محمد العبّاس: غادر المثقفون مواقعهم... فاجتاحنا «طوفان التفاهة»

الناقد السعودي قال لـ «الشرق الأوسط» إن {مشهدنا الثقافي احتله بهلوانات مواقع التواصل}

الناقد السعودي محمد العباس
الناقد السعودي محمد العباس
TT

محمد العبّاس: غادر المثقفون مواقعهم... فاجتاحنا «طوفان التفاهة»

الناقد السعودي محمد العباس
الناقد السعودي محمد العباس

لا يفتأ الناقد السعودي محمد العباس، يخوض المعارك من أجل فضاء ثقافي يقود لواقع أحسن، صارع عبر عقدين مضيا لتنقية المنجز الإبداعي من العناصر الدخيلة على الإبداع. لكنه في السنوات الأخيرة بات يصارع طواحين الهواء وهو يرصد ما يعتبره عبثاً في الوعي الثقافي يستخدم أحدث وسائل التواصل الحضارية لتحريف الوعي وتغليب طوفان التفاهة.
يرى العباس أن الثقافة باعتبارها خطوة باتجاه التحضُّر، أصبحت عاجزة أن تخلق تأثيرها الجمالي والفكري والسلوكي في المجتمعات. ووجدت نخبة مسكونة بوَهْم الاصطفاء والترفع عن المجتمع، وهو يقول: إننا ما زلنا نعاني من نقص حاد في مفهوم المواطنة ومن تفشي العنصرية والطائفية وغيرها من الأعراض التي تحتم وجود الخبير الثقافي المؤهل لمعالجة تلك المعضلات.
العباس كاتب وناقد أثرى المشهد الثقافي بحضوره الفكري على مدى ثلاثين عاماً، قدم خلالها عدداً من الدراسات النقدية، بينها: «قصيدتنا النثرية» عن دار «الكنوز الأدبية» - 1997، و«ضد الذاكرة: شعرية قصيدة النثر» عن «المركز الثقافي العربي» - 2000، و«سادنات القمر: سرانية النص الشعري الأنثوي» عن «دار نينوى» - 2003، و«نهاية التاريخ الشفوي» عن «مؤسسة الانتشار العربي» - 2008، و«كتابة الغياب: بطاقات مكابدة لوديع سعادة» عن «دار نينوى» - 2009، و«مدينة الحياة: جدل في الفضاء الثقافي للرواية في السعودية» عن «دار نينوى» - 2009، و«سقوط التابو: الرواية السياسية في السعودية» عن دار «جداول» - 2011، وكتاب «صنع في السعودية» عن دار «جداول» - 2013، وأخيراً «تويتر مسرح القسوة» عن دار «ميلاد» - 2018.
«الشرق الأوسط» التقت الناقد السعودي محمد العباس في الدمام، حيث يقيم، وأجرت معه الحوار التالي:
المشهد الثقافي
> كيف تقرأ المشهد الثقافي السعودي... ألا تلاحظ أن هناك حراكاً تجاوز المحلية مع قوة تأثير؟
- هذا هو سؤال الأسئلة منذ عقود. وهو سؤال يحتاج إلى ورشة مفتوحة على اتساعها في الإعلام والمنابر الثقافية مختلفة تماماً عن تلك الورش الشكلية التي تؤدي بشكل وظيفي ضمن نشاطات وزارة الثقافة بين آونة وأخرى بمشاركة ذوات معظمها لا تعرف الثقافة إلا كمنتجات إبداعية كمية أو مهرجانية. بمعنى أنها لا تعي أن الثقافة خطوة مستوجبة باتجاه التحضُّر. وهذا يعني أن كل ذلك الضجيج الذي نتوهم أنه قد تجاوز المحلية لا قيمة له ما لم يُحدث ذلك التأثير الجمالي والفكري والسلوكي فينا. لأننا كمجتمع ما زلنا نعاني من نقص حاد في مفهوم المواطنة ومن تفشي العنصرية والطائفية وغيرها من الأعراض التي تحتم وجود الخبير الثقافي المؤهل لمعالجة تلك المعضلات، وإعادة النظر فيما عُرف بالخطة الوطنية الاستراتيجية للتنمية الثقافية، كما يستلزم فحص المنجز قبل الفرح بتصديره إلى الخارج برافعة إعلامية وليس بمقتضى مواصفات إبداعية. وهذا يحتم أيضاً الانتباه إلى أن المنجز الإبداعي هو شكل من أشكال المنتجات الثقافية القابلة للتصدير. وهو الأمر الذي يطرح السؤال عن جدوائية هذا المنجز الذي لا أثر قيمي له على مستوى القارئ المحلي ونريد أن نحجز له مكاناً في وعي الآخر. نعم، الآخر الذي ما زلنا ننظر إليه بتوجس وهجائية، خصوصاً الآخر العربي، الذي نتعيّش على ترجماته ومنتجاته ونتوهم أننا أزحناه عن المركز إلى الهامش بذلك الإسهام الضئيل من منجزاتنا الثقافية. أما الأثر الحقيقي فلا أراه إلا في ذوات جادة قليلة معتمدة على فرادة خطابها وتواصلها الذاتي مع الآخر، لا على رافعات المؤسسة كما تتمثل في الأسابيع الثقافية مثلاً. أو في المعروض والمحمول إعلامياً من الأسماء. ولذلك أرى من المؤسف والمؤلم وجود فصيل من المثقفين والمبدعين المركونين على الهامش مقابل طابور من الأسماء المحنطين في «فترينة» العرض.
> مع دخول الفنون مسرح الحياة الثقافية، ماذا تضيف لهذا المشهد، ولتكوينه، لمحتواه، ولتأثيره؟
- حتى الآن، لا أثر لقرارات استدخال الفنون في الحياة الثقافية لأن ما حدث لا يعدو كونه شكلاً من أشكال الاستهلاك واستعادة ثقافة الصالون. الفن حالة إنتاجية في المقام الأول، وهذا هو ما يحتّم تفعيل وتحريك ثقافة الشارع، أي الإبداع الجماهيري وعدم الاكتفاء بالحفلات والمهرجانات. أو هذا ما أفترضه في خطط الهيئة العامة للترفيه، كما هو في وعي ووجدان المبدعين. لأن حصر الفن والمسرح والطرب في الصالات المغلقة يجعلها حكراً على فئة من المقتدرين مالياً أو المشتغلين بالفن فقط. وهو الأمر الذي يحد من تمدد الفرح وتحويل الفنون إلى جزء من يوميات إنسان هذه الأرض.
وحوش الفضاء
> قبل أيام من وفاته، قال الروائي والفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو إن «وسائل التواصل أتاحت لجحافل الأغبياء أن يتحدثوا وكأنهم علماء»، هل يصح أن وسائل التواصل أغرقت الفضاء بطوفان «التفاهة»؟
- مقولة أمبرتو إيكو ذائعة الصيت مجرد عبارة يومية منطلقة كزفرة غضب من أحد أكبر مثقفي اللحظة المعاصرة، مقارنة مع كتاب «نظام التفاهة» للكندي ألن دونو، حيث ارتقى بمفهوم التفاهة من شتات الفوضى اللامفهومة إلى مستوى النظام الذي أعلن انتصاره بمقتضى عوامل سوسيولوجية واقتصادية وسياسية، جعلت من المثقفين يتراجعون قبالة المسوقين الذين يحضرون المشهد بلبوسات تنكرية مختلفة، وذلك في سياق رثاء الإبداع والجدية.
كما عبر عنها أدبياً ميلان كونديرا بروايته «حفلة التفاهة». أو كما تساءل الفرنسي برنار بوليه في كتابه اللافت «نهاية الصحف ومستقبل الإعلام» عما إذا كان «غوغل» يصيب الإنسان بالغباء. وذلك ضمن «الفضاء الاجتماعي للمراهقة» حسب تعبير فرانسيس بيزاني، أو ما يسميه الأميركي مارك بيولين «الجيل الأغبى» في كتاب حمل العنوان ذاته، متهماً من هم دون الثلاثين اليوم بعدم الدراية بالتاريخ وعدم احتمالهم التَماس مع كتاب لأكثر من خمس دقائق. وكل ذلك الجدل الاستنفاري العالمي حول أثر مواقع التواصل الاجتماعي للأسف لا يوجد له أي مقابل عربي. إذ لا تنظيرات تُذكر في هذا المجال. ولذلك نلاحظ أن ارتدادات هباءات تلك الفضاءات تفرض ظلالها على مشهدنا الحياتي والثقافي. وأي نظرة متجردة ستقف على نتيجة مؤسفة، مفادها أن مشهدنا الثقافي قد احتل من قبل بهلوانات ومهرجي مواقع التواصل، أو بمعنى أدق تم تسليم دفة قيادته لهم.
> في كتابك الصادر حديثاً عن دار «ميلاد»، «تويتر مسرح القسوة» كتبتَ بـ«وحشية نقدية تحليلية جمالية» أشدّ من وحشية «تويتر» ذاتها، من المقالة الأولى «عتبة البيت التويتري» حتى المقالة الأخيرة... وحسبنا لمعرفة حجم إحباطك أن نقرأ بعض عناوين المقالات: «حفلة جنون تويترية»، «برابرة تويتر»، «استبيانات عدوانية»... وقِس على ذلك. والسؤال: لماذا استثنيت الجانب المضيء لـ«تويتر» من كتابك، خصوصاً أنك ملتزم التزاماً كاملاً بنيتشه في وصيته المجازية: «عندما تصارع الوحوش، تذكر ألا تتحول إلى وحش»؟
- الكتاب محاولة تشخيصية لواقع مرعب على كل المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية، وليس قراءة تحليلية لمجمل مركبات الموقع. وهذا هو سر النبرة الهجائية التي تحاول بدورها رصد تمثُّلات الذات في هذا الفضاء «التويتري». وفتل نسيجها الفاسد.
وبالتالي فضح عطالة الفرد في التعامل مع هذا المكتسب التكنو - ثقافي. أي قراءة التغريدات بمقتضى تحليل المفهوم، أي باعتبارها علامات طباعية. وهذا هو ما جعلني أتعامل مع كل ذلك التوحش «التويتري» الصادر عن أساتذة القبح، بمختلف مراتبهم العنصرية والطائفية، بمشرط معرفي وعازل شعوري. حيث صرت أتأمل التمثيلات اللسانية للمغرد البذيء والحضورات الاستعراضية للمثقف التأزيمي كأعراض مزمنة لذوات عدوانية لا تكتفي بنزعة قهر «الآخر» بل تتلذذ بدراما تدمير ذاتها. وذلك من أجل أن تتحول هي إلى سلطة داخل هذا الفضاء، كما يفصح عن ذلك التهتك الصريح معجم الغابة «التويترية»، حيث حاولت عرض عطالة النخبة التي بنت أساطيرها الشخصية من خلال أخدوعات وطنية ومآدب عقلانية ولافتات أخلاقية زائفة، وذلك عبر مقالات أشبه ما تكون بالمرايا الفاضحة التي تعري برابرة «تويتر» وهم يحاولون إعادتنا إلى بدائية الإنسان الهمجي، لنتقاتل بالشتائم والعصي والحجارة بدل أن نتحاور بالفكرة والكلمة. وهو أمر مشروع بل مستوجب، أي مساءلة وحوش «تويتر» الآخذة في التكاثر بأدوات مغايرة لأدوات توحشه.
> في كتابه «الجماعات المتخيلة» يرى بندكت أندرسن أن الرواية الحديثة، كما الصحافة، ساهمتا في تشكيل «قومية» متخيّلة في أوروبا، أو خلقت عوالم مشتركة عابرة لحدود الهويات والعصبيات، إلى أي مدى توافق هذا الرأي، ولماذا أخفقت هذه التجربة في المشرق؟
- يميل أندرسن إلى أن القومية «جماعة سياسية متخيلة»، وعلى هذا الأساس ابتنى تصوره، وأعتقد أنه استكمل هذا التصور من خلال رؤيته المدرسية لمفهوم الرواية الحديثة، وهو استنتاج يتقاطع مع رأي ميلان كونديرا القائل بأن الرواية أصلاً اختراع أوروبا الذي تباهي به. وذلك ضمن منطلق «المركزوية» الغربية. ولكن كيف يمكن تركيب هذه الرؤية على مفهوم الرواية المركزي باعتبارها ذاكرة لجماعات بشرية تتفاعل في بقعة جغرافية، مقارنة مع فكرة التخييل وتأكيد الأبعاد الإمبراطورية التي يضغط بها الكولونيالي على الأدبي، كالجرماني والأنجلو سكسوني والفرانكفوني، التي تدفع بها خارج تلك الأطر والجغرافيات. وما يتشعب عن ذلك الحاضن الحداثي من روايات التعددية الثقافية، والروايات المهاجرة، وروايات الأقليات، وحتى الرواية الإلكترونية وغيرها من التشظيات التي ولدتها الحداثة. وهو سؤال يمكن استجلابه كمسطرة لقياس الأبعاد القومية المتخيلة للرواية العربية. حيث تبدو الاستجابة ضعيفة في الموجة الثالثة من مد الرواية العربية مقارنة بالموجة الثانية، وذلك لأسباب تتجاوز الأدبي إلى السياسي، حيث تنبأ ألفن توفلر ذات يوم في كتابه «صدمة المستقبل» بتعزّز قيم القومية العربية مع وجود «الترانزستور»، ولكن العكس هو ما حدث حتى بعد ظهور الفضائيات. لأن توفلر مثله مثل أندرسن لم يتأملوا الخط الفاصل ما بين القومية الرسمية والقومية الجماهيرية. وهذا هو بالتحديد ما تنازلت عنه الرواية العربية إلى حد كبير، من حيث زهدها في طرح رواية شعبية قومية مضادة للمروية الرسمية.
النخبة الثقافية
> كانت لديك ورقة بحثية بعنوان: «الشباب كمشروع نخبة ثقافية»، هل يمكن للشباب أن يشكلوا نخبة ثقافية ما دمتَ تلاحظ كذلك أن النخبة الثقافية من شروطها ألا تمثل أي سلطة، وأن تكون قادرة على اكتشاف الذات «المستقلة القادرة على تحطيم قيود الوصايا» مقارنة بالنخب المقترنة بكل مفاعيل السلطة...
- نعم، وذلك بتحطيم وهم الاصطفاء والترفع عن المجتمع باتجاه فاعلية الإنتاج. أي اكتشاف الذات في طور التأهيل المعرفي والروحي كشرط للنخبوية الواعية. أي التماس مع التاريخ لا الارتهان إلى عناوين اليومي النيئة. مع التأكيد على اعتناق الديمقراطية بما هي حالة من التلازم البنيوي مع كل ما هو ثقافي. لأن الوعي الفردي ضمن هذا الإطار هو الدافع لصقل معنى وفاعلية وجدوى الحريات في مدار الحس الجمعي. وذلك هو بالتحديد ما يجعل الشباب في مقام لاعبي دور المنشطين للحياة الثقافية، المنذورين للتخفّف من الوظائف الذهنية صوب الممارسة والفاعلية والحضور بالمعنى النقدي لدور المثقف، المعاند للتقليدي من جهة وللمؤسساتي من جهة أخرى. بمعنى أن يمثل الشاب النخبوي دور المنتمي والمنشق في آن. وذلك هو ما يعصمه من أوهام السلطة ومن خضوعه للوصايا. لأنه خطابه الآخذ في التشكل ضمن نخبة شبابية متحررة يرفض الأحادية الثقافية بقدر اندفاعه في أفق الأنسنة.
دور المثقف
> تقول إنك معجب بالمثقف الذي «يُختلف به وعليه»، ولا تطيق «المثقف الذي يُؤتلف به ويُتفق عليه»... أين ذهب من تسميهم صانعي ما تسميه «التوتر الخلاق»؟
- بددتهم مفاعيل السلطة الدينية والاجتماعية وغيرها. وتحت هذا السقف المنخفض للتعبير عن الرأي لم نعد نصادف معظم المثقفين إلا في حضانات المؤسسات الثقافية. أما من يحاول تحريك المشهد بالاختلاف فمصيره النفي الاجتماعي والاضطهاد والتكفير الديني وما يتبع ذلك من الإقصاء. كما صار لكل مثقف أو أديب مشهور ما يشبه «اللوبي» الذي يدافع ويصد عنه هجمات المنتقدين. وكل ذلك بسبب تخلي النقد عن دوره وإيثار السلامة من قبل معظم المثقفين الذين قرروا الركون للدرس الأكاديمي أو الارتهان للمؤسسة أو الاستنقاع في الهامش ورثاء الذات والحال والمآل الثقافي.
> قدمت طروحات كثيرة عن قصيدة النثر، بيد أن الشاعر الوحيد الذي كتب «تفعيلة» وتعاطيت مع نصوصه هو الثبيتي... هل في تصورك لا يوجد شاعر سعودي يكتب قصائد موزونة ويستحق الكتابة عنه غير صاحب «التضاريس»؟
- يوجد بالتأكيد، وإن كان المميز من العموديين أقل من المأمول. وربما أكون هنا غافلاً عن أسماء ذات قيمة لم أتعرف على منجزها كما ينبغي. ولذلك أرى أن المؤهل للكتابة عن منجز العموديين يُفترض أن يكون أقرب إليها مني. وأتمنى بالفعل أن أطالع قراءات نقدية تعرفنا على فرادة بعض الأصوات. ولكن ليس على الطريقة التي يُختصر فيها النقد بإعراب الفاعل. تجربة شاعر كجاسم الصحيح - مثلاً - إذا ما تم تقطيرها واستخلاص رحيقها بمعزل عن القصائد المناسباتية والاستطرادات المعمارية في مطولاته، فسنكون قبالة شاعر تصويري من العيار الثقيل. وسنكتشف جماليات مدهشة ولكنها مطمورة وسط كم من المشتبهات الشعرية. وهذا هو جوهر الشعر الذي يستحق المقاربة. وهذا هو أيضاً ما حاولته في منجز الثبيتي لتأوين «الثبيتية» كظاهرة وكمدرسة شعرية بعد نزع اللاشعري من تجربته. ولذلك أعتقد أن تجربة الصحيح تستحق ما هو أكثر من قراءة، إذ آن الأوان لملتقى نجتمع فيه بأوراق نقدية لفحص وقراءة جماليات منجز هذا الشاعر الظاهرة.



علي الطيب لـ«الشرق الأوسط»: لا أراهن على حجم الأدوار

الممثل المصري علي الطيب (حسابه على فيسبوك)
الممثل المصري علي الطيب (حسابه على فيسبوك)
TT

علي الطيب لـ«الشرق الأوسط»: لا أراهن على حجم الأدوار

الممثل المصري علي الطيب (حسابه على فيسبوك)
الممثل المصري علي الطيب (حسابه على فيسبوك)

قال الممثل المصري علي الطيب إن مشاركته ضيف شرف في فيلم «شكوى رقم 713317» للمخرج ياسر شفيعي لم تكن وليدة سبب واحد، بل جاءت نتيجة حالة فنية متكاملة لمسها منذ اللحظة الأولى، موضحاً أن وجود اسم كبير بحجم محمود حميدة ضمن فريق العمل شكّل دافعاً قوياً بالنسبة له، لما يمثله من خبرة وقيمة فنية، تمنح أي ممثل فرصة حقيقية للتعلم والتطور.

وأضاف علي الطيب لـ«الشرق الأوسط» أن «تعاونه المتكرر مع شركة (ريد ستار) المنتجة للعمل، الذي يعد الرابع بينهما، جعله يثق في المشروع منذ بدايته، خصوصاً لما لمسه من احترافية ورؤية واضحة في اختيارات الشركة»، مؤكداً أن هذه الثقة تُبنى عبر تجارب متراكمة.

وأوضح أن علاقته بالمخرج ياسر شفيعي تعود إلى فيلمه القصير «تدريبات قاسية لتحسين الأداء»، الذي حقق نجاحاً لافتاً وحصد جوائز عدة، وهو ما جعله متحمساً لرؤية تجربته الأولى في الفيلم الطويل من خلال «شكوى رقم 713317»، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل نقلة نوعية في مسيرة أي مخرج.

علي الطيب (حسابه على فيسبوك)

وأوضح أن عرض الفيلم بعدة مهرجانات بعد عرضه الأول في مهرجان «القاهرة السينمائي» بنسخته الماضية، يعكس قدرة العمل على الوصول إلى جمهور متنوع، مشيراً إلى أن «تفاعل الجمهور، سواء العربي أو الأجنبي، مع تفاصيل الفيلم ومواقفه الإنسانية، هو ما يمنح صناع العمل إحساساً حقيقياً بقيمة ما يقدمونه».

وأكد علي الطيب أن السينما تظل قادرة على تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية، وهو ما لمسه بنفسه خلال العروض الدولية، بعدما وجد أن الجمهور غير العربي يتفاعل مع القصة ويفهم أبعادها الإنسانية، معتبراً أن هذا النوع من التواصل يمثل جوهر الفن الحقيقي؛ لكون هذه المشاركات الدولية تفتح آفاقاً جديدة أمام الممثل، وتجعله أكثر وعياً بطبيعة الجمهور وتنوعه.

وحول مشاركته في الدراما الرمضانية بمسلسل «فرصة أخيرة»، وصف علي الطيب تعاونه مع المخرج أحمد عادل سلامة بالتجربة المختلفة والمليئة بالتحديات، واصفاً العمل بأنه «ورشة تمثيل كبيرة»، في ظل وجود مجموعة من الممثلين الذين يسعون جميعاً لتقديم أفضل ما لديهم.

وأضاف الطيب أن ضغط الوقت قبيل شهر رمضان، يظل من أبرز الصعوبات التي تواجه الفنانين؛ لكون التصوير يتطلب جهداً مضاعفاً لإنجاز العمل في وقت محدود، مما يضع الجميع تحت ضغط كبير.

وأوضح علي الطيب أنه يسعى دائماً إلى كسر نمطية الأدوار التي يقدمها، بعد تقديمه شخصية الضابط أكثر من مرة، مما دفعه للبحث عن تفاصيل مختلفة داخل كل دور، حتى لا يقع في فخ التكرار، معتبراً أن التحدي الحقيقي بالنسبة له هو إيجاد زاوية جديدة لكل شخصية، حتى لو بدت تقليدية في ظاهرها.

علي الملصق الترويجي لمسلسل «فرصة أخيرة» (حسابه على فيسبوك)

وأكد أن اختياراته الفنية لا تقوم على فكرة البطولة المطلقة أو الجماعية، بل على جودة المشروع نفسه، موضحاً أن السيناريو يظل العنصر الأهم بالنسبة له، إلى جانب المخرج وشركة الإنتاج، لذا قد ينجذب أحياناً للعمل مع مخرج شاب أو في بداياته، إذا لمس لديه الشغف والرؤية؛ لأن هذه العناصر تصنع الفارق الحقيقي في أي عمل فني.

وتحدث عن مشاركته في مسلسل «شاهد قبل الحذف» مع المخرج محمد أسامة، موضحاً أنه يجسد خلاله شخصية «حسن»، الشاب البسيط القادم من حي «شبرا»، الذي يعمل في «كول سنتر»، قبل أن تقوده الظروف إلى مسار مختلف تماماً، عقب تعرضه لأزمة تدفعه لتحمل مسؤوليات لم يكن مستعداً لها، وهو ما يضعه في صراعات نفسية وإنسانية معقدة.

وأضاف أن هذه النوعية من الأدوار تستهويه؛ لأنها تتيح له الغوص في تفاصيل إنسانية عميقة، بعيداً عن القوالب الجاهزة، مؤكداً أن الجمهور أصبح أكثر وعياً، ولم يعد ينجذب بسهولة إلى الشخصيات النمطية، بل يبحث عن الصدق والتفاصيل الحقيقية.

وفي سياق آخر، كشف عن خوضه تجربة الكتابة للمرة الأولى، مؤكداً أن هذه الخطوة جاءت بشكل طبيعي، بعد سنوات من التفكير وتدوين الأفكار، دون نية واضحة في البداية لتحويلها إلى أعمال فنية، لافتاً إلى أنه «بدأ يشعر برغبة حقيقية في تطوير هذه الأفكار، وتحويلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، مما دفعه للتعاون مع السيناريست أحمد السجيني في مشروع فيلم جديد».

مع مخرج الفيلم وبطليه محمود حميدة وشيرين (حسابه على فيسبوك)

واعتبر أن هذه التجربة تمثل تحدياً جديداً بالنسبة له، لأنها تضعه في موقع مختلف تماماً عن التمثيل، حيث يتعامل مع البناء الدرامي من زاوية أوسع، تشمل الفكرة والشخصيات والتفاصيل، مؤكداً أن الكتابة تحتاج إلى صبر ورؤية عميقة، وهو ما يسعى لتطويره خلال هذه المرحلة.

وأوضح أن دخوله مجال الكتابة لا يعني الابتعاد عن التمثيل، بل يضيف إلى أدواته كونه فناناً، ويمنحه فهماً أعمق للشخصيات التي يجسدها، مؤكداً أن هذه التجربة ستنعكس بشكل إيجابي على اختياراته المستقبلية.


غابي حويك يعود إلى الشانسونييه: الضحكة حاجة في زمن الأزمات

تُعرض المسرحية في «فيللا في» مساء كلّ جمعة بمنطقة برمانا (صور غابي حويك)
تُعرض المسرحية في «فيللا في» مساء كلّ جمعة بمنطقة برمانا (صور غابي حويك)
TT

غابي حويك يعود إلى الشانسونييه: الضحكة حاجة في زمن الأزمات

تُعرض المسرحية في «فيللا في» مساء كلّ جمعة بمنطقة برمانا (صور غابي حويك)
تُعرض المسرحية في «فيللا في» مساء كلّ جمعة بمنطقة برمانا (صور غابي حويك)

«نحتاج إلى الابتسامة والضحكة في لبنان أكثر من أي وقت مضى»، بهذه العبارة يستهلّ الممثل الكوميدي غابي حويك حديثه لـ«الشرق الأوسط»، معلناً عن مسرحيته الجديدة «غابي حويك كوميدي شو 2026».

ومن خلال هذا العمل، يعود إلى خشبة الشانسونييه الهزلي الساخر، بعد غياب امتد لأكثر من 5 سنوات. ففي عام 2020، تعرَّض لوعكة بعدما أُصيب بورم حميد في الرأس؛ ممّا تسبَّب في مضاعفات أجبرته على التوقّف عن العمل مدةً طويلة.

غابي حويك يعود بعد غياب إلى خشبة الشانسونييه (صور الممثل)

واليوم، يعود بزخم كبير بعد استعادة صحته بالكامل، ليقدّم عرضه الجديد على خشبة مسرح «فيللا في» في برمانا، مساء كلّ جمعة، على أن ينتقل لاحقاً إلى عدد من المهرجانات والحفلات الموسمية خلال الصيف.

ويوضح أن إضافة «عام 2026» إلى عنوان المسرحية جاءت لتأكيد انطلاقته الجديدة بعد الغياب. ويقول: «استعنت بفريق من المواهب الكوميدية الشابة واللافتة؛ لأنّ غالبية أعضاء فريقي السابق مرتبطون بأعمال أخرى تحول دون مشاركتهم معي. ومع ريتا غصن وأنطوني فاخوري نشكّل فريقاً منسجماً وخفيف الظلّ».

وعن الصفات التي يبحث عنها في الممثل الذي يشاركه الخشبة، يوضح: «خفّة الظلّ عنصر أساسي في الممثل الكوميدي؛ لأنها تساعده على كسر الحواجز سريعاً مع الجمهور. هذه الموهبة (لا تُكتسب بسهولة)، بل هي جزء من شخصية الإنسان. يجب أن يشعر الجمهور بألفة فورية مع الممثل، فتولد بينهما كيمياء خاصة تختصر الوقت والمسافات». ويشير إلى أنّ العثور على هذه المواهب يتطلَّب منه بحثاً طويلاً ودقيقاً، لكنه نجح في تسليط الضوء على أسماء جديدة تستحقّ الفرصة.

ويمتدّ العرض نحو ساعتين، ويتناول موضوعات مستوحاة من الواقع اللبناني الراهن. ويشير حويك إلى أنّ اختيار موضوعات مناسبة في ظلّ تراجع عروض الشانسونييه لم يكن مهمّة سهلة، مضيفاً: «غالبية الأفكار تنبع من يومياتنا، ومن المشهدين الفنّي والسياسي اللذين يطبعان حياتنا. كما أن وجود ريتا وأنطوني أتاح توسيع مساحة التقليد والمشاهد الكوميدية».

مشهد من مسرحية «غابي حويك كوميدي شو 2026» (صور الممثل)

ويكشف عن أنّ ريتا غصن ستقدّم فقرة تُقلّد فيها الفنانة هيفاء وهبي، فيما يؤدّي أنطوني فاخوري شخصيات فنّية أخرى. وتتحوّل ريتا في أحد المَشاهد إلى نجل الفنان فضل شاكر، ضمن اسكتش كوميدي يدور في أجواء مخيم عين الحلوة، حيث عاش الأخير مدّة طويلة.

وعن التحدّيات التي رافقت عودته بعد انقطاع طويل، يقول: «لم يكن من السهل العودة إلى أجواء الشانسونييه بعد كلّ هذه السنوات. صحيح أنني شاركت ضيفَ شرف في بعض العروض، لكن ذلك لم يكن كافياً. كما أن ابتعادي عن شاشات التلفزيون والإطلالات الإذاعية طيلة هذه المدّة ترك أثره عليّ، وجعل أي ظهور إعلامي جديد تحدّياً بالنسبة إليّ».

ويؤكد حويك أنه خلال أزمته الصحية لم يفقد الأمل يوماً، مضيفاً: «في الأزمات علينا التمسُّك بالأمل والإيمان كي نتجاوزها بعيداً عن السلبية».

وعن المقارنة بين مسرح الشانسونييه الذي تراجع حضوره أخيراً، و«ستاند أب كوميدي» الذي يشهد انتشاراً واسعاً، يقول: «لا أعتقد أنّ أي نوع كوميدي يمكن أن يحلّ مكان الشانسونييه. لقد جرّبتُ النوعين، ووجدتُ أنّ للشانسونييه نكهته الخاصة. ومع تراجع هذا النوع من العروض، شعرتُ بأنّ هناك مساحة كبيرة لأفكار جديدة في عملي الحالي».

ومن بين الفقرات التي يتضمّنها العرض، يُخصّص حويك اسكتشاً تكريمياً للفنان الراحل ملحم بركات، ويقول: «أستحضره على المسرح وكأنه يأخذ استراحة قصيرة؛ لأنه كان يحب هذا النوع من المسرح».

كما تتناول المسرحية موضوعات مرتبطة بظواهر مُعاصرة، مثل تطبيق «تيك توك»، وظاهرة «اللايف كوتش» المُنتشرة أخيراً، إلى جانب ملفات سياسية واجتماعية وفنّية راهنة. كذلك تتضمَّن مَشاهد ساخرة تجمع بين مايك فغالي والوزير اللبناني السابق جبران باسيل ضمن حوار كوميدي ساخر.

استعان بمواهب جديدة من بينها ريتا غصن (صور غابي حويك)

أما غابي حويك، فيطلّ خلال العرض عبر تقليد مجموعة من الشخصيات المعروفة، من بينها جبران باسيل ومورغان أورتيغاس. ويوضح في هذا السياق: «أقدّم مورغان أورتيغاس عروساً تسأل عن عريسها أنطوان الصحناوي، وما إذا كان ابن بيت ويملك منزلاً، وغيرها من المواصفات التقليدية التي تُطلب في العريس اللبناني. وفي النهاية نحتفل لها بزفّة لبنانية بمناسبة زواجها المرتقب منه».

ويشير إلى أنه خلال ابتعاده القسري عن الساحة الفنّية، حرص على متابعة العروض المسرحية، مضيفاً: «كنتُ أظنُ أنّ موجة الـ(ستاند أب كوميدي) ستقضي تدريجياً على مسرح الشانسونييه، لكنني اكتشفت أن الواقع مختلف تماماً».


فرنسيس الأسيزي بين الأمس واليوم... روسيليني واستحالة البراءة الحديثة

كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)
كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)
TT

فرنسيس الأسيزي بين الأمس واليوم... روسيليني واستحالة البراءة الحديثة

كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)
كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)

800 عام على ولادة القديس الإيطالي فرنسيس الأسيزي تبدو كأنها زمنٌ يكفي كي يتحوّل إنسان إلى أسطورة أو صورة دينية مُعلّقة على جدار كنيسة. وإنما العودة إلى فيلم «فرانشيسكو، ملاك الله» للمخرج روبرتو روسيليني ضمن أسبوع احتفالي نظّمته سينما «متروبوليس» في بيروت، تُعيد النظر في الطريقة التي يمكن للسينما أن تقترب فيها من القداسة من دون أن تغرق في التبجيل أو تُحوّل الشخصية إلى رمز جامد خارج الحياة.

فيلم هادئ عن عالم فَقَد هدوءه (IMDb)

كان روسيليني (1906 - 1977) من أبرز الأصوات التي صنعت الواقعية الإيطالية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية، حين خرجت السينما من الاستوديوهات إلى الشوارع والوجوه المُتعَبة ويوميات الناس البسطاء. اهتمّت هذه السينما بالفقر والانكسار والجروح الإنسانية، مُستخدمةً مواقع تصوير غير مُصطَنعة وممثلين خارج نجومية الشاشة أحياناً، في محاولة لالتقاط الحقيقة كما هي. بين أبناء هذه الحركة، بدا روسيليني الأكثر ميلاً إلى تحويل الواقعية من موقف اجتماعي فقط إلى بحث أخلاقي وروحي في معنى الإنسان بعد الخراب.

الفيلم الذي أُنجز عام 1950، وعُرض ضمن مجموعة أفلام تناولت القديس فرنسيس، لا يُشبه الأعمال الدينية المألوفة التي اعتادت صناعة البطولات الروحية عبر الموسيقى المُتصاعدة والانفعالات الثقيلة والوعظ المباشر. روسيليني اقترب من الشخصية بطريقة تكاد تكون مُعاكسة تماماً لفكرة السيرة السينمائية. التقط شذرات من حياة جماعة صغيرة تمشي في الحقول وتضحك أحياناً وتجوع أحياناً أخرى، وتحاول أن تعيش الفقر على أنه خيار روحي وليس عقاباً. لم يصنع دراما عن رجل غيَّر العالم.

8 قرون مرَّت ولا يزال العالم يبحث عن السلام نفسه (IMDb)

يبدو الفيلم كأنه يرفض الإغواء منذ مَشاهده الأولى. الحبكة لا تجعل المُشاهد أسير الانفعال العاطفي. فالإيقاع بطيء إلى حدّ يكاد يستنزف صبر المُتفرّج المُعاصر. جمالها في أنها لا تُظهر فرنسيس بطلاً مركزياً يبتلع الشاشة. يذوب وسط الرهبان الآخرين، كأنّ روسيليني أراد إسقاط فكرة البطل لمصلحة روح جماعية تقوم على البساطة والطاعة والفرح الداخلي.

الفيلم مختلف وقاسٍ. اختلافه في محاولته تحرير السينما الروحية من المَسْرحة الدينية الرائجة. وقسوته أنّ هذا التحرير يجعل الفيلم اليوم يبدو خارج الزمن، أو على الأقلّ خارج الحساسية البصرية والنفسية للمُشاهد المُعاصر.

المتفرّج الحالي ابن عالم مختلف تماماً. عالم قائم على السرعة والتحليل النفسي والتناقضات الحادّة داخل الشخصيات. اعتادت السينما الحديثة الحَفْر في العنف الداخلي والرغبات المكبوتة والتمزُّق الإنساني. أمّا روسيليني، فيتعمَّد الابتعاد عن هذه المناطق. شخصياته شفَّافة إلى حدّ كبير، تكاد تتحرَّك بخفّة روحية منفصلة عن ثقل الجسد وأسئلته. لهذا يشعر كثيرون اليوم بأنّ الفيلم جميل بصرياً لكنه بعيد عاطفياً. كأنّ المتفرّج يكتفي بمشاهدة حياة لا يستطيع لمسها.

القداسة عند روسيليني تتحرَّك في مساحة البراءة أكثر مما تتحرَّك في مساحات الصراع. الرهبان يضحكون كثيراً ويتقبّلون الإهانة من دون غضب، ويتعاملون مع العالم بخفّة طفولية. هذه النظرة كانت تحمل بعد الحرب العالمية الثانية معنى أخلاقياً عميقاً. أوروبا المُثقَلة بالجراح كانت تبحث عن نقاء ما وطريقة للتخفُّف من العنف الذي التهم القارة. لذلك بدا فرنسيس في سينما روسيليني أشبه باقتراح أخلاقي لاستعادة الإنسان.

القداسة عند روسيليني تُشبه البساطة أكثر من المعجزة (IMDb)

اليوم، بعد عقود طويلة من الحروب والانهيارات النفسية والاغتراب الحديث، لم يعد هذا الصفاء يُقنِع بسهولة. المُشاهد الحالي يريد رؤية الجرح وليس صورته المُصفَّاة فقط. يريد الاقتراب من تناقضات الإنسان وانكساراته، وليس من روحه بعدما بلغت السلام. بذلك تتشكَّل المسافة التي يخلقها الفيلم مع جزء من جمهوره المُعاصر. إنه عمل يُحتَرم أكثر مما يمكن الشعور به عاطفياً.

ومع ذلك، يبقى له أثر خاص يتجاوز بروده الظاهري، خصوصاً حين يُعرض في بيروت الآن. فاختيار إعادة هذه الأعمال إلى الشاشة في لحظة لم يتعافَ فيها لبنان من الحرب، يحمل معنى يتعدَّى الاحتفاء السينمائي.

في كلمتها الافتتاحية، تحدَّثت مديرة «متروبوليس»، هانيا مروّة، عن الرغبة في استعادة فكرة السلام في أيام لا تزال مشبَّعة بالخوف والمجهول. بدا كأنّ المدينة المُتعَبة من صُور الموت والقلق تحاول أن تسترجع قدرتها على التأمُّل ولو عبر فيلم أبيض وأسود عن رجل اختار الفقر والسكينة قبل 8 قرون.

قد لا يندمج المُشاهد المُعاصر بالكامل مع عالم روسيليني الزاهد والمُتحرّر من الإبهار. وقد يشعر بأنّ العمل ينتمي إلى زمن آخر. وإنما إعادة عرضه اليوم تستدعي التمهُّل أمام علاقتنا نحن بفكرة السلام. كأنّ الفيلم يكشف من دون أن يقصد عن حجم التحوّل الذي أصاب الإنسان الحديث. لم نعد نعرف كيف ننظر طويلاً إلى البساطة ولا كيف نمنح البطء وقته، ولا كيف نُصدّق أنّ الخفّة قد تكون موقفاً أخلاقياً في وجه عالم يزداد عنفاً يوماً بعد يوم.