الاستعمار في مرآة المثقفين الفرنسيين

كتاب موسوعي شارك فيه عشرات الباحثين من فرنسيين وعرب وأجانب

جاك بيرك
جاك بيرك
TT

الاستعمار في مرآة المثقفين الفرنسيين

جاك بيرك
جاك بيرك

لا ريب في أن الاستعمار الذي بدأ في القرن التاسع عشر كان يمثل خيانة لمبادئ التنوير المثالية العالية المتمثلة بفلسفة جان جاك روسو وإيمانويل كانط. فهذه المبادئ كانت كونية تحترم حرية كل إنسان وكرامته، وليس فقط الإنسان الغربي الأبيض أو الأشقر. ولكن الغرب الذي رفع لواءها فعل عكسها تماما عندما قام باستعمار الشعوب وسلبها حريتها وثرواتها. لقد زعم بأنه جاء «لتحضير» الشعوب، فإذا به يقهرها في عقر دارها ويسلبها أعز ما لديها. هذا ما نستشفه من قراءة هذا الكتاب الموسوعي الضخم الذي شارك فيه عشرات الباحثين من فرنسيين وعرب وأجانب، وأشرف عليه المؤرخ الفرنسي المعروف كلود ليوزو أستاذ علم التاريخ الحديث في جامعة السوربون وأحد كبار المختصين بشؤون الاستعمار وما تلاه. وقد كتب المقدمة وطرح هذا السؤال؛ لماذا ألفنا قاموساً خاصاً بالاستعمار؟ ألم ينتهِ عهد الاستعمار، يا ترى؟ فلماذا نعود إليه من جديد إذن وننكأ الجراح أو نحرك المياه الراكدة والآسنة؟
والجواب هو أن قضايا الاستعمار لا تزال تشغل المجتمع الفرنسي حتى بعد مرور أكثر من نصف قرن على نهاية هذا الاستعمار بالذات. والواقع أن تواجد الملايين من أبناء المستعمرات السابقة على الأرض الفرنسية هو الذي يثير المشكلة باستمرار. فكثيرون من أبناء هذه الجاليات العربية والإسلامية والمغاربية والأفريقية يعيبون على فرنسا أنها استعمرت بلدانهم الأصلية وأهانتهم وحاولت محو هويتهم، ثم بعد أن هاجروا إليها إذا بها تحتقرهم من جديد ولا تعطيهم فرصة العمل والسكن اللائق وسوى ذلك. وبالتالي فهي لا تزال تعاملهم وكأنهم خاضعون لها ولاستعمارها. أما اليمين المتطرف الفرنسي فيرى في هذه الجاليات المقيمة على أرضه بمثابة استعمار بالمقلوب! وهم يقولون للمغتربين المقيمين في فرنسا؛ نحن تركنا بلادكم وخرجنا من عندكم، فلماذا جئتم إلى عندنا بالملايين؟ هل ستنتقمون منا وتستعمروننا كما استعمرناكم؟
ثم يضيف كلود ليوزو قائلا: «هكذا نلاحظ أن مشكلة الاستعمار لم تنتهِ فصولا بعد حتى بعد انتهاء المرحلة الاستعمارية ذاتها. فما دامت المشكلات عالقة بين الطرفين، وما دامت فرنسا عاجزة عن الاعتذار لسكان المستعمرات السابقة فإن المشكلات ستبقى. ولهذا السبب تم تأليف قاموس كامل عن تلك المرحلة الاستعمارية بكل أحداثها وشخصياتها ورجالاتها».
والقاموس الجديد رُتبت مواده بحسب تسلسل الحروف الأبجدية تماما ككل القواميس الأخرى. فإذا أردنا أن نعرف مثلا علاقة المستشرق الكبير جاك بيرك بالموضوع يكفي أن نفتح القاموس على حرف الباء فنجد المعلومات التالية... إنه مستشرق فرنسي ولد عام 1910 ومات عام 1995 عن عمر يناهز الخامسة والثمانين عاما. وقد ولد في الجزائر وكان والده أوغست بيرك موظفا في الإدارة الاستعمارية ومختصا كبيرا في شؤون المجتمعات العربية والإسلامية.
وقد مشى ابنه على نفس الخط حتى تفوق على والده وأصبح أستاذا في الكوليج دو فرانس، التي هي أعلى مؤسسة علمية فرنسية، أي أعلى من السوربون. وكان جاك بيرك أولا موظفا في الإدارة الاستعمارية في المغرب الأقصى قبل أن يتخلى عن هذه المهنة ويتفرغ للبحث العلمي. وعلى هذا النحو أصبح مستشرقا كبيرا ودارسا جيدا للمجتمعات العربية، مغربية كانت أم مشرقية. وقد تخرجت على يديه في باريس أجيال متتابعة من المثقفين العرب. وبعضهم أصبحوا مشاهير لاحقا. ومعلوم أنه درس التطورات أو الطفرات التي طرأت على مجتمعاتنا العربية على مدار 50 سنة من الزمن. وكان تلميذا لماسينيون في البداية قبل أن يفترق عنه منهجياً ويطبق المناهج السوسيولوجية الحديثة على دراسة مصر وبقية المجتمعات العربية. فماسينيون ظل مثالياً مخلصاً لتاريخ الأفكار التجريدي أو التقليدي، لا يعبأ كثيراً بالمشروطيات السوسيولوجية والتاريخية للفرد والمجتمع. يضاف إلى ذلك أنه كان متديناً عميق الإيمان ومهووساً بالمقارنة بين الإيمان الإسلامي والإيمان المسيحي. وهذه ظاهرة إيجابية لا سلبية لماسينيون.
وفي أواخر حياته تفرغ جاك بيرك لترجمة القرآن الكريم. هذا وقد أدان جاك بيرك نظام الهيمنة الاستعمارية على الرغم من أنه مارسه في بداية حياته، ودعا إلى تشكيل أندلس جديدة يتعايش فيها العرب والفرنسيون والأوروبيون تماما كما حصل في الماضي البعيد. فهل ستعود حضارة الأندلس الزاهرة مرة أخرى؟ هل سينتصر حوار الحضارات على صدامها؟ قد يبدو هذا الكلام متهورا جدا في عصر الإخوان الدواعش. ولكن دعونا نحلم قليلا. هل الحلم ممنوع؟
لقد كان جاك بيرك جسرا حضاريا رائعا بين فرنسا والعالم العربي تماما مثل أستاذه ماسينيون أو تلميذه أندريه ميكيل. وبهذا الصدد تخطر على بالي ذكرى عزيزة على النفس، وهي أني زرت مكتبة جاك بيرك وتحدثت فيها بمعية الكاتب المبدع أمين الزاوي وبعض الآخرين. وكان ذلك على هامش الملتقى الأول للكُتاب العرب في المهجر. وهو الملتقى الذي احتضنته المكتبة الوطنية الجزائرية بإشراف أمين الزاوي نفسه حيث كان مديرها العام آنذاك. ولكن في آخر يوم صعدنا إلى الجبال الشاهقات حيث زرنا (وتبركنا!) بالمغارة التي كتب فيها ابن خلدون مقدمته الشهيرة. ومعلوم أنه كان مختبئاً فيها خوفاً على حياته من «الوحوش المفترسة» التي تلاحقه. نحن نقول اليوم المخابرات. ولكن مخابرات زمانه كانت مزحة قياساً إلى مخابرات عصرنا ذات الإمكانات الهائلة والقدرات الأخطبوطية التي لا يمكن أن تفلت منها ولو في المريخ! وبعدئذ انتقلنا إلى مدينة فرندة بولاية تيارت وزرنا مكتبة مفكر عظيم آخر هو جاك بيرك. ومعلوم أنه قبيل وفاته أوصى بإهداء مكتبته الشخصية التي تذخر بعشرات الآلاف من الكتب إلى مدينة فرندة مسقط رأسه حيث ولد وترعرع قبل أن ينتقل إلى فرنسا. وبالتالي فهو جزائري الأصل ولم يولد في فرنسا على عكس ما كنت أتوهم... ومعلوم أن مدينة فرندة هذه تقع على بعد 350 كيلومتراً غرب العاصمة الجزائرية في رأس الجبال الشامخات.
لنفتح القاموس الآن على اسم مفكر فرنسي آخر كبير هو أندريه جيد. فماذا نرى؟ نرى أنه أدان بوضوح في كتابيه «رحلة إلى الكونغو» (1927)، و«عودة من التشاد» (1928) ظاهرة الاستعمار والمستعمرين. وهاجم بعنف الشركات الاستعمارية التي فتحت مكاتب لها في أفريقيا من أجل التغلغل فيها واستعمارها واستغلال ثرواتها. حقاً لقد كان أندريه جيد كاتباً إنسانياً وتحررياً يكره الظلم والقهر من أي جهة جاء. وطالما صور في رواياته جشع المستوطنين ورغبتهم في استغلال البلدان الأفريقية إلى أقصى حد ممكن. وقال في كتبه: «عندما سافرت إلى البلدان الأفريقية المستعمرة لأول مرة لم أكن ضد الاستعمار. ولكن عندما رأيت كيف يعاملون السكان الأصليين بكل عنصرية واحتقار أصبحت من ألدّ أعداء الاستعمار. حقا إن الاستعمار نظام حقير ودنيء وظالم من أساسه. إنه عار علينا نحن الشعوب المتحضرة أو التي تدعي الحضارة». هذا ما يقوله أندريه جيد الذي تحدث عنه طه حسين يوماً ما وأشاد بإبداعاته الأدبية.
أما الكاتب الشهير أناتول فرانس (1844 - 1924) فكان من ألد أعداء الاستعمار. وعندما انتخبوه عضواً في الأكاديمية الفرنسية عام 1896 اعتقدوا أنه سيصبح «عاقلا» وينضم إلى الحزب الفرنسي المؤيد للاستعمار، ولكنه رفض ذلك، وراح يندد بالمشروع الاستعماري من أساسه وينقض مزاعمه القائلة بأنه يهدف إلى تحضير الشعوب «البربرية» أو إدخالها في الحضارة. وقد ألقى خطاباً عام 1906 ضد البربرية الاستعمارية قائلا لم يعرف العرب والسود وسواهم من حضارتنا حتى الآن إلا المجازر والاستغلال والقهر والاستيطان. فأين الحضارة إذن؟ إن الاستعمار أيها السادة هو أحقر أنواع البربرية. هل تعلمون أن هذا الاستعمار الوحشي واللاإنساني سوف يجعل ملايين البشر في أفريقيا والهند الصينية والعالم العربي يحقدون علينا؟ ألا تباً للاستعمار والمستعمرين. وقد صدّقت الأيام نبوءته، فالاستعمار زال، ولكن الحقد عليه لدى الشعوب المضطهدة لم يزل حتى الآن. اسألوا الجزائريين!
ثم يطرح أحد الباحثين هذا السؤال؛ ما موقف المستشرق الشهير لويس ماسينيون من الاستعمار؟ وجواب القاموس على النحو التالي... لقد كان مضاداً للاستعمار على الرغم من أنه اشتغل لفترة مستشاراً لدى وزارة الخارجية الفرنسية. ولكن السياسيين نادرا ما كانوا يأخذون بنصائحه. ولذا كرس حياته بعدئذ لدراسة التراث الإسلامي، وبخاصة الجانب الصوفي منه. ونشر بعدئذ كتاباً ضخماً عن الحلاّج في عدة أجزاء. وهو من أبدع ما كتب؛ لأنه كان منصهرا في الموضوع كل الانصهار. ولا يزال هذا الكتاب مرجعاً لكل الباحثين. هذا وقد بذل ماسينيون جهوداً كبيرة للتقريب بين الإسلام والمسيحية، ودشن بذلك حوار الحضارات أو حوار الأديان، قبل أن يصبح على الموضة مؤخراً. وهو الذي أسس «مجلة الدراسات الإسلامية» بالفرنسية عام 1926، التي لا تزال تصدر حتى الآن. وكان تلميذه جاك بيرك يلقبه بـ«الشيخ الرائع» نظراً لميله نحو الإسلام ومحبته للمسلمين وعقيدتهم ونمط حياتهم. وكان حريصاً جداً على تحسين علاقة فرنسا مع العالم العربي. ويمكن القول بأنه هو الذي دشن السياسة العربية لفرنسا. وهي السياسة التي سار على خطاها الجنرال ديغول ورعاها. وقد ولد ماسينيون عام 1883 ومات عام 1962 عن عمر يناهز التاسعة والسبعين.
أما الروائي المشهور فرنسوا مورياك (1885 - 1970) فقد كان في بداية حياته مؤيدا للمشروعات الاستعمارية. وقد وقّع عام 1925 بياناً ضد المثقفين الشيوعيين والسورياليين الذين نددوا بالاستعمار الفاشي في إثيوبيا. ولكن بعد حرب إسبانيا والاحتلال النازي لفرنسا نفسها غيَّر مواقفه وأصبح كارهاً لكل أنواع الاحتلال والاستعمار. وفي عام 1952 نال مورياك جائزة نوبل للآداب على رواياته الناجحة. وتعرّف عندئذ على مثقف مسيحي يدعى روبير بارات، من ألد أعداء الاستعمار، وهو الذي أسس الجريدة المشهورة باسم «الشاهد المسيحي». وهي الجريدة التي جمعت حولها معظم الكُتاب المسيحيين اليساريين المضادين للحملات الاستعمارية الفرنسية، وللجرائم التي ارتكبها هذا الاستعمار في مناطق شتى من العالم.



حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).