الاستعمار في مرآة المثقفين الفرنسيين

كتاب موسوعي شارك فيه عشرات الباحثين من فرنسيين وعرب وأجانب

جاك بيرك
جاك بيرك
TT

الاستعمار في مرآة المثقفين الفرنسيين

جاك بيرك
جاك بيرك

لا ريب في أن الاستعمار الذي بدأ في القرن التاسع عشر كان يمثل خيانة لمبادئ التنوير المثالية العالية المتمثلة بفلسفة جان جاك روسو وإيمانويل كانط. فهذه المبادئ كانت كونية تحترم حرية كل إنسان وكرامته، وليس فقط الإنسان الغربي الأبيض أو الأشقر. ولكن الغرب الذي رفع لواءها فعل عكسها تماما عندما قام باستعمار الشعوب وسلبها حريتها وثرواتها. لقد زعم بأنه جاء «لتحضير» الشعوب، فإذا به يقهرها في عقر دارها ويسلبها أعز ما لديها. هذا ما نستشفه من قراءة هذا الكتاب الموسوعي الضخم الذي شارك فيه عشرات الباحثين من فرنسيين وعرب وأجانب، وأشرف عليه المؤرخ الفرنسي المعروف كلود ليوزو أستاذ علم التاريخ الحديث في جامعة السوربون وأحد كبار المختصين بشؤون الاستعمار وما تلاه. وقد كتب المقدمة وطرح هذا السؤال؛ لماذا ألفنا قاموساً خاصاً بالاستعمار؟ ألم ينتهِ عهد الاستعمار، يا ترى؟ فلماذا نعود إليه من جديد إذن وننكأ الجراح أو نحرك المياه الراكدة والآسنة؟
والجواب هو أن قضايا الاستعمار لا تزال تشغل المجتمع الفرنسي حتى بعد مرور أكثر من نصف قرن على نهاية هذا الاستعمار بالذات. والواقع أن تواجد الملايين من أبناء المستعمرات السابقة على الأرض الفرنسية هو الذي يثير المشكلة باستمرار. فكثيرون من أبناء هذه الجاليات العربية والإسلامية والمغاربية والأفريقية يعيبون على فرنسا أنها استعمرت بلدانهم الأصلية وأهانتهم وحاولت محو هويتهم، ثم بعد أن هاجروا إليها إذا بها تحتقرهم من جديد ولا تعطيهم فرصة العمل والسكن اللائق وسوى ذلك. وبالتالي فهي لا تزال تعاملهم وكأنهم خاضعون لها ولاستعمارها. أما اليمين المتطرف الفرنسي فيرى في هذه الجاليات المقيمة على أرضه بمثابة استعمار بالمقلوب! وهم يقولون للمغتربين المقيمين في فرنسا؛ نحن تركنا بلادكم وخرجنا من عندكم، فلماذا جئتم إلى عندنا بالملايين؟ هل ستنتقمون منا وتستعمروننا كما استعمرناكم؟
ثم يضيف كلود ليوزو قائلا: «هكذا نلاحظ أن مشكلة الاستعمار لم تنتهِ فصولا بعد حتى بعد انتهاء المرحلة الاستعمارية ذاتها. فما دامت المشكلات عالقة بين الطرفين، وما دامت فرنسا عاجزة عن الاعتذار لسكان المستعمرات السابقة فإن المشكلات ستبقى. ولهذا السبب تم تأليف قاموس كامل عن تلك المرحلة الاستعمارية بكل أحداثها وشخصياتها ورجالاتها».
والقاموس الجديد رُتبت مواده بحسب تسلسل الحروف الأبجدية تماما ككل القواميس الأخرى. فإذا أردنا أن نعرف مثلا علاقة المستشرق الكبير جاك بيرك بالموضوع يكفي أن نفتح القاموس على حرف الباء فنجد المعلومات التالية... إنه مستشرق فرنسي ولد عام 1910 ومات عام 1995 عن عمر يناهز الخامسة والثمانين عاما. وقد ولد في الجزائر وكان والده أوغست بيرك موظفا في الإدارة الاستعمارية ومختصا كبيرا في شؤون المجتمعات العربية والإسلامية.
وقد مشى ابنه على نفس الخط حتى تفوق على والده وأصبح أستاذا في الكوليج دو فرانس، التي هي أعلى مؤسسة علمية فرنسية، أي أعلى من السوربون. وكان جاك بيرك أولا موظفا في الإدارة الاستعمارية في المغرب الأقصى قبل أن يتخلى عن هذه المهنة ويتفرغ للبحث العلمي. وعلى هذا النحو أصبح مستشرقا كبيرا ودارسا جيدا للمجتمعات العربية، مغربية كانت أم مشرقية. وقد تخرجت على يديه في باريس أجيال متتابعة من المثقفين العرب. وبعضهم أصبحوا مشاهير لاحقا. ومعلوم أنه درس التطورات أو الطفرات التي طرأت على مجتمعاتنا العربية على مدار 50 سنة من الزمن. وكان تلميذا لماسينيون في البداية قبل أن يفترق عنه منهجياً ويطبق المناهج السوسيولوجية الحديثة على دراسة مصر وبقية المجتمعات العربية. فماسينيون ظل مثالياً مخلصاً لتاريخ الأفكار التجريدي أو التقليدي، لا يعبأ كثيراً بالمشروطيات السوسيولوجية والتاريخية للفرد والمجتمع. يضاف إلى ذلك أنه كان متديناً عميق الإيمان ومهووساً بالمقارنة بين الإيمان الإسلامي والإيمان المسيحي. وهذه ظاهرة إيجابية لا سلبية لماسينيون.
وفي أواخر حياته تفرغ جاك بيرك لترجمة القرآن الكريم. هذا وقد أدان جاك بيرك نظام الهيمنة الاستعمارية على الرغم من أنه مارسه في بداية حياته، ودعا إلى تشكيل أندلس جديدة يتعايش فيها العرب والفرنسيون والأوروبيون تماما كما حصل في الماضي البعيد. فهل ستعود حضارة الأندلس الزاهرة مرة أخرى؟ هل سينتصر حوار الحضارات على صدامها؟ قد يبدو هذا الكلام متهورا جدا في عصر الإخوان الدواعش. ولكن دعونا نحلم قليلا. هل الحلم ممنوع؟
لقد كان جاك بيرك جسرا حضاريا رائعا بين فرنسا والعالم العربي تماما مثل أستاذه ماسينيون أو تلميذه أندريه ميكيل. وبهذا الصدد تخطر على بالي ذكرى عزيزة على النفس، وهي أني زرت مكتبة جاك بيرك وتحدثت فيها بمعية الكاتب المبدع أمين الزاوي وبعض الآخرين. وكان ذلك على هامش الملتقى الأول للكُتاب العرب في المهجر. وهو الملتقى الذي احتضنته المكتبة الوطنية الجزائرية بإشراف أمين الزاوي نفسه حيث كان مديرها العام آنذاك. ولكن في آخر يوم صعدنا إلى الجبال الشاهقات حيث زرنا (وتبركنا!) بالمغارة التي كتب فيها ابن خلدون مقدمته الشهيرة. ومعلوم أنه كان مختبئاً فيها خوفاً على حياته من «الوحوش المفترسة» التي تلاحقه. نحن نقول اليوم المخابرات. ولكن مخابرات زمانه كانت مزحة قياساً إلى مخابرات عصرنا ذات الإمكانات الهائلة والقدرات الأخطبوطية التي لا يمكن أن تفلت منها ولو في المريخ! وبعدئذ انتقلنا إلى مدينة فرندة بولاية تيارت وزرنا مكتبة مفكر عظيم آخر هو جاك بيرك. ومعلوم أنه قبيل وفاته أوصى بإهداء مكتبته الشخصية التي تذخر بعشرات الآلاف من الكتب إلى مدينة فرندة مسقط رأسه حيث ولد وترعرع قبل أن ينتقل إلى فرنسا. وبالتالي فهو جزائري الأصل ولم يولد في فرنسا على عكس ما كنت أتوهم... ومعلوم أن مدينة فرندة هذه تقع على بعد 350 كيلومتراً غرب العاصمة الجزائرية في رأس الجبال الشامخات.
لنفتح القاموس الآن على اسم مفكر فرنسي آخر كبير هو أندريه جيد. فماذا نرى؟ نرى أنه أدان بوضوح في كتابيه «رحلة إلى الكونغو» (1927)، و«عودة من التشاد» (1928) ظاهرة الاستعمار والمستعمرين. وهاجم بعنف الشركات الاستعمارية التي فتحت مكاتب لها في أفريقيا من أجل التغلغل فيها واستعمارها واستغلال ثرواتها. حقاً لقد كان أندريه جيد كاتباً إنسانياً وتحررياً يكره الظلم والقهر من أي جهة جاء. وطالما صور في رواياته جشع المستوطنين ورغبتهم في استغلال البلدان الأفريقية إلى أقصى حد ممكن. وقال في كتبه: «عندما سافرت إلى البلدان الأفريقية المستعمرة لأول مرة لم أكن ضد الاستعمار. ولكن عندما رأيت كيف يعاملون السكان الأصليين بكل عنصرية واحتقار أصبحت من ألدّ أعداء الاستعمار. حقا إن الاستعمار نظام حقير ودنيء وظالم من أساسه. إنه عار علينا نحن الشعوب المتحضرة أو التي تدعي الحضارة». هذا ما يقوله أندريه جيد الذي تحدث عنه طه حسين يوماً ما وأشاد بإبداعاته الأدبية.
أما الكاتب الشهير أناتول فرانس (1844 - 1924) فكان من ألد أعداء الاستعمار. وعندما انتخبوه عضواً في الأكاديمية الفرنسية عام 1896 اعتقدوا أنه سيصبح «عاقلا» وينضم إلى الحزب الفرنسي المؤيد للاستعمار، ولكنه رفض ذلك، وراح يندد بالمشروع الاستعماري من أساسه وينقض مزاعمه القائلة بأنه يهدف إلى تحضير الشعوب «البربرية» أو إدخالها في الحضارة. وقد ألقى خطاباً عام 1906 ضد البربرية الاستعمارية قائلا لم يعرف العرب والسود وسواهم من حضارتنا حتى الآن إلا المجازر والاستغلال والقهر والاستيطان. فأين الحضارة إذن؟ إن الاستعمار أيها السادة هو أحقر أنواع البربرية. هل تعلمون أن هذا الاستعمار الوحشي واللاإنساني سوف يجعل ملايين البشر في أفريقيا والهند الصينية والعالم العربي يحقدون علينا؟ ألا تباً للاستعمار والمستعمرين. وقد صدّقت الأيام نبوءته، فالاستعمار زال، ولكن الحقد عليه لدى الشعوب المضطهدة لم يزل حتى الآن. اسألوا الجزائريين!
ثم يطرح أحد الباحثين هذا السؤال؛ ما موقف المستشرق الشهير لويس ماسينيون من الاستعمار؟ وجواب القاموس على النحو التالي... لقد كان مضاداً للاستعمار على الرغم من أنه اشتغل لفترة مستشاراً لدى وزارة الخارجية الفرنسية. ولكن السياسيين نادرا ما كانوا يأخذون بنصائحه. ولذا كرس حياته بعدئذ لدراسة التراث الإسلامي، وبخاصة الجانب الصوفي منه. ونشر بعدئذ كتاباً ضخماً عن الحلاّج في عدة أجزاء. وهو من أبدع ما كتب؛ لأنه كان منصهرا في الموضوع كل الانصهار. ولا يزال هذا الكتاب مرجعاً لكل الباحثين. هذا وقد بذل ماسينيون جهوداً كبيرة للتقريب بين الإسلام والمسيحية، ودشن بذلك حوار الحضارات أو حوار الأديان، قبل أن يصبح على الموضة مؤخراً. وهو الذي أسس «مجلة الدراسات الإسلامية» بالفرنسية عام 1926، التي لا تزال تصدر حتى الآن. وكان تلميذه جاك بيرك يلقبه بـ«الشيخ الرائع» نظراً لميله نحو الإسلام ومحبته للمسلمين وعقيدتهم ونمط حياتهم. وكان حريصاً جداً على تحسين علاقة فرنسا مع العالم العربي. ويمكن القول بأنه هو الذي دشن السياسة العربية لفرنسا. وهي السياسة التي سار على خطاها الجنرال ديغول ورعاها. وقد ولد ماسينيون عام 1883 ومات عام 1962 عن عمر يناهز التاسعة والسبعين.
أما الروائي المشهور فرنسوا مورياك (1885 - 1970) فقد كان في بداية حياته مؤيدا للمشروعات الاستعمارية. وقد وقّع عام 1925 بياناً ضد المثقفين الشيوعيين والسورياليين الذين نددوا بالاستعمار الفاشي في إثيوبيا. ولكن بعد حرب إسبانيا والاحتلال النازي لفرنسا نفسها غيَّر مواقفه وأصبح كارهاً لكل أنواع الاحتلال والاستعمار. وفي عام 1952 نال مورياك جائزة نوبل للآداب على رواياته الناجحة. وتعرّف عندئذ على مثقف مسيحي يدعى روبير بارات، من ألد أعداء الاستعمار، وهو الذي أسس الجريدة المشهورة باسم «الشاهد المسيحي». وهي الجريدة التي جمعت حولها معظم الكُتاب المسيحيين اليساريين المضادين للحملات الاستعمارية الفرنسية، وللجرائم التي ارتكبها هذا الاستعمار في مناطق شتى من العالم.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً