الشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي رساماً... مدافعاً عن حقه في «الكتابة بالألوان»

قال: لا أخون الشعر عندما أرسم... بل أحتفي به بطريقة أخرى

عبد اللطيف اللعبي في معرض أعماله التشكيلية في مراكش
عبد اللطيف اللعبي في معرض أعماله التشكيلية في مراكش
TT

الشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي رساماً... مدافعاً عن حقه في «الكتابة بالألوان»

عبد اللطيف اللعبي في معرض أعماله التشكيلية في مراكش
عبد اللطيف اللعبي في معرض أعماله التشكيلية في مراكش

في نص حمل عنوان «قصتي مع الرسم»، قدّم به لتجربته الجديدة وأعماله التشكيلية التي يعرضها، لأول مرة، في المغرب، بـ«ماتيس غاليري آرت»، في مراكش، إلى غاية 21 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، دافع الكاتب المغربي عبد اللطيف اللعبي عن حقّه في التعبير والكتابة بالألوان، مستبقاً كل الأسئلة: «الماكرة» التي يمكن أن يطرحها البعض عن إقدام شاعر على معرض تشكيلي، يقول: «أصل الآن إلى ما أتصور أنّ البعض ينتظره مني: أن أُبرّرَ إقدامي على هذا المعرض، أن أضفي عليه شرعية ما، مضموناً عميقاً، وأن أخلع على هذا المضمون جبة جمالية حاذقة لكي أفتح الباب على مصراعيه أمام كل القراءات الممكنة، ومن يدري، ربما سيُراد منّي أن أُطَمْئنَ البعض بالتأكيد على الجانب الاستثنائي لهذا الحدث، ولِمَ لا على هامِشيته. لا، لن أفعل أيّاً من ذلك. فأنا أراهن على سَعة صدر الناس ورَشادهم، وأنتظر منهم أن يقولوا في قرارة أنفسهم: لِمَ لا؟ ما الذي يمنع الشاعر من أن يرسم، أن يصبح موسيقياً أو سينمائياً إذا صدر ذلك عن صميم رغْبَتِه وإرادته؟ ألا يحق للرّسام أن يكتب أو يَتَعاطى لأي فنون أخرى؟ دعونا نتأمل ونصغي لما سيقدمه لنا هذا أو ذاك من دون أفكار مسبقة!».
استشعاراً منه للتّعاطف «السّمح» من حوله، سيتحدّث اللعبي عن تلك الرغبة التي تولّدت لديه، وجعلته يرسُم منذ سنوات عدة، فيقول: «لقد سبق لي أن كتبتُ أن الإنسان (الكائن البشري) لا يتوقف عن أن يُوَلّدَ نفسه بنفسه. شيئاً فشيئاً يكتشف ذواتَه المختلفة والأوجُه المتعدد للُغزِه الخاص. إنّها نوائب الدهر، اللقاءات، العواطف والافتتانات التي عشناها، المخاطر التي واجهناها، والنّضالات التي خُضناها (علاوة على الكتب والأعمال الفنية التي اطّلعنا عليها) هي ما يسمح لنا بأن نكتشف، في لحظة معينة من مسارنا، هذا الوجه أو ذاك من لُغزنا الذي لم تكن لنا به دراية من قبل. هذا ما حدث لي مع عوالم التشكيل، منذ قرابة نصف قرن. عاشرتُ الكثير من الرسامين، شاهدتهم أثناء عملهم، تأمّلتُ طريقة اشتغالهم وكتبتُ أحياناً عن أعمال هذا الفنان أو ذاك. لقد أضحى فنّ الرسم مألوفاً وحميمياً لدَي كما هو الحال مع الشّعر، إلى أن جاء اليوم الذي وجدتُ نفسي من دون أن أدري لماذا، «أخربش» على بياض ورقة عادية أوّلَ رسمٍ لي. انتقلتُ بعدها رأساً إلى ورق الرسم ثم نحو فضاء اللوحة، في وقت وجيز جداً. بدأتُ أرسم كلّما أمكنني ذلك، يوميّاً ولساعات عدة. في هذا البذل الجسدي والعقلي غير المسبوق، كانت المتعة دائماً في الموعد، وكذا ولَعُ الاكتشاف. طاقة مجهولة كانت تندسّ في دواخلي فتنبَجِسُ منها مُتحَكّمة في نوع من التعبير جديدٍ أستغني فيه عن رُفقتي القديمة، أي الكلمات. إنّها يدي التي صارت تأخذ زمام الأمور، يحركها الجسد المتوتر كقوس. هكذا كانت كيمياء الألوان تحُل مَحل كيمياء اللغة».
هكذا، سيجد اللعبي نفسه يستجيب لنداء رحلة جديدة، قال: إنه لم يقِسْ حدودها ومَخاطرها، ليتساءل: «هل سبق لي أن أجريتُ أي تدبير حسابي قبلي لكل ما قمتُ به في حياتي؟ ألا يجب أن أركّز على ذلك الحس التشارُكي الذي رعيتُه بعناية لكي أصُدّ عنا ومن حولنا قضبان التشكك والانغلاق والانقسام؟»، قبل أن يقول: «الشعر، على وجه الخصوص، هو من علّمني أنّ الحميمي من بين الأكثر حميمية ليس له من هدف آخر غير هذا البُعد التشاركي. عندما تصبح دائرة الكينونة تلك (مِلك العموم) فإنّها تتحوّل إلى منبع للنور».
ينتهي اللعبي من سرد قصته مع الرسم، بتقريب المسافة مع الشعر، بل الجمع بينهما ضمن التجربة ذاتها، ليقول: «أنا لا أقوم بخيانة الشعر عندما أرسم، بل احتفي به بطريقة أخرى، تدعو الكلمات إلى استراحة مُستحَقّة وهي تَغوص، ولو لبرهة من الزمن، في بهاء الصمت».
قبل محاولة تبرير إقدامه على المعرض، استعاد «مجنون الأمل» طفولته ودراسته بفاس، بداية من خمسينات القرن الماضي، ليستعيد علاقته بعدد من الأسماء ومن رموز الفن التشكيلي المغربي، على مدى عقود، بداية من صداقته بمحمد بناني، الذي جعله ينمي، في داخله، حساً فنياً حقيقياً، من ثم لقاؤه، في النصف الأول من الستينات، بغاستون ديهيل، الناقد وأستاذ تاريخ الفن الذي كان يواظب على حضور دروسه حول علم الجمال بكلية الآداب في الرباط، بشكل قاده إلى درب التفكير في شؤون الفن، وانتشله من جهله بعمل رواد الفن التشكيلي في المغرب، كبن علال، ومولاي أحمد الإدريسي، والورديغي، واليعقوبي، والغرباوي، والشرقاوي.
بعد ذلك سينفتح ذهن اللعبي، بشكل جيد، فلم يتأخر في التعرف، عن طريق فريد بن امبارك، على الشخص الذي يمكن اعتباره مؤسس الفن التشكيلي المعاصر في المغرب: الجيلالي الغرباوي. قبل أن يركب، رفقة مصطفى النيسابوري ومحمد خير الدين، مغامرة «أنفاس»، التي تحقق لها مدى وصدى بعد لقاء كل محمد المليحي، ومحمد شبعة، وفريد بلكاهية؛ ليجعل التواطؤ الفكري والالتزام المتبادل وعلاقة الصداقة مع كل من المليحي وشبعة من اللعبي واحداً من الشهود الأكثر انتباهاً لمسيرة فكرية وتجربة فنية ستغير بعمق الثقافة البصرية في المغرب، كما ستسمح للفن التشكيلي المغربي أن يأخذ مكاناً لائقاً على متن قطار الحداثة.
ومنذ ذلك الحين، أمسى الشعر، فن اللعبي الأول، غير منفصل بالنسبة عن الرسم، حيث إن العوالم الذهنية والحسية التي كشفها الرسم وسّعت من آفاقه وأفعمت طريقته في «الكتابة بالألوان».
بعد مضي سنوات عدة، كان من الضروري خلالها لقوس الاعتقال والسجن أن يفتح، سيسعد اللعبي بتجديد الاتصال بالفنان التشكيلي محمد قاسمي (1942 _ 2003)، لتأخذ علاقتهما، بعد 1980، انطلاقة جديدة، ولتمسي علاقتهما، على طول السنوات المتبقية في عمر القاسمي، أقوى.
وكان أن تواصلت المسيرة وتوالت المحطات، بشكل جعل اللعبي يتعرف، بعد رحيله إلى فرنسا عام 1985، على رسامين من العالم العربي ومن خارجه، بينهم السوري صخر فرزات. يقول: «خلال حياتي، هنالك الكثير من الرسامين الذين أبهروني وخلّفوا لدي أثراً دائماً. لن يسع المقام هنا لذكر أسماء بعينها، فهُم من سائر الحِقب والبلدان. لكنَّ اثنين منهم، أضعهما في المرتبة نفسها، أود التنويه بهما لأن مُخيلتهما ستظل بالنسبة لي محجّ افتتان وإلهام. إنهما فرانسيسكو دي غويا وعباس صلادي».
وولد اللعبي في مدينة فاس سنة 1942، حيث بدأ مساره الدراسي قبل أن ينتقل إلى الرباط، قبل أن يتابع مساره الجامعي بكلية الآداب، التي تخرج فيها عام 1966، السنة التي أشرف فيها على مجلة «أنفاس»، التي لعبت دوراً طليعياً في تحديث الإبداع والفكر المغربيين. وسيعيش اللعبي تجربة الاعتقال والسجن، بسبب آرائه ومواقفه السياسية، ما بين 1972 و1980، قبل أن ينتقل، سنة 1985، إلى فرنسا.
وأكّد اللعبي قيمته وحضوره في المشهد الثقافي المغربي والعربي والدُّولي، حيث فاز بعدد من الجوائز الأدبية الرفيعة، أشهرها جائزة «كونغور» الفرنسية في 2009. وقد صدرت له كتابات كثيرة، في الشعر والرواية واليوميات والمسرح، وغيرها، بينها «العين والليل»، و«مجنون الأمل»، و«تجاعيد الأسد»، و«حرقة الأسئلة»، و«بستاني الروح»، و«قاع الخابية»، و«شاعر يمر»، و«يوميات قلعة المنفى»، و«شجون الدار البيضاء»، و«قاضي الظل»، و«تمارين في التسامح»، و«الشمس تحتضر». كما ترجم إلى اللغة الفرنسية أعمالاً لعدد من الكتاب العرب، وأنجز أنطولوجيات شعرية كثيرة من الشعر العربي والمغربي.



سينما الذكاء الاصطناعي تفرض حضورها في الإسكندرية

عدد من صناع الأفلام بالذكاء الاصطناعي (مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)
عدد من صناع الأفلام بالذكاء الاصطناعي (مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)
TT

سينما الذكاء الاصطناعي تفرض حضورها في الإسكندرية

عدد من صناع الأفلام بالذكاء الاصطناعي (مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)
عدد من صناع الأفلام بالذكاء الاصطناعي (مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)

فرضت «سينما الذكاء الاصطناعي» حضورها بالدورة الـ12 لمهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير» حيث تم تخصيص مسابقة لها للعام الثاني على التوالي بمشاركة 16 فيلماً من مصر وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان وفرنسا وألمانيا والجزائر والصين، بأفلام حاز بعضها جوائز دولية، وتباينت في زمن عرضها بين 3 و 15 دقيقة، وأقام المهرجان عرضاً خاصاً لها الأربعاء بمركز «الجيزويت الثقافي».

وشهدت الأفلام تنوعاً لافتاً ما بين الخيال العلمي والفانتازيا والكوميديا والتوثيق والأفلام الواقعية، وعرض الفيلم الأميركي «كلاب أوز» للمخرج جون كالنينج المستوحي من قصة حقيقية تدور حول «ماجدالين» وهي كلبة من فصيلة «سلوعي» تخوض رحلة استثنائية حيث تقودها الصدفة والغريزة وقوة جاذبة تُشبه القدر نحو موطن جديد.

وفي الفيلم الأميركي «روح»، وهو من نوعية الخيال العلمي، تُبعث وحوش وحيوانات تتسم بالضخامة وعلى أنغام الطبول وحركات الراقصين تتحرك عبر الشوارع وسط الناس، والفيلم للمخرج ألفريد ماثيو هيرنانديز في عرضه الأول بالشرق الأوسط وأفريقيا وحاز جوائز عدة من مهرجانات غربية.

وطرح المخرج المصري أسامة السمادوني في فيلمه «القصة السرية للحجر المقدس» رحلة اكتشاف حجر رشيد في قصة ملحمية غير مروية، وكيف تحول من حجر عادي ليصبح أشهر قطعة أثرية في العالم.

المهرجان تضمن فيلماً حول حجر رشيد (مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)

واختار المخرجان المصريان سيف الدين حمزة بشير وعمر أحمد النجار من خلال فيلمهما الروائي القصير «يوم تاني» مشكلات المصابين بمرض ألزهايمر من خلال امرأة تتشبث بما تتذكره كحقيقة أخيرة، فيما تتآكل ذاكرتها وتُصاب بالخرف، وتتهم ابنتها العروس بسرقة ذهبها، كما تستعيد زوجها رغم رحيله.

وتناول المخرج الكوري يونبلين آن في فيلمه «32 من أغسطس» قصة صبي على أعتاب المراهقة، تصطحبه والدته لقضاء الصيف في منزل جدته المنعزل في الجبال، ويمزج المخرج بين الخيال العلمي وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي عبر أسلوب بصري جريء، كما عرض فيلم «زُليخة» وهو إنتاج مشترك بين الجزائر وكندا، ويروي من خلاله المخرج إلياس جميل القصة الحقيقية للأم الجزائرية زُليخة أوداي التي تحولت إلى مقاتلة خلال سنوات الاستعمار الفرنسي مسجلة بطولات مهمة، فيما طرح الفيلم الصيني «الكابوس الشره» للمخرج كونغ ديفاي حكاية مظلمة عن الجشع واللعنات وهو من نوعية أفلام الرعب.

وشهدت عروض أفلام الذكاء الاصطناعي أو «الإيه آي» اهتماماً من الجمهور ومناقشات واسعة بحضور صناعها، ولفت المخرج المصري أحمد سلطان إلى أن فيلمه «الحذاء الذهبي» قد قام بتصويره منتصف 2025، وأن برامج محدثة تطرأ على الذكاء الاصطناعي كل يوم تضيف إمكانات أكبر لصناع الأفلام.

فيما أكد المخرج عمر أحمد النجار أن الميزانية كانت العامل الحاسم في لجوئه وشريكه المخرج سيف الدين حمزة لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتنفيذ فيلمهما «يوم تاني»، موضحاً أن الفيلم عن قصة حقيقية، وكانت أحداثه تدور في ساعتين ونصف الساعة وقاما باختصاره ليقدماه في 10 دقائق من أجل المشاركة بمسابقة أقيمت بمدينة دبي لأفلام الذكاء الاصطناعي.

وأشار المخرج الكوري يونبلين آن إلى أن البرنامج الذي عمل عليه فيلمه مخصص لأفلام «الإيه آي» وأن هذا ثاني أفلامه بذات التقنية، مشيراً إلى أن الفكرة جاءته من الأزمات الاقتصادية الخانقة في العالم، وقال آن إنه يجد في استخدام الذكاء الاصطناعي سيطرة أكبر على الفيلم لأنه يعمل بمفرده دون فريق عمل مثل الأفلام العادية.

فيلم «زليخة» الجزائري شارك في المهرجان (مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)

وترى الناقدة الفنية المصرية ناهد صلاح أن إقامة مسابقة لأفلام الذكاء الاصطناعي بالمهرجان السكندري تُعد فكرة مثيرة وتفتح الباب أمام أسئلة مهمة على غرار هل الذكاء الاصطناعي شريك إبداعي أم مجرد أداة، كما تضع المهرجان في مواكبة مع التحول الذي يحدث في صناعة الأفلام.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن لهذه المسابقة جوانب إيجابية عدة، حيث تُشجع تجريب أشكال جديدة من السرد البصري في ظل برامج متعددة في توليد الصور والفيديو والصوت، كما تتيح لصناع أفلام لديهم الأفكار الجيدة ولا يملكون إنتاجها لخروج أعمالهم للنور، مؤكدة أن تقنيات «الإيه آي» يمكنها أن تُفيد السينما بشكل واضح حيث تساعد في كتابة وتطوير الأفكار وتسهيل المؤثرات البصرية والمونتاج مما يخفض التكلفة والوقت، لكن يظل دور الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة بينما الإبداع والرؤية الفنية يظلان مسؤولية الفنان.

وأكد موني محمود، المدير الفني لمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، أن «إقامة مسابقة خاصة للأفلام المصنوعة بتقنيات الذكاء الاصطناعي جاءت بهدف استكشاف هذه الأفلام بوصفها شيئاً مستحدثاً في صناعة السينما لأنه ليس كل جديد ضار»، لافتاً إلى أن هناك مخرجين حول العالم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في تصوير بعض مشاهدهم بالأفلام العادية.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لقد قصدنا الاختلاف في اختيار نوعيات الأفلام بهذه المسابقة التي تباينت فيما تطرحه وفي تصويرها وتنفيذها وزمن عرضها، وكان نجاح المسابقة والإقبال الذي شهدته العام الماضي دافعاً لاستمرارها ولكي نكتشفها ونحلل مدى قدرتها على الاستمرار».


روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
TT

روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)

في عمق البحر الأبيض المتوسط قبالة الساحل الفرنسي، نجح روبوت موجَّه من بُعد مخصَّص للغوص في الماء، في انتشال قطع أثرية تعود إلى قرون، من بينها إبريق استقر بجوار حطام سفينة تجارية تعود إلى القرن السادس عشر.

وأوضح الضابط في البحرية الفرنسية، سبستيان، الذي لم يفصح عن هويته الكاملة لأسباب أمنية، أنّ التعامل مع الموقع يتطلب دقة فائقة؛ لتفادي إلحاق أي ضرر بالحطام أو إثارة الرواسب التي قد تعوق الرؤية.

ووفق «سي بي إس نيوز»، يُشرف سبستيان على المهمة الأولى ضمن بعثات استكشافية أثرية في أعمق حطام داخل المياه الإقليمية الفرنسية، التي تُجرى على بُعد نحو ساعتين من الريفييرا الفرنسية.

كان اكتشاف السفينة قد حدث مصادفةً خلال مسح عسكري روتيني لقاع البحر العام الماضي في منطقة قبالة ساحل راماتويل بالقرب من بلدة سان تروبيه.

ويرجّح علماء الآثار أنّ السفينة كانت في طريقها من شمال إيطاليا، محمّلةً بالآنية الخزفية وسبائك معدنية، قبل أن تلقى مصيرها في الأعماق.

بين الإنسان والعمق... وسيط من معدن (أ.ف.ب)

وقد عادت البحرية الفرنسية حالياً، بالتعاون مع قسم الآثار الغارقة تحت الماء بوزارة الثقافة، لمعاينة القطع الأثرية التي بقيت محفوظة على عمق يزيد على ميل ونصف تحت سطح البحر.

مدافع وأباريق خزفية تحت الأعماق

وتحافظ البحرية على سرّية موقع الحطام، الذي أطلقت عليه اسم «كامارا 4»، رغم أنّ الوصول إليه يتطلَّب إمكانات تقنية متقدّمة نظراً إلى عمقه الكبير.

ومع بزوغ الفجر، وصلت القاطرة البحرية التابعة للمهمّة إلى الموقع، حاملةً روبوتاً مخصّصاً للعمل تحت الماء، ومعه حاويتان كبيرتان تُستخدمان مكاتبَ ميدانية بديلة لعلماء الآثار البحرية.

ويُنزل طاقم العمل الروبوت المزوّد بالكاميرات وأذرع تشبه الكماشة إلى الأعماق، حيث يوجّه أحد المسؤولين في البحرية الروبوت نحو الأسفل عبر كابل طويل، في حين يراقب الخبراء حركته عبر الشاشات.

وبعد نحو ساعة، يبدأ الروبوت، المُصمَّم للغوص حتى عمق يصل إلى 4 آلاف متر، في الانزلاق فوق أكوام من الأباريق دائرية الشكل في قاع البحر.

وتكشف اللقطات التي ترصدها الكاميرات للفريق على السطح، عن تفاصيل الحطام، حيث تظهر مدافع إلى جانب مئات الأباريق والأطباق المزخرفة بنقوش نباتية وصلبان وأشكال أسماك.

ويلتقط الروبوت 8 صور في الثانية على مدى 3 ساعات، ممّا أتاح جمع أكثر من 86 ألف صورة تُستخدم لاحقاً لإنتاج نموذج ثلاثي البُعد دقيق للموقع.

وأعربت عالمة الآثار فرانكا تشيبيكيني عن دهشتها من وضوح الرؤية في هذا العمق، قائلةً: «بدت ممتازة، ولا يمكن تخيّل ذلك على هذا العمق». وأضافت أن السفينة كانت تجارية على الأرجح، وكانت تحمل آنية خزفية مصقولة من منطقة ليغوريا في شمال غربي إيطاليا، وربما حُمِّلت في موانئ جنوة أو سافونا.

كان خبراء قد حدّدوا سابقاً وجود مرجلين ومرساة و6 مدافع في موقع الحطام، إلى جانب نفايات حديثة، مثل علبة مشروبات وعلبة زبادي فارغة، ظهرت في بعض الصور قرب المرساة.

عينٌ آلية ترى ما عجزت عنه العيون (أ.ف.ب)

استعادة إحدى أعمق القطع

وترى رئيسة فريق التنقيب، مارين سادانيا، أنّ هذه النتائج تُمثّل مصدراً مهماً لفهم طرق التجارة البحرية في القرن السادس عشر، في ظلّ محدودية المصادر التاريخية التفصيلية المتاحة.

وخلال عملية الانتشال، راقب الفريق بحذر الروبوت وهو يخفض ذراعه لالتقاط صندوق برفق، لتفادي كسره، رغم أنّ أحد الأواني الخزفية تحطم خلال العملية.

وقد نجح الفريق في استخراج عدد من الأباريق والأطباق، إذ فُحِصت في مختبرات بمدينة مرسيليا، وأظهرت التحاليل الأولية زخارف بخطوط زرقاء داكنة وأشكال هندسية ملوّنة.

وأكدت سادانيا أن هذه القطع تُعد من أعمق القطع الأثرية التي استُخرجت من حطام سفينة في فرنسا.

يأتي هذا الاكتشاف بعد العثور عام 2019 على حطام الغواصة «لا مينيرف» قبالة مدينة تولون، على عمق 1.4 ميل، والتي غرقت عام 1968 وعلى متنها 52 بحاراً.

وفي تطور موازٍ، أعلن مسؤولون اكتشاف حطام سفينة أخرى تعود إلى القرن الـ16، عُثر عليها خلال تدريبات عسكرية قبالة ساحل السويد.


هل تكشف الكهرباء سرّ فنجان القهوة؟

في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
TT

هل تكشف الكهرباء سرّ فنجان القهوة؟

في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)

من منظور علمي، يُعدّ فنجان القهوة لغزاً معقّداً، إذ يسهم أكثر من ألف جزيء في تشكيل نكهته، وتتأثر هذه النكهة بعوامل، منها نوع الحبوب، ودرجة تحميصها، وطريقة طحنها، وأخيراً أسلوب تحضيرها. وغالباً ما تكون النتيجة فنجاناً غير متّسق، يصعب التنبّؤ بمذاقه أو جودته، فقد يكون حامضاً أكثر من اللازم، أو ذا طعم محترق، أو ضعيف القوام.

ورغم أن الكيميائيين قادرون على استخدام أدوات متقدّمة لتحليل هذه المكوّنات وفهم كيفية تفاعلها لتشكيل المزيج المعقّد الذي يصنع نكهة القهوة، فإن هذه المقاربة لا تُعد عملية وسريعة لفحص الجودة في بيئة عمل مزدحمة مثل المقاهي.

وإنما دراسة حديثة نقلتها «واشنطن بوست» قد تُسهم في فكّ هذا اللغز؛ إذ استعان علماء بتقنية مستخدمة في بحوث البطاريات، وأظهروا أن قياس التيار الكهربائي المارّ عبر القهوة يمكن أن يوفّر طريقة سريعة لتحديد قوة المشروب ونكهته.

وفي هذا الإطار، استخدم علماء من جامعة أوريغون جهازاً يُعرف باسم «بوتنشيواستات»، يولّد جهداً كهربائياً متغيّراً، إذ وضعوا أقطابه في أكواب من القهوة، وقاسوا التيار المارّ عبر عيّنات أُعدّت من الحبوب نفسها، لكنها حُمِّصت بدرجات مختلفة، وباستخدام طريقة تحضير موحَّدة.

وأظهرت النتائج أنه كلما زادت الشحنة الكهربائية التي تمرّ عبر القهوة، زادت قوة المشروب، إذ كانت القهوة الأقوى أكثر قدرة على توصيل الكهرباء. في المقابل، كانت القهوة داكنة التحميص أقل توصيلاً عند مستوى القوة نفسه، ويُعزى ذلك جزئياً إلى تراكم جزيئات مثل الكافيين على الأقطاب.

ويُمثّل هذا الاكتشاف أحدث إضافة إلى مجال علوم القهوة، حيث يعمل خبراء في أنحاء مختلفة على دراسة أفضل الطرق للانتقال من الحبوب إلى مشروب مثالي.

تقليدياً، تعتمد صناعة القهوة على قياس «معامل الانكسار» لتحديد القوة، من خلال ما يُعرف بـ«إجمالي المواد الصلبة الذائبة»، أي كمية القهوة المذابة في المشروب. وإنما النكهة تُمثّل مزيجاً من خصائص عدّة، تشمل القوة ودرجة التحميص، ولا يمكن لهذا القياس وحده أن يعكسها بالكامل.

في هذا السكون الداكن... عالم كامل (أ.ف.ب)

وقال الكيميائي في جامعة أوريغون وقائد فريق البحث، كريستوفر هيندون، إنه يأمل أن يوفّر هذا القياس الكهروكيميائي وسيلة لمراقبة الجودة والاتساق، وهو أمر أقل أهمية عند تحضير القهوة في المنزل، لكنه يُمثّل تحدّياً كبيراً عند الإنتاج على نطاق واسع.

وأضاف: «إنها تجربة شديدة البساطة، لكن تحليلها معقّد. وما يثير حماستي هو صعوبة تصوّر أنّ خاصية كهربائية واحدة يمكن أن تختزل النكهة الكلية لمشروب يحتوي على آلاف المركّبات المختلفة».

ومع ذلك، فإنّ فهم كيفية تفاعل هذه المكوّنات لتشكيل نكهات مثل الفراولة في رشفة، أو لمسات الكراميل في أخرى، ليس بالأمر السهل. وفي نهاية المطاف، يبقى الحكم النهائي على جودة الطعم بيد اللسان البشري.

وأشار هيندون إلى أنهم تحقّقوا من دقة هذه النتائج من خلال تحليل 4 دفعات من القهوة من محمصة تُدعى «Colonna» في مدينة باث بالمملكة المتحدة، حيث تمكّنت الطريقة الكهروكيميائية من تمييز الدفعة التي استُبعِدت بعدما قيَّمها متذوّق بشري على أنها دون المستوى المطلوب. وأوضح القائمون على المحمصة لاحقاً أن تلك الدفعة رُفضت لأنها لم تُحمّص بشكل كافٍ وكانت شديدة الحموضة.

من جانبها، قالت هيذر سميث، وهي كيميائية متخصّصة في النكهات وعالمة في علوم الإدراك الحسي بجامعة كوينزلاند في أستراليا، ولم تشارك في الدراسة، إنها اطّلعت على عدد من «الأنوف الإلكترونية» التي تحاول تمييز البصمة العطرية ونكهة القهوة.

وأضافت في رسالة عبر البريد الإلكتروني: «أرى أن هذه التقنية تضيف بُعداً جديداً محتملاً، لكنها ليست حلاً متكاملاً بمفردها».

وأوضحت أن العنصر المفقود يتمثل في البيانات الحسية البشرية، لفهم مدى فائدة هذا القياس الكهروكيميائي. وقالت: «هي طريقة أسرع لقياس بصمة التركيب الكيميائي للقهوة، وستضيف مزيداً من المعلومات إلى مجموعة أدوات التحليل المستخدمة لتقييم جودة النكهة. لكن لا يمكن لأي من هذه الطرق وحدها أن تصف أو تقيس نكهة القهوة بشكل كامل؛ فالتقييم الحسّي البشري وحده قادر على ذلك».