الشركات الهندية الناشئة تجتذب استثمارات عالمية بمليارات الدولارات

بعضها تحول إلى كيانات عملاقة في بضعة أشهر... وعدد اتفاقات التمويل ارتفع 250 % في عام

شباب يبحثون عن وظيفة أمام علامة لقرية رواد الأعمال والشركات الناشئة في الهند (رويترز)
شباب يبحثون عن وظيفة أمام علامة لقرية رواد الأعمال والشركات الناشئة في الهند (رويترز)
TT

الشركات الهندية الناشئة تجتذب استثمارات عالمية بمليارات الدولارات

شباب يبحثون عن وظيفة أمام علامة لقرية رواد الأعمال والشركات الناشئة في الهند (رويترز)
شباب يبحثون عن وظيفة أمام علامة لقرية رواد الأعمال والشركات الناشئة في الهند (رويترز)

تجذب الشركات الناشئة الهندية استثمارات عالمية تقدر بالمليارات، فقد ازداد الاستثمار في الشركات الناشئة الهندية بنحو 110 في المائة سنوياً، حيث ارتفع من ملياري دولار خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) حتى سبتمبر (أيلول) 2017، إلى 4.2 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2018، بحسب ما ذكره «الاتحاد الوطني لشركات البرمجيات والخدمات» (ناسكوم) في تقرير.
وقد شهد إجمالي عدد اتفاقات تمويل الشركات الناشئة، خصوصاً في المراحل المتقدمة، ارتفاعاً كبيراً يبلغ 250 في المائة تقريباً، حيث كانت تقدر قيمتها في عام 2017 بـ847 مليون دولار وأصبحت 3 مليارات دولار في 2018. ويقول ديبجاني غوش رئيس الاتحاد الوطني، إن «هذا هو الوقت المناسب لتحول الهند إلى مركز كبير للشركات الناشئة الرائدة في العالم، حيث تزخر الهند بالابتكار والأفكار الجديدة. نطلب من الحكومة فتح السوق والسماح للشركات الناشئة ببيع منتجاتها إلى الحكومة حيث يمكن لهذا أن يحدث فارقاً كبيراً».
وتشغل الهند المركز الثالث بين الدول التي تضم شركات ناشئة كثيرة بعد الولايات المتحدة والصين. وقد انضمت شركات ناشئة، منها «زوماتو»، و«سويغي»، و«بي واي جيه يوز»، و«بوليسي بازار»، و«فريشوركس»، و«أو واي أو»، و«أودان»، إلى نادي الشركات الناشئة العملاقة الأسطورية، أي التي تتجاوز قيمتها مليار دولار، في غضون بضعة أشهر. وكانت إيلين لي، ممولة الشركات الناشئة، هي من أطلقت مصطلح «الشركات العملاقة الأسطورية» على تلك الشركات في عام 2013 نظراً لندرة حدوث ذلك الأمر من الناحية الإحصائية.
وتدعو الهند كبار المستثمرين للمشاركة في اجتماع يتم عقده في نهاية العام، تمهيداً للإسهام باستثمارات أكبر في الشركات الناشئة الهندية.
- الاستثمارات الصينية
في الوقت الذي لا تزال فيه الشركات الرأسمالية الغربية تهيمن على الاستثمار في عالم التكنولوجيا بالهند، تشير الإحصاءات إلى تنامي تأثير الأموال والاستثمارات الصينية.
ويقدم تقرير بعنوان «الهند - الصين: شركات ناشئة وما هو أكثر» صادر عن شركة الاستشارات العالمية «كيه بي إم جي» وصفاً تفصيلياً لمناخ الشركات الناشئة الهندية، ويوضح لماذا تمثل الهند المكان المناسب لضخّ استثمارات في الشركات الناشئة. وجاء في التقرير: «حصلت شركات ناشئة في الهند خلال عام 2017 على ملياري روبية (28 مليون دولار) من الصين. وتشير زيادة الاستثمارات إلى توجه الصينيين نحو التوسع خارج الصين للاستفادة من مزايا القوى العاملة منخفضة الأجر، والأسواق الجديدة، ووضع أفضل من الوضع في السوق المحلية».
وقد ركّزت الشركات الصينية بشكل واضح في استثماراتها على قطاعات مثل التجارة الإلكترونية، يليها كل من قطاع النقل، والتكنولوجيا المالية، والصحة، والبيئة، وتكنولوجيا الزراعة، والسلع الاستهلاكية، والترفيه بما في ذلك الألعاب غير المسببة للإدمان، لكن تظل الاستثمارات الكبرى موجهة إلى الصفقات في قطاع التجارة الإلكترونية خصوصاً في المرحلة المتقدمة. وتقف وراء بعض الاستثمارات الكبرى في الشركات الهندية الناشئة كل من شركة «علي بابا»، و«سي تريب» و«تينسينت».
وعندما سافر مادهوسودان إكامبارام، أحد مؤسسي شركة «كريزي بي» ومقرّها بنغالور، إلى الصين من أجل الحصول على تمويل في عام 2016، كان يبدو أنه يسير في الاتجاه الخاطئ، ففي ذلك الوقت كانت رحلات العمل الرامية إلى البحث عن تمويل تتجه نحو الغرب، في حين اتجه هو شرقاً. وقال وهو يتذكر: «لقد كان ذلك القرار مفاجئاً للكثيرين». بعد مرور أقل من 3 سنوات تغير المشهد بشكل ملحوظ، حيث تمكن من الحصول على استثمارات قدرها 13 مليون دولار من الصين، ولم يعد بحاجة إلى الدفاع عن اتجاهه. ويوضح: «يدرك الجميع الآن وجود المستثمرين الصينيين، ويتزايد عدد الشركات الناشئة المتطلعة نحو الصين كل يوم، فقد أصبح ذلك هو النمط السائد».
وانضم نحو 350 صندوق رأسمال مخاطر، إضافة إلى مستثمرين داعمين، إلى ذلك المعسكر من خلال الإعلان عن استثمار 30 مليون دولار في 8 شركات ناشئة هندية. وقد أعلنت وزارة التجارة والصناعة خلال «المنتدى الهندي الثاني للاستثمار في الشركات الناشئة»، الذي انعقد في بكين، أن صناديق رأس المال المخاطر الصينية تعتزم استثمار نحو 30 مليون دولار في 8 شركات هندية ناشئة. وقد استهدفت هذه الفعالية، التي استغرقت يوماً واحداً، ونظمتها السفارة الهندية في الصين بالتعاون مع «اتحاد الشركات الناشئة الهندية»، ومؤسسة «فينشر غوروكول»، تعريف أصحاب رأس المال المخاطر والمستثمرين الصينيين على الشركات والمشروعات الناشئة الهندية الواعدة، ومساعدة تلك الشركات على الجانب الآخر في التواصل مع كبار المستثمرين الصينيين للحصول على استثمارات وتمويل لمشروعاتهم.
كذلك شاركت 12 شركة هندية ناشئة في «المنتدى الأول للاستثمارات الهندية» في المشروعات الناشئة الذي انعقد خلال العام الماضي، ونجحت 4 من تلك الشركات في الحصول على تمويل قدره 15 مليون دولار من رجال أعمال صينيين.
ويمثل هذا تناقضاً واضحاً وحاداً مع موقف «سيليكون فالي»، حيث يتم التعامل مع أصحاب رأس المال المخاطر الصينيين في أكثر الأحوال ببرود ولا مبالاة. وقد اتضح هذا التباين في المواقف خلال زيارة مجموعة من المستثمرين الصينيين إلى الهند خلال العام الماضي، حيث يقول ستيفن ليو، وهو رجل أعمال في بنغالور نظّم جولتهم: «لقد اندهشوا حقاً من حفاوة استقبالهم، في حين كان يتم إبعادهم عن المناقشة في (سيليكون فالي)، حين يتطرق الحديث إلى الاستثمار في أفضل الشركات. الوضع في الهند مختلف تماماً».
وتوجد على قائمة الشركات، التي يستثمر فيها الصينيون، كبرى الشركات التكنولوجية في الهند. وقد قبلت شركة «فليبكارت»، المنافس الرئيسي لشركة «أمازون» في البلاد، استثماراً من شركة «تينسينت» الصينية العملاقة التي تعمل في مجال مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك فعلت شركة «أولا»، النسخة الهندية من «أوبر».
ورحبت شركة «بايتم»، منصة للبيع بالتجزئة على الإنترنت ومقدمة خدمة محفظة إلكترونية رائدة في الهند، بشركة «علي بابا»، وتلقت مساهمة استثمارية قدرها 45 مليون دولار ضمن مجموعة من الاستثمارات المقدمة من شركة الإنترنت الصينية العملاقة. كذلك تمتلك شركة «علي بابا» منصة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست». وأكد الملياردير جاك ما، رئيس شركة «علي بابا»، حرصه على ضخ مزيد من الاستثمارات في الهند، مشيراً إلى أنه يستعد للتعاون مع أصحاب أعمال رائدة هنود في مجال التكنولوجيا.
ويمتلك المستثمرون الصينيون في نظر كثير من الشركات الناشئة الهندية مصدراً يمدّ أعمالهم بالحياة. يقول سانتوش باي، محامي استثمارات عابرة للحدود لدى شركة المحاماة «لينك ليغال إنديا لو سيرفيس» في نيودلهي: «إذا عرفت أي الشركات الناشئة سوف تفوز، فأنت تسأل بالأساس عن مقدار ما يملكون من مال». كذلك يقول كارثيك ريدي، شريك تنفيذي في «بلوم فينشرز» ومقرّها مومباي: «من الواضح أنه قد أصبح للمستثمرين الصينيين تأثير في تحديد من يكون الفائز الكبير في الهند وفي جعله أكبر».
- البحث عن الأسباب
ورغم أهمية التمويل، فإن المال ليس السبب الوحيد الذي يدفع إلى التعاون بين الجانبين، حيث يقول الكثيرون إنهم يقدّرون أوجه الشبه والتقارب بين الدولتين، فهما الدولتان الوحيدتان في العالم اللتان لديهما اقتصاد قوي مع تعداد سكان كبير يبلغ نحو 1.3 مليار نسمة، ومساحات شاسعة من الأراضي، ومجتمع سريع التغير والتحول.
ويقول مانديب مانوتشا، مؤسس شركة «كاشيفاي»، التي تبيع هواتف وأجهزة لوحية وأجهزة إلكترونية أخرى مستعملة: «الهند مثل الصين منذ 10 أعوام. سوف يفهم المستثمرون الصينيون مساحتنا على نحو أفضل من أصحاب رأس المال من الأميركيين». وأضاف: «عندما يكون لديك مستثمرون صينيون سوف يخبرونك كيف تستخدم الشركات في آسيا الهواتف الجوالة في القيام بأمور مختلفة منها التجارة واللعب وغيرها. لا أعتقد أنك تستطيع معرفة كثير مما يفيد الهند من الأسواق الغربية، فما سيتعلمه مؤسسو الشركات الهنود سيكون من الصين». ويتعلم إكامبارام حالياً لغة الماندرين من أجل الترحيب بشركاء العمل الصينيين في المستقبل.
- تحديات
مع ذلك لا تخلو الطريق إلى رأس المال الصيني، ولا التفاعل اليومي مع المستثمرين، من المشكلات، فهناك عائق اللغة الذي يفصل بين أصحاب الأعمال الرائدة الهنود وأصحاب رأس المال الصينيين، إلى جانب الاختلافات الثقافية. كذلك يشكو بعض العاملين في المجال من تحدث المستثمرين الصينيين بلغة الماندرين مع بعضهم بدلاً من إشراكهم في نقاش مفتوح باللغة الإنجليزية، في حين يلوم البعض الآخر المستثمرين الصينيين الذين لا يدركون مدى تعقيد النظام القانوني الهندي، ويتوقعون إنجاز الكثير خلال وقت قليل.
إلا أن تلك المشكلات لا يتوقع لها أن تدوم طويلاً، حيث يتذكر إكامبارام كيف كان من الصعب التواصل مع المستثمرين الصينيين بشأن ضرورة الالتزام بالسياسة منذ عامين، فقد كانوا ينزعجون من الأعمال الورقية التي لا تنتهي، بل وكانوا يتشككون أحياناً في الغرض من التوقيع على الوثائق. لحسن الحظ تبددت تلك المخاوف بمرور الوقت.
ويوضح: «أعتقد أن الأمور قد باتت أسهل الآن، فمع إبرام الصين مزيداً من الصفقات بدأ الصينيون يفهمون الهند بشكل أفضل عن ذي قبل».



الصين تمنع استحواذ «ميتا» على «مانوس» الناشئة للذكاء الاصطناعي

المساعد الذكي «مانوس» على شاشة أحد الهواتف الذكية (أ.ف.ب)
المساعد الذكي «مانوس» على شاشة أحد الهواتف الذكية (أ.ف.ب)
TT

الصين تمنع استحواذ «ميتا» على «مانوس» الناشئة للذكاء الاصطناعي

المساعد الذكي «مانوس» على شاشة أحد الهواتف الذكية (أ.ف.ب)
المساعد الذكي «مانوس» على شاشة أحد الهواتف الذكية (أ.ف.ب)

منعت هيئة التخطيط الحكومية الصينية، يوم الاثنين، استحواذ شركة «ميتا» الأميركية العملاقة للتكنولوجيا على شركة «مانوس» الصينية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، وأمرت بإلغاء الصفقة، في ظل تنافس بكين وواشنطن على الهيمنة في الصناعات الرائدة.

ويُبرز قرار لجنة التنمية والإصلاح الوطنية الصينية التزام بكين بمنع استحواذ الكيانات الأميركية على الكفاءات والملكية الفكرية في مجال الذكاء الاصطناعي، في الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى عرقلة تطوير الذكاء الاصطناعي من خلال فرض ضوابط تصدير تهدف إلى قطع الوصول إلى الرقائق الأميركية.

وقد يُضيف هذا القرار قضية شائكة أخرى إلى جدول أعمال قمة بكين المُقرر عقدها منتصف مايو (أيار) المقبل بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ.

واستحوذت شركة «ميتا»، ومقرها كاليفورنيا والمالكة لـ«فيسبوك»، على شركة «مانوس» في ديسمبر (كانون الأول) مقابل أكثر من ملياري دولار، في محاولة لتعزيز قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، وهي أدوات قادرة على تنفيذ مهام أكثر تعقيداً من روبوتات الدردشة بأقل قدر من التدخل البشري.

لكن في مارس (آذار)، مُنع الرئيس التنفيذي لشركة «مانوس»، شياو هونغ، وكبير علمائها، جي ييتشاو، من مغادرة الصين، بينما كانت الجهات التنظيمية تراجع الصفقة، وفقاً لمصادر مطلعة على الأمر.

وقد أشادت وسائل الإعلام الرسمية والمعلقون بشركة «مانوس» مطلع العام الماضي، واصفين إياها بأنها خليفة شركة «ديب سيك» الصينية، بعد إطلاقها ما وصفته بأنه أول روبوت ذكاء اصطناعي عام في العالم.

وبعد أشهر، نقلت «مانوس» مقرها الرئيسي من الصين إلى سنغافورة، لتنضم بذلك إلى موجة من الشركات الصينية الأخرى التي فعلت ذلك للحد من مخاطر التوترات الأميركية - الصينية.

وقال ألفريدو مونتوفار-هيلو، المدير الإداري في شركة «أنكورا تشاينا أدفايزرز»، إن تدخل بكين يعكس كيف أصبح الذكاء الاصطناعي محورياً في التنافس الاستراتيجي بين أكبر اقتصادين في العالم، حيث امتدت الضوابط التي كانت تركز سابقاً على أشباه الموصلات لتشمل الذكاء الاصطناعي. وأضاف: «تقول الصين إنها ستمنع الاستحواذ الأجنبي على الأصول التي نعدها مهمة للأمن القومي، والذكاء الاصطناعي الآن أحدها بوضوح». وأشار إلى أن هذه الخطوة تُرسل أيضاً رسالةً للشركات مفادها أن نقل عملياتها إلى الخارج لن يحميها من التدقيق.


الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)
توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)
TT

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)
توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار، منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

ويرى محللون أن هذا ربما يسهم في دعم الأسر والشركات والنمو في تلك الدول، حين يظهر تأثير ارتفاع الأسعار تدريجياً على المستهلكين العاديين خلال الأشهر المقبلة.

وألبانيا من الدول التي تقدم مثالاً واضحاً على ذلك، ففي وقت تُعطِّل فيه حرب إيران تدفقات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، وتتسبب في رفع أسعار الطاقة لمستويات كبيرة، يوفر لها نهر درين الذي ينحدر عبر جبال في شمال البلاد الحماية.

فبفضل أمطار الشتاء وذوبان الثلوج، وانتشار السدود الكهرومائية التي بُنيت خلال العهد الشيوعي، يقدم النهر طاقة كهربائية تزيد على 90 في المائة من إنتاج الكهرباء في ألبانيا، مما يساعد على ضبط أسعار الجملة.

ومن شأن ذلك أن يعزز أيضاً تحول أوروبا بشكل عام نحو الطاقة النظيفة الصديقة للبيئة.

أما الدول التي تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز، فهي تواجه ارتفاعات حادة في الأسعار، مما يفاقم ضغوط التضخم ويزيد من احتمال الركود في الاقتصاد العالمي.

وأصبح ملف الطاقة مصدر قلق مألوفاً للأوروبيين، إثر معاناتهم من أزمة طاقة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت في 2022.

وقال ساتيام سينغ، المحلل في شركة «ريستاد» لبحوث الطاقة، إن الأزمة ترفع الحد الأدنى للأسعار في المنطقة للجميع، ولكن الدول الأقل مرونة والأكثر اعتماداً على الوقود المستورد هي التي تشهد أقوى تأثير خلال التقلبات وذروة الأسعار.

اختلافات أسعار الكهرباء في أوروبا

شهدت إيطاليا التي تولِّد أكثر من 40 في المائة من الكهرباء بالغاز، ارتفاعاً يزيد على 20 في المائة في عقد بيع الجملة القياسي منذ بداية الحرب. أما في ألمانيا التي تعاني من نقص حاد في الغاز، ارتفع هذا العقد بأكثر من 15 في المائة.

وعلى النقيض من ذلك ارتفع في فرنسا التي تعتمد على المحطات النووية في 70 في المائة من إنتاجها للكهرباء، بأقل من نصف ما ارتفع في إيطاليا خلال الفترة نفسها.

أما في إسبانيا التي زادت إنتاجها من الطاقة المتجددة بسرعة إلى ما يقارب 60 في المائة من إجمالي الإنتاج، فقد انخفضت الأسعار. وسجلت ألبانيا أيضاً انخفاضاً في متوسط الأسعار في مارس (آذار) مقارنة بالعام الماضي، بفضل وفرة الطاقة الكهرومائية.

ولدى الدول التي تعتمد على الغاز -مثل إيطاليا وألمانيا واليونان- مستوى معين من إنتاج الطاقة الشمسية، ولكن الاعتماد المفرط على هذه الطاقة يتسبب فيما يطلق عليه «منحنى البطة»؛ إذ تكون الأسعار منخفضة في منتصف النهار ولكنها ترتفع بشكل حاد في الصباح الباكر وآخر النهار.

وقال أليساندرو أرمينيا، محلل شؤون الطاقة الكهربائية في «كبلر» لبيانات وتحليلات السلع الأولية، في باريس: «هدف معظم هذه الدول -مثل إيطاليا وألمانيا- هو بناء منظومة ضخمة (من مصادر الطاقة المتجددة والتخزين طويل الأجل) تعوض الاعتماد على الغاز. سيشكل ذلك تحدياً كبيراً».

وأشار محللون إلى أن دولاً منتجة للفحم -مثل بولندا وصربيا- تحملت أيضاً وطأة الأمر. وفي اليونان التي تتمتع بقدرة إنتاجية عالية من الطاقة الشمسية، تريد الشركة المشغلة لشبكة الكهرباء إبقاء محطة توليد الطاقة التي تعمل بالفحم الحجري -التي كان من المقرر إغلاقها- مفتوحة عاماً آخر على الأقل، بسبب حرب إيران.

ويتوقع المحللون أن تكون الصدمات في أسعار الطاقة بالنسبة للأُسر أقل حدة من القفزات في تكاليف الجملة التي شهدها قطاع النفط والغاز؛ إذ قد يستغرق الأمر شهوراً حتى تظهر هذه الزيادات في النظام.

ووضعت المفوضية الأوروبية خططاً لخفض ضرائب الكهرباء، في إطار سعيها للتخفيف من وطأة تداعيات الحرب، رغم أن مسؤولين ومحللين يحذِّرون من أن التكاليف الملقاة على عاتق الدول قد تتضخم بشدة نتيجة لذلك.


السعودية تربط الاستقدام بالأنظمة الرقمية لتعزيز الامتثال وحماية الأجور

مبنى وزارة الموارد البشرية في الرياض (واس)
مبنى وزارة الموارد البشرية في الرياض (واس)
TT

السعودية تربط الاستقدام بالأنظمة الرقمية لتعزيز الامتثال وحماية الأجور

مبنى وزارة الموارد البشرية في الرياض (واس)
مبنى وزارة الموارد البشرية في الرياض (واس)

تشهد سوق العمل في السعودية تحولات متسارعة مدفوعة بإصلاحات ضمن «رؤية 2030»، وتستهدف تعزيز الامتثال، وحماية الأجور، ورفع كفاءة البيئة التشغيلية، بالتوازي مع التوسع في ربط الاستقدام بالأنظمة الرقمية، وتطوير الشراكات الدولية لتنظيم تنقل العمالة، ودعم التنوع الوظيفي، بما يعزز الثقة المؤسسية والتعاون الدولي في تنظيم سوق العمل.

وفي هذا السياق، أكد نائب وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية للشؤون الدولية، الدكتور طارق الحمد، لـ«الشرق الأوسط» أن إصلاحات سوق العمل في المملكة أسهمت في تحقيق تقدم ملموس في تحديث الأنظمة، وتعزيز حماية العاملين، وخلق بيئة عمل أكثر ديناميكية، وشمولاً، مشيراً إلى أن هذه التحولات لم تعد تقتصر على الإطار المحلي، بل امتدت لتشمل بعداً دولياً أكثر تنظيماً من خلال الاتفاقيات الثنائية، ومنها الاتفاقيات الموقعة مع نيبال، ونيجيريا، والتي تمثل أدوات حوكمة لتنظيم تنقل العمالة، وتعزيز حمايتها.

تحولات في سوق العمل

وأوضح الحمد أن إصلاحات سوق العمل حققت تقدماً ملموساً في تحديث الأنظمة، وتعزيز حماية العاملين، ورفع كفاءة البيئة التشغيلية، لافتاً إلى أن النتائج انعكست بوضوح على مستويات المشاركة، والامتثال، والإنتاجية. وتابع أن تحديث أنظمة تنقل العمالة منذ عام 2021 أتاح مرونة أكبر للعمالة للانتقال بين أصحاب العمل ضمن أطر تنظيمية تتماشى مع أفضل الممارسات الدولية، في خطوة عززتها مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية التي أُطلقت في مارس (آذار) 2021، وشكّلت تحولاً محورياً في تنظيم التنقل الوظيفي.

وفي السياق المؤسسي، أشار إلى أن أكثر من 11 مليون عقد عمل تم توثيقها عبر منصة «قوى»، ما عزز الشفافية، ورفع مستوى الامتثال في القطاع الخاص، مبيناً أن تطبيق نظام الأجر القابل للتنفيذ أسهم في توفير آليات حماية وقائية، وتعزيز الثقة بين أطراف العلاقة التعاقدية.

نائب وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية للشؤون الدولية الدكتور طارق الحمد (الشرق الأوسط)

تعزيز حماية العمال

وفي موازاة هذه التحولات، شهدت منظومة حماية العمال تطوراً ملحوظاً، إذ أوضح الحمد أن نسبة التزام منشآت القطاع الخاص ببرنامج حماية الأجور تجاوزت 90 في المائة، ما يضمن دفع الرواتب بدقة، وفي الوقت المحدد.

وأضاف أن إجراءات تسوية النزاعات العمالية أصبحت أكثر سرعة، وكفاءة، وشفافية، في وقت انعكست فيه الإصلاحات على تعزيز الشمولية، حيث تضاعفت مشاركة المرأة في سوق العمل أكثر من مرتين بين عامي 2018 و2024، في واحدة من أسرع معدلات النمو عالمياً، فيما انضم نحو 2.48 مليون سعودي إلى وظائف القطاع الخاص منذ عام 2020.

التعاون الدولي

ومع تسارع هذه التحولات، لم تعد إصلاحات سوق العمل محصورة محلياً، بل برزت الحاجة إلى إطار دولي منظم يدعم استدامتها. وفي هذا الإطار، أكد الحمد أن التعاون الدولي المنظم في مجال العمل يمثل أولوية استراتيجية، كونه يعزز مكانة المملكة كشريك ملتزم بالتوظيف الأخلاقي، وتحديث الأنظمة، وتقاسم المسؤولية، ويعزز في الوقت ذاته الثقة المؤسسية، والتعاون الدبلوماسي في أسواق العمل.

وبيّن أن هذه الاتفاقيات تضمن مواءمة تنقل العمالة عبر الحدود مع المعايير التنظيمية الحديثة، ومتطلبات الشفافية، وأنظمة الامتثال الرقمية، لافتاً إلى أن التوسع في الاتفاقيات، بما في ذلك الاتفاقيات الموقعة مع بنغلاديش، ونيبال، ونيجيريا، يعكس تحولاً من نماذج الاستقدام التقليدية إلى شراكات مؤسسية طويلة الأجل بين الحكومات، بما يوفر قنوات تنقل عمالي أكثر استقراراً، ويعزز مستويات الثقة.

تعزيز الحوكمة

وانعكاساً لهذا التوجه، أوضح الحمد أن الاتفاقيات مع نيبال ونيجيريا تنظم دورة حياة العامل بشكل كامل، بدءاً من ترخيص الاستقدام، وتوثيق العقود، وصولاً إلى شفافية الأجور، وآليات تنسيق وتسوية النزاعات. وأضاف أنها تعزز الرقابة على وكالات الاستقدام، وتوضح الالتزامات التعاقدية، وتؤسس لتعاون مؤسسي بين الحكومات لمتابعة الامتثال، وحل الشكاوى بكفاءة. كما أشار إلى أن ربط هذه الاتفاقيات بالبنية الرقمية، مثل منصة «قوى» وبرنامج حماية الأجور، يضمن تحويل الالتزامات إلى آليات قابلة للتنفيذ مدعومة بالمتابعة اللحظية، إلى جانب تأسيس آليات إشراف مشتركة، وتبادل منتظم للمعلومات، ما يعزز الرقابة المستمرة، ويسرّع معالجة القضايا العمالية.

مواءمة المهارات مع احتياجات الاقتصاد

وفي إطار تعزيز كفاءة السوق، أكد الحمد أن مواءمة تنقل العمالة مع احتياجات القطاعات الاقتصادية تمثل ركيزة أساسية في استراتيجية سوق العمل، مشيراً إلى أن الاتفاقيات الحديثة أصبحت قائمة على احتياجات قطاعية محددة، بما يضمن أن يكون الاستقدام مدفوعاً بالطلب الفعلي، وليس الحجم، لا سيما في قطاعات مثل البناء، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والرعاية الصحية، والخدمات المتقدمة.

وأوضح أن الوزارة تعتمد على البيانات الرقمية عبر منصة «قوى» لتحليل احتياجات السوق، وتحديد الفجوات المهارية بشكل مستمر، ما يسمح بتوجيه الاستقدام وفق متطلبات الاقتصاد. وأضاف أن التنسيق مع الدول الشريكة قبل قدوم العمالة يسهم في التحقق من المهارات، ورفع جاهزية العاملين، وتقليل فجوات المهارات منذ بداية التوظيف.

وأشار إلى أن تخطيط القوى العاملة يُدمج بشكل متزايد مع المشاريع الوطنية الكبرى، لضمان تكامل العمالة الوافدة مع جهود توطين الوظائف، وليس إحلالها محلها، إلى جانب دعم برامج مثل «نطاقات» التي تحفّز توظيف الكوادر الوطنية في مختلف القطاعات.

حضور في المؤتمر الدولي لسوق العمل في الرياض (واس)

اعتراف دولي بالإصلاحات

وعلى الصعيد الدولي، حظيت هذه الإصلاحات بإشادة متزايدة، إذ أوضح الحمد أن صندوق النقد الدولي أشار إلى تحقيق نتائج ملموسة شملت تراجع معدلات البطالة بين السعوديين، وارتفاع مشاركة المرأة في سوق العمل، ونمو التوظيف في القطاع الخاص. وأضاف أن تقرير «عقد من التقدم»، الذي أُطلق بالتعاون مع البنك الدولي، استعرض التحولات الهيكلية في سوق العمل، فيما أشادت منظمة العمل الدولية بدور المملكة في تطوير سياسات العمل، والمشاركة في الحوار العالمي، بما يعكس تزايد اعتبارها نموذجاً يُحتذى به في إصلاح أسواق العمل، وتعزيز الشمولية، والمرونة الاقتصادية.

الأولويات المستقبلية

واختتم الحمد بالإشارة إلى أن المرحلة المقبلة ستركز على تعميق التعاون الدولي على المستويين الثنائي، ومتعدد الأطراف، من خلال توسيع اتفاقيات العمل مع دول جديدة، وتعزيز الشراكات مع المنظمات الدولية مثل منظمة العمل الدولية، والبنك الدولي، بما يدعم نقل الخبرات، وتطوير السياسات. وأكد أن الوزارة تعمل على تعزيز التعاون مع القطاع الخاص، والمؤسسات الأكاديمية، والجهات الدولية لمواكبة تحولات سوق العمل، بهدف ترسيخ مكانة المملكة كشريك عالمي موثوق في تطوير أسواق العمل، وتحقيق نتائج مستدامة.