اعتقلت قوات الشرطة الفرنسية أكثر من 200 شخص خلال يوم من الاشتباكات مع محتجين في وسط باريس. وقالت إدارة شرطة العاصمة إن 205 أشخاص اعتقلوا من بينهم متطرفون من أقصى اليمين وأقصى اليسار في قلب باريس التي شهدت إحراق سيارات وتكسير واجهات زجاجية وإقامة متاريس، وذلك على هامش مظاهرة جديدة لحركة «السترات الصفراء» التي تحتج على زيادة الضرائب وتراجع القدرة الشرائية. وشهدت أحياء باريسية عدة أعمال عنف سُجل بعضها في محيط نصب قوس النصر في جادة الشانزيليزيه. وبلغت حصيلة المواجهات 65 جريحا بينهم 11 رجل أمن.
وأعرب رئيس الوزراء الفرنسي إدوارد فيليب عن «صدمته» لما شهدته باريس من أعمال عنف.
وشهدت العاصمة الفرنسية مساء تجمعات عند قوس النصر وشارع ريفولي وحديقة «تويلري» التي تعرّضت للتخريب على أيدي أشخاص لا يرتدون السترات الصفراء. ومع أولى ساعات المساء شهدت مناطق من العاصمة الفرنسية حرائق وتصاعد دخان وإقامة متاريس وأجواء تمرّد.
في غرب باريس، وليس بعيدا من مقر السلطة الفرنسية، تشبّع الهواء بالغاز المسيل للدموع كما أحرقت سيارات وممتلكات عامة وسط كر وفر بين محتجي السترات الصفراء و«مخربين» وقوات الأمن في مناطق باريسية تشهد إقبالا للسياح والمتسوقين في موسم الأعياد. وكتب أحدهم على قوس النصر «السترات الصفراء ستنتصر» وكتب آخر على دار الأوبرا «ماكرون = لويس السادس عشر»، آخر ملوك فرنسا قبل الثورة. وقرابة الساعة الرابعة بعد الظهر خيّمت سحابة من الدخان الأسود الكثيف فوق ساحة دار الأوبرا في باريس وتم إحراق رافعة أمام مقهى «السلام» الفاخر وهتف متظاهرون «انهضي يا باريس». وقطعت كل المداخل إلى المقهى بالمتاريس. وفي جادة الشانزيليزيه حيث انتشرت قوات الأمن بكثافة أبدى متظاهرون سلميّون خشيتهم من أن تطغى المواجهات على تحرّكهم.
وقال دان لودي وهو متقاعد يبلغ 68 عاما لوكالة الصحافة الفرنسية، «نحن تحرك سلمي، نحن فقط غير منظّمين»، مضيفا «هناك دائما حمقى يأتون للشغب لكنهم لا يجسّدون» التحرّك الذي يحظى بتأييد واسع لدى غالبية الفرنسيين، بحسب الاستطلاعات. وقالت المتظاهرة شانتال وهي متقاعدة تبلغ 61 عاما متفادية الاقتراب من موقع المواجهات «قالوا لنا إن هناك مشاغبين أمامنا». واعتبرت أن على ماكرون «النزول من برجه لكي يفهم أن المشكلة ليست الضريبة بل القدرة الشرائية. أنا مضطرة للاستعانة بمدّخراتي طوال الشهر». وأعلنت وزارة الداخلية الفرنسية في بيان أنها أحصت قرابة الثانية من بعد الظهر مشاركة نحو 75 ألف شخص في مظاهرات «السترات الصفراء» في مختلف أنحاء فرنسا السبت، أي أقل من التحرّكين السابقين.
وفي بقية أنحاء فرنسا جرت التجمّعات بهدوء. وفي نانت تجمع نحو خمسين شخصا من محتجي السترات الصفراء لمرتين على مدرج المطار، فيما اندلعت مواجهات وجيزة في ستراسبورغ (شرق).
وسيطر متظاهرون على مركز تسديد رسم المرور في بيرتوس عند الحدود بين فرنسا وإسبانيا.
وقُطعت الطريق السريعة التي تربط بين باريس وليون بالاتجاهين من وإلى ماكون (وسط) بسبب تحرك محتجي السترات الصفراء. وخلال مشاركته في تحرّك احتجاجي في مرسيليا قال زعيم الكتلة البرلمانية لحزب «فرنسا المتمردة» اليساري المتطرّف جان لوك ميلانشون إن «البلد كله يتحرّك» داعيا ماكرون إلى «الرضوخ» لهذه «الثورة الشعبية والمدنية». وامتدت الحركة إلى بلجيكا المجاورة حيث استخدمت قوات مكافحة الشغب خراطيم المياه الجمعة لتفريق محتجي «السترات الصفراء» الذين كانوا يرشقون الشرطة بالحجارة وأحرقوا مركبتين للشرطة في وسط العاصمة بروكسل. وفي هولندا تظاهر نحو 120 من محتجي السترات الصفراء سلميا أمام مقر البرلمان في لاهاي.
وما زالت الأزمة تراوح مكانها رغم الوهن الذي أصابها والمتمثل بتناقص أعداد «السترات الصفراء» المنتشرين على الطرقات السريعة أو قريباً من مستودعات المشتقات النفطية. ولذا، فإنهم يعولون على «الفصل الثالث» إعادة إطلاق حركتهم التي ما زالت تحظى بتعاطف كبير من الرأي العام الذي يؤيدها بنسبة تزيد على 80 في المائة. ولذا، فإن رهان السلطات وعلى رأسها الرئيس إيمانويل ماكرون على «تعب» المحتجين وتراجع حركتهم وانحسار الدعم الشعبي الذي يحظون به، غير مصيب. والأسوأ من ذلك أن المحاولات التي قام بها ماكرون ورئيس حكومته ووزير البيئة لم تفض إلى نتيجة بسبب ما يراه «السترات الصفراء» من «تعنت» الدولة وتمسكها بخطتها القاضية بالاستمرار في زيادة الرسوم على المحروقات وستكون باكورتها الجديدة في الأول من العام المقبل.
ماكرون غائب عن قصر الإليزيه لمشاركته في قمة العشرين في بوينس آيريس. وكما في خطابه الرئيسي خلال الأسبوع المنتهي، اعتمد خطاً ملتبساً: فهو من جهة، جدد القول إنه يتفهم «الغضب المشروع ونفاد صبر (المحتجين) ومتاعب جانب من الشعب». كذلك شدد على عزمه على الرد عليها من خلال «قرارات إضافية في الأسابيع والأشهر المقبلة». لكنه في الوقت عينه، جدد تأكيده أن ذلك لا يعني «التراجع» عن الخطط الموضوعة. وللتذكير، فإن ماكرون في خطابه في الإليزيه اقترح إقامة «آلية» تراقب أسعار النفط وتجتمع مرة كل ثلاثة أشهر وتؤقلم الرسوم وفق تقلباتها. بالمقابل، فإن «السترات الصفراء» يريدون وضع حد لزيادات الرسوم التي تشكل أكثر من 60 في المائة من أسعار المشتقات النفطية وخفض أسعار المحروقات. ولا تتوقف مطالبهم عند هذا الحد، إذ إنها تضم لائحة طويلة منها زيادة الحد الأدنى للأجور إلى 1300 يورو شهرياً وكذلك المعاشات التقاعدية وخفض الضرائب وبرنامجاً طموحاً لتجديد المنازل التي تستهلك الكثير من الطاقة.
وحتى يزداد الوضع تعقيداً بالنسبة للسلطات فإن الطلاب سيقومون بدورهم بحركة احتجاجية للتعبير عن رفضهم للزيادات الباهظة لتكلفة التعليم الجامعي في فرنسا للطلاب الذين لا ينتمون إلى بلدان الاتحاد الأوروبي والاحتجاج أيضاً على السياسة الانتقائية لبعض الجامعات عن طريق «تصعيب» الدخول إليها. خلال الأسبوع المنتهي حاولت الحكومة إقامة قناة تواصل مع «السترات الصفراء». وبعد أن رفض بداية استقبالهم، سعى رئيس الحكومة إدوار فيليب للاجتماع بوفد منهم وتحديداً من الذين ينظر إليهم على أنهم «الناطقون» باسم الحركات. لكن محاولته فشلت نصف فشل إذ لم يستجب سوى شخصين من أصل ثمانية ومباشرة عقب وصوله، انسحب أحدهما بحجة أن اللقاء غير منقول مباشرة على قناة تلفزيونية. كذلك التقى وزير البيئة سبعة من هؤلاء. لكن الاجتماع لم يسفر عن أية نتيجة عملية لأن الحكومة لن تقوم بأية بادرة قبل انقضاء ثلاثة أشهر وهو ما يعتبرونه «تحقيراً» لمطالبهم. وللتدليل على «شعبية» حركتهم، فإن عريضة لخفض أسعار المحروقات أطلقت على شبكة الإنترنت وحصدت في وقت قياسي نحو مليون توقيع.
إزاء هذا الطريق المسدود، تسعى المعارضة من اليمين واليسار إلى الاستفادة من صعوبات الحكومة. فرئيس حزب «الجمهوريون» لوران فوكييه يريد «استفتاء»، بينما رئيسة حزب «التجمع الوطني» (اليمني المتطرف) مارين لوبان تطالب بحل الجمعية الوطنية «مجلس النواب». أما جان لوك ميلونشون رئيس حزب «فرنسا المتمردة» «يسار متشدد»، فإنه عازم على المشاركة في الاحتجاجات. ووصلت الشكوك إلى صفوف حزب «الجمهورية إلى الأمام»، وهو حزب الرئيس ماكرون الذي يرى الكثير من أعضائه أن سياسة «التشدد» المتبعة حتى اليوم لم يعد ممكناً السير بها وأنه يتعين «الاستجابة» لمطالب المحتجين عن طريق «تجميد» زيادة الرسوم لفترة ثلاثة أشهر مثلاً حتى تتوافر الأجواء لإطلاق الحوار الموسع الذي يريده ماكرون.
اعتقالات وجرحى بالمئات وفوضى وحرائق في احتجاجات باريس
«السترات الصفراء» تشبّه ماكرون بلويس السادس عشر... ونشاط الحركة يمتد إلى بلجيكا وهولندا
مشهد الفوضى في ظل المواجهات في باريس أمس (رويترز)
اعتقالات وجرحى بالمئات وفوضى وحرائق في احتجاجات باريس
مشهد الفوضى في ظل المواجهات في باريس أمس (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

