قمة العشرين يسودها التوتر بعد عشر سنوات على اجتماعها الأول

توقع اجتماعات ثنائية بين رؤساء الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند

اتخذت الأرجنتين إجراءات أمنية مشددة في العاصمة بوينس آيرس من أجل حماية المكان والقادة (أ.ب)
اتخذت الأرجنتين إجراءات أمنية مشددة في العاصمة بوينس آيرس من أجل حماية المكان والقادة (أ.ب)
TT

قمة العشرين يسودها التوتر بعد عشر سنوات على اجتماعها الأول

اتخذت الأرجنتين إجراءات أمنية مشددة في العاصمة بوينس آيرس من أجل حماية المكان والقادة (أ.ب)
اتخذت الأرجنتين إجراءات أمنية مشددة في العاصمة بوينس آيرس من أجل حماية المكان والقادة (أ.ب)

في وسط الأوضاع المتوترة عالمياً، ستشهد قمة العشرين مصالحة رمزية. فبعد 36 عاماً على حرب الفوكلاند ستكون تيريزا ماي أول رئيسة وزراء بريطانية تتوجه إلى بوينس آيرس. وبعد عشر سنوات من انعقاد القمة الأولى تواجه التعددية صعوبات بسبب شعار «أميركا أولاً» الذي رفعه الرئيس الأميركي دونالد ترمب وانتخاب قادة شعبويين في إيطاليا والبرازيل وغيرهما، وكذلك قرار خروج بريطانيا من التكتل الأوروبي (بريكست). ولم يعد هناك توافق على أي نوايا حسنة حتى لو كانت مبهمة جداً، وهذا ينطبق خصوصاً على مكافحة الاحترار التي تنوي فرنسا الدفاع عنها في بوينس آيرس قبل أن يفتتح في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) مؤتمر المناخ الكبير في بولندا. ولن ينجح الرئيس إيمانويل ماكرون بالتأكيد في كسب تأييد دونالد ترمب الذي أدان اتفاق باريس، ويشكك باستمرار في مفهوم ارتفاع حرارة الجو.
ويبدو أن اللقاء بينهما سيكون فاتراً بعد تغريدة ساخرة للرئيس الأميركي حول تراجع شعبية نظيره الفرنسي.
ولم يتضح بعد ما إذا كان سيلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره الأميركي دونالد ترمب على هامش القمة هذا الأسبوع مع ازدياد حدة التوترات بين موسكو من جهة والدول الأوروبية والولايات المتحدة من جهة أخرى بسبب الأزمة الأوكرانية.
وقال بوتن إنه يأمل بلقاء ترمب، الذي صرح الثلاثاء بأنه قد يلغي الاجتماع بسبب احتجاز روسيا ثلاث سفن تابعة للبحرية الأوكرانية مطلع الأسبوع، لكن الكرملين قال أمس (الأربعاء)، إنه يعتقد أن الاجتماع لم يلغ. وقال بوتين في منتدى مالي في موسكو أمس «آمل أن أتمكن من التحدث مع ترمب في الأرجنتين... آمل أن نتمكن من بحث الحواجز التجارية. سلوك ترمب بشكل عام إيجابي». وأعلن الكرملين، الأربعاء، أن اللقاء المرتقب «قيد التحضير». وقال ديمتري بيسكوف للصحافيين، الأربعاء: إن «التحضير للقاء مستمر. لقد تم الاتفاق على عقد اللقاء. لا نملك أي معلومات أخرى من زملائنا الأميركيين». وتابع بيسكوف: «ذلك رهن بما يعتبره (ترمب) عدواناً. فإذا كان يعتبر تحرك السفن الحربية الأوكرانية عدواناً، فهذا شيء. يمكننا مناقشة ذلك لتحديد ما إذا كان عدواناً أم لا». وأضاف: «أما إذا كان يعتبر تحرك خفر السواحل الروسي لوقف محاولة انتهاك الحدود الروسية، عدواناً، فهذا شيء آخر. نحن لسنا موافقين على ذلك».
وكان ترمب قال في مقابلة مع صحيفة «واشنطن بوست»: إن «هذا العدوان لا يروق» له، مضيفاً: «ربما لن أجري هذا اللقاء» مع بوتين. وعلى هذه الخلفية هدد الرئيس الأميركي بإلغاء لقاء ثنائي مع نظيره الروسي. وقال ترمب، إنه ينتظر تقييماً من مستشاريه للأمن القومي حول الوضع الأوكراني، ستكون النتائج التي يتوصلون إليها «حاسمة». وصرح ترمب «قد لا أعقد هذا اللقاء» مع بوتين. لكن الكرملين أعلن، الأربعاء، أن التحضيرات لعقد هذا اللقاء لا تزال جارية. وفي بوينس آيرس سيلتقي بوتين الأوروبيين أيضاً الذين يدينون هذا التصعيد.
وصرحت المتحدثة باسم الرئاسة سارة ساندرز، بأن «الرئيس والوفد سيجريان محادثات مع الكثير من القادة، تشمل لقاءات ثنائية مع رئيس الأرجنتين ورئيس روسيا ورئيس الوزراء الياباني والمستشارة الألمانية، إضافة إلى عشاء عمل مع الرئيس الصيني». وسيجتمع ترمب أيضاً برؤساء تركيا والهند وكوريا الجنوبية، بحسب ما أوضح مستشاره للأمن القومي جون بولتون. ويلتقي رؤساء دول وحكومات القوى العشرين الأولى في العالم، هي 19 دولة والاتحاد الأوروبي، تشكل 85 في المائة من إجمالي الناتج العالمي، الجمعة والسبت في بوينس آيرس.
وسينتشر أكثر من 22 ألف شرطي أرجنتيني لضمان أمن القمة التي تعقد في بلد يشهد أزمة اقتصادية جديدة. قمة العام عام الماضي نظمت في هامبورغ بألمانيا، وشهدت أعمال عنف على هامشها. وقال فرنسوا هيسبورغ، المستشار في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية في باريس، لوكالة الصحافة الفرنسية: إن «الموضوع الذي فرض نفسه للتو هو قضية بحر آزوف». ورداً على هذا الحادث، فرضت أوكرانيا، وهي ليست عضواً في مجموعة العشرين، حالة الطوارئ.
وعلى الصعيد التجاري، ينتظر هيسبورغ ليرى «ما إذا كانت الصين ستتصدى» لترمب الذي تبنى في الأيام الأخيرة مواقف متباينة منها. ويفترض أن يجري الرئيس الأميركي محادثات مع نظيره الصيني شي جينبينغ على هامش القمة، الذي يعتبر اللقاء الثاني المهم في قمة العشرين.
وبعدما هزّ التصعيد الذي تمثل بإجراءات جمركية انتقامية بين بكين وواشنطن، الاقتصاد العالمي، كرر ترمب الاثنين تهديده بفرض رسوم على كل البضائع المستوردة في الولايات المتحدة. لكنه عاد الثلاثاء وقال: إنه يرى «فرصة جيدة» للتوصل إلى اتفاق مع بكين ببعض الشروط. وكانت قمة التعاون الاقتصادي لآسيا المحيط الهادي انتهت في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) بمأزق، بلا إصدار بيان ختامي، بعد مناقشات صاخبة بين الممثلين الأميركيين والصينيين.
وصرح وزير الخارجية الأرجنتيني، خورخي فوري، لوكالة الصحافة الفرنسية، بأن المشاركين سيحرصون في البيان الختامي على الدعوة إلى رؤية «منطقية وإيجابية» للتجارة. لكن الوضع يبدو بعيداً عن الوحدة المعلنة التي اختتمت بها قمة مجموعة العشرين الأولى في واشنطن في 15 نوفمبر 2008. وقد أشاد البيان الختامي بـ«التعددية» لتأمين «الرخاء» لعالم كانت تهزه أزمة مالية. وعلى جانب آخر، قال مسؤولون: إن رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي، والرئيس الصيني سيلتقيان على هامش القمة للبناء على دفء العلاقات بين البلدين بعد مواجهة عسكرية على الحدود بينهما العام الماضي. وسيشارك جيشا البلدين في تدريبات مشتركة هذا العام بهدف بناء الثقة بعد المواجهة التي استمرت 73 يوماً في منطقة من الحدود عند جبال الهيمالايا، وأثارت المخاوف من نشوب حرب. وقال وزير الخارجية الهندي، فيجاي جوخال، للصحافيين: إن اجتماع مودي وشي في الأرجنتين سيكون اللقاء الرابع بينهما هذا العام.
وأضاف: «تقرر أن ينتهزا الفرصة أينما ووقتما تسنى أن يلتقيا. يمكنهما بحث القضايا التي تدور برأس أي منهما أو القضايا ذات الاهتمام المشترك». وإلى جانب الخلاف الحدودي طويل الأمد، يتنافس البلدان كذلك على النفوذ في المحيط الهندي ويتنازعان بشأن مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها شي.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».