اكتشاف جينات تتسبب باضطراب فرط النشاط ونقص التركيز

اكتشاف جينات تتسبب باضطراب فرط النشاط ونقص التركيز

نتيجة خلل في المخ لا في السلوك
الجمعة - 29 شهر ربيع الأول 1440 هـ - 07 ديسمبر 2018 مـ رقم العدد [ 14619]
القاهرة: د. هاني رمزي عوض
يعتبر اضطراب فرط النشاط ونقص التركيز، من الأمراض التي تحظى باهتمام كبير من الأوساط الطبية حول العالم، نظراً لإصابة ملايين من الأطفال به، وهو الأمر الذي يؤثر في أداء الأطفال الدراسي والاجتماعي، خصوصاً أن تشخيص المرض يعتبر حديثاً نسبياً.
وفي الماضي، كان هناك كثير من الحالات تمر دون تشخيص على اعتبار أنها أعراض طبيعية لطفل كثير الحركة أو سيئ السلوك ولا يبذل مجهوداً كافياً في المدرسة نتيجة لعدم تركيزه، ولكن اتضح أن هذه الظواهر ليست مجرد مبالغة في الحركة، ولكنها أعراض لاضطراب.

- أسباب جينية
وأشارت أحدث دراسة تناولت هذا الموضوع المهم إلى وجود ارتباط هذا الاضطراب بعامل جيني معين يتسبب في حدوثه. وتأتي أهمية هذا الكشف في تأكيد أن الأمراض العصبية والنفسية لها أصل جيني ما يمهد لاحقاً لمحاولة علاجها.
وكانت الدراسة التي قام بها علماء من جامعات أميركية مختلفة ونشرت في نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في مجلة «نتشر جينيتكس» (the journal Nature Genetics) قد قامت بتحليل بيانات 55 ألف فرد واكتشفت وجود 12 جيناً مرتبطة بحدوث اضطراب فرط النشاط ونقص التركيز (attention - deficit / hyperactivity disorder) أو اختصاراً «ADHD». وتقود أماكن وجود هذه الجينات في المخ في الأغلب إلى التأثير في الجهاز العصبي المركزي.
وأوضح الباحثون أن هذا الارتباط يمكن من خلاله التوصل إلى علاج للمرض الذي يعاني منه نحو 9 في المائة من الأطفال في دولة بحجم وإمكانات الولايات المتحدة فقط. وأشاروا إلى أن كل البشر لديهم جينات تحمل معامل خطورة لحدوث الإصابة بمرض فرط النشاط. وكلما زادت هذه الجينات زادت فرص حدوث المرض.
وأوضح الباحثون أن أماكن وجود هذه الجينات ترتبط أيضاً بشكل ما من نحو 200 مرض أو عرض آخر. ووجدوا أن هناك 44 جيناً مرتبطاً بحدوث اضطراب فرط النشاط وكذلك مرتبطة أيضاً بحدوث الاكتئاب وفقدان الشهية والأرق، وهو الأمر الذي يشير بوضوح إلى اجتماع عدة عوامل في الإصابة بالمرض، سواء النفسية أو الجينية.
ويشير الكشف الجيني الذي أظهرته الدراسة إلى وجود خلل معين في المخ يؤدي إلى حدوث الاضطراب، وهو ما يعني أن المرض ليس مجرد خلل سلوكي أو بيئي، وأن هناك شقاً عضوياً في الإصابة. وتوصل الباحثون أيضاً إلى أن هذه الجينات المرتبطة بالمرض لها دور في تفاعل خلايا المخ المختلفة، وقد تكون مسؤولة بشكل مباشر عن تطور الحديث وحدوث خلل به من عدمه للأطفال الذين يعانون من الاضطراب، وكذلك تطور المراكز المسؤولة عن الإدراك والتعلم وتنظيم مستويات «دوبامين» (dopamine)، وهي مادة كيميائية تعمل كموصل عصبي بين خلايا المخ في الجهاز العصبي المركزي.

- عوامل أخرى
كذلك أشار الباحثون إلى أنه ما زال هناك كثير من الجينات المسؤولة عن المرض لم تكتشف بعد، وتحتاج إلى دراسة أكبر، وأن الـ12 جيناً التي تم كشفها قد تكون مجرد جزء من مجموعة كبيرة من الجينات تصل إلى المئات وربما الآلاف مسؤولة عن حدوث المرض وأن التوصل إلى هذه الأعداد (12) يعتبر بداية جيدة تفتح آفاقاً لاستكمال التعرف على بقية المجموعة كاملة وأن اكتشاف هذا العدد حتى ولو كان صغيراً نسبياً، فإنه كان أكثر مما توقع الباحثون. وتكمن أهمية الاكتشاف في معرفة الرابط بين الجينات والمرض أكثر من عدد الجينات في حد ذاته.
وأكد العلماء أنه على الرغم من توصلهم إلى العامل الجيني في الإصابة بالمرض، فإن هناك بعض الأسباب الأخرى التي تلعب دوراً مهماً في الإصابة، مثل العامل البيئي والمقصود به الولادة المبكرة، حيث تزيد نسبة حدوث المرض للأطفال الذين تمت ولادتهم بشكل مبكر لكونهم ناقصي النمو ولم يتلقوا العناية الكافية في الحضانة، ما يمكن أن يتسبب في حدوث عيوب خلقية في الجهاز العصبي للطفل قد تكون هي المسؤولة عن حدوث المرض.
وحذر الباحثون من أن الجينات التي تم اكتشافها والتأكد من ارتباطها بالمرض لم تكن هي الجينات التي تستهدفها الأدوية التي يفترض أنها تعالج المرض من خلال إصلاح الخلل الجيني. وعلى ذلك يجب أن تقوم الشركات المصنعة للأدوية بمراعاة هذه المعلومة الدقيقة والعمل مستقبلاً على استهداف الجينات التي وجدتها الدراسة.
وتؤكد هذه الدراسة أن الإصابة بالمرض بها جانب من عامل وراثي، وأن الآباء الذين لديهم طفل أصيب بالمرض من المحتمل أن يعاني إخوته من المشكلة نفسها لاحقاً. وكذلك من خلال هذا الربط يمكن للأطباء علاج الطفل الثاني بالطريقة نفسها وبروتوكول العلاج أيضاً الذي تمت به معالجة الطفل الأول لتحقيق نتيجة أفضل، إذ إن بعض أنواع العقاقير يمكن أن تكون مؤثرة مع طفل وغير مؤثرة في حالة أخرى. ونظراً لتشابه الجينات سوف تتم الاستجابة من عدمها وتختصر وقتاً طويلاً في العلاج. وشدد العلماء على ضرورة الاستمرار في العلاج السلوكي والنفسي، وكذلك إصلاح عيوب الحديث إن وجدت، إذ إنها تعتبر وسيلة العلاج الأفضل حتى الآن.
ونصحت الدراسة الآباء بأهمية ضرورة التعاون مع الأطباء ومعالجي السلوك وإعطاء تقارير دقيقة عن تنفيذ الطفل للمهام المختلفة التي يقوم المعالجون بإلزامه بها، مثل محاولة الالتزام بجدول معين لفعل الأشياء ومنها اللعب والمذاكرة، وتحديد لأي مدى يتمتع الطفل بقدرة على تنفيذ هذه الواجبات، وضرورة المتابعة مع المدرسين في الصفوف المدرسية ومعرفة درجة التركيز وطريقة لعبه في المدرسة ومشاركته الألعاب مع الأطفال الآخرين.

• استشاري طب الأطفال
مصر الصحة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة