برلين... الوجه الفني التوّاق للحرية ومحو قمع الماضي

فن الشارع فيها تعبير عن التمرد... وممارسة لحق سياسي

«الفن البديل» تلحظه هنا في كل مكان عندما تتجول في الشارع وتنقل نظرك بين الأبنية والجدران وحتى القطارات
«الفن البديل» تلحظه هنا في كل مكان عندما تتجول في الشارع وتنقل نظرك بين الأبنية والجدران وحتى القطارات
TT

برلين... الوجه الفني التوّاق للحرية ومحو قمع الماضي

«الفن البديل» تلحظه هنا في كل مكان عندما تتجول في الشارع وتنقل نظرك بين الأبنية والجدران وحتى القطارات
«الفن البديل» تلحظه هنا في كل مكان عندما تتجول في الشارع وتنقل نظرك بين الأبنية والجدران وحتى القطارات

قد تبدو برلين، بجدرانها المليئة بالخربشات العشوائية، للوهلة الأولى «متسخة»، لكنها في الواقع رسومات فنية حوّلت العاصمة الألمانية إلى أشهر مدينة لـ«الفن البديل» أو «فن الشارع» في أوروبا. تختلف هذه المدينة كثيراً عن غيرها من المدن الألمانية. فرغم أنها عاصمة أكبر اقتصاد في أوروبا، هي فقيرة. ورغم أنها عاشت منقسمة أيام الشيوعية، فهي تعد اليوم أكبر مثال للتعايش لاجتذابها ما يزيد على الـ120 جنسية، بينما يعد النشاط السياسي هنا سمة يعيشها السكان يومياً، وإحدى وسائل التعبير عنه هو «الفن البديل».
لا تعاني برلين نقصاً في المتاحف التقليدية، من متحف DDR جمهورية ألمانيا الديمقراطية (الشيوعية) إلى المتحف اليهودي وجزيرة المتاحف... لكن من أراد أن يفهم هذه المدينة المعقدة حقاً، فعليه أن يجول أيضاً في «قلبها النابض» وفي شوارعها الخلفية أحياناً.
«الفن البديل» تلحظه هنا في كل مكان. عندما تتجول في الشارع، وتنقل نظرك بين الأبنية والجدران وحتى القطارات... في منطقتي ميتا وكرويتزبيرغ تجد معارض متخصصة بهذا الفن، قد يكون أشهرها «كوتنهاوس تاشيليس» في شارع أورانينبيرغر في منطقة ميتا. هذا المبنى الضخم الذي استخدمه النازيون مقراً لهم أيام الحرب العالمية الثانية، وبدأ الشيوعيون في هدمه بعد الحرب، يعد اليوم من أكبر وأشهر معارض «فن الشارع» في برلين. يعيش فيه أيضاً فنانون حولوا غرفه إلى ورش للرسم والإبداع.
جدران المبنى من الخارج مليئة بأكملها برسوم الغرافيتي. حتى الدرج الذي يأخذك إلى غرف مختلفة من المبنى يضج بألوان وأشكال ورسائل على اختلافها. الفنانون المقيمون في ورشه استقروا فيه بعد سقوط حائط برلين عام 1989.
المبنى الواقع على ما كان حدود برلين الشرقية والغربية بالقرب من الحائط الفاصل، تحول مهجوراً بعد فترة قصيرة من الحرب العالمية الثانية. ورغم أنه تعرض لضرر قليل أثناء الحرب، فقد قرر الشيوعيون هدمه بعد نصائح مهندسين في السبعينات. وبالفعل دُمّر جزء منه عام 1980، وكان من المقرر أن يدمَّر الجزء الباقي عام 1990. لكن قبل شهرين من التاريخ المقرر لتدميره سقط جدار برلين، وانتقل فنانون من أنحاء المدينة للعيش فيه. وتبين لاحقاً أن المبنى في حالة جيدة، وسُجّل على أنه مبنى تاريخي.
لكن حتى معارض مثل «كونتهاوس تاشيليس» ليست أكثر ما يلخص «الفن البديل» في برلين. بل جولة على الأقدام في الشارع ومراقبة الرسومات على الجدران والأبنية، وبخاصة في المنطقة الممتدة من ألكسندر بلازا حتى كرويتزبيرغ.
في السنوات الأخيرة، نجح عدد من فناني الشارع في ترك بصماتهم في أنحاء برلين. واحد من أشهر هؤلاء مجموعة من 6 شبان يخفون هويتهم، وينشرون توقيعهم 1UP في كل مكان: على أعلى الأبنية، على الجدران وأيضاً على القطارات. التوقيع يعني «وان يونايتد باور» ترجمتها «قوة واحدة موحدة» وتحمل معاني سياسية وإشارات إلى مواجهة العنصرية. ويستعملون رذاذ الطلاء في أعمالهم. وينشر هؤلاء الشبان على «يوتيوب» تفاصيل «عملياتهم» من دون إظهار وجوههم ولا أصواتهم الحقيقية. فالرسم على الحيطان مخالف للقانون، وقد يعرّضهم لغرامات باهظة وحتى السجن. والمثير في عمل هذه المجموعة، مدى استعدادهم لخرق القانون لإيصال فنهم. فهم إلى جانب خرقهم القانون بالرسم في أماكن عامة، يخاطرون بالصعود إلى أعلى الأبنية مستخدمين الخلع والكسر للوصول عبر بيوت مجهورة. وأشهر ما يقومون به، وربما أكثر ما يعرّضهم للخطر، هو الرسم على القطارات. ينتظرون القطار في محطة ما وينتظرون وصوله وفتح الأبواب قبل أن يسندوا باباً بعصا ريثما ينتهون من رسمهم. فالقطار لا يمكنه المغادرة ما دام أحد الأبواب مفتوحاً، لكن هذا أيضاً يعني أن لديهم 3 دقائق لإنهاء عملهم قبل وصول الشرطة.
مجموعة أخرى من الشبان شبيهة بـ1UP، تضم أيضاً 6 شبان يخفون هويتهم. هؤلاء يعرفون بـ«أوبر فريش» يأخذون مخاطر أكبر عبر التدلي على الأبنية، مستخدمين حبالاً تؤمّن لهم الحد الأدنى من السلامة. هم أيضاً لديهم توقيع واحد ينشرونه على الأبنية، وبخاصة في منطقة كرويتزبيرغ، باللونين الأزرق والأحمر، وهو عبارة عن رموز مستوحاة من فن الغرافيتي في ساو باولو بالبرازيل التي تعرف بـ«بيشاسو». الفنانون الذين يستخدمونها هناك يقولون: إنها تعبير عن عدم المساواة المنتشر في البرازيل.
تعمل مجموعة «أوبر فريش» في الليل ويختارون الأبنية العالية للرسم عليها. من «أعمالهم» تعليق دراجات هوائية على أماكن مرتفعة جداً في العاصمة. يعرفون أيضاً بـ«أولاد برلين» وهو اسم فيلم وثائقي أنتج عنهم. وقد ظهروا على ساحة «فن الشارع» في العاصمة الألمانية قبل نحو عقد من الزمن، ويثيرون جدلاً كبيراً بسبب المخاطر التي يأخذونها لنشر رسومهم.
ولعل من أشهر وأقدم أعمال «فن الشارع» في برلين هي جدارية رجل الفضاء في كرويتزبيرغ للفنان البرتغالي فيكتور آش عام 2007. وعلى خلاف فن الغرافيتي الآخر، فإن آش لم يطلِ جداريته هذه سراً، بل كان عملاً منسقاً مع البلدية.
ومثل معظم الأعمال الفنية في برلين، لا يخفي الرسالة السياسية وراءه. فقد اختار آش موقعاً بالقرب من المكان الذي كان حائط برلين يقسم المدينة. واختار رسم رجل فضاء مخفية معالم وجهه وجنسيته، ليعبر عن التسابق بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي قبل سقوطه، الذي تمثل أيضاً بالسباق إلى الفضاء. لاقت جداريته هذه شهرة عالمية وطبع «رجل الفضاء» على قمصان وقبعات وبات المبنى الذي طلي عليه، واحداً من نقاط جذب السياح.
لكن مع هذا، ليست كل أعمال «فناني الشارع» مدفوعة بأهداف سياسية. بعضهم يعمل بدافع جمالي ولنشر التفاؤل مثل «إل بوشو»، واحد من أشهر فناني الغرافيتي في برلين. هو فنان إسباني واسمه يعني بالإسبانية «الحمار الصغير». هو أيضاً يخفي هويته، لكن يعرَف عنه أنه كان يعيش في مدينة فرانكفورت، وهو نشر أعماله في السابق في عدد من الصحف المعروفة مثل «فرانكفورتر ألمانية».
وعلى خلاف المجموعتين السابقتين، فإن إل بوشو لا يستخدم رذاذ الطلاء، بل يرسم لوحاته مسبقاً على ورق ثم يعلقها ليلاً على حيطان المدينة. هو يعرف بفنان الغرافيتي الرومانسي. رسوماته تحمل معاني الحب والجمال بألوانها الحية والمتفائلة. لكن هذا أيضاً يعني أن الكثير من أعماله تمزق ولا تبقى طويلاً على الجدران.
واحدة من أشهر الرسومات التي تتكرر مع إل باشو هو رسم لـ«لوسي الصغيرة» مع قطتها. الرسمة والفكرة تتغير كل مرة، لكن الموضوع واحد: فتاة صغيرة تبدو لطيفة للوهلة الأولى قبل أن ينتبه الناظر إليها بأن لوسي تحمل معها قطتها دائماً وهي تحاول في كل رسمة أن تتخلص منها بطرق شريرة. استوحى إل باشو قصص لوسي من مسلسل تشيكي في السبعينات.
فنان آخر له حضور قوي في فن الشارع ببرلين، لكن يثير الكثير من الحيرة، هو «مستر 6» لأن عمله واحد: رسم الرقم 6. يقال: إنه رسم ما يقارب المليون رقم 6 في أنحاء برلين. لا أحد يعرف حقيقة أو معنى ما يريد قوله. كل ما يعرف عنه أنه يجول المدينة على دراجته الهوائية ويقضي 6 ساعات يومياً وهو ينشر الرقم 6 أينما استطاع. بعضهم يقول: إنه ربما يكون مجنوناً… آخرون يقولون: إنه كان تلميذاً سيئاً في المدرسة، وإن الرقم 6 قد يكون إشارة إلى علامة 6، وهي أدنى العلامات التي يمكن للطالب في ألمانيا أن يحصل عليها.
أحياناً يتحول فن الشارع في برلين إلى تفاعلي بين الفنانين والمشاهدين أو حتى بين الفنانين أنفسهم. أحد أبرز الأمثلة على ذلك، فنان عرف بـ«صديق ليندا السابق». لقبه هذا استمده من رسومات بدأ ينشرها في أنحاء برلين يدعو فيها ليندا صديقته التي تركته إلى العودة إليه، وفي كل رسمة يبدو أنه يزداد ألماً على فراقها ويأساً من استعادتها. جذبت رسوماته اهتمام فنانين آخرين بدأوا يناشدون ليندا بدورهم العودة إلى صديقها. منهم من صار يكتب لها أن تنساه لأنه يبدو مريضاً بهوسه بها. بعد أشهر اعتذر «صديق ليندا السابق» واعترف بأن لا وجود لليندا، وأنه كان فقط يجري اختباراً على مدى تفاعل فن الشارع.
رغم أن البعض يشتكي من الانتشار العشوائي للرسومات، وبخاصة على الأبنية، فإن هذه الظاهرة لا يبدو أنها ستتوقف. فبلدية برلين لا تملك الموارد الكافية لملاحقة هؤلاء «المخربين» بنظرها، كما أن غياب كاميرات المراقبة على الطرقات يجعل من الصعب جداً ملاحقتهم. ورغم أن نقاش تركيب كاميرات في الشوارع يظهر كل فترة، فإنه معارضيه دائماً يكونون هو الغلبة. برلين ما زالت مدينة متأثرة بماضيها إلى حد بعيد. وسكان أحيائها الشرقية لم ينسوا المخابرات الشيوعية المعروفة بـ«ستازي» التي كانت تستمع لكل أحاديثهم وتراقب كل تحركاتهم.
الحرية، يقولون لك هنا في برلين، ثمينة جداً. وفن الشارع الذي يعبر عنها، يأخذه سكانها بالكثير من الجدية.


مقالات ذات صلة

شركات طيران تبدأ في رفع أسعار التذاكر بسبب ارتفاع أسعار الوقود

الاقتصاد طائرات إيرباص من طراز «إيه 350» تابعة لشركة «كاثاي باسيفيك» للطيران رابضة في مطار هونغ كونغ الدولي (رويترز)

شركات طيران تبدأ في رفع أسعار التذاكر بسبب ارتفاع أسعار الوقود

رفعت بعض شركات الطيران أسعارها، فيما تعمل شركات أخرى على تخفيض النفقات، وترشيد الإنفاق، مع مطالب بإلغاء الضريبة البيئية على وقود الطائرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
سفر وسياحة إفطار جماعي في الجامع الأزهر (الأزهر الشريف)

اكتشف القاهرة في رمضان

تتحوَّل مصر إلى وجهة سياحية فريدة خلال شهر رمضان، فالأجواء الرمضانية تجمع بين الروحانيات والاحتفالات الشعبية.

محمد عجم (القاهرة)
الخليج طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» مقبلة من دبي تهبط في مطار دوسلدورف بألمانيا يوم 4 مارس 2026 (د.ب.أ)

تمديد تعليق الرحلات الجوية من وإلى دبي حتى 7 مارس

ستظل جميع رحلات طيران الإمارات المجدولة من وإلى دبي معلقة حتى الساعة 23:59 في 7 مارس بتوقيت الإمارات العربية المتحدة.

«الشرق الأوسط» (دبي)
طائرات إيرباص من طراز «إيه 350» تابعة لشركة كاثاي باسيفيك للطيران رابضة في مطار هونغ كونغ الدولي (رويترز)

ازدياد خسائر شركات الطيران وقطاع السفر مع استمرار حرب إيران

تحاول شركات الطيران التعامل مع تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وتُسابق الحكومات الزمن لإعادة المسافرين العالقين بالشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا تباين الآراء تجاه قرار زيادة رسوم دخول مصر على التأشيرات الاضطرارية (شركة ميناء القاهرة الجوي)

زيادة رسوم «التأشيرة الاضطرارية» لدخول مصر

بدأت مصر تطبيق قرار زيادة رسوم «التأشيرة الاضطرارية» لدخول البلاد عبر المنافذ والمطارات من 25 دولاراً إلى 30 دولاراً.

عصام فضل (القاهرة)

اكتشف القاهرة في رمضان

إفطار جماعي في الجامع الأزهر (الأزهر الشريف)
إفطار جماعي في الجامع الأزهر (الأزهر الشريف)
TT

اكتشف القاهرة في رمضان

إفطار جماعي في الجامع الأزهر (الأزهر الشريف)
إفطار جماعي في الجامع الأزهر (الأزهر الشريف)

تتحوَّل مصر إلى وجهة سياحية فريدة خلال شهر رمضان، فالأجواء الرمضانية تجمع بين الروحانيات والاحتفالات الشعبية، وتمتد إلى الشوارع والميادين، والأسواق والمساجد، ما يجعلها تجربةً ثقافيةً واجتماعيةً فريدةً.

وتُعدُّ «السياحة الرمضانية» في مصر دعوةً مفتوحةً لاكتشاف اندماج التاريخ العريق والطقوس والعادات الحية، والاستمتاع بليالي القاهرة، التي تزهو بفوانيسها وتراثها، ما يجعل الشهر موسماً سياحياً قائماً بذاته، يجذب آلاف الزوار كل عام، في رحلة لا يبحثون فيها فقط عن زيارة معالم بعينها، بل عن شعور بالبهجة، خصوصاً خلال ساعات الليل، حيث لا تنطفئ أنوار القاهرة حتى مطلع الفجر.

«الشرق الأوسط» تستعرض أبرز الوجهات السياحية في مصر خلال شهر رمضان، والتي يمكن وضعها على جدول زيارتك للقاهرة.

القاهرة في رمضان لها نكهة خاصة (الهيئة المصرية لتنشيط السياحة)

ـ شارع المعز

يعد شارع المعز لدين الله الفاطمي، المعروف اختصاراً بـ«شارع المُعز»، في قلب القاهرة الفاطمية، بمثابة مسرح كبير يعج بالحياة، حيث يموج بالمصريين والسائحين من مختلف الجنسيات، وسط أجواء من الاحتفالات الرمضانية التي تعقد في بعض المعالم الأثرية، أو في المقاهي والمطاعم التي يحتضنها الشارع، ما يجعل التجوُّل به خلال ساعات ما بعد الإفطار من أمتع الزيارات وسط عبق ق خاص.

ويُعدُّ الشارع أكبر متحف مفتوح للآثار الإسلامية في العالم، إذ يضم 33 أثراً، منها 6 مساجد أثرية‏، و7مدارس، ومثلها أسبلة، و4 قصور، ووكالتان، و3 زوايا، وبابان هما‏‏ باب الفتوح، وباب زويلة، ‏وحمامان شعبيان، ووقف أثري.

ويتمتَّع زائر الشارع سواء قصده ليلاً أو نهاراً بالسير وسط هذه الآثار، وفي مقدمتها مجموعة السلطان قلاوون، كما يتيح الشارع لزائره التعرُّف على ما يضمه من الحرف والصناعات اليدوية، ولن يجد الزائر صعوبةً في التعرُّف على تاريخ الشارع ومعالمه، من خلال اللوحات الإرشادية على كل أثر.

كما أنَّ المقاهي والمطاعم بالشارع تتنافس لكي تُقدِّم للزائرين وجبتَي الإفطار والسحور، وسط أجواء فلكلورية ورمضانية، ما يجعل تناول الطعام بين جموع الزائرين تجربةً لا تنسى.

الفوانيس النحاسية والقناديل في خان الخليلي (الهيئة المصرية لتنشيط السياحة)

ـ خان الخليلي

لمَن يريد معايشة أجواء شهر رمضان عن قرب، فإن مقصده الأول يجب أن يكون سوق خان الخليلي، الذي يعد قلب قاهرة المعز النابض، بأنواره وروائحه وصخبه.

يمنح التجول في خان الخليلي الزائرَ في كل خطوة إحساساً بالتاريخ والعادات والتقاليد، وعيش تجربة تاريخية بين أزقته وممراته ومبانيه، إلى جانب ذلك، يجد الزائر صفوفاً من المحلات التجارية التي تُقدِّم المنتجات المصنوعة يدوياً، بدءاً من الهدايا التذكارية الصغيرة إلى الأطباق النحاسية الأواني، وكثير من القطع المزخرفة التي لا يوجد مثيل لها.

بالتوغل بين أزقة الخان، والوصول إلى «سكة القبوة»، ووسط جماليات العمارة الإسلامية، تجذب الفوانيس النحاسية ذات الزجاج الملون، والقناديل ذات الأضواء المبهرة، الزائر إلى عالم آخر من الجمال الرمضاني المبهج، حيث تعكس بقوة روح الشهر وروحانياته، كونها رمزاً للفرحة والتقاليد المرتبطة بالصيام.

بعد التجول حان وقت الراحة، ولا أفضل من قضاء وقت ممتع بين المقاهي الموجودة بمحيط الخان، فالجلوس عليها له متعة خاصة، ومن أشهرها «مقهى الفيشاوي»، الذي يعود تاريخه لمئات السنين، وتضيف تلك المقاهي أجواء من البهجة الرمضانية، حيث تقدِّم أمسيات موسيقية على أنغام الفرق الشرقية، في أثناء استمتاع الزائر بمشروبات رمضان الشهيرة.

ـ مجموعة السلطان الغوري

عندما تقصد هذه المجموعة، التي تضم «قبة ووكالة ومسجداً» إلى جانب ملحقاتها من «حمام ومقعد وسبيل وكتاب وخانقاه»، فإنك وسط أحد أهم الأماكن الأثرية الإسلامية في القاهرة، والتي تمثل تحفةً معماريةً مميزةً للعصر المملوكي.

مقهى الفيشاوي أحد أشهر مقاهي القاهرة (الهيئة المصرية لتنشيط السياحة)

تقع المجموعة في منطقة الأزهر والغورية، وتم إنشاؤها خلال الفترة من 909هـ - 1503م، إلى 910هـ - 1504م، بأمر السلطان الأشرف قنصوه الغوري، أحد حكام الدولة المملوكية، وتجتمع فيها الروح المصرية مع عبق التاريخ، ما يجعلها جاذبةً للسائحين من مختلف الثقافات والجنسيات، للاستمتاع بمعمارها وزخارفها نهاراً.

أما في المساء، فتفتح المجموعة أبوابها، لا سيما مركز إبداع قبة الغوري، لتقديم وجبة ثقافية وفنية، عبر عروض تجتذب السائحين العرب والأجانب بأعداد كبيرة، لا سيما خلال شهر رمضان، حيث تُقدَّم فيها عروض التنورة، التي تعتمد على إظهار مهارات الراقص في استخدام وتشكيل التنانير ولياقته البدنية، مع استخدام الإيقاع السريع عبر الآلات الموسيقية الشعبية، وعروض «المولوية»، التي تجذب محبي التراث الصوفي، إلى جانب عروض الذكر والتواشيح والمدائح الشعبية.

إفطار جماعي في الجامع الأزهر (الأزهر الشريف)

ـ المساجد الإسلامية

زيارة المساجد التراثية العريقة ستبعث في نفسك السكينة والروحانيات خلال شهر رمضان، ولا يمكن أن تزور العاصمة المصرية، التي تحمل لقب «مدينة الألف مئذنة»، خلال شهر رمضان دون أن تمرَّ على أحد مساجدها، التي تزدان لزوارها، سواء للصلاة أو للزيارة للتعرُّف على معمارها وتاريخها.

ويعد الجامع الأزهر أبرز المساجد التي يمكن زيارتها، للتعرُّف على تاريخه الطويل الذي بدأ عام 361هـ - 972م، أما مع غروب الشمس، فيمكن زيارة المسجد لرؤية تحوُّل صحنه إلى مائدة إفطار جماعية، تجمع الآلاف من طلاب العلم الوافدين من شتى بقاع الأرض للدراسة بالأزهر، في مشهد يتخطَّى الألسنة والألوان والأزياء.

أما زيارة جامع عمرو بن العاص فستعرِّفك على أول جامع بُني بمصر سنة 20 للهجرة، كما يجب أن يتضمَّن جدول زيارتك مسجد أحمد بن طولون، الذي يمتاز بالطرز المعمارية الفريدة سواء من ناحية التصميم أو الزخرفة، ويعد الصعود إلى مئذنة المسجد ذات الشكل الدائري المميز أمراً رائعاً لمشاهدة القاهرة القديمة من أعلى.

كذلك يمكن زيارة مسجدَي الرفاعي والسلطان حسن، المواجهين لبعضهما بعضاً والشبيهين في الضخامة والارتفاع، حيث يجتذبان مختلف الجنسيات لصلاة القيام وسط أجواء إيمانية، أو للتعرُّف على عظمة فن العمارة الإسلامية بهما.


ملحم بو علوان... «الطبيب» المتفرّغ لمغامرات السفر

في احدى رحلاته الى بوتان جنوب آسيا (ملحم بو علوان)
في احدى رحلاته الى بوتان جنوب آسيا (ملحم بو علوان)
TT

ملحم بو علوان... «الطبيب» المتفرّغ لمغامرات السفر

في احدى رحلاته الى بوتان جنوب آسيا (ملحم بو علوان)
في احدى رحلاته الى بوتان جنوب آسيا (ملحم بو علوان)

يتملك الطبيب ملحم بو علوان شغفٌ بالسفر، نابعٌ من حبّه العميق لعلم الجغرافيا. فمنذ طفولته كان يحفظ عواصم الدول وألوان أعلامها. فتغذّت ذاكرته باكراً على حب استكشاف العالم. يقول إن حلم السفر رافقه طويلاً، غير أنّ الحرب كانت تقف دائماً حاجزاً بينهما. ومع بلوغه الـ18، انطلق في رحلة دراسة الطب، فشكّلت له بوابة واسعة إلى الكرة الأرضية، جال من خلالها في بلدان كثيرة.

وبعد انضمامه إلى جمعية طبية راح يرافق أعضاءها للمشارَكة في مؤتمرات طبية حول العالم. وحتى اليوم، استطاع زيارة 176 دولة، ويطمح في استكمال رحلاته حتى زيارة الكوكب بأكمله. يقيم حالياً في ولاية أتلانتا الأميركية، حيث يمارس مهنة الطب، ويخصِّص أياماً مُحدَّدة من كل أسبوع لهوايته المفضَّلة.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يعترف ملحم بأن الصعوبات التي تُرافق رحلاته تزيده حماساً. أما أبعد بلد عن لبنان زاره، فهو تونغا في المحيط الهادئ، موضحاً: «يقع في المقلب الآخر من الكرة الأرضية، على بُعد 16 ألفاً و800 كيلومتر طيراناً عن لبنان». ويشير إلى أنه يبتعد عن زيارة الدول المتطورة، ويفضِّل عليها البلدان النامية، لكون الوصول إليها غالباً ما يكون صعباً لأسباب لوجيستية، إذ لا تتوافر دائماً رحلات طيران مباشرة إليها. ويضيف: «أحب تحدّي نفسي بزيارتها، واكتشافها بوصفها جواهر نادرة قلّما تُرى».

مشهد من الطبيعة الخلابة التي هوى السفر اليها (ملحم بو علوان)

وعن أصعب رحلة خاضها، يقول: «أستذكر الرحلة الأسوأ عام 2008 حين قصدت المكسيك. هناك تعرَّضت للسرقة واضطررت للبقاء شهراً كاملاً بانتظار إنجاز أوراقي الرسمية في السفارة اللبنانية. سبق أن تعرَّضت للسرقة في عدد من الدول الأوروبية، بينها لندن وباريس وإسبانيا. لكن في المكسيك كان الأمر أقسى، إذ لم تقتصر السرقة على الهاتف والمال فحسب».

ملحم هو صاحب منصة «يلّا نشوف العالم» على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد بدأ مشواره في العالم الافتراضي منذ نحو 5 أشهر، متجاوزاً اليوم عتبة 25 ألف متابع. ويقول: «يتفاعلون معي بشكل لافت، ويطرحون أسئلة كثيرة تتعلق بالسفر، وينتظرون منشوراتي عن البلدان التي أزورها بحماس، ويطالبونني دائماً بالجديد. أحياناً أسأل نفسي، ماذا يمكن أن أضيف لهم؟، ثم أدرك أن شغفهم الحقيقي هو الاكتشاف. فنحن اللبنانيين نتمتع بروح الانفتاح وحب المعرفة».

أجمل 5 بلدان لتمضية شهر العسل عندما يُسأل الطبيب اللبناني عن 5 وجهات رومانسية غير متداولة بكثرة ينصح بها، يوضح: «أنا شخصياً أفضّل البلدان التي تجمع عناصر سياحية متعددة». ويضع سريلانكا في مقدمة خياراته، واصفاً إياها ببلد جميل ونظيف. ويستشهد بطبيعتها الخلابة ومزارع الشاي الشاسعة، فضلاً عن شواطئ جنوب غربي البلاد؛ حيث يمكن مشاهدة السلاحف البحرية.

أما الوجهة الثانية فهي غواتيمالا، البلد الواقع في أميركا الوسطى، والذي لا يحظى بشهرة واسعة بين اللبنانيين رغم سهولة الوصول إليه. ويقول: «يجمع بين الإرث التاريخي وثقافة المايا، والطعام الشهي، فضلاً عن البراكين والجبال التي تُشكِّل لوحات طبيعية بحد ذاتها». ويصف تايلاند بأنها وجهة سياحية بامتياز، نظراً إلى التنظيم الممتاز والتسهيلات المتوافرة. ويضيف: «بانكوك تحفة قائمة بذاتها، ويمكن للعروسين قضاء شهر عسل مميّز بين البحر والطبيعة». أما أرمينيا، فيعدّها من الوجهات المُحبَّبة في فصل الصيف، مشيراً إلى غناها بالتراث والحضارات، واشتهارها بسهول الرمان الذي يُقدَّم عصيره ترحيباً بالضيوف، فضلاً عن كونها وجهةً ممتعةً بتكلفة مقبولة.

في الجزائر التي يصفها بالبلد العربي الجميل (ملحم بو علوان)

وعن مدغشقر، الواقعة في المحيط الهندي قبالة الساحل الجنوبي الشرقي لأفريقيا، يقول: «إنها بلد شاسع يتمتع بتنوّع كبير. والعاصمة أنتاناناريفو وحدها تُعدّ تحفة طبيعية. هناك يمكن التعرّف إلى أشجار الباوباب التي يعود عمرها إلى مئات السنين، فضلاً عن طبيعة خلابة وحيوانات فريدة، كالسناجب المنتشرة في مختلف المناطق. وهو بلد يمكن الإقامة فيه بتكلفة معقولة كونه ليس من الوجهات الباهظة».

البلدان صاحبة الأطباق الأكثر غرابة

تزخر رحلات السفر بالمعلومات والقصص التي يمكن أن يشاركك بها ملحم بو علوان، لا سيما تلك المرتبطة بثقافات الطعام حول العالم. وعندما يتحدَّث عن البلدان التي تشتهر بأطباقها الغريبة تستوقفك كردستان، حيث تنتشر الأطباق المصنوعة من لحم الخيل، على غرار ما هو شائع أيضاً في آيسلندا.

ويشير إلى أنّ كرواتيا تقدِّم بدورها أطباقاً مصنوعة من لحم الدببة. أمّا في آسيا، فتشتهر بعض البلدان بالأطباق المصنوعة من الحشرات. ويعلّق: «شخصياً لا أحبّ هذا النوع من الطعام، لكنني تذوَّقته رغم ذلك». وتتنوع هذه الأطباق بين القاذفات بالذنب (القبّوط) والجنادب، وتُقدَّم على موائد الطعام في أوغندا.

وفي إسكندنافيا والدنمارك، يتناول السكان لحم سمك القرش، بينما تشتهر أستراليا بأطباق شهية تُحضَّر من لحم الكنغر. أمّا في كينيا فتُقدَّم أطباق مصنوعة من لحم التماسيح.

كيف نختار وجهة السفر؟

يرى دكتور ملحم بو علوان أن الأذواق تختلف من شخص إلى آخر، لذلك لا يمكن تعميم معايير اختيار وجهة السفر، فكل فرد يسعى إلى رحلة تلبي أهدافه الخاصة، سواء كانت ثقافية أو ترفيهية. وبالنسبة إليه، تُعدّ نيوزيلندا والمكسيك من أجمل البلدان، لما يوفّرانه من طبيعة خلّابة وحياة سهر وتسلية.

ويضيف إلى لائحته بلدان أوروبا وأميركا، إضافة إلى طوكيو والصين، حيث يشهد نمط الحياة تطوراً لافتاً. كما ينصح بزيارة تايلاند وبلغراد، التي يصفها بأنها من أجمل البلدان التي زارها. ولا يخفي إعجابه بالجزائر، عادّاً إياها أجمل البلدان العربية، رغم انغلاقها النسبي على نفسها.

كما يشجِّع على زيارة جنوب شرقي آسيا، لا سيما ميانمار وباكستان وبوتان. ويصف رحلته إلى بوتان بالممتعة، مشيراً إلى شهرتها بالأديرة البوذية، وتنوّعها الثقافي اللافت، وتضاريسها الجبلية وطبيعتها الخلابة، فضلاً عن تسميتها بـ«أرض التنين».

ويختم ملحم بو علوان حديثه لـ«الشرق الأوسط» متوقفاً عند لبنان، فيقول: «برأيي، هو البلد الأجمل، ولا توجد بقعة على وجه الأرض تشبهه. عندما أتحدّث عن بلدي أتأثّر كثيراً. وحين أسير في شوارع بيروت، أو أزور بلدة جبلية أو شاطئه الجميل، أنسى العالم كلّه أمام سحر طبيعته».


هل تفتّش الولايات المتحدة حساباتك على وسائل التواصل الاجتماعي لقبول طلب الفيزا؟

 «إيستا» تلزم الزائر بالإفصاح عن حساباته على التواصل الاجتماعي (شاترستوك)
«إيستا» تلزم الزائر بالإفصاح عن حساباته على التواصل الاجتماعي (شاترستوك)
TT

هل تفتّش الولايات المتحدة حساباتك على وسائل التواصل الاجتماعي لقبول طلب الفيزا؟

 «إيستا» تلزم الزائر بالإفصاح عن حساباته على التواصل الاجتماعي (شاترستوك)
«إيستا» تلزم الزائر بالإفصاح عن حساباته على التواصل الاجتماعي (شاترستوك)

تداولت تقارير معلومات تشير إلى أن الولايات المتحدة جعلت الإفصاح عن الحسابات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي إلزامياً كجزء من طلب الحصول على تصريح السفر الإلكتروني «إيستا» (ESTA). غير أن الواقع يوضح أنه لم تدخل أي تدابير جديدة حيّز التنفيذ حتى الآن. وتوضح منصة «Hellotickets» حقيقة الأمر.

مقترح قيد الدراسة... من دون تغييرات رسمية في إطار مشاورات عامة، جرى بحث عدد من الإصلاحات المحتملة، من بينها:

• سجل شخصي مفصّل يغطي عدة سنوات، يشمل أرقام الهواتف وعناوين البريد الإلكتروني.

• معلومات إضافية عن أفراد العائلة.

• توسيع نطاق جمع البيانات البيومترية.

• الإفصاح الإلزامي عن حسابات وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الخمس الماضية.

إلا أن هذه العناصر تظل مجرد اقتراحات قيد المناقشة حتى الآن، ولم يصدر أي مرسوم تنفيذي لتطبيقها.

ولكي تدخل أي إصلاحات حيّز التنفيذ، يتعين نشر لائحة تنظيمية رسمية. وحتى اليوم، لا يوجد أي نص رسمي يؤكد اعتماد هذه المتطلبات الجديدة.

وتؤكد مصادر في القطاع أنه حتى هذه المرحلة، لم يطرأ أي تغيير على إجراءات «ESTA»، إذ يظل الإفصاح عن حسابات التواصل الاجتماعي اختيارياً، كما لا يُطلب تقديم معلومات إضافية عن العائلة، سواء عبر الموقع الإلكتروني أو عبر تطبيق الجوال.

زيادة في الاستفسارات... بلا تعديل في الإجراءات

وأدت الأنباء المتداولة إلى ارتفاع ملحوظ في استفسارات العملاء لدى «هيلو تيكيتس».

ويقول خورخي دياز لارغو، الرئيس التنفيذي للشركة: «شهدنا خلال الأيام القليلة الماضية زيادة في أسئلة المسافرين. ومن المهم توضيح أن إجراءات (ESTA) الحالية لم تتغير. وحتى صدور تنظيم رسمي، تبقى القواعد على حالها. ودورنا يتمثل في توضيح الأمر وتفادي أي لَبس غير ضروري».

وفي سياق دولي حساس، يمكن للمعلومات غير المؤكدة أن تثير القلق سريعاً. غير أن متطلبات الدخول إلى أي دولة لا تتغير رسمياً إلا عبر منشور حكومي معتمد.

ما الذي ينبغي أن يعرفه المسافرون؟

• يظل الإفصاح عن حسابات وسائل التواصل الاجتماعي اختيارياً.

• لم يتم تعديل نموذج طلب «ESTA».

• لا توجد متطلبات جديدة مفروضة.

وتنصح «هيلو تيكيتس» التي تعدّ منصة عالمية رائدة في مجال تجارب السفر والجولات والأنشطة السياحية، المسافرين بالرجوع حصراً إلى الموقع الرسمي للحكومة الأميركية للحصول على التحديثات، وتقديم طلب «ESTA» قبل موعد السفر بوقت كافٍ.