واعتبر أن المسؤولية لا تقع فقط على من يأتي بهذه الأفعال، وإنما تمتد أيضاً إلى من يشجعها أو يبررها أو يتعامل معها باعتبارها شكلاً من أشكال النشاط السياسي المشروع.

ودعا الخارجية المصرية إلى دراسة اتخاذ إجراءات قانونية تجاه أي وقائع تستهدف البعثات الدبلوماسية، مؤكداً أن القانون الدولي يلزم الدول المضيفة بتوفير الحماية للسفارات والعاملين بها، وكذلك لمقار إقامة السفراء وأعضاء البعثات الدبلوماسية.

من جانبه، طالب ‏الباحث في شؤون الحركات الإسلامية ماهر فرغلي، عبر حسابه على «إكس»، الخارجية المصرية أن تتحرك إلى المحكمة العليا في هولندا، «لأن التظاهر لا يعني منع البعثات الدبلوماسية من مباشرة عملها أو إهانتها طبقاً للوائح التجمعات العامة في هولندا»، مبيناً أن الحكم في مثل هذه القضايا هو الحبس من 6 سنوات إلى 12 سنة، بحسب قوله.