عبد الواحد الحميد... مرفأ ثقافة وفنار جيل

د. عبد الواحد الحميد
د. عبد الواحد الحميد
TT

عبد الواحد الحميد... مرفأ ثقافة وفنار جيل

د. عبد الواحد الحميد
د. عبد الواحد الحميد

على مدى اثني عشر عاماً، يلتئم الملتقى الفكري سنة بعد أخرى، في سكاكا الجوف، المقرّ الرئيس لمركز عبد الرحمن السديري الثقافي، وفي دار الرحمانية فرعه بمحافظة الغاط، وتتحرّى هيئته من موضوعات التنمية ما يلامس احتياجات الوطن، كي يُؤدّي المنتدى وظيفته الثقافيّة بوصفه «خليّة تفكير» تضاف إلى مهماته الاجتماعيّة الأخرى، وفق نظام المركز الأساسي، الذي بدأ به قبل خمسة عقود ونيّف.
وعلى مدى سنوات، أنجبت الجوف عبر مسيرة تنميتها، جيلاً ناهضاً يُمثّل ثمار التنمية وقطاف التجربة، جمع بحسّ واعٍ، بين ضمير الوفاء لمحيطه ومسؤوليّة الولاء لوطنه، وصار بثقافة نوعيّة، مضيئاً في مجتمعه ووضيئاً لأمته، جيلاً شقّ طريقه رغم المعوّقات، فخرّج المعلّم والشرعي والشوري والمهندس والطبيب والزراعي، ووضع كل بحسب اجتهاده، هموم مجتمعه الداني في مصافّ تطلّعات المناطق الأخرى.
أثبت هذا الجيل «الجوفيّ» النابض، كما في المناطق الطرفيّة المقاربة في ظروفها المفتقرة إلى حظوظ متوازنة في التنمية، أن عائد الاستثمار في رأس المال البشري هو الأهمّ من بين أنواع الاستثمار على المدى الطويل.
واليوم، ومع استقبال منطقة الجوف عهداً واعداً يُبشِر بمستقبل أكثر إشراقاً، خصّصت هيئة المنتدى هذه الدورة السنويّة الثانية عشرة، للبحث في آفاق فرص الاستثمار فيها على النحو الذي ستتناوله محاور المنتدى، وأن تحتفي بهذه المناسبة بجيل الجوف المتوثّب من خلال تكريم رمزه المتألّق د. عبد الواحد الحميد.
عُرف المحتفى به في أثناء الخدمة العامة، أستاذاً في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، فأميناً لمجلس القوى العاملة، ونائباً لوزير العمل، وعضواً في مجلس الشورى، وعُرفت له جهود واقعيّة في ترتيب حال سوق العمل، وتقنين أوضاعها وقطاعاتها، وزاده الترجل عن المنصب قبل ثماني سنوات، توقّداً بالإنتاج الفكري، واضعاً عيناً على المنطقة وأخرى على الوطن، متابعاً قضاياه، ومنشغلاً بحركته التنويريّة في كل اتّجاه، مسكوناً على وجه الخصوص بهاجس التوطين الذي شخّصه كتابه «السعودة أو الطوفان» ووقّعه د. غازي القصيبي بالقول «كتاب يجب أن يقرأه كل مواطن حريصٍ على مستقبل هذا الوطن، أمّا المعنيّون بشؤون العمل فيجب أن يقرأوه أكثر من مرّة».
وبذل الدكتور عبد الواحد وزملاؤه، من خلال عضويّته في مجلس إدارة هذا المركز ومجلسه الثقافي ورئاسته لهيئة النشر ودعم البحوث، جهوداً تطوّعيّة مشكورة، أفرزت دراسات فكريّة وتوثيقيّة متنوّعة، في مجالات التنمية الاجتماعيّة والثقافيّة والتاريخيّة والأثريّة والإنسانيّة في منطقة الجوف بخاصة، وفي المملكة بعامة، حتى صار المركز، بفضل الله، ثم بإصداراته وبندواته في الجوف والغاط، وفي الداخل والخارج، مُعزّزاً بجهود هيئة النشر، معلماً ثقافيّاً مشعّاً بين المراكز الثقافيّة المشهودة في المملكة العربيّة السعودية وفي المحيط العربي.
كان الدكتور عبد الواحد الأكاديمي المتخصّص في الاقتصاد، وعبر معرفته بمقوّمات البيئة الاستثماريّة في منطقته (الجوف) يتبنّى القضايا والمطالب التنموية والثقافية عبر الصحافة والندوات والملتقيات الفكرية ومن خلال العمل في اللجان الحكومية العليا، ومن صور تلك الاهتمامات اقتراحه موضوع المنتدى، مما جعله ينفث في محاوره الكثير من فِكَره واقتراحاته.
ولا يفوت في هذا السياق، الإشادة بفكره الرشيق، وبأسلوبه الإبداعي الأنيق، اللّذين تجلّت بهما سيرته الذاتيّة «سنوات الجوف»، وهي تتفرّد في ظنِي بأجمل وصف روائي لمجتمع سكاكا في منتصف القرن الميلادي المنصرم، وحاولت تسجيل التاريخ الإنثروبوجي والثقافي للمنطقة بسياق اجتماعي واعٍ، فأبرزت سيرته أن الثقافة تجري في عروقه من خلال متابعاته وقراءاته ونقده وتذوّقه وكتاباته الصحافية، ولولا أن تخصّصه الأساس في الاقتصاد من جامعة «ويسكانسون»، لظُن أنه متخرّج في جامعة نخبويّة للدراسات الأدبيّة.
أورَدَت سيرته ذكريات مع أرياف سكاكا وحاراتها وأسواقها ومزارعها ومساجدها ومدارسها الطينيّة والعلاقات بين الأُسر، وسردت مواقف واكبت تفتّح أعين أهل الجوف على القراءة، ومعايشتهم نوافذ مبكّرة شُرّعت للمعرفة والأدب، ومنها مكتبة الثقافة العامة، المبرّة التي أوقفها عام 1383هـ عبد الرحمن السديري أمير منطقة الجوف الأسبق، لتصبح نواة هذا الصرح الاجتماعي والثقافيّ، البالغ هذا العام الخامسة والخمسين من العمر.
تولّع أبو أريج منذ صغره ولا يزال، بجمع وثائق الجوف وما يُنشر عنها من قصص تطوّر هذه المنطقة، بما فيها مخاطبات وكتابات دأب على طرحها هو وشباب الجيل في الصحف المحليّة، للتعريف بالجوف والمطالبة باستكمال احتياجاتها التنمويّة، والتذكير بالفرص الاستثماريّة فيها، وبمخزونها الأثري وإمكاناتها الزراعيّة، وتلك وثائق تنتظر من المؤسسات الثقافيّة، تنظيم معرض يُعرّف بقيمتها التاريخيّة، التي يختص وأمثاله بالاحتفاظ بكميات منها.
ومع أن المحتفى به لم يتسنّم مناصب تنفيذيّة في وزارات خدميّة، فإنه وزملاءه ممن تسكن الجوف في أعماق جوفهم وأحشائهم، عملوا على إيصال صوت مجتمعها عبر الكتابات والتعليقات، أسوة بمجموعات التأثير في مجتمعات لم تحظ بقدر متوازن من برامج التنمية ومشروعاتها، فقال د. عبد الواحد عن نفسه في هذا الصدد لمجلة «اقرأ» عام 1417هـ: «لو أنني أكتب وفاءً مع مسقط الرأس فهي ضريبة صغيرة أدفعها بكل الحب والرضا للجوف، لكنني من أنصار التنمية المتوازنة التي تهتم بالأقاليم، ولا تقتصر فقط على المناطق الرئيسية...» انتهى كلامه. في هذا السياق، نستذكر رأياً للملك سلمان، عبّر عنه عام 1427هـ تعليقاً على مقال لأحد الصحافيين في جريدة «الوطن»، «إذا لم يكن الإنسانُ وفياً لمسقط رأسه لا يكون وفياً لوطنه».
هكذا ارتبط د. الحميد بوجدان لا يُلام عليه مع مسقط رأسه، ووجدناه منبعاً مخلصاً ونزيهاً، لأفكار التنمية المتوازنة والموضوعيّة، ورافداً لا يكلّ، للإبداع والتطوير، ومصدراً متفاعلاً مع رؤية الوطن وتحوّلاته الاقتصاديّة والثقافيّة، يُعبّر منتدانا اليوم عن تقدير مكنون له، حانت ساعة البوح بقليل منه لا يفِيه قدره، فما بقي عندنا أكثر، ويبقى أبو أريج مرفأً من مرافئ الثقافة، وفناراً يستنير الجيل بشعاعه.

(-) بمناسبة تكريم عبد الواحد الحميد في منتدى عبد الرحمن السديري للدراسات السعودية، الجوف 24 - 11 - 2018.



اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.


دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.


أصوات «دولة التلاوة» تصدح في المساجد المصرية الكبرى برمضان

المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
TT

أصوات «دولة التلاوة» تصدح في المساجد المصرية الكبرى برمضان

المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)

عبر عذوبة الصوت وخشوع القلب ورهافة الإحساس الصادق، يصدح جيل جديد من المقرئين في المساجد المصرية الكبرى مثل جوامع «الإمام الحسين» و«عمرو بن العاص» و«السيدة زينب» و«السيدة نفيسة» وهم يؤمون المصلين ويتلون القرآن في صلوات «المغرب» و«التراويح» و«الفجر» منذ بداية شهر رمضان.

وتشهد تلك المساجد إقبالاً كثيفاً من المصلين يقدر بالآلاف يومياً في طقس روحاني لافت يجمع بين عبق الطابع التاريخي الأثري للمكان أو المنطقة، وتصدي أسماء شهيرة من المقرئين والخطباء كى يؤموا الجموع الغفيرة في مختلف الشعائر والمواقيت.

وبرز اسم هؤلاء «المقرئين الجدد» من خلال برنامج المسابقات الشهير «دولة التلاوة» الذي انطلقت فعالياته في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بهدف اكتشاف جيل جديد من الموهوبين في قراءة آيات الذكر الحكيم ضمن تقاليد «المدرسة المصرية في فن التلاوة» التي قدمت للعالم الإسلامي قمماً شامخة في هذا السياق مثل الشيوخ مصطفى إسماعيل، وعبد الباسط عبد الصمد، ومحمد رفعت، ومحمد صديق المنشاوي، ومحمود علي البنا، ومحمود خليل الحصري.

أصوات جديدة شابة في المساجد المصرية خلال رمضان (وزارة الأوقاف المصرية)

ومن أبرز القراء الجدد محمد وفيق ومحمود السيد وأبو بكر سيد وخالد عطية، فضلاً عن الخمسة المؤهلين إلى الحلقة النهائية من البرنامج، والتي تذاع في ليلة السابع والعشرين من رمضان، وهم أحمد محمد وأشرف سيف ومحمد أحمد عبد الحليم ومحمد محمد كامل ومحمد القلاجى.

وعدّ الدكتور حازم مبروك عطية، الباحث بهيئة كبار العلماء بالأزهر، مشاركة نجوم «دولة التلاوة» في إمامة المساجد الكبرى في رمضان «خطوة رائعة تجمع قلوب المصلين حول الأصوات العذبة في نهج يستلهم السيرة النبوية في اكتشاف من يتمتعون بحلاوة الصوت ويمنحهم الفرصة للتعبير عما يتمتعون به من نعمة وموهبة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مسابقة (دولة التلاوة) أعادت إلى الأذهان أمجاد سير أعلام هذا الإبداع المصري الخالص الذي قدّم أسماء تختلف تماماً عن مثيلاتها في العالمين العربي والإسلامي، لأن القرآن كما يقولون نزل في مكة وفُسّر في العراق وقُرئ في مصر، وبالتالي فالقرّاء المصريون لا يكاد يباريهم أحد في هذا المجال ولا بد أن يكون هناك امتداد لجيل العمالقة الذين تربينا على أصواتهم».

ويأتي برنامج «دولة التلاوة» كنتيجة لتعاون مثمر بين وزارة الأوقاف و«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية»، حيث أذيع عبر قنوات «cbc» و«الحياة» و«الناس» وسط تفاعل جماهيري لافت، متصدراً اهتمام الرأي العام، كما كسر حاجز الملياري مشاهدة عبر مختلف المنصات، بحسب تصريح سابق للدكتور أسامة رسلان، المتحدث الرسمي باسم «الأوقاف».

الوزارة مستمرة في تقديم نجوم دولة التلاوة ليؤموا المصلين في مختلف المساجد الكبرى (وزارة الأوقاف المصرية)

وأضاف رسلان أن «الوزارة مستمرة في تقديم نجوم دولة التلاوة ليؤموا المصلين في مختلف المساجد الكبرى عبر محافظات الجمهورية، وليس القاهرة فقط، طوال شهر رمضان تعزيزاً للأجواء الروحانية والمفاهيم الإيمانية».

وقال الدكتور حازم مبروك عطية إن «التفاعل الجماهيري اللافت مع مسابقة (دولة التلاوة) يثبت أن الشعب المصري يميل إلى القيمة، كما يميل إلى كل ذي قدر في كل فن، فما شهدناه من الإجماع والإقبال غير المسبوق يجعلنا نثق في هذا الشعب الكريم الذي يشيع البعض عنه بين الحين والآخر أنه يهتم بالأشياء البسيطة والسريعة والعابرة، لكنه يثبت عبر هذه المسابقة أنه شعب يحب القيمة ويحب الالتفاف حول الجمال وينحاز للمبدأ الصحيح».