أزمة مضيق كيرتش... مرحلة جديدة من المواجهة بين روسيا والغرب في أوكرانيا

«سيناريو» التصعيد يخدم أهداف قادة الطرفين

أزمة مضيق كيرتش... مرحلة جديدة من المواجهة بين روسيا والغرب في أوكرانيا
TT

أزمة مضيق كيرتش... مرحلة جديدة من المواجهة بين روسيا والغرب في أوكرانيا

أزمة مضيق كيرتش... مرحلة جديدة من المواجهة بين روسيا والغرب في أوكرانيا

على مدى الأسبوع الماضي، انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي في كل من روسيا وأوكرانيا حملات واسعة جمعت ملايين من الطرفين تدعو إلى ضبط النفس وتحاشي الانزلاق إلى حرب واسعة ومفتوحة بين البلدين.
إلا أن رسم الكفين المتصافحتين اللتين حملتا ألوان علمي البلدين، وعلى خلفيتهما تبرز حمامة سلام بيضاء، لم يعكس طبيعة الحملات الإعلامية والسياسية القوية التي أججت الأزمة أكثر، ولا دقات «طبول الحرب» التي باتت تقرع بقوة في موسكو وكييف، عبر تصريحات المسؤولين التي عزّزتها الحشود العسكرية التي أرسلها الطرفان إلى منطقة بحر آزوف، المتصل بشمال البحر الأسود. وقد يكون عنصر الردع الوحيد الذي منع الانزلاق نحو مواجهة نتائجها كارثية، هو موقف أوروبا القلقة من تطور «السيناريو» العسكري، إذ دفع القلق دولها إلى توجيه رسائل واضحة إلى الطرفين برفضها منحى التصعيد.

منذ إقدام حرس الحدود الروس على احتجاز ثلاث سفن حربية أوكرانية، يوم 25 نوفمبر (تشرين الثاني) الفائت، تبادل الطرفان الروسي والأوكراني اتهامات حادة بالسعي إلى تأجيج الموقف.
كان الحادث لافتاً لأنها ليست المرة الأولى التي تعبر فيها سفن أوكرانية مضيق كيرتش، إذ سبق لأوكرانيا أن أرسلت سفينة إلى هناك قبل ثلاثة أسابيع ولم يعترضها أحد. لكن هذه المرة استخدم الجانب الروسي السلاح وفتح النار على السفن، وأجبرها على التوقف بعدما أصيب ثلاثة بحارة بجروح وجرى اعتقال طواقم السفن واحتجازها.
وفي حين أعلنت هيئة الأمن الفيدرالي الروسية، بعد الحادث، أن السفن الأوكرانية (وهي زورقان مصفّحان وقاطرة) دخلت مياه روسيا الإقليمية «بتوجيه من السلطات في كييف»، في خطوة وُصفت بأنها «استفزازية»، رفضت كييف الاتهامات، وردت بأن السفن كانت في طريقها من البحر الأسود إلى ميناء أوكراني في بحر آزوف، ما يعني أنها عبرت ممراً دولياً لا يخضع للسيطرة الروسية.
خلف هذا السجال، يقف التباين الرئيسي حول ملف ضم روسيا شبه جزيرة القرم إليها عام 2014، إذ حتى ذلك التاريخ كان مضيق كيرتش ممراً مشتركاً روسياً أوكرانياً، لكن روسيا باتت تعتبره تحت سيادتها منذ قرار الضم.
ومن ثم، دلّت التداعيات التي برزت لاحقاً، على سعي الطرفين لاستخدام «الاستفزاز المتعمد». ففي أوكرانيا التي تتحضّر لانتخابات رئاسية خلال الربيع المقبل، تدلّ استطلاعات الرأي على أن فرص التجديد للرئيس بيترو بوروشينكو تبدو ضئيلة، فهو يواجه مرشحين يتقدّمون عليه كثيراً. ولذا رأت الأوساط الروسية أن تحريك كييف السفن، مع علمها المُسبق بأن موسكو ستواجهها، هدَف إلى تحسين فرص بوروشينكو داخلياً، من بوابة مواجهة «العدوان الروسي». وهذا أمر تحقق جزئياً، إذ اصطفت القوى السياسية الأوكرانية خلف بوروشينكو مباشرة بعد الحادث، وغدا عنصر «المواجهة مع روسيا» الأبرز في الدعاية الانتخابية الداخلية.
في المقابل، سعت موسكو إلى التأثير في الحملة الانتخابية الأوكرانية من بوابة «تخويف» الشارع الأوكراني، من «الرئيس الذي بات يشكل خطراً على بلاده وعلى المنطقة كلها»، وفقاً لبيان الخارجية الروسية. ودخل الكرملين على هذا الخط من خلال إعلان الرئيس فلاديمير بوتين أنه لا يستجيب لمحاولات رئيس أوكرانيا، يبترو بوروشينكو، للتحدث معه عبر الهاتف، لأنه «لا يريد المشاركة في حملته الانتخابية».
ومقابل إعلان بوروشينكو أنه سعى لمحاصرة الموقف عبر الاتصال مع بوتين، لكن الأخير امتنع عن الحديث معه، قال بوتين: «الأمر ليس أني أتجنّب، أولاً أريد التحدث مع بيترو أليكسييفيتش (بوروشينكو)... الأمر ليس كذلك، بل يكمن في أنني لا أريد المشاركة في حملته الانتخابية. إنها خدعة، وأنا لا أرغب في المشاركة في هذا الخداع». ثم اتهم بوروشينكو بأنه «يتفنن في خلق الأزمات والاستفزازات وتحميل روسيا مسؤولية ذلك، ثم يحاول بعد ذلك إظهار أنه قادر على حل المشكلات».
لكن، في مقابل «الخداع الأوكراني» برزت إشارات عدة إلى أن بوتين أيضاً سعى إلى الإفادة من أزمة مضيق كيرتش. ووفقاً لمحللين روس، فإن الكرملين كان يتطلع إلى فرصة لتعزيز شعبية بوتين، التي تدهورت بقوة خلال الشهور الأخيرة على خلفية تردي الوضع المعيشي بسبب العقوبات الغربية والقرارات الداخلية للحكومة. وترافق التردي مع ارتفاع معدلات التذمر الشعبي من سياسات بوتين إلى درجة أن أحدث استطلاع للرأي، أجراه مركز «ليفادا» المرموق، بيّن أن ثلثي الروس لا يرون أن بوتين يفي بتعهداته الانتخابية ولا يوافقون تماماً على سياساته.
بالتالي، لا يوجد أفضل من إبراز «ورقة القرم» في هذه الظروف. ويكفي أن أعلى صعود لشعبية «سيد الكرملين» كان على خلفية ضمه القرم في 2014. ويرى خبراء أن دق طبول الحرب الإعلامية مجدداً حول القرم من شأنه استعادة حشد الرأي العام الروسي خلف بوتين في هذه المرحلة الصعبة سياسياً واقتصادياً.

حشود عسكرية في البحر الأسود
لكن الاستخدام الداخلي للأزمة لدى الطرفين، ليس الوجه الوحيد للتصعيد الحاصل، بل تدل التحركات العسكرية الجارية في المنطقة إلى خطورة التطورات الجارية، وتحوّلها إلى وضع قابل للتفجر مجدداً. وبدا أن مسارعة حلف شمال الأطلسي (ناتو) - الذي كان أعلن قبل أقل من شهرين إطلاقه مسار ضم أوكرانيا إليه - إلى إعلانه تأييد مواقف كييف، جزءاً من مشهد جديد في المنطقة تجري بلوَرته بمشاركة أطراف عدة، ليس أقلها حضوراً الولايات المتحدة.
الأمين العام لـ«ناتو» ينس ستولتنبيرغ قال قبيل لقاء وزراء خارجية دول الحلف، إنه لا يرى مبرراً لاستخدام القوة ضد السفن الأوكرانية. وأشار إلى أن الحلف يدعو «إلى الهدوء وضبط النفس... وأن على روسيا الإفراج عن البحارة الأوكرانيين وسفنهم وضمان حرية الملاحة في مضيق كيرتش وبحر آزوف».
كانت هذه مقدمة للإعلان بعد ذلك في الاجتماع الوزاري لـ«ناتو»، الذي دُعي إليه «خصما» روسيا الأساسيان في «الفضاء السوفياتي السابق»، جورجيا وأوكرانيا، أن «الحلف سيعمل للحفاظ على وجوده العسكري في البحر الأسود، رداً على تصرّفات روسيا».
وأكد البيان: «رداً على تصرفات روسيا العدوانية، قام الحلف بتعزيز ملحوظ لوجوده في منطقة البحر الأسود، بحراً وجواً وبراً»، مضيفاً أن «لقاء اليوم مع الحلفاء أعطى رسالة واضحة بشأن مواصلة تقديم الدعم العملي لأوكرانيا، وكذلك بشأن الحفاظ على وجودنا في منطقة البحر الأسود». ودعا الأمين العام للحلف، موسكو، إلى سحب اعترافها بانفصال جمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عن جورجيا، الذي أعلنت روسيا عنه عام 2008. وتابع ستولتنبيرغ أن «على روسيا وقف الاعتراف باستقلال الإقليمين وسحب قواتها العسكرية من هذه الأراضي الجورجية»، مجدداً بذلك تمسك الحلف بمبدأ «سلامة جورجيا الإقليمية».
هذه اللهجة قُوبلت بترحيب أوكراني، إذ طالبت كييف بتعزيز وجود «ناتو» في المنطقة، بينما رأى الكرملين فيها تأجيجاً للتوتر.
في هذه الأثناء، بدا أن واشنطن بدأت تحركاً عملياً على خلفية أزمة مضيق كيرتش، لتضييق الخناق على روسيا. وبعد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاجتماع مع الرئيس بوتين في الأرجنتين على خلفية الأزمة، برزت في موسكو اتهامات قوية لواشنطن بأنها تسعى لإشعال حرب روسية - أوكرانية. ورأت أوساط روسية أن تطبيق الأحكام العرفية في المناطق الأوكرانية المتاخمة لروسيا، وتركيز القوات الأوكرانية في حوض الدونباس (شرق البلاد)، وبداية استدعاء جنود الاحتياط، خطوات تشير بوضوح إلى بداية تحضير كييف للحرب.
وأوردت وزارة الدفاع الروسية تقارير عن «مراقبة» الأميركيين بدقة لتطورات الموقف في مضيق كيرتش. وذكرت أن طائرة استراتيجية بلا طيار قامتا الأسبوع الماضي برحلات طويلة هناك. ومنذ اندلاع أزمة مضيق كيرتش، نفذ سلاح الجو الأميركي هذه العمليات الاستطلاعية سبع مرات. وتزامن ذلك مع تبني الرئيس الأوكراني دعوات انطلقت أولاً في واشنطن لإغلاق مضايق البحر الأسود ومنع السفن الروسية من دخول الموانئ الأوروبية. وكانت مقترحات بهذا الشأن نُشرت على الموقع الإلكتروني للمجلس الأميركي الأطلسي في 21 نوفمبر الفائت، أي قبل أربعة أيام من الحادث الذي وقع في كيرتش. وفي وقت سابق، أعلن وزير الداخلية الأميركي ريان زينكي عن أفكار مماثلة، إذ قال في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) إن الولايات المتحدة يمكن أن تنظم حصاراً بحرياً على روسيا «لمنع سيطرتها على إمدادات الطاقة من دول الشرق الأوسط، على غرار السيطرة الروسية على الإمدادات إلى أوروبا حالياً».
وفقاً للعقيد إدوارد روديوكوف، عضو أكاديمية العلوم العسكرية الروسية، فإن «نوايا الولايات المتحدة في أوكرانيا لا تتجه بالدرجة الأولى لحل مشكلات كييف في بحر آزوف، بل تتعلق بخطط واشنطن الطموحة لعزل النشاط العسكري للاتحاد الروسي في الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم. وبالتالي، منع روسيا من تنفيذ مشروعاتها الخاصة بنقل إمدادات الطاقة إلى أوروبا عبر خطوط أنابيب قيد الإنشاء حالياً». وتابع: «تعمل واشنطن على تنفيذ توجهاتها عبر تعزيز رُزَم العقوبات على روسيا، وهذا واحد من أسباب دفع الأميركيين كييف لإطلاق حرب في شرق أوكرانيا رداً على ما يوصف بأنه عدوان روسي... هذا سيوفر آلية جديدة لفرض مزيد من القيود والعقوبات على روسيا وصولاً إلى محاولة عزلها بالكامل».
في المقابل، اتهم بوروشينكو أخيراً روسيا بالتخطيط للاستيلاء على مدينتي بيرديانسك وماريوبول الأوكرانيتين. ويبدو هذا التخويف جزءاً من التحضير لـ«سيناريو» تفجير الموقف. وهنا، كما لاحظ روديوكوف، فإنه «منذ 3 ديسمبر (كانون الأول)، عندما أعلن بوروشينكو حالة التأهب في أوكرانيا وأرسل قوات النخبة إلى جبهة الدونباس، تتغاضى الولايات المتحدة ودول (ناتو) عن حقيقة أن القوات المسلحة الأوكرانية تعمل على تعزيز الحشود على طول خط المواجهة في الدونباس، ونُقل الجيش الأوكراني إلى أعلى درجة من الاستعداد القتالي».
في المقابل، أعلنت روسيا عن دفع قوات إضافية إلى شبه جزيرة القرم. ونشرت منظومة رابعة من صواريخ «إس 400» موجهة نحو الأراضي الأوكرانية، كما زادت بقوة من وجود سفنها الحربية ومجموعات التدخل السريع في المنطقة.
أيضاً يخطط الجيش الروسي لبناء محطة رادار عالية التطور في شبه جزيرة القرم، لكي تكون بديلاً عن سابقتها القديمة سوفياتية الصنع، وستصبح أيضاً محطة رئيسة للإنذار المُبكر. وتهدف روسيا من خلال المشروع الجديد لتعزيز إمكاناتها في مراقبة المجال الجوي في جنوب البلاد وغربها، وكذلك في رصد وملاحقة الأجسام المعادية. ويبدأ الجيش الروسي تشييد المحطة الجديدة خارج مدينة سيفاستوبول مع بداية عام 2019، في حين ستكون قدراتها العسكرية مشابهة لرادار «فورونيج» للإنذار المُبكر.

حرب بين «شقيقين»
الجدير بالذكر، أنه منذ اندلاع المواجهة الروسية الأوكرانية إثر ضم القرم في 2014، عمل الطرفان على هدم روابط تاريخية كانت تجمع الشعبين اللذين تربطهما أصول سلافية مشتركة، بجانب تداخل ثقافي وحضاري يمتد إلى قرون طويلة. ومن رُزَم القرارات في هذا الاتجاه حظر الكتب والأفلام السينمائية، والتضييق على اللغة والعمالة الوافدة في البلدين، وإغلاق الطرق البرية وتعطيل رحلات سكك الحديد، إلى جملة من الإجراءات التي ألغي بعضها لاحقاً بعدما ثبت أنها غير عملية. لكن في المحصّلة بدا أن الشعبين يدفعان ثمن الخلاف السياسي، وأكثر من هذا، تحوّل «هاجس العدوان الروسي» إلى عنصر داخلي مهم في أوكرانيا لدفع السياسات واتخاذ القرارات، حتى أن أوكرانيا قررت أخيراً إلغاء «معاهدة الصداقة والتعاون» الموقعة منذ سنوات طويلة مع روسيا، في خطوة تبدو أنها المسمار الأخير في نعش العلاقات التاريخية بين البلدين.
ومع أن «الشقيق الأكبر» (أي روسيا) كان أكثر تحفّظاً في التعامل مع هذه القرارات، لجأ الكرملين بعد أزمة كيرتش إلى اتخاذ قرارات جديدة تصبّ في الاتجاه ذاته. إذ وقع الرئيس بوتين مرسوماً لاتخاذ تدابير اقتصادية خاصة ضد إجراءات أوكرانيا «غير الودية». ويوعز المرسوم للحكومة الروسية بتحديد الأفراد والهيئات الاعتبارية الأوكرانية التي ستشملها التدابير الاقتصادية الخاصة، إضافة إلى تحديد نوع التدابير. ووفقاً للمرسوم، ستلغي موسكو تدابيرها الاقتصادية الخاصة بحق أوكرانيا، في حال ألغت كييف قيودها، التي فرضتها منذ 2014 على مواطنين وشركات روسية.
وتضمّنت الإجراءات الأوكرانية وقف شراء الغاز الروسي بشكل مباشر، وحظر رحلات الطيران بين روسيا وأوكرانيا. وفي سبتمبر (أيلول) 2015 فرضت أوكرانيا عقوبات على 388 شخصية و105 شركات روسية، كما فرضت عام 2017 قيوداً على 5 مصارف روسية لها فروع فيها، بجانب فرضها عقوبات على وسائل إعلام روسية.
وتزامن هذا مع عودة الحديث عن «حروب الغاز» إلى الواجهة، وهذا أمر مقلق جداً لأوروبا التي تعمل على توفير حد أدنى من استقرار صادرات الغاز الروسي إليها. وللعلم، فإن نحو 34 في المائة من الغاز الطبيعي الروسي المرسل إلى أوروبا يمر عبر الأراضي الأوكرانية. ودعا الاتحاد الأوروبي، الروس والأوكرانيين أخيراً، لمناقشة مستقبل إمدادات الغاز الروسية لأوروبا عبر أوكرانيا، قبل انتهاء مدة الاتفاق الحالي في نهاية 2019.
لكن المهمة الأوروبية تبدو صعبة، لأن مجموعتي الغاز الروسية «غاز بروم» والأوكرانية «نافتو غاز» تخوضان صراعاً قضائياً أمام المحاكم الأوروبية منذ سنوات. وتعتزم «غاز بروم»، التي خفضت كثيراً كميات الغاز التي تصدرها عبر أوكرانيا التوجه نحو خفض إضافي بعد إتمام مشروعي أنابيب الغاز اللذين سيلتفان على أوكرانيا، وهما «التيار التركي» الذي أطلقه الجانبان الروسي والتركي أخيراً، و«نورد ستريم 2» الذي تأمل «غاز بروم» بدء عمله بنهاية 2019. وهو خط ينقل الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق.
ونذكر هنا، أن خط الإمداد الجاري تطويره «نورد ستريم 1» غدا في الفصل الأول من العام 2018 الخط الرئيسي لنقل الغاز الروسي إلى الاتحاد الأوروبي (36 في المائة من مجمل صادرات الغاز مقابل 34 في المائة عبر أوكرانيا)، وفق المفوضية الأوروبية. لكن «حروب الغاز» لا تبدو مرشحة للتسوية، ذاك أنه على الرغم من تأكيدات برلين لفترة طويلة أن هذا الخط «تجاري»، سدّدت المستشارة أنجيلا ميركل ضربة مفاجئة إلى المشروع في أبريل (نيسان) الماضي، عندما طالبت بتكريس دور أوكرانيا في نقل الغاز الروسي إلى أوروبا.
في المقابل، طالب الرئيس الأوكراني، أوروبا، بألا تتعامل مع الغاز الروسي، بحجة أن «روسيا تشن سياسة عدوانية يجري تمويلها من عائدات الغاز». وهو الموقف نفسه الذي ينادي به الرئيس ترمب.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.