السعودية مها ملوح... ما بين المعلقات وصواني الخبز

قالت إن فنها ينبع من الأشياء البسيطة في حياتها

من أعمال مها ملوح في مركز جميل للفنون بدبي (الشرق الأوسط)
من أعمال مها ملوح في مركز جميل للفنون بدبي (الشرق الأوسط)
TT

السعودية مها ملوح... ما بين المعلقات وصواني الخبز

من أعمال مها ملوح في مركز جميل للفنون بدبي (الشرق الأوسط)
من أعمال مها ملوح في مركز جميل للفنون بدبي (الشرق الأوسط)

مها ملوح فنانة سعودية تمضي بإصرار هادئ في طريقها الفني، تنتج وتعرض في أنحاء العالم، ولكنها تدع أعمالها تتحدث عنها، وتعترف بأنها مُقلَّة في الظهور الإعلامي. قابلتُها أثناء افتتاح مركز جميل للفنون في دبي، بداية الشهر الحالي، نوفمبر (تشرين الثاني)، خلال عرضها المميز ضمن «غرف الفنانين» بالمركز. عرض ملوح كان مكوناً من أعمال معروفة سجلت اسمها كفنانة سعودية في المحافل الدولية؛ فهناك سلسلة «غذاء الفكر» الشهيرة، التي استخدمت فيها ملوح أشرطة الكاسيت التي احتوت على محاضرات وعظية انتشرت في فترة الثمانينات في المجتمع السعودي والعربي، استخدمتها ملوح للتعبير عن مرحلة شكلت عقول وأفئدة الكثيرين، وأثَّرت على مجريات حياتهم سلباً في الأغلب. في مركز جميل أيضاً عرضت «المعلقات»، وهو عمل مكوَّن من المئات من «قدور» (أواني) الطهو الألمنيوم متفاوتة الأحجام، التي انتظمت على مساحة جدار كامل في المعرض، وكوَّنَت نقطة جذب للزوار بجمالياتها وبمضمونها وإيحاءاتها المنزلية والعائلية المرتبطة بذكريات مجتمع بأكمله.
سنحت لي الفرصة للحوار مع ملوح، فتحدثت معها حول أعمالها المعروضة هنا وعن بداياتها والمعارض التي شاركت بها في السعودية وفي أوروبا، وعرضها في بينالي البندقية كأول فنانة سعودية تتلقى دعوة رسمية من إدارة البينالي لتشارك بعملها مع فنانين من جميع أنحاء العالم.
المعلقات وقدور الطبخ
البداية كانت من معرضها بمركز جميل للفنون، نتحدث عن «المعلقات»، ما صِلة «قدور» الطبخ بالمعلَّقات الشعرية في الجاهلية؟ سؤال يظل حاضراً في الذهن خلال الحوار، وإن كان أيضاً يختلط مع المشاعر الكثيرة التي يثيرها العمل. بداية، طريقة عرض القدور هنا تحديداً تختلف عن المرات التي عرض فيها سواء في جدة أو في غاليري ساتشي بلندن أو في فيينا. القدور هنا تنتظم على مساحة جدار كامل مقوس، أقول لها إنني أحسست بأنني محاطة ليس فقط بالقدور المعدنية ذات القعر الملطخ بسواد نار المواقد، ولكن أيضاً بذكريات طفولة وصور مأدبات غذاء وعشاء أقيمت في أعياد أو في أعراس أو مآتم. الصور الكثيرة المتدافعة تشغلها دائماً نساء يقمن بالطهي في منازلهن، أو رجال يقومون بالطهي في الرحلات البرية، وغيرها من الصور المجتمعية في ماضي وحاضر السعودية.
تقول بابتسامتها الهادئة إن الانطباعات المختلفة التي يثيرها العمل هي ما يهمها في المقام الأول، وتضيف: «هذا أهم شيء بالنسبة لي. الفن يذكِّر كل شخص بشيء معين، وبمرحلة في حياته، قال لي زوار من الهند إنهم أحسوا بالقرب من تلك القدور، عندما رأوا أسفلها عبارة (صُنِع في الهند). عندما يحرك الفن شعور الناس تصبح ردود الفعل هي الأهم بالنسبة لي». على اختلاف الأجيال والمشارب والجنسيات كانت ردود الفعل مختلفة، وذات معنى، تشير إلى أنها اصطحبت والدتها لمشاهدة العمل أثناء عرضه في معرض «21.39» بجدة عام 2014، وتفاعلت والدتها معه بشكل واضح.
من الأشياء اللافتة في أعمال ملوح هي العناصر التي تتكون منها أعمالها؛ فهي دائماً قطع مأخوذة من الحياة اليومية للفنانة، قطع أثَّرت بها أو لعبت دوراً في حياتها، وهنا في المعرض نجد أكثر مِن تصوير لهذا؛ فإلى جانب القدور هناك «أبراج» مصنوعة من الأوعية المعدنية التي أيضاً كانت تُستخدَم في تقديم الطعام بالمنازل، هنا أيضاً أشرطة الكاسيت التي احتفظت بها، كما تحتفظ بقطع كثيرة دخلت حياتها بشكل أو بآخر.
أسألها عن مغزى ذلك: «في أعمالك تستخدمين دائماً أشياء حياتية، لها علاقة بالماضي؟ القدور والصحون والأبواب والكاسيت كلها لها علاقة بالماضي ولها انعكاسات على الحاضر؟». تجيب: «كل فني مستمد من حياتي اليومية، أنا أحب التجول في البلد (وسط المدينة القديم) في الرياض أو في جدة، أزور الحراج (حيث تُباع الأشياء المستعملة) والأسواق الشعبية باستمرار. وأجدني منجذبة لتلك القطع التي اندثرت بشكل كبير من حياتنا، ولم نستبدل بها أشياء أخرى من صنعنا أو تُمثّلنا. عندما أذهب لتلك الأسواق الشعبية أجد الأشياء المستوردة التي لا تعبر عنا، وأجدني أفكر فيما سنترك للأجيال الجديدة؟ فكل جيل من واجبه ترك إبداعاته وأعماله للجيل الذي يليه، ماذا سنترك نحن؟ في المتاحف في بلدان مجاورة وفي أوروبا نرى دائماً المعروضات التي تركتها أجيال قديمة، وفي أوروبا هناك دائماً الجديد الذي يُضاف لما تركه الأقدمون».
رحلات الاستكشاف في الأسواق الشعبية غذَّت هواية للفنانة في جمع الأشياء: «بدأتُ في جمع تلك القطع التي أراها وأضعها عندي في الاستوديو الخاص بي، وقد تمر أعوام قبل أن أقرر الطريقة التي أريد أن أتعامل معها فنياً. (قدور) الطبخ جمعتها على أساس أن أستخدمها كحاويات لنباتات الزينة في منزلي، أكثر شيء جذبني لها هو الجزء الأسفل المتفحم بفعل نار الطهي. وضعتها عندي في الاستوديو ثم علقتها على الحائط، ووجدت أنها حركت شعوري، وأن بها دراما، وقررت عرضها بعد ذلك». أما لماذا أطلقت على العمل عنوان «المعلقات»، فتشرح: «كنت أعمل بحثاً حول المعلقات والأماكن التي تقع في نجد وتغنى بها الشعراء، الذين ذكروا في قصائدهم الجبال السوداء. ذكّرتني القدور بهذه الجبال، وأحسستُ أنها تحكي قصصاً من المجتمع، سواء أكانت قصص البدو في البادية أو في البيوت، عندما كنا نستخدمها، منها ما كان يستخدم لطهي الجمال، وكانت تُستخدم في مجالس الرجال للطبخ، ورأيت أنها (القدور) معبِّرة جداً، وقررت تعليقها كما هي، وعندما طُلب مني عمل للعرض في معرض (21.39) بجدة عام 2014 قررت المشاركة به».
دعوة من بينالي البندقية
في عام 2017 تلقَّت ملوح دعوة من إدارة بينالي البندقية للمشاركة ضمن المعرض العام الذي يُقام تحت إشراف البينالي، تقول: «كنتُ أول فنانة سعودية تتلقى مثل هذه الدعوة، بالنسبة لي كان شيئاً كبيراً، وأرى كل مشاركة دولية لي تعد تحدياً جديداً وتزيد معها المسؤولية».
في آخر مشاركة لها بمعرض في السعودية لجأت ملوح مرة أخرى للأسواق الشعبية لتجد ضالتها في أجهزة التكييف التي تعمل بالماء، ويُطلق عليها في السعودية «مكيفات صحراوية». تشرح أكثر: «آخر مشاركة لي في السعودية كانت من خلال معرض (21.39) بجدة عام 2015. كان الموضوع العام عن الأرض وعن البيئة وعندما طُلِب مني تقديم عمل، فكرتُ في حياتي بالرياض حيث أعيش، وهي منطقة صحراوية، ولمقاومة الحر نستهلك طاقة كبيرة من الكهرباء في أجهزة التكييف. من هنا جاءت فكرة المكيِّفات الصحراوية التي استُخدِمت في البيوت قديماً، وأصبحت تُستخدَم بصورة موسمية في موسم الحج ثم تباع بأسعار رخيصة في الأسواق الشعبية». فكرة ملوح كانت أن تجمع عدداً من تلك المكيفات التي تم الاستغناء عنها، وتشكّلها على هيئة «مكعب روبيك» الشهير، في إشارة إلى أن هناك معضلة بيئية تحتاج إلى الحل تماماً مثل محاولات حل لغز «مكعب روبيك».
تقول: «ابتعتُ 27 مكيفاً، وحاولتُ أن ألوِّنها بألوان صحراوية، وبعضها كان لا يزال يعملُ، وسمّيت العمل (لتظلَّ بارداً). أعتقد أنه من الأعمال التي تمس الكثيرين؛ كل منا يتفاعل معها بشكل ما، هي أشياء نراها دائماً إلى درجة أن أصبحنا لا نراها، وغابت عن أعيننا، ولكن دور الفنان أن يظهر للناس أشياء قد لا يلحظونها، رغم أنهم قد يفكرون بها طوال الوقت».
ألاحظ أنها تستخدم في أعمالها عناصر ترتبط بحياتنا في الماضي، وأتساءل إن كانت تلك مجرد حالة من الحنين للماضي (نوستالجيا)؟! أو أنها تفعل ذلك مدفوعة بتصور للمستقبل؟
تجيبني: «الاثنين معاً، عندما أرى هذه الأشياء، وأتذكرها، أبدأ بالتفكير في الاستفادة منها في شيء جديد للمستقبل. مثل الأشرطة الكاسيت؛ كنتُ أجدها مهملة في أكياس بلاستيك سوداء، كان الناس لا يحبذون إلقاءها في المهملات، ولهذا كانت تُترَك جانباً. كنتُ أجمعها دائماً، وأفكِّر في طريقة لاستخدامها؛ فهي تذكِّرنا بمرحلة من حياتنا، في البيت كان عندي (صواني) الخبز الكبيرة، نظفتُها واستخدمتها لوضع الأشرطة بها». ومن هنا وُلِدت فكرة عملها الأشهر «غذاء للفكر».
تستمتع ملوح بمرحلة البحث والتجميع التي تقوم بها في الأسواق: «قررتُ أن أبحث عن مجموعة من (الصواني) مماثلة لعمر الأشرطة ذاته، وبدأتُ جولة في الرياض للبحث عنها من مخبز لمخبز، تلك الرحلات للبحث كانت ممتعة جداً بالنسبة لي أكثر من نهاية العمل».
أجدني مدفوعة بفضول لأعرف ما ردة الفعل لدى أصحاب المخابز الذين طلبت منهم تزويدها بـ«صواني» الخبز القديمة، تقول: «بعضهم وافق وبعضهم استغرب، قررتُ أن أقدِّم للمخابز صواني جديدة لأستطيع الحصول على المستخدَمة من عندهم، أحدهم قال لي: لماذا لا تأخذين أنت الجديدة بدلاً من أن تعطيني؟ نجحتُ عموماً في الحصول على مجموعة من (الصواني) أخذتُها للمنزل ونظفتُها من الدهون المتراكمة فيها، وبدأت برصِّ الأشرطة فيها، وهنا برقت فكرة العنوان (غذاء للفكر)» وتضيف أن أشرطة الكاسيت كانت «تعكس مرحلة ما مررنا بها، يجب أن تستفيد الأجيال الحديثة من تجربتنا، عموماً هي من زمن ماضٍ، حتى أشكالها غريبة للأجيال الجديدة؛ فهي خارج الاستخدام... تذكرنا بالتغيير».
تؤكد ملوح خلال الحوار أكثر من مرة على أن فنها ينبع من الأشياء البسيطة في حياتها، وتتذكر عند دراستها للتصوير الفوتوغرافي قررت أن تصور أغراضها الخاصة: «وضعتُها تحت المكبر لألتقط صوراً لها للحفاظ عليها كذكريات، العملية كانت ممتعة بالنسبة لي، وأعجبتُ بالنتيجة وقررت إقامة معرض بالأعمال الناتجة، وبالفعل أقمت معرضاً فردياً في الرياض عام 2007، وكانت نظريتي أن الأشياء البسيطة في حياتنا لها قيمة معنوية أكثر بكثير من الأشياء المادية غالية الثمن».



مشاهدة التلفاز تؤدي للإعدام والجينز إلى السجن... غرائب من واقع كوريا الشمالية

ما يبدو غريباً خارج كوريا الشمالية هو واقعٌ يوميّ داخلها (رويترز)
ما يبدو غريباً خارج كوريا الشمالية هو واقعٌ يوميّ داخلها (رويترز)
TT

مشاهدة التلفاز تؤدي للإعدام والجينز إلى السجن... غرائب من واقع كوريا الشمالية

ما يبدو غريباً خارج كوريا الشمالية هو واقعٌ يوميّ داخلها (رويترز)
ما يبدو غريباً خارج كوريا الشمالية هو واقعٌ يوميّ داخلها (رويترز)

احتفلت كوريا الشمالية قبل أسبوعين بالذكرى الـ81 للتحرير من الانتداب الياباني، وتستعدّ لإحياء الذكرى الـ78 لتأسيسها في التاسع من الشهر الجاري. في سائر البلاد التي تحيي مثل هذه المناسبات الوطنية، تندرج الفعاليات ضمن الإطار الاحتفالي المعقول، باستثناء بيونغ يانغ، حيث الأعياد الوطنية خارجة عن المألوف، مثلُها مثلُ عادات ويومياتٍ وقواعد كثيرة لا تُشبه سواها في أي مكانٍ آخر من هذا العالم.

الأعياد الوطنية... مشاركة إلزامية ومأكولات مجانية

يحيي الكوريون الشماليون أعيادهم الوطنية تحت رقابةٍ حكوميّة مشدّدة. هم مرغَمون على حضور العروض العسكرية الضخمة، حيث يسير الجنود بخطىً فائقة الانتظام، وتعبر الصواريخ الباليستية أمام عيون المتفرّجين. كما يُجبَر عشرات آلاف العمّال وطلّاب الجامعات على ارتداء الزيّ التقليدي، والتجمّع في الساحات العامة لتقديم رقصات جماعيّة. أما الملاعب الرياضية، فإنها تستضيف عروضاً أدائية ضخمة كجزءٍ من البروباغندا الفنية.

في كوريا الشمالية الحضور الشعبي إلزامي للمناسبات الوطنية (رويترز)

من بين الفروض التي يُلزَم الكوريون الشماليون بها في المناسبات الوطنية زيارة تماثيل القادة الراحلين. يصطفّون ضمن طوابير منتظمة انتظاراً للانحناء بخشوع، ووضع الزهور أمام المجسّمات الضخمة لكيم إيل سونغ، وكيم جونغ إيل. وحتى في الأيام العادية، الكوريون الشماليون ملزَمون بالانحناء كلما مرّوا قرب أحد تلك التماثيل.

في الوقت المتبقّي يُتاح للمواطنين التنزّه في الحدائق العامة، حيث ينتشر الغناء على طريقة الكاريوكي. أما الاحتفاليّة الكبرى فهي الحصص الغذائيّة الحكومية الخاصة التي تُوزّع على الناس مجاناً في هذه المناسبات. هم المحرومون من مقوّمات الغذاء الكافي، والسليم، يحصلون على الأرزّ الأبيض بدلاً من حبوب الذُرة التي يستهلكونها يومياً، إلى جانب كميات صغيرة من اللحم، والدجاج، والبيض، والزيت. يُضاف إلى ذلك، ونظراً لاستثنائية المناسبة، بعض الكماليّات، مثل زجاجة من مشروب السوجو المَحلّي، أو البسكويت، أو المشروبات الغازية؛ وكل تلك الموادّ توضع في خانة الرفاهيّة في كوريا الشمالية.

في الأعياد الوطنية توزَّع حصص غذائية مجانية على مواطني كوريا الشمالية (أ.ب)

في كوريا الشمالية السفر ممنوع

لا تقتصر غرائب كوريا الشمالية على الاحتفالات الوطنية، بل تنسحب على يوميات المواطنين الذين تأقلموا مع خناقٍ يضيق يوماً بعد يوم حول رقابهم.

الكوريون الشماليون بشرٌ ممنوعون من السفر. ليس لحُكمٍ قضائيّ صدر بحقّهم، إنما لأنّ قانون البلاد ينصّ على ذلك. ليس بإمكانهم حتى التنقّل بحُرّيّة بين مقاطعات البلاد، إذ تخضع الحركة الداخلية لرقابة صارمة، ويتطلّب التنقّل تصريح سفر رسمياً تبرّره مهمة عمل، أو تجارة، وذلك في ظلّ نقاط تفتيشٍ صارم على الطرقات، وفي محطات القطارات، والحافلات.

تخضع التنقلات البرية في كوريا الشمالية لرقابة صارمة منعاً للسفر عبر البلاد (رويترز)

أما السفر الخارجيّ، فإنه يوضع في خانة المستحيل، إذ يُمنَع على المواطنين مغادرة كوريا الشمالية للسياحة، أو قضاء الإجازات. وحدَهم كبار الديبلوماسيين، والرياضيون المعتمَدون في المنتخبات الرسمية يُسمَح لهم بركوب الطائرة، إضافةً إلى وفود رجال الأعمال المنتدَبين من السُلطة إلى دولٍ محدّدة، على رأسها روسيا، والصين.

لا تيك توك ولا أخواته في بلاد كيم

في زمنٍ تحكمه وسائل التواصل الاجتماعي، ثمة شعبٌ كامل يعيش من دون «تيك توك»، ولا «إنستغرام»، ولا «إكس»، وسائر أخواتها. ففي كوريا الشمالية ليس بإمكان المواطنين الوصول إلى المواقع الإلكترونية، ومحرّكات البحث، ومنصات الأخبار العالمية. الإنترنت الوحيد المتاح هو عبر شبكة محلّية خاضعة لسيطرة الدولة تُدعى «كوانغ ميونغ»، وهي تربط أجهزة الكمبيوتر المحلية في الجامعات، والمصانع، والمكاتب الحكومية. يقتصر محتواها على أخبار معتمدة من الدولة، وأدوات تعليمية، ومنتديات محلية، وخدمات أساسية، مثل تطبيقات طلب سيارات الأجرة، والتسوق.

يبقى الإنترنت العالمي متاحاً جزئياً، وضمن ضوابط صارمة لكبار المسؤولين الحكوميين، والفنيين المعتمدين، وبعض الزوّار الأجانب.

في كوريا الشمالية الاتصال بشبكة الإنترنت العالمية ووسائل التواصل محظور (أ.ب)

جهاز أمني داخل جهاز التلفاز

ليست مشاهدة التلفزيون أفضل حالاً. ففور شراء الجهاز، وقبل نقله إلى البيت يجب تسجيله لدى الحكومة التي تقفله تقنياً، لمنع وصول البث الأجنبي إليه. مع العلم أنّ أجهزة التلفاز في كوريا الشمالية مصممة لالتقاط القنوات المحلّية المعتمدة من الدولة حصراً. وتخضع تلك القنوات الرسمية لرقابة مباشرة من «إدارة الدعاية والتحريض»، وهي مملوكة أصلاً للدولة، وتُدار من قِبَلها.

في المنازل يشاهد معظم المواطنين قناةً واحدة هي «التلفزيون المركزي الكوري»، والذي يبثّ لبضع ساعات يومياً حسب توفّر التغذية الكهربائية. أما مَن يجرؤ على التلاعب بجهازه المنزلي لمحاولة التقاط قنوات أجنبية، لا سيّما منها تلك الكورية الجنوبية، فإنه يرتكب عندئذٍ جريمة آيديولوجية قد تصل عقوبتها إلى الأشغال الشاقة، أو حتى الإعدام.

في كوريا الشمالية القنوات التلفزيونية العالمية محظورة (وكالة الأنباء المحلية)

«شرطة الموضة» بالمرصاد للشَعر والجينز

تصل القيود الغريبة في كوريا الشمالية إلى تسريحة شعر الرجال والنساء على حدٍ سواء. تُمنَع وتعاقَب كل تسريحة تُعَدّ «معادية للاشتراكيّة»، أو متأثّرة بـ«الرأسمالية الغربيّة». يجب على الرجال إبقاء شعرهم قصيراً، أي ألّا يتجاوز 5 سنتيمترات. أما النساء، فإنه تُطبّق عليهنّ القوانين وفقاً لحالتهنّ الاجتماعية. يُتوقَع من السيدات غير المتزوجات إبقاء شعرهنّ قصيراً، بينما يُسمح للمتزوجات باختيار التسريحات الأطول قليلاً، وتجعيد شعرهنّ. ويبقى صبغ الشعر بأي لون غير الأسود والبنّي انتهاكاً آيديولوجياً.

في كوريا الشمالية جهازٌ أمني يُطلق عليه «شرطة الموضة»، وهو الذي يتولّى مراقبة الالتزام بتلك القوانين الصارمة. يواجه المخالفون الذين يُضبطون في الأماكن العامة بتسريحات غير قانونية قصّاً قسرياً فورياً للشعر، أو توبيخاً، أو غرامات، أو احتجازاً قصيراً في مراكز الشرطة. وفي المدارس يستخدم المعلمون المسطرة بانتظام لقياس شعر الطلاب. أما قصة شعر القائد كيم جونغ أون، فإنها تبقى الأكثر شعبيةً، إلا أنّ ما يُحكى عن كونها إلزاميّة ليس صحيحاً.

في كوريا الشمالية الرجال ممنوعون من إطالة شعرهم والنساء من صبغه (رويترز)

تنسحب المحظورات المتعلقة بالموضة والأزياء على سروال الجينز الأزرق الشهير، فهو ممنوع منعاً باتاً في كوريا الشمالية. تصنّفه الدولة رمزاً للإمبريالية الغربية، والثقافة الرأسمالية الأميركية. تُضاف إليه الملابس المدموغة بشعارات وأسماء العلامات التجارية العالمية.

سجون للعائلات

في كوريا الشمالية لا يُعاقَب المرتكبون فُرادى، بل يأتي العقاب جماعياً. فبموجب قانون «بونجو جاي»، إذا ارتكب شخص ما جريمة سياسية خطيرة، أو حاول الفرار من البلاد، يُمكن إرسال أفراد أسرته، بمن فيهم الآباء والأبناء والأجداد، إلى معسكرات اعتقال سياسية وحشية، أو مواجهة عقوبات قاسية أخرى.

وينص هذا القانون -الذي أُقرّ خلال عهد كيم إيل سونغ، أي جدّ كيم جونغ أون- على ضرورة إبادة «ذرية» أعداء الدولة إبادةً تامة. فإذا أُدين شخص واحد بالخيانة، أو بأعمال معادية للحكومة، يُمكن اعتقال ما يصل إلى ثلاثة أجيال من أسرته، وسجنهم. أما إذا ولد أطفال داخل هذه المعسكرات، فإنهم يرثون وضع السجين، ويبقون أسرى مرغمين على العمل القسري عقاباً على جرائم ارتكبها أقارب لم يعرفوهم.


وزير الإعلام السوري يطلع على تجربة «SRMG» في صناعة المحتوى

الوزير خالد زعرور مع جمانا الراشد وعدد من قيادات ومسؤولي قنوات المجموعة ومنصاتها المختلفة (SRMG)
الوزير خالد زعرور مع جمانا الراشد وعدد من قيادات ومسؤولي قنوات المجموعة ومنصاتها المختلفة (SRMG)
TT

وزير الإعلام السوري يطلع على تجربة «SRMG» في صناعة المحتوى

الوزير خالد زعرور مع جمانا الراشد وعدد من قيادات ومسؤولي قنوات المجموعة ومنصاتها المختلفة (SRMG)
الوزير خالد زعرور مع جمانا الراشد وعدد من قيادات ومسؤولي قنوات المجموعة ومنصاتها المختلفة (SRMG)

زار وزير الإعلام السوري الدكتور خالد زعرور، مقر المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام «SRMG» الجديد واستوديوهات «شبكة الشرق» بمركز الملك عبد الله المالي «كافد» في الرياض، حيث التقى جمانا الراشد، الرئيس التنفيذي للمجموعة، وعدداً من قيادات ومسؤولي قنواتها ومنصاتها المختلفة.

واستعرضت جمانا الراشد تجربة «SRMG» في صناعة المحتوى واستخدام التقنيات المتقدمة في عملياتها الإعلامية. كما تجوّل الوزير في غرفة الأخبار المتكاملة لـ«شبكة الشرق» والاستوديوهات التلفزيونية، واطلع على عمليات البث والتجهيزات والتقنيات المستخدمة عبر قنوات المجموعة ومنصاتها.

وسلّطت الجولة الضوء على نموذج العمل متعدد المنصات في «SRMG»، وآلية تكامل فرق التحرير والإنتاج والتقنية عبر التلفزيون والمنصات الرقمية والإذاعة والبودكاست، لتقديم تغطية موثوقة وآنية للجمهور في أنحاء العالم العربي.

جمانا الراشد أَطلَعت خالد زعرور على تجربة استخدام التقنيات المتقدمة في العمليات الإعلامية للمجموعة (SRMG)

من جانبه، قال الدكتور زعرور، في مقابلة مع «الشرق بلومبرغ»، إن بلاده «أنجزت قانوناً للإعلام يهيئ لممارسة العمل الإعلامي بحرية»، مؤكداً أن «البناء الصحيح للإعلام يبدأ من المؤسسات الأكاديمية ودورها في إعداد الكفاءات وتطوير القدرات التي يحتاج إليها القطاع».

وشدَّد الوزير السوري على أهمية «تعزيز التعاون بين السعودية وسوريا في المجال الإعلامي، وتبادل الخبرات والتجارب بما يسهم في تطوير صناعة الإعلام».

بدورها، قالت جمانا الراشد، إن زيارة الدكتور زعرور «أتاحت فرصة لاستعراض تجربة (SRMG) في صناعة المحتوى، والتقنيات الداعمة لعملياتنا التحريرية والبثّية، ومناقشة أهمية تبادل المعرفة والخبرات على مستوى المنطقة».

الزيارة استعرضت آلية تكامل الفرق لتقديم تغطية موثوقة وآنية للجمهور في أنحاء العالم العربي (SRMG)

وأشارت إلى أن «مقرنا الجديد يعكس استثمارات (SRMG) المتواصلة في الصحافة الموثوقة، والمحتوى الأصلي، والتقنيات الإعلامية المتقدمة، والكفاءات»، مضيفة: «من خلال جمع قدراتنا التحريرية والإنتاجية والبثّية، نعزّز قدرتنا على إنتاج محتوى عالي الجودة وخدمة الجمهور في مختلف أنحاء المنطقة».

وأشاد الوزير، في ختام الزيارة، بالتقدم الذي حققه الإعلام السعودي، ولا سيما في مجالات الإعلام الاقتصادي والرياضي والسياسي المتخصص. ولفت إلى أن «الشرق بلومبرغ» خطت خطوات مهمة في مجال الإعلام المتخصص، مؤكداً أهمية النماذج الإعلامية الحديثة في تطوير المحتوى والوصول إلى الجمهور.

وتأتي هذه الزيارة ضمن برنامج الوزير زعرور في السعودية، الهادف إلى الاطلاع على التجارب الإعلامية الرائدة، واستكشاف فرص التعاون والشراكات بين القطاع في البلدين.

وزير الإعلام السوري متجولاً في غرفة الأخبار المتكاملة لـ«شبكة الشرق» والاستوديوهات التلفزيونية (واس)

وبدأت «الشرق بلومبرغ» البث من استوديوهاتها الجديدة في مركز الملك عبد الله المالي خلال شهر يونيو (حزيران) الماضي، في محطة بارزة ضمن مسيرة النمو المستمرة للشبكة، عزَّزت قدراتها على تقديم التغطية الاقتصادية والمالية والسياسية والإقليمية من الرياض.

وتواصل «شبكة الشرق» توسيع تغطيتها وبرامجها وقدراتها الرقمية عبر منصاتها المختلفة، التي تشمل «الشرق بلومبرغ»، و«الشرق للأخبار»، و«الشرق الوثائقية»، و«الشرق ديسكفري»، و«الشرق بودكاست»، و«راديو الشرق بلومبرغ»، و«الشرق NOW».


إزالة جدارية من ميدان التحرير لتشابهها مع أعمال «الأفروسنتريك»

جدارية تحمل صورة نفرتيتي (حي غرب القاهرة)
جدارية تحمل صورة نفرتيتي (حي غرب القاهرة)
TT

إزالة جدارية من ميدان التحرير لتشابهها مع أعمال «الأفروسنتريك»

جدارية تحمل صورة نفرتيتي (حي غرب القاهرة)
جدارية تحمل صورة نفرتيتي (حي غرب القاهرة)

أزالت السلطات المحلية بالعاصمة المصرية القاهرة جدارية رسمتها مجموعة من شباب الفنانين عن الحضارة المصرية القديمة، بعد أن أثارت جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، لتشابهها مع أفكار «الأفروسنتريك» التي تحاول نسبة الحضارة المصرية إلى فكرة تقوم على المركزية الأفريقية.

وظهرت اللوحات التي انتشرت بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل طمسها من قبل المحافظة، متضمنة رموزاً فرعونية وشخصيات شهيرة مثل نفرتيتي وتوت عنخ آمون والصقر حورس، وتبدو ألوانها داكنة أقرب للسواد، وهو ما فسره أحد القائمين على الجدارية في تصريحات لوسائل إعلام محلية، بأن اختيار اللون الذهبي الغامق في تلوين الوجوه ربما هو ما أعطى هذا الانطباع غير المقصود.

أثناء رسم الجداريات التي أثارت جدلاً (فيسبوك)

وكان حي غرب القاهرة قد أعلن قبل أيام، عن بدء تصميم وتحديد ملامح لوحة جدارية فرعونية بميدان الشهيد عبد المنعم رياض، لإضفاء لمسة حضارية وجمالية على الميدان وإبراز عراقة الحضارة المصرية القديمة.

ووفق ما نشرته صفحة «حي غرب القاهرة» على «فيسبوك»: «يشرف على تنفيذ اللوحة طلاب كليات الفنون الجميلة والفنون التطبيقية بالجامعات المصرية، في إطار دعم مواهب الشباب وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في تجميل وتطوير الميادين».

وجاءت هذه الأعمال في إطار جهود حي غرب القاهرة للارتقاء بالمظهر الحضاري والجمالي للميادين والمتاحف والمناطق المحيطة بها.

وبعد حالة من الجدل التي أثيرت حول الأعمال بسبب الانطباع الذي خلفته نظراً لألوانها الداكنة نسبياً، أكد مصدر مسؤول بالحي في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أنه تمت إزالة اللوحات وإعادة تشكيل المشهد البصري وفق ما يلائم الهوية المصرية ويحافظ عليها.

وترى المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، أن «الجدل حول جدارية ميدان التحرير يطرح قضية أوسع من مجرد عمل فني؛ وهي ضرورة الحفاظ على الهوية الحضارية المصرية عند تقديم تاريخ مصر القديم في الفضاء العام». وتضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحضارة المصرية ليست مجرد رموز أو صور يمكن إعادة تشكيلها وفق رؤى معاصرة، وإنما حضارة موثقة بآلاف الآثار والنقوش والتماثيل التي ينبغي أن تكون المرجعية الأساسية لأي تمثيل بصري لها».

جانب من الجدارية التي تمت إزالتها (فيسبوك)

وتابعت: «من المهم التأكيد أن انتماء مصر إلى أفريقيا حقيقة جغرافية وتاريخية لا خلاف عليها، لكن ذلك لا يبرر إعادة تفسير الحضارة المصرية أو شخصياتها وفق تصورات آيديولوجية أو عرقية لا تستند إلى الأدلة الأثرية. وهنا تكمن خطورة بعض الطروحات (الأفروسنتريكية) عندما تتحول من دراسة علمية إلى محاولة لإعادة امتلاك السردية الحضارية المصرية أو فصلها عن سياقها التاريخي».

وأشارت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم إلى أن «الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في إنتاج مثل هذه الأعمال تستلزم مراجعة متخصصة؛ فالذكاء الاصطناعي قد ينتج صورة مقنعة فنياً، لكنها ليست بالضرورة صحيحة تاريخياً».

وأكدت أن «حماية الهوية المصرية لا تكون بالانفعال أو الإقصاء، وإنما بالعلم والتوثيق وإشراك المتخصصين في الآثار والتاريخ عند تنفيذ أي عمل يتناول رموز الحضارة المصرية. وما حدث في ميدان التحرير ينبغي أن يكون درساً يؤكد أن تقديم الحضارة المصرية مسؤولية ثقافية وعلمية، وأن الدفاع عنها يبدأ من امتلاك روايتنا التاريخية وتقديمها بصورة دقيقة وواعية».

وبين فترة وأخرى تطفو على السطح أفكار من بعض أنصار «الأفروسنتريك» تنسب الحضارة المصرية القديمة إلى الأفارقة السود، من خلال مرشد سياحي يدعى كابا كاميني من أبرز ناشطي الحركة، فضلاً عن تحركات دولية في هذا الإطار؛ من بينها فيلم وثائقي أنتجته شبكة «نتفيلكس» قبل سنوات عن الملكة المصرية كليوباترا، وقامت بدورها ممثلة سوداء، في حين أن كليوباترا ملكة من عصر البطالمة اليونانيين من ذوي البشرة البيضاء؛ وهو الأمر الذي أثار ضجة كبيرة وقتها.