جنوب السودان.. بين طموح رجلين

جنوب السودان.. بين طموح رجلين
TT

جنوب السودان.. بين طموح رجلين

جنوب السودان.. بين طموح رجلين

في عام 2009، وقبيل انفصال دولة جنوب السودان، دار حوار بين ثلاثة صحافيين سودانيين (بينهم مراسل «الشرق الأوسط»)، ونائب رئيس جنوب السودان المعزول رياك مشار. تناول الحوار، الذي جرى في مكتبه بجوبا، الأوضاع في جنوب السودان، مثل الاستفتاء، والانتخابات الرئاسية، والبرلمانية، والوحدة والانفصال.
وحين بلغ الحوار احتمال ترشيح النائب الأول للرئيس السوداني وقتها سلفا كير ميارديت، لمنافسة الرئيس عمر البشير لرئاسة الدولة السودانية، طلب مشار من الصحافيين إيقاف مسجلات الصوت، وقال «أوف ريكورد»: «كيف نرشح للرئاسة من فشل أن يكون نائبا أول؟». وأضاف بعربية مكسرة يطلق عليها «عربي جوبا»: «زول دا غلبوا شغل بتاعو هناك في خرطوم، قاعد هنا يعمل شنو؟!». وبالفعل كان سلفا كير، رغم وظيفته الرفيعة في القصر الرئاسي في الخرطوم، يكثر من البقاء في جوبا، ربما لإحساسه بأن وظيفته في الخرطوم مجرد ديكور. وربما وجوده الدائم في جوبا هو لمراقبة خصمه التقليدي ونائبه مشار، الذي اشتهر بالدهاء والمكر السياسي.
ليس مشار وحده هو من كان «يبيت النية» لغريمه، ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2010، سخر الرئيس سلفا كير في حوار صحافي أجري معه، من سعي مشار ليكون رئيسا، بقوله إن سوء تصرفه وسعيه لإصدار قرارات انفرادية، جعل «الناس يعتقدون أنه حكومة داخل حكومة»، فضلا عن تلميحه بأن هناك «جهة ما» تسعى لـ«اغتياله» والجلوس في كرسيه، وفي تلميح بليغ أضاف كير في الحوار «هذا الكرسي ما بيشيل نفرين»، أي كرسي الرئاسة لا يحتمل شخصين.
وقبلها، وعلى لسان أحد مستشاري الرئيس كير، نمسك عن ذكر اسمه، فإن الأوضاع كادت تتفجر في كواليس المؤتمر الثاني للحركة الشعبية (الحاكم) الذي انعقد في جوبا عام 2008، وخلاله عزم الرئيس كير على الإطاحة بنائبه مشار ومجموعة من قادة الحركة الشعبية. وكادت الحرب تشتعل وقتها، لولا تدخل عقلاء في اللحظة الأخيرة لإقناع الرئيس بترك الأوضاع كما هي. وقال المستشار الرئاسي وبشهادة صحافيين «كان البعض يهتف في القاعة مرددا إيقا.. إيقا (أي القيادي جيمس واني إيقا، ليكون بديلا لمشار نائب للرئيس)، في الوقت الذي كان فيه جند القائد فاولينو ماتيب وقوات موالية لمشار قد وُضعوا على أهبة الاستعداد، لاجتياح المدينة، وربما قاعة المؤتمر نفسها، إذا جرت الإطاحة بمشار.
* أسطورة نقوندينق
* لا ينحصر الصراع بين الرجلين في عالم الحقيقة وحده، فالأسطورة أيضا تلعب دورها فيه. تقول إحدي أساطير قبيلة «النوير» إن «نقوندينق» (معبود) تنبأ بأن يحكم الجنوب رجل «أفلج» الأسنان، وغير «مشلخ» (علامات توضع على الوجه تشير إلى قبيلة حاملها)، يأتي بعد حرب طويلة، وهي صفات تنطبق على رياك مشار، وتعتقد بعض قبائل جنوب السودان في هذه الأسطورة، وهو أمر له تأثيره على كلا الرجلين، فالأسطورة تثير توتر سلفا كير، ويستخدمها مشار في تحقيق طموحاته السياسية، لدرجة أنه حرص على استرداد «عصا رمح نقوندينق» من بريطانيا بعد الاستيلاء عليها خلال فترة الاستعمار، وجرت إعادتها له عام 2009 بطائرة خاصة، وأقيمت لها طقوس «إشعال النيران». وهكذا لعب «الطوطم» دوره السياسي، ليثير حفيظة الكثيرين، وبينهم الرئيس سلفا كير، لأنه أعطى مصدر قوة «روحيا وقبليا» لمشار بما يجعله مصدر تهديد مستمر لسلطته.
ويضاف إلى الأسطورة الاختلاف الكبير بين الرجلين، فمشار أستاذ جامعي وإداري من طراز رفيع، ظل يدير دولاب الدولة منذ توقيع اتفاقية السلام، فضلا عن عمله رئيسا لمجلس تنسيق الولايات الجنوبية، على عكس الرئيس سلفا كير الذي كان جنديا في استخبارات الجيش السوداني، ومقاتلا شرسا أثناء الحرب الأهلية، مما أهله للترقي لرتبة «قائد» في الجيش الشعبي لتحرير السودان، وجاءت به التوازنات «القبلية» إلى المنصب الأول في الحزب والدولة، بعد رحيل زعيم الحركة الشعبية جون قرنق في حادث الطائرة عام 2005 بعد قليل من توقيع اتفاقية السلام التي أنهت أطول حرب أهلية في أفريقيا. كان مشار كثيرا ما ينتقد أداء رئيسه مع خاصته، وأحيانا أخرى في العلن، ويرد الرئيس بكيد مضاد، لكن توازن القوى «القبلي» في الجنوب أبقى الرجلين المتشاكسين معا.
* حرب القبائل الثورية
* كلا الرجلين يستند إلى «قوة إثنية» مؤثرة وكبيرة في الجيش الشعبي - جيش جنوب السودان - فمشار ينتمي لقبيلة «النوير» التي تعد ثانية قبائل جنوب السودان من حيث عدد السكان، وهي من القبائل المحاربة شديدة المراس، فيما ينتمي الرئيس سلفا كير لقبيلة «الدينكا» وهي كبرى قبائل جنوب السودان بل القبائل الأفريقية من حيث عدد السكان، ولعبت دورا كبيرا في الحرب الأهلية في السودان.
وتاريخيا، هناك تنافس محتدم بين القبيلتين اللتين تنتميان لمجموعة القبائل النيلية «الدينكا، النوير، الشلك»، وهو ما أدى لانشقاق رياك مشار عن الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1991، ليؤسس مع منشقين عن قيادة د.جون قرنق - من الدينكا - «مجموعة الناصر»، ثم «الحركة الموحدة» و«حركة استقلال جنوب السودان» عام 1995.
وخاض مشار حربا شرسة ضد الجيش الشعبي، يتردد أن الخسائر التي تسببت فيها تضاهي ما خسرته حركة التمرد الجنوبي في حربها مع الجيش السوداني، وهو ما جعل الدكتور جون قرنق يقول عنه «إن التاريخ سيظل يذكر رياك مشار بالشخص الذي طعن الحركة في ظهرها حينما كنّا على وشك الانتصار». ثم تفاوض مع حكومة السودان، ووقع ما عرف بـ«اتفاقية الخرطوم للسلام» عام 1997، ومعه أربعة فصائل جنوبية عرفت بـ«مجموعة الناصر»، وأنشئ وفقا للاتفاقية مجلس تنسيق الولايات الجنوبية وعين مشار رئيسا له.
لكن الرجل مدمن التمرد على الخرطوم عاد لحضن الحركة الشعبية مرة أخرى عام 2001، بعد أن اتهم الخرطوم بشن هجمات على قواته، ورفض إنفاذها لبنود الاتفاقية. ويظن على نطاق واسع أن الثقل المقاتل لـ«النوير» كان وراء قبول جون قرنق بعودة مشار لحركته مرة أخرى، وإعادته لموقعه في قيادة الحركة، في الوقت الذي ترك فيه وضع حليف مشار في «اتفاقية الخرطوم» الدكتور لام أكول (وزير الخارجية السوداني السابق) المنتمي لقبيلة «الشلك» النيلية، معلقا داخل الحركة الشعبية حتى رحيله، وهو الأمر الذي «عير» به سلفا كير غريمه مشار بعد نشوب الأحداث في جنوب السودان.
* لعنة التاريخ
* خرج التنافس والصراع على الزعامة بين الرجلين للعلن عقب إعلان مشار رغبته في الترشح لرئاسة الحركة الشعبية ولرئاسة الدولة في الانتخابات المزمع إجراؤها عام 2015. ونقلت تقارير صحافية أن سلفا طلب من مشار التراجع عن الترشح ضده، فرفض الأخير بالقول «لن أتنازل ليومين من أجلك ناهيك عن دورة أخرى من عدة سنوات»، مما أدى لاستقطاب حاد في الجيش الشعبي والحركة الشعبية، وخرج ما كان مكتوما بين الرجلين للعلن.
وفي أبريل (نيسان) الماضي أصدر الرئيس سلفا مرسوما رئاسيا سحب بموجبه الصلاحيات التنفيذية الممنوحة لنائب الرئيس من دون أن يجرده من منصبه، ولم يعلق مشار وقتها على القرار وظل يداوم في مكتبه ويمارس عمله بشكل عادي.
* الضربة القاصمة
* وفي خطوة غير متوقعة أقال رئيس دولة جنوب السودان سلفا كير ميارديت في يوليو (تموز) الماضي نائبه رياك مشار وأعضاء حكومته من دون أن يشير لأسباب الإقالة. كما أحال الأمين العام للحركة الشعبية «باقان أموم» للتحقيق. وكان الرئيس سلفا قد أحال في وقت سابق وزير المالية كوستا مانيبي، ووزير مجلس الوزراء دينق ألور، للتحقيق بتهم فساد، وفي خطوة لاحقة أصدر قرارا حل بموجبه أجهزة وهياكل الحركة الشعبية، تحت الزعم أنها فقدت شرعيتها بسبب عدم عقد المؤتمر العام.
وانتقد مشار تلك القرارات، وعدها انتهاكا لدستور الحزب، وقال «ليس من حق الرئيس حل هياكل الحزب بسبب التأخير في عقد المؤتمر القومي»، واتهمه بأنه تجاهل المؤسسية واستند إلى مشورة ثلاثة من مساعديه، وهم نائبه الجديد جيمس واني إيقا، والنائب الثاني دانيال أويت أكوت، ووزير الدفاع كول مانيانغ. وأضاف «كان بالأحرى أن يقيل سلفا كير نفسه كونه جزءًا من نظام الحزب القديم، وأن هذه الهياكل هي التي نصبته رئيسا وفي حال حلها فإن القرار يشمله تلقائيا». وأوضح أن تلك القرارات قد تدفع أغلبية أعضاء الحزب لاتخاذ قرارات تقوض قرارات الرئيس، ووصف ما قام به بأنه محاولة لخلق انقسامات في الحزب، باستخدام رأي الأقلية.
* أولها كلام
* عندما بلغت الأمور هذه الذروة، قال مشار في حوار مع «بي بي سي» إن رئيس الجنوب لم يعد قادرا على إدارة شؤون البلاد، وتفشى الفساد واتسعت رقعة القتال القبلي. وفي منتصف ديسمبر (كانون الأول) الحالي، بلغ التوتر بين الفرقاء في الحركة الشعبية ذروته خلال اجتماع مجلس التحرير، إذ قابل سلفا كير رفاقه السابقين ببرود، رفض مصافحة كل من رياك مشار، وريبيكا زوجة زعيم الحركة الراحل جون قرنق، والأمين العام باقان أموم.
وحسب صحف محلية سودانية فإن سلفا كير انتقد مشار وباقان بعنف لافت، مما أدى لانسحاب 126 عضوا بمجلس التحرير البالغ عددهم 161، احتجاجا على خطاب سلفا كير الذي هاجم فيه بقسوة القادة في مجلس التحرير «مشار، وباقان، ودينق ألور، ونيال دينق»، ثم انسحب 14 من أعضاء المكتب السياسي للحركة البالغ عددهم 19 من الاجتماع.
وبعدها تبادل باقان أموم وسلفا كير الاتهامات، فوصف الأول الثاني بـ«الديكتاتور الذي ضل الطريق عن رؤية الحركة وخرق الدستور»، ورد الثاني بوصفه بـ«المخالف للتنظيم، وأن لجنة المحاسبة أوصت بفصله من جميع مناصب الحزب والدولة». ثم شن سلفا كير هجوما على نائبه السابق مشار وقال «إنه يعد نفسه شخصا تاريخيا بالحركة، ولا يوجد تاريخي أو غير تاريخي»، ورد مشار الصاع صاعين متهما سلفا كير بخرق الدستور، مهددا بأن مجموعته ستقود عملا لتصحيح مسار الحركة وإصلاحها. وقال «سنقوم بتصحيح أخطاء سلفا كير ومسار الحركة»، واتهمه بأنه فقد الرؤية وبدأ يتخبط في اتخاذ القرارات التي «تأتيه من الخرطوم».
* الانقلاب
* عشية اجتماع مجلس التحرير، حدثت اشتباكات بين قوات «تايغر»، أو قوات الحرس الجمهوري، بين مجموعة محسوبة على الرئيس سلفا كير، وأخرى موالية لمشار، وقتل جراء تبادل إطلاق النار المئات، فسارع الرئيس سلفا كير ميارديت إلى الإعلان عن «محاولة انقلابية» بقيادة مشار ومجموعته، وأصدر أوامره بإلقاء القبض على 11 من قادة الحركة الشعبية، بينهم باقان أموم، ودينق ألور، فيما تحفظ على أرملة جون قرنق في منزلها، لكن مشار استطاع الخروج من جوبا، وذهب إلى قريته في «أدوك»، ثم التحق بجنوده في «بانتيو»، حسب تصريحات وزير الخارجية برنابا بنيامين.
ونفى مشار ومجموعته تدبيرهم للانقلاب، وعدوا ما حدث مجرد اشتباكات داخل الحرس الجمهوري نتجت عن الاستفزاز المقصود، وأن سلفا كير يقف وراءها مستهدفا تصفية خصومه السياسيين، فيما اعتبرت ريبيكا قرنق الأمر انشقاقا في الجيش الشعبي.
* اتساع رقعة الحرب
* ثم تواصلت الاشتباكات في جوبا، والتي بدأت تأخذ شكل الحرب القبلية، بين «النوير» الموالين لرياك مشار، و«الدينكا» الموالين للرئيس سلفا كير، وأزهقت أرواح أكثر من 500 بين مدني وعسكري، وأصيب أكثر من 800، ولجأ الآلاف إلى معسكرات الأمم المتحدة في جوبا هربا من القتال، ثم انتقلت الأحداث إلى ولاية الوحدة النفطية وسقطت حاضرتها «بانتيو» على يد الجنرال المنشق «بيتر قديت» الموالي لرياك مشار، وسيطرت في وقت لاحق على كامل الولاية، فيما سقطت ولاية جونقلي في يد مقاتلين موالين لمشار، وبذلك فإن قوات نائب الرئيس السابق تسيطر تقريبا على غالب المناطق النفطية.
* بين السياسة والقبيلة
* على الرغم من رفض الأطراف كافة لوصف الصراع في جنوب السودان بأنه صراع قبلي بين الدينكا والنوير، فإن واقع الحال يقول إن ثقل القوات المتقاتلة مكون من أفراد القبيلتين، فضلا عن تقارير تحدثت عن عمليات تصفية عرقية، في المناطق التي يسيطر عليها المنشقون. وتحاول الأطراف إبقاء الصراع في حدوده السياسية، لكن حال استمراره فإن جنوب السودان مهدد بالانزلاق نحو حرب أهلية شاملة لا تبقي ولا تذر. فعلى الرغم من أن سلفا كير، بقراراته الأخيرة، قد مهد الأرض لنشوء «حلف قبلي» ضده، لكون غرمائه من قبائل متعددة، بينهم شلك ونوير، و5 من المعتقلين من قبيلته الدينكا، إضافة للثقل الرمزي الذي تمثله ريبيكا أرملة قرنق في نظر قبيلته الدينكا، فإن هذا الحلف مهدد بالتفكك، خاصة أن الحرب على المستوى الشعبي قد تأخذ طابع الصراع القبلي، وأنها بلغت حد استخدام العصي والأسلحة التقليدية «الحراب» بين أفراد القبيلتين.
* صراع الأجندات الدولية
* فور نشوب الحرب، سارعت دولة أوغندا إلى إرسال قوات خاصة إلى جوبا، تحت الزعم أنها تريد إجلاء الرعايا الأوغنديين، لكن تصريحات الموالين لمشار والجيش الأوغندي نفسه، تقول إنها جاءت بطلب من الرئيس سلفا كير لاستخدامها ضد خصومه. وتردد على نطاق واسع أن تلك القوات قصفت معسكرات تابعة لبيتر قديت في بور، في الوقت الذي نفت فيه جوبا تلك التقارير، وقالت إن القصف نفذته طائرات مقاتلة مملوكة لجنوب السودان، حسبما أفاد سفير جوبا في الخرطوم.
وفي الوقت ذاته، أعلنت الولايات المتحدة عن إرسال 45 من مشاة البحرية لإجلاء الرعايا الأميركان، لكن إحدى طائرات المجموعة أصيبت في إطلاق نار اتهم به الموالون لمشار، وأدى لإصابة أربعة جنود أميركان، فيما تستعد حاليا لإرسال قوة قوامها 150 جنديا للتوجه إلى جوبا، لإكمال مهمة الإجلاء وحراسة المصالح الأميركية. وحذر الرئيس الأميركي باراك أوباما من استمرار القتال، وهدد بالتدخل العسكري إذا تم الاستيلاء على السلطة في جنوب السودان بالقوة، وهو ما عده مراقبون مساندة لمعسكر الرئيس سلفا كير ميارديت.
من جانبه، قال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إن جرائم حرب وأعمالا ضد الإنسانية مورست، وإن قوات بعثة المنظمة في جنوب السودان «يونميس3»: «ستستخدم التفويض الممنوح لها لحماية المدنيين». ولم تفوت دولة كينيا المجاورة والمنافسة لأوغندا المناسبة، فأدخلت بعض قواتها في جنوب السودان تحت الذريعة ذاتها، ليتحول الجنوب إلى ثكنة للجنود الأجانب، أما السودان فقد اتهمه موالون لمشار بأنه حشد جيوشه قرب الحدود لحماية إنتاج النفط وسريانه، لكن حكومتي جوبا والخرطوم تنفيان ذلك.
* العالم على الخط
* أرسلت منظمة «إيقاد» الأفريقية التي ترعى اتفاق السلام وزراء خارجية دولها لجوبا، والتقى الوزراء سلفا كير فأبدى موافقته على التفاوض من دون شروط، لكن رياك مشار اشترط للتفاوض إطلاق سراح المعتقلين السياسيين من مجموعته، وإجراء الحوار في دولة إثيوبيا. لكن وزير الخارجية السوداني علي كرتي، وهو أحد وزراء الإيقاد الذين شاركوا في التفاوض، بدا متشائما، وهو يحدث الصحافيين عن ضعف احتمالات التوصل لاتفاق تفاوضي قريبا، على الرغم من تصريح حكومته أكثر من مرة بأنها مع حل الأزمة عبر التفاوض، ودعوتها للجنوبيين المتقاتلين للاتعاظ بتجربة حربهم مع السودان. فيما أرسلت الولايات المتحدة مبعوثها إلى دولتي السودان دونالد بوث، الذي اجتمع بسلفا كير مطولا، وقال إنه بحث معه الحلول الأميركية التي تقوم على العمل مع جميع الأطراف لإعادة الأوضاع لطبيعتها.
* يد الخرطوم الخفية
* وتحرص الخرطوم التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على العائد من عمليات تصدير النفط عبر أراضيها ومنشآتها، على استمرار تدفق النفط وعدم توقفه، وتردد المجموعات الموالية لمشار أن لها «يدا في الأحداث»، وأنها تمالئ الرئيس سلفا كير منطلقة من أن مجموعته أقرب إليها من المجموعة الأخرى التي تتكون من «غرماء سياسيين» لها، بينهم باقان أموم، ودينق ألور، تتهمهم بالوقوف وراء توتر العلاقات بين البلدين، وبالتالي فإن من مصلحتها أن تسيطر المجموعة الموالية للرئيس سلفا كير على السلطة. ولم تخف الخرطوم موقفها، إذ إنها الوحيدة بين دول العام التي سمت ما حدث في جوبا بـ«الانقلاب»، استنادا إلى الشرعية الانتخابية لحكم الرئيس سلفا كير، ومواثيق الاتحاد الأفريقي التي ترفض الانقلابات العسكرية «الجديدة». كما أنها بدت «مرتاحة» لقرارات الرئيس سلفا كير بإقالة حكومته، وتجميد الأمين العام باقان أموم، وإحالة دينق ألور للتحقيق.
وفي ما يشبه الشماتة، فإن صحيفة «الصحافة» الموالية للحكومة سخرت من الحال الذي وصل إليه الأمين العام للحركة الشعبية «باقان أموم» المعتقل، بما يشبه التشفي، باعتباره كان من مثيري القلق لحكومة الخرطوم، أثناء ترؤسه لوفد التفاوض الجنوبي.
* حسابات الحقل
* تقول حسابات الحقل إن ما قام به الرئيس سلفا كير قفزة كبيرة في الظلام، وإنه صنع «حلفا من القبائل ضده»، وآخر بين قيادات الحركة الشعبية والجيش الشعبي، وإن انشقاقا كبيرا في صفوف الجيش قد يهدد سلطته كثيرا، وإن قوات مشار المكونة أساسا من مقاتلي «النوير» الأشداء يمكن أن تخوض معارك طويلة ضد حكمه وحدها، ناهيك عن الإسناد الذي تجده من غرماء سلفا كير من القبائل الأخرى، بمن فيهم بعض أبناء قبيلته «الدينكا» أنفسهم، لا سيما بين دينكا بور وأبيي. كما أن قبائل الاستوائية المعروفة بعدائها التقليدي للقبائل النيلية منذ اتفاقية أديس أبابا 1973، لا يتوقع أن تساند الرئيس سلفا كير، وفي أفضل الأحوال ستقف تلك القبائل على الحياد، أما قبيلة «الشلك» النيلية فمنقسمة بين باقان أموم ولام أكول المقرب من سلفا كير، لكن حسابات البيدر تضع في ذهنها «التهديد الأميركي» بالتدخل حال استخدام القوة للاستيلاء على السلطة.
* القبيلة في السياسة
* بدأ سياسيون جنوبيون، وبينهم قيادات في الحركة الشعبية، ينظرون للصراع من زاوية مختلفة، لذلك رفعوا أصواتهم مطالبين بتنحي كلا الرجلين، وتكوين حكومة قومية. ووصفت مصادر لـ«الشرق الأوسط» قادة المجموعتين المتصارعتين، بأنهم رجال حرب عصابات وميليشيات، وغير صالحين لحكم الجنوب، وأنهم يسوقونه باتجاه المحرقة، وتضييع الاستقلال الذي نالته الدولة في أقل من عامين، في سبيل طموحاتهما الزعامية. بل ورفع مشار نفسه سقف مطالبه، إلى تكوين حكومة قومية في تصريحات له، على الرغم من استجابته للضغوط اللاحقة وقبوله بالتفاوض المشروط بإطلاق سراح المعتقلين. ويعد الخبراء التفاوض الخيار الأمثل المتاح أمام جنوب السودان، وإلا فستكون الحرب الطويلة، والتدخل الدولي، الذي قد يبلغ حد وضع الدولة الوليدة تحت الوصاية الدولية.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.