وفاء طربيه: الدراما اللبنانية بألف خير وكنا السباقين في نشرها

تطل حالياً في مسلسلي «أم البنات» و«ثورة الفلاحين»

وفاء طربيه في لقطة من مسلسل «ثورة الفلاحين»
وفاء طربيه في لقطة من مسلسل «ثورة الفلاحين»
TT

وفاء طربيه: الدراما اللبنانية بألف خير وكنا السباقين في نشرها

وفاء طربيه في لقطة من مسلسل «ثورة الفلاحين»
وفاء طربيه في لقطة من مسلسل «ثورة الفلاحين»

قالت الممثلة المخضرمة وفاء طربيه إنها لا تزال حتى اليوم تتابع أعمالها التمثيلية، خصوصاً عند تكرارها لبعض الشخصيات. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «من لا يراقب نفسه أثناء التمثيل ويدقق في أخطائه، فهو مهدد بفقدان تجديد موهبته. فالأسلوب المقنع لا يقتصر على أداء تمثيلي جيد، بل هناك عناصر أخرى ترافقه كالنظرة والابتسامة وحركة اليدين وغيرها، التي تنمُّ عن إحساس عالٍ في تقمُّص شخصية ما».
وفاء طربيه، التي تطل حالياً في مسلسلي «ثورة الفلاحين» على شاشة «إل بي سي آي»، و«أم البنات» على شاشة «إم تي في»، في وقت واحد، تُعدّ من الممثلات المخضرمات القليلات اللاتي لا تزال العروض تنهال عليهن، وكأنهن في بداية مشوارهن. فمشوارها في عالم التمثيل الذي بدأَتْه منذ الستينات في زمن الأبيض والأسود بقي في ذاكرة كثيرين من أبناء المهنة من الجيل الجديد الذين يعتبرونها قدوة ومثالاً لهم وكذلك لدى المشاهدين. «لقد كنا نقدم أعمالنا التمثيلية مباشرةً على الهواء، وكان جيراننا من بلدان عربية يتمثلون بجهدنا. وأذكر مرة الراحل عماد حمدي عندما كنت أشاركه التمثيل في فيلم (صخرة الحب)، يومها طلبت إيقاف التصوير لأنه حان موعد عرض مسلسل تلفزيوني أشارك فيه إلى جانب الراحل شوشو. يومها عرف بأننا نقدم العرض مباشرة على الشاشة فعلق: أنتم لا تصورون مسبقاً؟ (إيه ده أنتو مجانين بشريطة)، فكيف يمكنكم أن تتفادوا الأخطاء؟».
وتتابع: «لقد كنا مثالاً يُحتذى به في العالم العربي، وتتم دعوتنا إلى أهم المهرجانات من المحيط إلى الخليج. فالممثل اللبناني عُرِف بإجادته الفصحى دون أي لكنة معينة، مما جعل انتشار أعمالنا في تلك الحقبة سريعاً، يفهمنا شعوب منطقتنا على اختلافهم».
وعن كيفية تحضيرها لأدوارها اليوم ترد: «لا أحضر لأعمالي فأنا أقرأ النص فقط وأتخيل الشخصية وأخزِّن حماسي إلى حين بدء التصوير؛ فأنا من الممثلين الذين يثقون بأول مشهد تلتقطه الكاميرا (take one) فهو برأيي يكون الأفضل دائماً دون أي تصنُّع، فالإعادات يمكن أن تُفقِده رونقه وطبيعته. وإذا ما اضطررت إلى القيام ببروفات مسبقة فدمعتي تسقط على وجهي وكأنني أقوم بتصوير حقيقي. فمهمتي لا تقتصر على أدائي وحدي بل على نقل إحساسي إلى الشخص الآخر».
في مسلسل «ثورة الفلاحين» تؤدي وفاء طربيه دور جدة من البكاوات يعتبرها بعض أفراد عائلتها مصابة بمرض فقدان الذاكرة. إلا أنها في الحقيقة تدرك كل ما يحصل حولها وكلامها مستقيم وحكيم. «إننا نؤلف مجموعة رائعة من الممثلين في هذا المسلسل متناغمين قلبا وقالبا. ولا بد لي هنا من الإشارة إلى أهمية المخرج فيليب أسمر الذي يذكرني بمخرجين عباقرة من الماضي صنعوا الدراما اللبنانية وأسهموا في تطورها». أما في «أم البنات» الذي تكتبه كلوديا مرشيليان ويخرجه الأسمر أيضاً، وهو من بطولة كارين رزق الله، فتجسد فيه طربيه دور الجدة (أم نجم) الحزينة على فقدانها ابنها في حادثة. وتظهر طيلة الحلقات الأولى صامتة لا تتكلم، ولا تعلق على ما يجري حولها. «لن أبقى صامتة طيلة الوقت بالتأكيد ولكن في بدايات المسلسل أكون مصابة بالكآبة لفقداني ابني، وعليكم أن تتابعوا باقي الحلقات كي تتعرفوا على الأحداث التي تنتظرني». وتبدي طربيه انزعاجها من عرض العملين في آن وعلى محطتين مختلفتين وتقول: «لا أحب الدخول في هذه المهاترات الإعلامية ولكنني أجد من الخطأ اتباع هذا الأسلوب وكأن الممثل عدو نفسه ويحارب خياله. أليس في هذا الأمر عيب؟».
ولكن أي من الأدوار تركت أثرها عليها وتعتبرها من محطاتها الأساسية؟ ترد: «لا يمكنني أن أفصل بين أدواري التي يفوق عددها الألف بالتأكيد. وقد جسدتُ جميع الأدوار من امرأة لعوب إلى شريرة إلى مدمنة مخدرات وغيرها من الأدوار التي طبعت حياتي الفنية بشكل أو بآخر، فأتذكر هنا عندما مثلتُ دور مدمنة المخدرات في حقبة الستينات، ولعبت الدور ببراعة إلى حد جعل مخرج العمل جان فياض يتفاجأ بأدائي الطبيعي».
تحدثك وفاء طربيه بشغف عن مهنتها التي لا تزال تمارسها حتى اليوم، وعلى الرغم من تقدمها بالعمر. وأحياناً لا تتوانى أثناء محاورتك لها عن تقديمها مقطعاً من مسلسل ما. فتنقل إليك الأداء نفسه صوتاً وتمثيلاً لتشعر بأنك بالفعل أمام رمز من رموز التمثيل في لبنان؛ فهي أول من طبَّق عملية «البلاي باك» في مسلسلات تطلبَتْ الغناء. كما كانت أشهر بطلات المسلسلات المدبلجة وأفلام الكارتون في لبنان والعالم العربي. «إن محبة الجمهور هي محفزي لاستمراريتي وتقديمي الأفضل دائماً. فكل ما نعيشه من شهرة وأضواء هو بالنسبة لي مجد باطل. وحدها محبة الناس يمكنها أن تحيي الفنان».
وعن رأيها بالدراما اللبنانية اليوم تقول في سياق حديثها: «إنها بألف خير، وهي تنشط كل يوم أكثر فأكثر. الأهم في الموضوع هو ألا يستخفَّ الممثلون بمهنتهم، وألا يملُّوا من التعب والجهد اللذين تتطلبهما. أما النصيحة التي أقولها لهم في هذا الإطار هو أن يعملوا مع الممثلين الآخرين كفريق بحيث لا يستحوذ أحد على مساحة الآخر. لقد نجحنا في الماضي ومنذ زمن الأبيض والأسود لأننا كنا نكنّ المحبة لبعضنا وقلوبنا واحدة. فالمحبة وفي أي مهنة كان يمكنها أن تنتج الإبداعات وتولِّد الفرص». وتؤكد طربيه أن في أعماق كل منا بذورَ مواهب مختلفة، وعلينا أن نعمل على تنميتها وإظهارها. وعن رأيها بنجوم الشاشة الصغيرة الحاليين الذين تتعامل معهم وكأنهم أولادها، تقول: «أنا معجبة بمعظمهم، وأحاول مساعدتهم وتسديد النصائح لهم على طريقتي. ويستفزني الممثل الذي لا يعتني بمخارج حروفه، والمخرج الذي لا يعير عملية (الميكساج) أهمية فيعلو صوت موسيقى المسلسل على حوار الممثلين. فيدخل المشاهد في متاهات بغنى عنها ويصبح بالكاد فهم أحداث العمل».
كُرِّمت وفاء طربيه في أكثر من بلد عربي، ونالت جوائز عدة طيلة مشوارها الفني إلا أنها لا تزال تتمتع بتواضع الكبار. «الانغماس في الشهرة من شأنه أن يضيع الفنان بشكل عام ويقصّر من عمره الفني، لذلك يجب عليه أن يبقي قدميه على الأرض مهما علا شأنه وذاع صيته واشتهر».
وتأخذ على الممثلين الذين يتباهون باختصاصاتهم فينسون المضمون ويطفون على سطحه. «الاختصاصات من شأنها أن تثري خلفية الممثل، ولكنها لن تستطيع أن تحل محل إحساسه وشغفه. وهناك بعض الممثلين الذين يمكن أن يضيعوا بوصلة دورهم إذا ما تم تغيير جملة واحدة في الحوار».
وعن الأشخاص الذين تفتقدهم اليوم وتشتاق إليهم ترد: «أشتاق إلى جميع الممثلين الذين سبق أن عملتُ معهم وشكَّلوا العمود الفقري للدراما المحلية. لقد عملنا معا لنصل إلى ما نحن عليه اليوم وأتمنى على الجيل الجديد أن يسير في الطريق نفسه».



«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.


مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
TT

مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)

عادت مهنة «البواب - السمسار» إلى الواجهة في مصر، وسط جدل مجتمعي، على خلفية القبض على حارس عقار هدَّد طبيبة بالخطف، لرغبته في الحصول على عمولة «سمسرة» عقب شرائها شقة في العقار الذي يعمل به.

وكانت الأجهزة الأمنية قد ألقت القبض، في وقت سابق، على حارس عقار في منطقة الهرم بالجيزة، عقب انتشار مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تستغيث فيه طبيبة من تعرُّضها للتهديد بالخطف، والسبّ من قِبل البواب، ومنعها من دخول منزلها.

وحسب بيان لوزارة الداخلية، أفادت الطبيبة بأنها اشترت شقة في العقار، وفوجئت بالبواب يطالبها بمبلغ مالي كـ«سمسرة»، إضافة إلى تعدِّيه عليها بالسبِّ.

ولدى مواجهته، اعترف الحارس بارتكاب الواقعة، مستنداً إلى «اتفاقٍ مزعوم» مع الطبيبة على تقاضي عمولة نظير شرائها الشقة، ورفضها السداد.

ولاحقاً، قررت نيابة الهرم في الجيزة، السبت، إخلاء سبيل حارس العقار بضمان مالي قدره 20 ألف جنيه (الدولار يعادل 52.5 جنيه في البنوك المصرية)، على ذمة التحقيقات.

وحسب وسائل إعلام محلية، أقرَّ حارس العقار أمام جهات التحقيق بصحة الواقعة، مبرراً تصرّفه بوجود اتفاق سابق مع المجني عليها لتقاضي عمولة «سمسرة» قدرها 75 ألف جنيه مقابل شرائها الشقة السكنية، مشيراً إلى أن رفضها سداد المبلغ هو ما أثار غضبه. في المقابل، أكدت الطبيبة في أقوالها أنها فوجئت بمطالبته بأموال دون وجه حق، ومنعها من دخول مسكنها عقب رفضها الاستجابة لطلباته.

وأعادت واقعة الطبيبة وحارس العقار مهن «البواب - السمسار - السايس» إلى واجهة الجدل الاجتماعي في مصر؛ إذ يرى البعض أن أصحاب هذه المهن «بسطاء» يستحقون الدعم والمساندة المالية، في حين يرى آخرون أنها تحقق مداخيل مرتفعة دون جهد موازٍ، في حين يشير خبراء إلى أن مهنة «البواب» تحديداً أصبحت تمثل تحوّلاً من مجرد خدمة إلى نفوذ متداخل في تفاصيل حياة السكان.

«البواب والسمسار» مهن تعود إلى واجهة الجدل في مصر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يرى أستاذ علم الاجتماع الدكتور سعيد صادق أن مهنة «البواب» تُعد من أخطر المهن في مصر من الناحية الاجتماعية. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «بشكل عام، تجاوز البواب في مصر حدود مهنته، وتحول إلى صاحب سلطة، مُطَّلع وكاتم أسرار السكان؛ فهو يعرف كل صغيرة وكبيرة في المبنى، ولديه تفاصيل اجتماعية يصعب على غيره معرفتها؛ من العلاقات الأسرية، وحالات الزواج والطلاق، ومن يعيش بمفرده، والضيوف المترددين، ومواعيد خروج السكان وعودتهم، بل وحتى أنماط حياتهم اليومية». ويرى صادق أن هذه المعطيات «تنطوي على خطورة اجتماعية».

كما أشار إلى أن مصدر قوة البواب يكمن في امتلاكه معلومات دقيقة عن السكان، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى استغلال هذه المعرفة في ممارسات ابتزاز غير مباشر، أو التأثير على استقرار السكان، كالتسبب في طرد أحدهم أو عرقلة تجديد عقد إيجاره.

وقد تناولت السينما المصرية هذه الظاهرة في أعمال عدة، أبرزها فيلم «البيه البواب» (1987)، الذي جسَّد فيه الفنان أحمد زكي شخصية «عبد السميع»، القادم من الأقاليم إلى القاهرة بحثاً عن الرزق، حيث عمل بواباً ثم سمساراً، وتمكن بذكائه من جمع ثروة غيَّرت حياته، لكنه ظل متمسكاً بمهنته، وتزوج من إحدى ساكنات العقار، التي أدّت دورها الفنانة صفية العمري.

ويشير صادق إلى أن هذه المهنة شهدت تطورات ملحوظة منذ عرض الفيلم؛ إذ لم يعد البواب بحاجة إلى العمل سمساراً بشكل منفصل لتحسين دخله، بل أصبحت السمسرة جزءاً من مهامه، إلى جانب راتب شهري يسهم فيه السكان، ومسكن مجاني داخل العقار، فضلاً عن الإكراميات مقابل الخدمات المختلفة.

ويرى صادق أن الجدل المجتمعي حول هذه المهن يرجع إلى طبيعتها الخدمية ذات الدخل غير المحدد، والذي يختلف من شخص إلى آخر، حيث تتحدد جودة الخدمة وفقاً للمقابل المدفوع؛ فكلما زاد ما يدفعه الساكن، زادت الخدمات المقدمة له، سواء من البواب أو السايس أو السمسار.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده أن مهناً مثل «البواب» و«السمسار» تندرج ضمن الاقتصاد غير الرسمي، وقد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في دخول العاملين بها خلال السنوات الأخيرة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد البواب فقيراً كما كان يُعتقد، بل يمتلك دخلاً مرتفعاً؛ إذ يتمكن كثيرون منهم من شراء أراضٍ ومنازل في مناطقهم الأصلية. وكذلك السايس، رغم طبيعة دخله اليومي المتغير، فإنه يحقق حصيلة جيدة بنهاية اليوم، بينما تُعد مهنة السمسار من أكثر المهن ربحاً، نظراً للعمولات الكبيرة التي يحصل عليها مقارنة بالجهد المبذول».